يشهد على عبقرية شكسبير أن الكثير جدًّا من الإنجليز راضون بقبوله مؤرِّخًا لهم، وأعظمَ كاتب مسرحي لديهم. وهم يعرفون أن أعماله التاريخية تستند إلى مصادر مشكوك فيها وتحتاج بلا ريب إلى الكثير من التصحيح الأكاديمي، ولكن من المؤكد أنه يمكن القول إن خيال شكسبير لا يزال أقوى بكثير من حقائق المؤرخين.

هذا ينطبق بشكل خاص على المسرحيات الثلاث التي تقدم لنا نسخة شكسبيرية من حياة وشخصية هنري من مونماوث كأمير ويلز وكَمَلِكِ إنجلترا. أين أخطأ شكسبير في حقائقه، وإلى أي درجة كان تصويره النهائي لهنري الخامس مضلِّلًا؟

توجد أربع مجموعات من القصص ظهرت في مسرحيات شكسبير تتناول الفترات الأولى من حياة هنري الخامس؛ الأولى: هي تلك القصص المتعلقة بعلاقة الأمير بوالده الملك هنري الرابع، والثانية: هي تلك القصص التي تُصوِّر الأمير كرفيق سُوءٍ لأراذل الفاسدين، والثالثة: هي تلك القصص التي تؤكد أن الأمير لم يكن يلتزم بالقوانين.

أما الرابعة فهي تلك القصص التي تعطينا صورة الأمير المنغمس في الملذات، الذي تحوَّل فجأة عند ارتقاء العرش إلى شخصية متزمتة لا تشوبها شائبة. وأخيرًا، توجد مسرحية شكسبير الكاملة حَوْل سيرة هنري الخامس وشخصيته كملك. فإلى أي مدًى تتناقض الدراما مع التاريخ في كل هذه الأعمال؟

من الواضح تمامًا أن هنري ووالده لم يتفقا في المسائل الدبلوماسية. اصطاد كلاهما في الماء العَكِر في فرنسا، ولكن بينما فضَّل الملك تحالفًا مع الأرمانياك، فضَّل الأمير تحالفًا مع البورجنديين، وخاضَا كلٌّ بدَوْرِه تدخُّلًا مسلحًا دعمًا لحليفه الفرنسي المفضل.

كان هذا اختلافًا معقولًا في الرأي، ولكن شكسبير ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير؛ إذ يقودنا إلى الاعتقاد بأن الأمير هنري وهوتسبير كانا خصمين من الفئة العمرية نفسها، وأن هنري الرابع كان في كثير من الأحيان يقارن فضائل هوتسبير مع أوجه القصور لدى ابنه البِكْر، وأن الأمير هنري لم يستردَّ كرامته إلا عندما قتل هوتسبير في نزال شريف على أرض معركة شروزبري.

الحقيقة هي أن هوتسبير كان أكبر من الأمير بما لا يقل عن عشرين عامًا، وأن الأمير هنري لم يُظهِر أي شيء إلا أعظم احترام للقائد المحنَّك الذي كان أستاذه وقائده، والذي علمه الكثير من أمور العسكرية في الحملات الويلزية ضد جليندور، وأنه لو كان الأمير بالفعل قتل قائده ذا الخبرة في شروزبري، لكانت تلك الواقعة قد وجدت مكانًا بالتأكيد في سجلات التاريخ المعاصر، ولكن لا توجد أي إشارة إلى هذه القصة قبل العصر التيودوري.

وفي نهاية مسرحية شكسبير الثانية حول هنري الرابع يوجد مشهد شهير يضع فيه الأمير التاج على رأسه ويمضي بعيدًا ظانًّا أن أباه مات. ومرة أخرى، تصمت السجلات التاريخية المعاصرة عن تلك الواقعة. واقتبس المؤرخ هال من العصر الإليزابيثي — الذي كان شكسبير يأخذ عنه — قصة مشابهة جدًّا كان المؤرخ البورجندي مونستورليه يرويها وأدخل عليها تحسينات، وهي بدورها لا سند لها.

إن «مشهد التاج» مشهد مسرحيٌّ رائع، ولكنه خيالي. ومع ذلك، فهو قريب من حقيقة الأحداث؛ فخلال سنوات هنري الرابع الأخيرة التي أثقله فيها المرض، لا بد أن ابنه البِكْر فكَّر كثيرًا في طريقة انتقال تاج إنجلترا إليه.

كان هنري الرابع طوال فترة حكمه يعاني من وخز الضمير؛ فقد اغتصب التاج، وكان مسئولًا عن مقتل ملك شرعي متوَّج من قِبَل الكنيسة، وإعدام رئيسِ أساقفة محبوبٍ، وكان مُتَخوِّفًا دومًا من تهديدات سلامته.

كان آل مورتيمر هم الورثةَ الشرعيين لريتشارد الثاني، وكان يوجد مخلصون لريتشارد الثالث تمسكوا باعتقادهم بأن ريتشارد كان لا يزال على قيد الحياة في اسكتلندا، وكانت توجد انتفاضة وطنية في ويلز لها ما يربطها بالأعداء في فرنسا وفي اسكتلندا وفي إنجلترا، وكان هناك فصيل نورثمبرلاند بأكمله، الذي زعم أن هنري بولينجبروك قد حنث بالقَسَم المقدس، والذي كان غاضبًا عندما ساعد البارون نفسه للوصول إلى عرش إنجلترا، في حين أنه كان مستعدًّا لمساعدة بارون صديق على استعادة إرثه.

في المقابل، كان ضمير الأمير هنري مستريحًا، وكانت يداه نظيفتين من الدماء. وليس من المستغرب أن أكثر الناس اهتمامًا بترسيخ حكم أسرة لانكستر ينبغي أن يتطلعوا على الأقل إلى ارتقاء الأمير للعرش، ولكن لا يوجد دليل قاطع على أنهم كانوا على استعداد للتعجيل بذلك، أو أن الأمير نفسه قد وافق على أي عمل من هذا القبيل.

ولا يمكن إثبات أو نفي أن الأمير هنري حافظ على رفقة السوء، ولكن يمكن الجزم بأن شخصِيَّتَيْ فالستاف وباردولف اللتين قدمهما شكسبير مجهولتان في التاريخ. وكان يوجد السير جون فاستولف من كيستر في نورفولك، الذي عاش بين عامي ١٣٧٨ و١٤٥٩ وكان جنديًّا بارعًا ومستشارًا في مجلس شورى الملك، ونبيلًا ثريًّا، وإن كان بخيلًا إلى حدٍّ ما، والذي أجرى مُراسلات كثيرة مع جيرانه المُضجرين والمُشاكسين؛ آل باستون من نورفولك.

وكان يوجد أيضًا السير جون فاستولف من ناكتون في سوفولك، غير أنه لم يَحمِل أيٌّ من آل فاستولف أدنى تشابُه مع السِّكِّير المتبجح فالستاف. أما بالنسبة لِلِّص المنتهك للمقدسات باردولف، فكان يوجد بالفعل السير توماس باردولف، لكنه كان فارسًا وفيًّا، وكان يوجد أيضًا السير توماس باردولف الذي لم يكن وفيًّا بالدرجة نفسها؛ إذ توفِّي متأثرًا بجراحه التي تلقَّاها أثناء قتاله من أجل فصيل نورثمبرلاند في معركة بريمهام مور، ولكن السجلات التاريخية لا تحكي سوى عن جندي — لم يُكشف عن اسمه — أُعدم شنقًا أمام رفاقه لسرقته حُق القربان المقدس من إحدى الكنائس أثناء الزحف إلى أجينكورت.

بهذه التفاصيل يبدو أن شكسبير اقتبس عشوائيًّا من مسرحية سابقة تحظى بشعبية كبيرة كتبها مؤلف مجهول بعنوان «انتصارات هنري الخامس الشهيرة»، التي كان فيها الصديق المقرب من الأمير هو السير جون أولدكاسل. كان ذلك أقرب للحقيقة؛ إذ كان أولدكاسل بالفعل صديقًا للأمير، ولكن شخصيته كفارس — وفيما بعد كشهيد لجماعة اللولارد — اختلفت تمامًا عن وصف شكسبير لعِرْبيد داعر في حانة بورز هيد تافرن في إيستشيب.

هل وقع الأمير هال في أي وقت في مشكلات مع القانون؟ في عام ١٥٣١، نشَر السير توماس إليوت لأول مرة كتابه الشهير «كتاب باسم الحاكم»، وكان فيه أول ذِكْر لأسطورة أن الأمير هنري ورفاقه من المجرمين رفضوا طاعة رئيس المحكمة العليا وهددوه بعنف دفاعًا عن أحد زملائهم، وعلى ذلك عاقب رئيس المحكمة العليا الأمير، وأمر بإيداعه سجن «كينجز بينش».

وتكررت القصة في يوميات ريتشارد ريدماين، التي كُتبت في حوالي ١٥٤٠. وفي يوميات كوفنتري، التي كُتبت في نهاية القرن السابع عشر، ورَد ذِكْر أن الأمير اعتُقل من قِبَل عمدة كوفنتري في عام ١٤١٢. وخضعت هذه القصص للدراسة بعناية في وقتنا الحالي من قِبَل محامٍ بارز، توصَّل إلى استنتاج قاطع بأنه لا يوجد أي سجل لأي حالة سِجْن للأمير بعد أن تفقَّد سجلات المحكمة والقضايا السنوية ذات الصلة، وأنه من المستبعد كثيرًا أنَّ أمرًا محزنًا للغاية كهذا الأمر لم يُسجل إذا كان قد حدث فعلًا.

من الممكن أن يكون مصدر هذه الأسطورة بالذات في يوميات لندن المعاصرة التي تذكر حادثة شغب في إيستشيب شارك فيها أخوان للأمير — توماس وجون — في «احتكاك» مع مواطني لندن. ويكرر المؤرخ الإليزابيثي جون ستو — الذي كتب في حوالي عام ١٥٨٠ — هذه القصة، وربما اشتملت تسوية حادثة الشغب على وجود قاضي صلح، وربما يكون الأمير هنري ضالعًا في الأمر، على الرغم من أن السجلات لا تشير إلى ذلك.

وأخيرًا، من الممكن أن قصة إليوت كانت نسخة خاطئة من حادثة حقيقية في عهد إدوارد الأول الذي عاقب ابنه البِكْر بالفعل لإهانة أحد وزراء الملك. وعن هذه الحادثة، حسَّن شكسبير من الحكاية؛ فقد رتَّب للأمير عندما أصبح الملك الصالح أنْ كافأ رئيس المحكمة المُهان (السير وليام جاسكوين) باستمراره في منصبه. أما ما حدث في الواقع فهو أن هنري الخامس أعفاه فورًا من منصبه. مرة أخرى التاريخ يفسد الخيال الدرامي.

توجد قصة موثقة على نحو أفضل بكثير، وهي أنه عندما ارتقى الأمير هنري العرش، أدار ظهره لماضيه السيئ السمعة، وأصبح رجلًا جديدًا يشتهر بالصلاح والتقوى. وضع توماس إلمهام مؤلَّفه «حياة هنري الخامس» في حوالي ١٤٤٥، وبعد أن عرَّف إلمهام مَلِكَه وبجَّله، قال على نحو لا لبس فيه إن الأمير «عاش حياة العربدة؛ فعندما كان شابًّا احترق بنيرانها، ولازمته سمات الوقاحة الأخرى في سنوات شبابه الجامح.»

كتب ليفيوس — الذي كان إيطاليًّا يخدم في منزل همفري دوق جلوستر والأخ الأصغر لهنري — روايته عن حياة هنري في وقت لم يتجاوز عام ١٤٣٧ بكثير، وأفاد بأن هنري كأمير «مارَس حياة العربدة وغيرها من أنواع اللهو في شبابه طوال فترة حياة والده.» وكان والسينجهام — الراهب المؤرخ من سانت ألبانز — شاهدًا معاصرًا حقًّا. وفي كلتا النسختين من يومياته يخبرنا بأنه عند ارتقاء الأمير للعرش «تحول إلى رجل مختلف»، وبالتالي يمكننا أن نستنتج دون شك أن «التواضع والصدق وجِدِّيَّة الهدف» التي تُنسب إلى الملك الجديد كانت مناقِضَة بشدة لعيوب الأمير.

مرة أخرى، في كتاب التاريخ بعنوان «ذا بروت»، ثمة إضافة مهمة يعود تاريخها إلى حوالي عام ١٤٧٣، فتكرر أن هنري — كأمير — «كان منغمسًا بشدة في العبث» و«منجذبًا لرفقة السوء»، ولكن استنكر أربعة من بلاطه ذلك، وبالتالي كرههم. وعند اعتلائه العرش، استدعى هنري جميع مَن في بلاطه للمثول أمامه، ونَبَذَ أهل حَظْوَته بعد أن «كافأهم بسخاء بالذهب والفضة وغيرهما من المجوهرات»، وبعد أن حثَّهم على إصلاح أخطاء ماضيهم.

ولم يُبْقِ في خدمته سوى على الأربعة الذين كان يكرههم سابقًا، و«الذين أصبحوا الآن أهل حَظْوَته»، وكافأهم بجعلهم من «اللوردات العظام»، وملأ بلاطه كله برجال من ذوي «الحكم الرشيد».

لا يمكن إسقاط هذه المجموعة الكبيرة من الأدلة أو تجاهلها؛ فالقتال في ويلز خلال فصل الصيف لم يكن مهمة سهلة، وخلال أشهر الشتاء — عندما تكون الجندية في تلك الأيام في الداخل والخارج مهجورة عادة — ليس من المستغرب أن يبحث وريث العرش عن الاسترخاء في حياة الدَّعة في لندن.

يمكن الاستدلال بصورة منطقية أن هذه التصرفات كانت جامحة جموحًا كبيرًا من حقيقة أن الكثير جدًّا من الأدلة المعاصرة تكلَّفت عناء نقد تصرفاته، ولكن إذا كان حكم التاريخ هنا يتفق مع شكسبير أن الأمير هنري في أيام شبابه ربما لم يكن قديسًا، فإنه يجب أيضًا تسجيل تفانيه في أداء واجباته كأمير — كمستشار ملكي وأحيانًا رئيس للمجلس الملكي عندما كان والده مريضًا — وهي أمور أوضحت جديته وتفانيه.

تحدثنا كثيرًا عن «الأمير» هنري في نظر شكسبير؛ فهل إذن صورته «للملك» هنري تتعارض مع الحقائق؟ تبدأ مسرحيته بالإشارة إلى أن تجدُّد الحرب الفرنسية كان كليًّا بسبب نصيحة أنانية من رجال الكنيسة الإنجليز؛ فقد كانوا يرغبون في صرف «جشع مجلس العموم» عن التفكير في مصادرة بعض ممتلكات الكنيسة في الخارج، وكان المفترض أن تخفف الإيرادات المشكلات المالية في الدولة.

لذا حثَّت الكنيسة الملك الجديد على تحقيق المجد والمكاسب المالية من غزو مملكة فرنسا الغنية كما فعل جده الأكبر إدوارد الثالث، ودفعوا بتفاصيل حول أن له حقًّا شرعيًّا في العرش الفرنسي.

لا يوجد أي دليل معاصر لدعم هذه القصة؛ فقد كانت الكنيسة الإنجليزية في هذا الوقت قومية بما يكفي لعدم الاستياء من حرمانها من الهبات الخارجية، ولكن إذا كانت الكنيسة لم تحثَّ فعلًا على الحرب، فإنها لم تفعل شيئًا لمنعها. أما بالنسبة لحق هنري الوراثي في التاج الفرنسي، فإن نسخة شكسبير كانت ستلقى قبولًا لدى هنري الخامس مع أنها لا تثير اهتمامنا. فإذا كان لمطالبة إدوارد الثالث بالعرش أية شرعية — وهي ليست لها أية شرعية — فإنها لا تئول إلى ابن هنري الرابع مغتصب العرش، بل إلى إيرل مارس الشاب.

مع ذلك، كان هنري الخامس طوال فترة حكمه — وحتى على فراش الموت — يعلن نفسه دون تردد الملك الشرعي لفرنسا. يصعب على العقل المعاصر إدراك أي شيء سوى خداع الذات والنفاق في موقف هنري، ولكن في عصر ينعدم فيه القانون كان صحيحًا بشكل متناقض أن الحقوق القانونية قابلة للأخذ والرد. وأقنع هنري الخامس نفسه دون شك أن مطالبة جده الأكبر بالعرش من خلال نسبه لإحدى النساء كانت صحيحة، وأنه عندما خلع والده ريتشارد الثاني عن العرش فإنه ورث حقوق إدوارد الثالث الشرعية كلها.

وفقًا لشكسبير، أثناء سعي هنري للمطالبة بحقه في فرنسا، تلقى هدية كرات التنس المشهورة من الدوفان (لقب للابن البِكْر لملك فرنسا). ورَدَّ هنري رده الشهير بأنه سوف يُحَوِّل كرات التنس تلك إلى قذائف مدفع، ويرد بهدية من شأنها أن تدمر بلاط أعدائه.

أفضل مرجع لهذه القصة هو يوميات جون ستريتش، التي يعود تاريخها إلى السنوات الأولى من فترة ابن هنري، ولكن على الرغم من أنها قصة لطيفة، فإنها مستبعدة؛ فعندما كان شارل السادس ملك فرنسا في رشده، لم يكن ليرغب في الحرب؛ وعندما فقد رشده، كان نوابه على استعداد لدفع ثمن كبير من أجل السلام. ولا توجد أية إشارة لكرات التنس في السجلات التاريخية الفرنسية المعاصرة أو في سجلات والسينجهام التاريخية الإنجليزية المعاصرة.

إنها تظهر بالفعل في قصيدة غنائية نُسبت إلى ليدجيت، وفي النسخة المنظومة من يوميات إلمهام وليس في النسخة النثرية منها، وفي يوميات أوتوربورن التي ظهرت في وقت أحدث. لا بد أن هذه الإهانة السافرة بالتأكيد كانت ستؤدي إلى اختلال العلاقات الدبلوماسية العادية، ولكن العكس هو الصحيح؛ فقد استمرت المفاوضات، وعندما تحدى هنري الخامس، في لفتة عكست ما يتصف به من فروسية، الدوفان في نزال فردي لتجنُّب سفْك الكثير من الدماء المسيحية من كلا الجانبين، لم يَرِدْ ذِكْر لتلك الإهانة الشديدة.

أما بالنسبة إلى نسخة شكسبير من مؤامرة ساوثامبتون فلا يمكن أن يوجد اعتراض جاد عليها؛ فهي تتبع على نحو معقول الحقائق المعروفة. ومن ناحية أخرى، شرح شكسبير للمؤامرة هو أن المتآمرين أذعنوا لرشوة من الذهب الفرنسي. وهذه القصة — التي تظهر في ذا بروت ولا تظهر في أي مكان آخر — اقتراح مستبعد وساذج؛ فقد كان يوجد في إنجلترا أسباب كافية للتحفيز على المؤامرة مرتبطة بالسلالة الحاكمة، وروابط كافية بالمعارضة البارونية دون الحاجة إلى رِشًا من الخارج.

يتمثل التفسير الأكثر ترجيحًا للمؤامرة في أنها كانت فصلًا مأساويًّا مبكرًا من هذا «التقليد الشيطاني لإراقة الدماء» (كما صاغها ستابس)، الذي يعود أصله إلى قلعة بونتفراكت، وغذتها دماء معركة شروزبري، وأدت إلى ما نسميه الآن «حرب الوردتين».

كان حصار هارفلور في النسخة الشكسبيرية انتصارًا مجيدًا، لكنه كان في الحقيقة كارثة؛ فالأسطول الكبير الذي أبحر من الساحل الجنوبي في أغسطس ١٤١٥ انخفض عدده في خمسة أسابيع إلى الثلث على الأقل؛ بسبب الدوسنتاريا أكثر مما كان بسبب الأعداء، وفي مقابل التفاؤل الذي حملته مراسلات هنري العسكرية إلى لندن، يوجد تقرير لشاهد عيان بأن هنري ثارت ثائرته عند سماع أخبار حالات الفرار العديدة من الجندية.

من ناحية أخرى، نقل شكسبير الزحف إلى أجينكورت والمعركة ذاتها ببراعة؛ فليس انتقادًا له أن التقييم الحديث سيرى هذا الزحف حماقة عسكرية حتى لو كان مجديًا من الناحية السياسية، والمعركة ذاتها معجزة من حسن الحظ، وشاهدة على تفوُّق الأقواس الطويلة على القوس المستعرضة، وحماقة الفرنسيين المقاومة للتغيير.

أحد أكثر مقاطع المسرحية جاذبية هو ذاك الذي يصور اختلاط الملك برجاله متخفيًا. وبطبيعة الحال، لا توجد أدلة وقائعية لإثبات أو دحض هذا الأمر، ولكن توجد أدلة وافرة على أن هنري — على غرار جميع القادة العظام — كان لديه شعور عميق بالمسئولية عن رفاهة عامة جيشه.

وتشمل مسرحية شكسبير الواقعة عندما تجرَّأ السير والتر هانجرفورد على التفوه على مسمع من الملك بالفكرة التي يجب أن تكون قد طرأت على عقل كل شخص عاقل في جيش هنري؛ «لَيْتَه كان معنا ١٠ آلاف من الرماة الإنجليز الماهرين؛ كانوا سيدعموننا بكل سرور اليوم.» صحيح أنه ينسب الواقعة إلى إيرل ويستمورلاند على سبيل الخطأ، ويتجاهل حقيقة أن هانجرفورد هو مَن طلب الرماة؛ لكنه يصوغ جوهر الأمر في قالب شعري خالد.

كذلك تتضمن المسرحية إصدار هنري أمرًا بقتل السجناء. ويبدو أن كاتب المسرحية يدرك أنه أمر سيكون مختلَفًا عليه للأبد. ويعتقد فلوِيلين أنه «مخالف لقانون الجيوش بوضوح»، و«شَرٌّ لأبعد حدٍّ»، ولكن جاور يعتقد أن الملك تصرَّف «باقتدار … يا له من ملك شجاع!»

كانت المسرحية تتطابق مع التاريخ على نحو معقول، ولكنها الآن بدأت تختلف عنه؛ فالفاصل الغنائي بين الفصلين الرابع والخامس يحاول التماس العذر لضغط كاتب المسرحية أحداثَها، ولكن يتشكل لدى الجمهور انطباع أنه سرعان ما أُتبِعَت معركة أجينكورت بمعاهدة تروا، وزواج هنري من محبوبته كاثرين، ووصايته على عرش فرنسا، ثم ارتقائه إياه. أما ما حدث في الواقع، فهو أن حملة هنري الثانية الشاقة على فرنسا — من ١٤١٧ إلى ١٤١٩ — هي التي كشفت عن شخصيته كقائد من معدن جديد، ومهدت الطريق إلى تروا.

كانت استراتيجيته في ذاك الوقت ممتازة، وللمرة الأولى كانت حملة إنجليزية إلى فرنسا أكثر من مجرد غارة أو «إضرام للنيران وسلب للممتلكات»؛ فكانت حملة استراتيجية رائعة قادها هنري شخصيًّا. ونتج عنها فتح نورماندي، وفي العام التالي كان مقتل دوق بورجوندي على جسر مونترو على يد الأرمانياك هو ما توَّج استراتيجية هنري أخيرًا بالنجاح.

منحته هذه الاستراتيجية الوصاية على عرش فرنسا، والزواج من كاثرين، ووعدًا أخيرًا بتاج فرنسا فعليًّا؛ فكانت إنجازًا متألقًا، غير أن ثلثي فرنسا كانا لا يزالان في أيدي الأرمانياك؛ وجيوش الأرمانياك ظلت عَصِيَّة على الهزيمة؛ بل إن كثيرًا من معاقل الأرمانياك — حتى شمال باريس — كانت لا تزال صامدة.

ولذلك أمضى هنري السنتين الأخيرتين من حياته في حرب حصار مكلِّفة ومُنهِكة هدفت إلى حماية باريس وتوطيد النفوذ الإنجليزي والبورجندي شمال لوار. في الواقع، كان بطلًا محبطًا وحزينًا للغاية لَفَظَ أنفاسه الأخيرة بعد سبع سنوات من أجينكورت في قلعة فينسين بالقرب من باريس، في سِنٍّ صغيرة بلغت خمسًا وثلاثين سنة.

سيكون من السخف أن نتوقع أن يُضمِّن كاتب مسرحي كل الأحداث في السيرة الملكية، لكن شكسبير أغفل الكثير من الأحداث العظيمة؛ إذ يتجاهل مؤامرة جماعة اللولارد، وزيارة الإمبراطور سيجيسموند، وانتصار هنري الدبلوماسي في مجمع كونستانس، ووفاة كلارنس في هزيمة بوج، وسلسلة طويلة من الحصارات التي أظهرت هنري في مظهر سيد حرب الحصار البارع، وصاحب عبقرية في تخطيط الحرب، ولكن شكسبير كان يكتب لجمهور في العصر الإليزابيثي؛ فكان يقدم لهم صورة مثالية من عصر تيودور لفارس شجاع، وأعطاهم ما يريدون.

الأساطير المقدسة — الصادقة في جزء منها والخيالية تمامًا في معظمها — قدَّمَتْ لنا بعضًا من أعظم أبيات شكسبير الشعرية، وعلى الأقل مشهدًا دراميًّا رائعًا واحدًا؛ لهذا يجب أن يكون المؤرخون مُمْتنِّين، ولكن يَحقُّ لهم أيضًا أن يطلبوا تعريف طلاب الأدب بالحقائق، ويجب أيضًا على برامج المسرح أن تُحذِّر الجماهير من أن الكثير مما يرونه محض خيال.

أخيرًا، هل أخطأ شكسبير في تقدير جمهوره بتكرار قصة تصوِّر بطله في تعامله مع أصدقائه القدامى بلؤم وغطرسة، حتى إذا كانوا غير جديرين به؟ «أنا لا أعرفك، أيُّها الرجل العجوز.» لَهُوَ أكثرُ أبيات شكسبير الشعرية الباعثة على الحزن.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.