يوافق شهر يوليو عام ٢٠١٤ الذكرى الستين لنصرٍ رياضي لعب دورًا مهمًّا في إعادة تأهيل ألمانيا عَقِب الحرب العالمية الثانية. لم يتوقع سوى قلة قليلة من المراقبين إمكانية تحقيق فريق ألمانيا الغربية لكرة القدم فوزًا عند لقائه بالفريق المجري الذي كان يحظى بتقدير كبير، والذي عرف بلقب «المجريين العظام»، بقيادة فيرينتس بوشكاش، تحت الأمطار المنهمرة في نهائي كأس العالم في استاد فانكدورف في برن في الرابع من يوليو عام ١٩٥٤. لم يكن لدى الألمان، خلافًا للمتعارف عليه حاليًّا، تاريخٌ طويل في كرة القدم العالمية حتى ذلك الوقت. على الجانب الآخر كان المجريون يمثلون «الفريق الذهبي» لفترة ما بعد الحرب؛ حيث لم يتعرضوا لهزيمة على مدى أربع سنوات، وتغلَّبوا على إنجلترا مرتين أثناء الاستعدادات للبطولة التي أُقِيمت في سويسرا.

كابتن فريتز فالتر (يحمل كأس جول ريميه) ولاعب خط الوسط هورست إيكل يحملهما                        المشجِّعون على الأعناق.
كابتن فريتز فالتر (يحمل كأس جول ريميه) ولاعب خط الوسط هورست إيكل يحملهما المشجِّعون على الأعناق.

في البطولة كان فوز ألمانيا الغربية اللافت للنظر ٢/٣ (رغم تقدم الفريق المنافس عليها عَقِب عشر دقائق من بدء المباراة ٠/٢) بلا منازع أكبر حدث رياضي مثير منذ عام ١٩٤٥. ليس هذا فحسب، بل كانت هذه أول مرة منذ نهاية الحرب التي يشعر فيها الألمان أنهم يستطيعون التعبير بشجاعة عن اعتزازهم بوطنهم في إنجازٍ يمثِّل سببًا مشروعًا للاحتفال، ولا تبدو له أية علاقة بالماضي النازيِّ القريب. قال المعلق الإذاعي لألمانيا الغربية؛ هربرت تسيمرمان، تعليقًا على المباراة: «لقد انتهت المباراة! انتهت! انتهت! ألمانيا هي بطل العالم.» وفي هذا السياق يبدو أن كلماته — التي تضاهي في ألمانيا شهرةَ كلمات كينيث ولستنهولم في إنجلترا عندما قال: «يعتقدون أن المباراة قد انتهت.» — لم تكن تشير إلى نتيجة المباراة فحسب، بل أيضًا إلى وعْد بانتهاء حالة المعاناة والذل التي عاش فيها الألمان منذ عام ١٩٤٥، وهو ما يطلق عليه «ساعة الصفر».

انطلقت على أثر النصر في برن مظاهرُ احتفالٍ كانت عفوية في معظمها، ليس فقط في جمهورية ألمانيا الاتحادية — التي كانت قد تشكَّلت عام ١٩٤٩ من ثلاث مناطق تابعة لقوات الاحتلال من الحلفاء الغربيين — بل عمَّت أيضًا ألمانيا الشرقية التي يحكمها الشيوعيون. تلخصت حالة الفرحة الألمانية هذه في عبارة تقول: «لقد أصبح لنا شأن مرة أخرى.» توافقت هذه الحالة الجديدة الناشئة من الثقة بالنفس توافقًا تامًّا مع حالةٍ متزايدة من التفاؤل عمَّت ألمانيا الغربية؛ بسبب مشروع مارشال الذي حرص المستشار كونراد أديناور على استغلاله من أجل إقامة الدولة الجديدة؛ بوصفها شريكًا رئيسيًّا في التحالف الغربي وعضوًا مهمًّا في أوروبا بعد إعادة تشكيلها.

إلا أن نصر ألمانيا الغربية لم يحظَ بترحيبٍ مماثل في باقي أنحاء أوروبا، خاصة لدى السلطات في برلين الشرقية. عَقِب مرور أقل من عشر سنوات على نهاية الحرب العالمية التي اعتُبر الألمان مسئولين عن اندلاعها، لم يظهر تحمُّس كبير — وهو أمر مفهوم — في بريطانيا وفرنسا لنتيجة البطولة. مع هذا فإن كمَّ الانزعاج، بل النقد اللاذع الذي تمَّ التعبير عنه في هذا الوقت في إعلام الدولتين، يحتاج إلى مزيد من التوضيح، ويشير إلى مخاوف راسخة لدى كلٍّ من بريطانيا وفرنسا بشأن سرعة تعافي اقتصاد ألمانيا وإعادة تسليحها، في منتصف خمسينيات القرن العشرين.

رأى نظامُ الحكم في ألمانيا الشرقيةِ النصرَ الذي حقَّقته ألمانيا الغربية في كأس العالم أسوأ نتيجة ممكنة؛ فلقد كان الزعماء الشيوعيون يرجون فوز فريق المجر؛ من أجل إثبات ما يتمُّ ادعاؤه كثيرًا بشأن «تفوُّق الرياضة الاشتراكية»، ومن ثمَّ ضِمْنيًّا تفوُّق نظام الحكم الشيوعي. لقد بدا أن هزيمة المجر تثبت أن العكس هو الصحيح، في الوقت الذي كان زعماء ألمانيا الشرقية يحاولون فيه الترويج لكَوْن دولتهم «الخيار التقدُّمي» لكلِّ الألمان، في مقابل ما أطلقوا عليه «دولة خلافة النازيين» في الجمهورية الاتحادية.

لم يقدم لاعبو ألمانيا الغربية بقيادة فريتز فالتر للنقاد الأجانب سببًا كافيًا للتذمر بسبب سلوكياتهم في الملعب في سويسرا. في السنوات الأخيرة قيل إن الطاقة الاستثنائية التي بذلها الفريق ومستوى لياقته في المباراة النهائية كانا نتيجة لحَقْن لاعبيه بمادة ترفع من مستوى الأداء (ميثامفيتامين) قبل المباراة، وهو ما ينفيه مَن لا يزالون منهم على قيد الحياة. في هذا الوقت لم يكن هناك سوى الثناء على عزيمة اللاعبين الألمان وأسلوبهم وروحهم الرياضية خلال البطولة، التي تغلَّبوا فيها على مرشحين آخرين للفوز بالكأس؛ مثل يوجوسلافيا وجارتهم النمسا، من أجل الوصول إلى النهائي.

وقع حدثان خارج الملعب؛ أحدهما عَقِب مباراة النهائي مباشرةً، والآخر بعد ذلك ببضعة أيام، وكان هذان الحدثان حُجَّة جديدة لمن يحلو لهم ربط نصر ألمانيا الغربية بالمزاعم المتعلقة بالقومية الألمانية المنبعثة. تمثَّل الحدث الأول في أنه أثناء قيادة فريتز فالتر — وهو مبلل بماء المطر — فريقه لاستلام كأس جول ريميه ممن تحمل الكأسُ اسمه، ومع عزف فرقة سويسرية النشيد الوطني الألماني، بدأت مجموعة من المشجعين الألمان الثَّمِلين غناء المقطع الأول المحظور من النشيد الوطني: «ألمانيا، ألمانيا، فوق الجميع.» بدلًا من المقطع الثالث الذي أقرته رسميًّا الجمهورية الاتحادية: «الوحدة، والعدل، والحرية.» دوَّن هذا على الفور مَن حضَر مِن الصحفيين الأجانب.

بعد مرور بضعة أيام، زاد الطينَ بِلَّة خطابٌ ألقاه بيتر يوزيف باوفنيس، رئيس الاتحاد الألماني لكرة القدم، في الاحتفال الرسمي بالنصر في قبْو خمور في ميونخ. ففي جوٍّ مليء بالخمر والانفعالات أخْبَر باوفينس — الذي كان قد انضم إلى الحزب النازي في وقت مبكِّر عام ١٩٣٣ — اللاعبين الذين قيل عنهم إنهم أصابتهم الحيرة آنذاك، بأنهم لم يستوحوا إلهامهم من فوتان، إله الشمال، فحسب، بل أمكنهم تحقيق النصر من خلال التزامهم بمبدأ القيادة (الذي يعني أن كلمة الفوهرر «هتلر» فوق كل القوانين). يبدو أنه قصد بهذا الالتزام الصارم بالخطة التي وضعها المدرب يوزيف (سيب) هيربرجر. قُطِع هذا الخطاب الذي كانت الإذاعة البافارية تذيعه على الهواء مباشرةً على نحْوٍ غامض عند هذه الجزئية، وفُقِدت الشرائط فيما بعد، لكن المراسلين الأجانب الذين كانوا يراقبون التغطية كانوا قد سمعوا بالفعل ما يكفي.

في الواقع، كان باوفينس ومجموعة المشجعين الألمان الثَّمِلين مختلفين تمامًا في موقفهم من زعماء ألمانيا الغربية وإعلام الدولة، الذين أرادوا بشدة احتواء الفرحة بالفوز في كأس العالم؛ من أجل تجنُّب إثارة غضب الحلفاء والأعداء على حدٍّ سواء. في احتفال شعبي في غرب برلين أمام ٩٥ ألف شخص، انتهز رئيس الجمهورية؛ تيودور هيوس، الفرصة ليؤنِّب «باوفينس الطيب» قائلًا له: «إن الركلة الجيدة لا تصنع سياسة جيدة.» بعد ذلك قاد هيوس الحشد في غناء المقطع الثالث المقبول دوليًّا من النشيد الوطني في محاولة واضحة لتصحيح ما حدث في استاد فانكدورف. بالمِثْل بدلًا من أن تتغنى صحف ألمانيا الغربية بنصر كأس العالم، ذكَرته معظمها على نحْوٍ مُقْتضب — هذا إن ذكرته من الأساس — في صفحتها الأولى. على سبيل المثال، جسَّدت صحيفة زود دويتشه تسايتونج المحاولة لفصل السياسة عن هذا الموضوع في عنوانها الرئيسي: «نصر عظيم، يوم عظيم، لكنها مجرد لعبة.» أخبر المقال الذي تلا هذا العنوان المواطنين بأن لديهم الحق في الاحتفال، لكن الآن حان الوقت ليفيقوا: «لقد كانت مجرد لعبة، والحياة تستمر.»

إلَّا أن كثيرًا من الصحف البريطانية والفرنسية لم تكن على استعداد لأن تترك الفرصة تمر دون إثارة القلاقل، واستغلال كراهية العامة التي لا شك فيها للألمان وعدم ثقتهم بهم عمومًا؛ فقد كانت صحيفة مانشستر جارديان هي الصحيفة الوحيدة تقريبًا في مناشدتها لتفهُّم ردة الفعل الحماسية في ألمانيا الغربية عندما أصبحت بطل العالم في كرة القدم، وكتب مراسلها من برلين قائلًا:

لا بدَّ للمرء أن يتذكَّر الكمَّ الهائل من الارتباك الذي كانت هذه الأمة ترزح تحته منذ الانهيار الكارثي لأحد أنواع الكبرياء الألمانية من تسع سنوات خلت، وأيضًا أن يتفهم الحماسة لتحرر عاطفي يخرج العقول من مشهد الدمار المحيط بها طوال الوقت.

لم يكن مِثْل هذا التعاطف متوافرًا في أي مكان آخر؛ فَتَحْتَ عنوان «ألمانيا فوق الجميع» في الصفحة الأولى أشارت صحيفة ديلي إكسبرس بانزعاجٍ في مقال لها إلى أنه في اليوم نفسه الذي فازت فيه ألمانيا الغربية بكأس العالم، حقَّقت شركة تصنيع السيارات الألمانية مرسيدس بنز المركزين الأول والثاني في سباق الجائزة الكبرى الفرنسي. وعلى نحْوٍ استفزازي، ربطت الصحيفة بين هذا الإنجاز الرياضي والتأكيد المزعوم المتزايد للمستشار أديناور بشأن قضايا إعادة تسليح ألمانيا وحقها في الاستقلال التام (الذي تحقق في شهر مايو عام ١٩٥٥ مع انتهاء احتلال الحلفاء).

ذكرت صحيفة بريطانية أخرى — وهي نيوز كرونيكال — النجاحين الرياضيين لألمانيا الغربية تحت عنوان: «يا له من يوم سعيد على الألمان!» المعنى الضمني لهذا أنه لم يكن سعيدًا بالنسبة إلى الآخرين.

إلَّا أن صحيفة ديلي ميرور شائعة التداول تولَّت مهمةَ إثارةِ أكبرِ قدْرٍ من القلق بين قُرَّائها الذين ينتمي أغلبهم إلى الطبقة العاملة. جاء عنوان الصحيفة الرئيسي: «ألمانيا شقَّت طريقها منتزعة الصدارة في مجال الرياضة.» حملت كلمة «منتزعة»، بما توحي به من عنف، تذكيرًا ضمنيًّا للطريقة التي كان قد اجتاح بها الجيش الألماني جميع أنحاء أوروبا قبل ذلك الوقت بعقد من الزمان تقريبًا. ومن أجل تأكيد الصلة المزعومة بين النجاح الرياضي والانبعاث المزعوم للقومية الألمانية، تذمَّرت كاتبة العمود الرئيسي في صحيفة ميرور — وتُدعَى كاسندرا (ويليام كونور) — قائلة:

ها هي ألمانيا تختال زهوًا. يتحدث أديناور الآن بصراحة عمَّا إذا كان من المفترض لجمهورية ألمانيا الاتحادية أن تتسلح مرة أخرى … ويجتاح رجال الأعمال الألمان جميع أنحاء أوروبا … حتى في كرة القدم، التي من الملاحظ أنها ليست رياضة ألمانية، قضى الألمان على الفريق المجري … لا يمكن لشيء أن يوقف هذا الشعب غير المحبوب.

للأسف في هذه المرحلة لم تُجْرَ أي استطلاعات للرأي في بريطانيا لتقييم الموقف الشعبي تجاه فوز ألمانيا الغربية في كأس العالم وتجاه الألمان بوجه عام، إلَّا أن التغطية الإعلامية البريطانية تشير بوضوح إلى وجود مشاعر واضحة لدى عموم البريطانيين من الاستياء والحسد، وهي مشاعر يسهل تفهُّمها؛ ففي بريطانيا — على عكس الوضع في الجمهورية الاتحادية — لم يكن قد رُفع بالكامل الترشيد في الغذاء الذي فُرض في وقت الحرب حتى صيف عام ١٩٥٤. والمفارقة أن القيود المفروضة على بيع اللحوم، بما في ذلك لحم الخنزير المُقدَّد، أُلغيَت أخيرًا في بريطانيا في الرابع من يوليو، وهو اليوم نفسه الذي كان شعب ألمانيا الغربية يذوق طعم نصره في برن. وفي الوقت الذي كان فيه الاقتصاد البريطاني ما زال في حالة من الركود، كان من المتوقع أن يزيد الإنتاج الصناعي لألمانيا الغربية بنحو ١١ في المائة ذلك العام، وتزيد صادراتها زيادة ضخمة تقدر بنحو ٢٠ في المائة. يمكن تلخيص المشاعر البريطانية العامة في العبارة التالية: «لقد فُزْنا بالحرب ووَقَينا الألمان من التضوُّر جوعًا في نهاية الحرب؛ ومع هذا أصبحوا الآن أفضل منا حالًا.» كان إعلان تنصيب الألمان بطلًا للعالم في لعبة اخترعها البريطانيون — وهو إنجاز لم يقترب أيٌّ من الدول المُضيفة حتى من مُضاهاته — كفيلًا بأن يعيد إحياء المشاعر المناهضة للألمان.

كذلك سارعت الصحف الإيطالية والدنماركية بالتنبيه إلى خطورة ما حققته ألمانيا الغربية من نجاح في ملعب كرة القدم، وما تبعه من تعليقات حمقاء لمشجعي الفريق وبعض المسئولين. قالت الصحيفة الدنماركية إنفورميشن: «لم يكن شيء ينقص عند انطلاق صافرة النهاية سوى إلقاء التحية النازية.» لكن رد الفعل في فرنسا كان الأكثر مبالغةً وغضبًا، وتجسَّد فيما ورد في صحيفة لوموند. لقد بدا كما لو كانت الصحيفة مُكلَّفة بمهمة تشويه صورة فريق ألمانيا الغربية من البداية؛ فقبل أسبوعين من مباراة النهائي عندما كانت المجر قد هزمت ألمانيا الغربية في مباراة دور المجموعات، شبَّهت الصحيفةُ عرقلةً ألمانية سيِّئة خلال المباراة للاعب بوشكاش، الورقة المجرية الرابحة، بأنها «عودة للمِشْية العسكرية النازية.» وعَقِب مباراة النهائي نفسها بلغ بيير فابير، كاتب العمود الشهير في صحيفة لوموند، مستويات أعلى من الهيستريا.

في مقال بعنوان «احترس»، الذي لا بد أنه حظي باستحسانٍ كبير لدى المروِّجين في برلين الشرقية، كتب فابير، الذي حضر مباراة النهائي، عن كابوس رحلة عودته إلى باريس وأصداء عبارة «ألمانيا فوق الجميع» تتردد في أذنيه، وتابع كلامه قائلًا:

تظل ذكرى آلاف المتعصبين الألمان الذين ذهبوا لدعم فريقهم محفورة في الأذهان … أهذه رياضة؟ بالطبع، لكنها ليست رياضة فحسب، بل تعصُّب وثأر و«فوق الجميع» وهيربرجر وفايمار وأديناور ومجموعة الدفاع الأوروبية، هكذا يبدأ الأمر برمته من جديد!

كانت صحيفة لوموند تربط بوضوح بين ما حدث في برن وفي قبْو الخمر في ميونخ (بعبارة أخرى التعصب والقومية المفرطة)، وبين سياسات إعادة التسليح الخاصة بالمستشار المؤسس للجمهورية الاتحادية، التي حذر فابير من أنها قد تنتهي «بفيرماخت جديد أو بقوة ألمانية عسكرية موحدة جديدة.»

لقد كان مقال فابير، رغم كونه مثيرًا للمخاوف، ذا علاقة مباشرة بالنقاش الحاد الدائر في فرنسا على مدار عدة أشهر حول مسألةِ دعمِها مشاركةَ ألمانيا الغربية في مجموعة الدفاع الأوروبية المقترحة من عدمه؛ وهي قوة دفاعية تشمل أوروبا بأكملها. اقترح الفرنسيون أنفسهم تكوين مجموعة الدفاع الأوروبية منذ عام ١٩٥٠، استجابةً لدعوات الولايات المتحدة بإعادة تسليح ألمانيا، وكَخِيارٍ بديل لعضوية ألمانيا الغربية في حلف الناتو الذي كان حديث العهد آنذاك. كانت ميزة مجموعة الدفاع الأوروبية بالنسبة إلى فرنسا — تلك المجموعة التي كان يتمثل أعضاؤها الآخرون في إيطاليا ودول البنلوكس — أنها ستمكِّن من كبْح جماح القوة العسكرية لألمانيا الغربية في حالة الدخول في صراعٍ مع الكتلة السوفييتية، كما تضمن أيضًا أن تكون القوة العسكرية الألمانية مسئولة أمام المنظمة الجديدة، ولا تتحكم فيها جمهوريةُ ألمانيا الاتحادية.

جاء فوز ألمانيا الغربية في كأس العالم قبل أسابيع فقط من الموعد المقرر لتصديق البرلمان الفرنسي على معاهدة تشكيل مجموعة الدفاع الأوروبية. لقد كان التصديق عليها، والذي كان يدعمه رئيس الوزراء الفرنسي بيير منديس فرانس، غير مؤكد في هذا الوقت؛ بسبب المعارضة من جانب الشيوعيين الفرنسيين الحريصين على عدم إغضاب موسكو، ومن جانب أتباع شارل ديجول الذين كانوا يخشون من إضعاف السيادة الفرنسية. استغلَّ ربْطُ صحيفة لوموند المباشر بين القومية المفرطة التي صاحبت فوز ألمانيا في برن والتشكيل المقترح لمجموعة الدفاع الأوروبية، المخاوفَ الشعبية والسياسية في فرنسا من احتمال استخدام الألمان قوة الدفاع الجديدة في استعادة وضعها كقوة عسكرية في أوروبا، وكخطوة أولى نحو محاولة جديدة للسيطرة على القارة.

عندما حان الوقت وعُقِد الاستفتاء في الثلاثين من أغسطس عام ١٩٥٤، فشل البرلمانُ الفرنسي في التصديق على الخطة وانهارت مجموعة الدفاع الأوروبية. ورغم أنه من قبيل المبالغة أن يُقال إن الشغب الذي حدث حول فوز ألمانيا في كأس العالم كان عاملًا مهمًّا في هزيمة هذه المجموعة، فإن الجدل الدائر كان بالتأكيد عنصرًا داعمًا للخوف العام الراسخ لدى الفرنسيين وعدم ثقتهم في الألمان، وهو ما ارتكز عليه النقاش. ومن المفارقة أنَّ فشل مجموعة الدفاع الأوروبية قد مهَّد الطريق أمام مفاوضاتِ انضمام ألمانيا الغربية لحلف الناتو، وهي المفاوضات التي حققت النتائج المرجوَّة عَقِب تسعة أشهر، في ذات الوقت الذي انتهى فيه حكم قوات الحلفاء المحتلة.

أما فيما يتعلق بحكومة ألمانيا الشرقية ووسائل إعلامها، فقد كان فوز ألمانيا الغربية غير المتوقع تمامًا بكأس العالم حدَثًا غير مُرحَّب به، وكان يُنظَر إليه على أنه ربما يزعزع الاستقرار؛ فلم يكن قد مضى سوى عام على سحق انتفاضة العمال في ألمانيا الشرقية، التي اعتبرها الغرب رسميًّا محاولةً للتصدي للثورة بتوجيهٍ من أيادٍ من الغرب، وإن كانت خفية. وكانت الآلة الدعائية المعادية في ألمانيا الشرقية تواجه بالفعل صعوباتٍ في تبرير الارتفاع الهائل في مستويات الرخاء الاقتصادي المتحققة في ألمانيا الغربية وما يقابله من ركودٍ داخل حدودها. ومع ظهور الدولتين بوصفهما الخلفاء الشرعيين للدولة القومية الألمانية، كان آخر شيء تريده ألمانيا الشرقية هو أن يحقق فريق كرة القدم لألمانيا الغربية، الذي أصر على أن يطلق على نفسه «ألمانيا»، نجاحًا باهرًا.

كان من الصعب على وسائل الإعلام في ألمانيا الشرقية التعامل مع مباراة النهائي على وجه الخصوص؛ حيث لم تستطع إظهار دعمها الشديد «لإخوانها الاشتراكيين» في المجر، بسبب شعبية كثير من لاعبي ألمانيا الغربية لدى جماهير ألمانيا الشرقية؛ فقد كان رجال مثل فريتز فالتر والمهاجم ماكس مورلوك أبطالًا رياضيين في شرق ألمانيا تمامًا كما هو الحال في غربها، إلَّا أن الاعتقاد السائد في برلين الشرقية حينذاك هو أن الفوز سيكون من نصيب المجريين؛ ولهذا فشل الشيوعيون في إعطاء معلومات مُفصَّلة لصحفييهم عن كيفية التصرف في حالة الفوز غير المتوقع لألمانيا الغربية. نتيجةً لهذا، عندما سجَّل هيلموت ران هدف الفوز قُرْب نهاية المباراة، شعر المعلِّق في إذاعة ألمانيا الشرقية، فولفجانج همبل، أنه من الحكمة الصمت لدقيقة تقريبًا. ولعدم حصول تليفزيون ألمانيا الشرقية على تعليمات في نهاية المباراة، أسرع بتشغيل «الموسيقى الخاصة بالشعوب الشيوعية»؛ من أجل التغطية على النشيد الوطني لألمانيا الغربية. وفي قيامه بهذا غطَّى أيضًا على المشجعين الثَّمِلين وهم يغنون المقطع الأول المحظور.

بمجرد انتهاء المباراة، انطلق الألمان الذين يعيشون في الشرق أيضًا إلى الشوارع بأعداد هائلة من أجل الاحتفال «بالانتصار الألماني». لقد رقصوا وغنَّى بعضهم «ألمانيا فوق الجميع.» تمامًا مثل نظائرهم في الغرب. كانت السلطات الشيوعية واعية بما يكفي لتترك هذا الأمر يمر؛ إذ كانت تدرك أن أية محاولة من جانبها لقمْع مثل هذه المسيرات ستوقعها في مشكلات. في اليوم التالي، أظهرت الصحف في ألمانيا الشرقية دَماثة اضطرارية مؤلمة عند حديثها عن أداء لاعبي ألمانيا الغربية، لكنها شرحت لقُرَّائها أن هذه النتيجة تحققت فقط بسبب مشكلات الإصابة والحظ العاثر للمجريين العِظام.

إذا كانت نبرة وسائل الإعلام في ألمانيا الشرقية متحفِّظة وحذرة عَقِب مباراة النهائي مباشرةً، فقد حلَّ محلها نبرة الانتقام بمجرد ظهور التقارير حول مشجعي ألمانيا الغربية المشاغبين وخطاب باوفينس في قبْو الخمر في ميونخ. عملت صحيفة الحزب الشيوعي المُوجَّهة للشباب؛ يونجه فلت، على توجيه الحالة المِزاجية؛ فَتَحْتَ عنوان «تأثير مدرسة جوبلز» قالت الصحيفة: إن باوفينس «قد أفشى السر وأثبت أنه جدير بخلافة الزعيم الرياضي النازي هانز فون تشامر أوند أوستن.» وتابعتْ قائلةً: «عندما بدأ الفاشيُّون في إنشاد «ألمانيا فوق الجميع» وأغنية هورست فيسل، لم يكن لهذا أية علاقة بالرياضة، ولكن كان يتعلق بالموت.» أدانت صحيفةٌ أخرى في برلين الشرقية — وهي فورفيرتس — الألمان الغربيين الذين غنوا المقطع الأول من النشيد الوطني، وأخبرتهم بسخرية:

الأرجح أنَّ ما تتَّسمون به من ضيق أفق وتكبُّر يمنعكم من إدراك أن لعبة كرة القدم هذه لن تُسقِط أيديولوجية عالمية (وهي الشيوعية)، ولن تُحسِّن وضع إمبريالية ألمانيا الغربية.

وشنت صحيفة نويس دويتشلاند، وهي الصحيفة الرئيسية للحزب الشيوعي، حملةً ممتدة من الذَّم والتشهير، وتمامًا مثلما فعلت لوموند، ربطت مباشرةً الأمرَ بالجدل الدائر حول التحركات من أجل إدخال ألمانيا الغربية ضمن تحالفٍ عسكري غربيٍّ؛ قالت الصحيفة: إن المستشار أديناور كان بالفعل يستغل الفوز في كرة القدم لخدمة «أهدافه الأمريكية القذرة». حتى قبل مباراة النهائي، على حدِّ قول نويس دويتشلاند، كان أديناور يهدد الأمة الفرنسية «بوجهه الفاشيِّ». إنه يستخدم الآن الفوز في كرة القدم «من أجل تهيئة حالةٍ عسكرية جديدة». استمرت الصحيفة في حثِّ قُرَّائها على عدم نسيان كيف حاول مَن أطلقتْ عليهم «أسلاف أديناور» استخدامَ الألعاب الأولمبية في برلين عام ١٩٣٦ على نحْوٍ مشابه. لقد أدت مثل هذه السياسة إلى الحرب والموت حتى للاعبي كرة القدم. قالت هذه الصحيفة اليومية الشيوعية إن «فريتز فالتر»:

الذي ارتدى في وقتٍ من الأوقات زيَّ الجيش الألماني … يمكنه القول بأنه من حُسْن حظه أن الحرب انتهت بوقوعه في الأسر السوفييتي … فلم يحالف بعضَ اللاعبين الآخرين الحظُّ وقُتِلوا … لماذا علينا أن نتذكرهم الآن؟ لأنه من الواضح أن سياسات أديناور تتحرك في الاتجاه نفسه.

لكن ردَّ الفعل الاستثنائي والمبالغ فيه إزاء فوز ألمانيا الغربية في كأس العالم فاقه ردُّ فعل المجريين على هزيمة فريقهم الصادمة؛ فالشعب المجري حُثَّ على تصديق أن بوشكاش وفريقه لا يُقهَرون؛ لذلك من المنطقي تفسيرُ هزيمتهم بحقيقة أنهم إمَّا لم يسعوا إلى تحقيق الفوز، وإمَّا أنهم تلقوا رشوة ليخسروا. ووفقًا لإحدى الروايات التي انتشرت في بودابست، فإن الألمان قدَّموا لكلِّ لاعب مجري سيارة مرسيدس حتى يخسروا المباراة.

سرعان ما اندلعت أعمال شغب في العاصمة المجرية تحطَّمت خلالها نوافذ شقة مدرب الفريق جوستاف سيبس، وترددت هتافات «الموت لسيبس». وقد تمَّ إعادة اللاعبين إلى بلدهم خِلْسة تحت حراسة مُسلَّحة. ومما زاد من انزعاج السلطات أن الغضب الجماهيري سرعان ما تحوَّل إلى الدولة، ولا عجب في هذا إذا أُخذ في الاعتبار الطريقة التي احتفى بها الحزب الشيوعي بالفريق بوصفه نصرًا «للرياضة الاشتراكية». حدث هجوم على مكاتب يانَصيب كرة القدم التي تديرها الدولة، وحاول المشجعون الغاضبون الهجوم على إذاعة المجر؛ حيث اتُّهم كبيرُ مُعلِّقي كرة القدم فيها — ويُدعَى جيورجي سيبيسي — بلعبه دورًا لا يليق في الهزيمة. اندلعت المظاهرات، التي لم تُفرِّق بين الفريق والنظام، في مدن وقرًى مجرية أخرى، حتى إن بعض المؤرخين رأوا في هذه الاضطرابات تمهيدًا للاضطراب الذي سيؤدي، بعد ذلك بعامين، إلى اندلاع الثورة المجرية ضد الحكم السوفييتي.

في بطولة كأس العالم عام ١٩٥٤ صَعِد نجمُ الألمان (في الأساس ألمانيا الغربية) كقوة عالمية في لعبة كرة القدم، وخبا نجم المجر وتفوُّقُها. تمُدُّنا الأحداث التي جرت في أعقابها برؤية كاشفة مذهلة عن العداء الطويل الأمد تجاه الألمان، والخوف الذي عمَّ باقي أنحاء أوروبا من نهوض ألمانيا مرة أخرى، ومدى ما وصلت إليه العلاقات بين غرب ألمانيا الرأسمالي وشرقها الشيوعي من تمزُّق بسبب التوترات الأيديولوجية للحرب الباردة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.