الإمبراطورية البيزنطية: الحملات الصليبية: تركيا

في السابع من يونيو عام ١٠٩٩، وصل فرسان الحملة الصليبية الأولى إلى أسوار مدينة القدس المهيبة، أكثر المدن قُدسية في المسيحية، بعد رحلة طويلة شاقة. بدأت القوة الضخمة رحلتها إلى الشرق قبل ذلك التاريخ بنحو ثلاثة أعوام، وهي القوة التي استنهضتها الدعوة الحماسية لدق طبول الحرب من جانب البابا أوربانوس الثاني الذي قضى شهورًا متنقلًا في أرجاء فرنسا مستقطبًا الدعم لحملة ضخمة تهدف إلى تحرير المكان الذي عاش فيه المسيح وصُلِب.

تعرض الجيش الذي ناهز المائة ألف في مستهل الحملة لتراجع حاد في عدده وهو في طريقه إلى القدس. فسقط بعض جنود الغرب قتلى عند هجوم قوة تركية ضخمة عليهم أثناء اجتيازهم آسيا الصغرى في صيف عام ١٠٩٧، في حين قُتِل آخرون قبل ذلك الحين عندما أسفرت غزوة غير حكيمة للاستيلاء على حصن تركي عن استسلام الجنود وإعدامهم. تسبب كذلك الفرار من صفوف المقاتلين في تقليص حجم القوة قبل وصولها إلى المدينة المقدسة؛ إذ آثر بعض الرجال سلامتهم الشخصية، وفروا عائدين إلى أوطانهم.

لكن تحقق القدر الأعظم من الضرر في أنطاكيا. بلغ الصليبيون تلك المدينة، إحدى أكبر مدن الشرق الأوسط، في أوان الحصاد. فوجدوا الأشجار وقد مالت أغصانها من ثقل ثمارها، وحقول الكَرْم في انتظار القِطاف، وحفر التخزين قد امتلأت بالذرة. كتب أحدهم في هذا الشأن:

في البداية، لم نأكل سوى أفضل اللحوم من الكفل والأكتاف، مستنكفين عن لحم الصدر، ولم نحمل هم الحبوب والنبيذ. في أوقات الرخاء تلك، لم يذكرنا بأعدائنا المختفين داخل أنطاكيا سوى الحراس.

بيد أنه سرعان ما تدهورت الأمور؛ إذ برهنت أنطاكيا بفضل أسوارها المهيبة على أنها حصينة، واستمر سكانها على عزيمتهم القوية. ظل الصليبيون معسكرين خارج أسوارها شهورًا في محاولة منهم لتضييق الخناق عليها كي تعلن استسلامها. لكنهم لم يحرزوا تقدمًا ملموسًا؛ فانهارت معنوياتهم بنفاد المؤن. ووصل سوء الأحوال إلى الحد الذي جعلهم يقتاتون بالشّوْك وسيقان النباتات النيئة لعدم توافر الحطب اللازم لإشعال النار. وذبح الجنود المحاصِرون للمدينة الخيول والحمير والجمال والكلاب، بل الجرذان أيضًا، وأكلوها. كتب أحد المؤرخين: «وصل بالبائسين الأمر أن أكلوا جلود الحيوانات وبذور الحبوب الموجودة في السماد.»

بدا أن الحملة سيئول مصيرها إلى الفشل. فبتفشي المرض والجوع، كانت مواجهة الغربيين للمحتوم مسألة وقت لا أكثر؛ إذ كانوا أهدافًا سهلة. وكادوا يتعرضون مرتين للفناء التام حين صدوا القوات التركية التي أُرسلَت لإبادتهم، مع أنه بدا من المنطقي أنه سيقضى عليهم تمامًا. وأخيرًا، وقبل يوم واحد من وصول جيش ثالث بقيادة كربوغا، حاكم الموصل، للقضاء عليهم في يونيو عام ١٠٩٨، ضرب الحظ ضربته. أبرم الصليبيون اتفاقًا مع قائد إحدى قِلاع أنطاكيا الدفاعية الحصينة، وتسلقت مجموعة صغيرة منهم جانبًا من الأسوار في جنح الظلام، وشقوا طريقهم بالقتال عبر المدينة، ثم فتحوا البوابات أمام رفاقهم الصليبيين ليدخلوا إليهم. وسقطت أنطاكيا أخيرًا بعد حصار دام أكثر من ثمانية أشهر. وحين تلا ذلك بفترة وجيزة نصر إعجازي آخر، لم يدع ذلك مجالًا للشك بأن الرب كان يبارك أولئك الرجال الذين انطلقوا من غربي أوروبا لنصرته. بعبارة أخرى، تمتعت الحملة بحماية إلهية.

ومن ثم، كان للرجال الذين وجدوا أنفسهم يقفون أمام أسوار مدينة القدس بعد عدة أشهر الحق في الإعجاب بما حققوه من إنجاز، وإن لم يدهشهم ذلك. فعندما وقف أوربانوس الثاني في مجمع كليرمونت مناشدًا الفرسان للزحف لتحرير المدينة المقدسة، تعالت الصيحات: «إنها إرادة الرب! إنها إرادة الرب! إنها إرادة الرب!» واجه الفرسان أحلك اللحظات في طريقهم إلى الشرق، ووجدوا دائمًا السلوان والقوة في إيمانهم. وها هم يقفون يوشكون على جني ثمار جهدهم.

مثَّل سقوط مدينة القدس بالقوة بعد حصار قصير لم يزد عن الأسبوع من وصول الصليبيين إليها نهاية واحدة من أكثر الحملات العسكرية روعة في التاريخ. فالمسير عبر أوروبا وآسيا الصغرى وصولًا إلى قلب أرض العدو كان هدفًا طموحًا للغاية. ليس مستغربًا إذن أن يحقق ذلك النجاح المذهل الشهرة للمساهمين فيه، وأن يُحتفَى بمآثرهم الفردية والجماعية في الشعر والغناء، وعلى العملات المعدنية، وفي الكنائس. لقد كُللت الحملة الصليبية الأولى بالنجاح.

هذا النجاح الذي حققته الحملة الصليبية الأولى هو ما تقوم عليه الشهرة الدائمة للحملات الصليبية ككل. وحقيقة الأمر أن كل الحملات تقريبًا التي توجهت بعد الاستيلاء على القدس إلى الشرق انتهت بالفشل. فقد لحق الدمار بالحملات الصليبية اللاحقة بفعل الصراع الداخلي، والافتقار للانضباط، وعدم وضوح الأهداف الاستراتيجية. وفي كثير من الأحيان، لم تصل الحملات، التي هدفت لدعم الوضع المتزعزع في المدينة المقدسة، إلى مسافة قريبة حتى منها. والصور الشهيرة للحملات الصليبية — من الفارس المغوار، والجندي الورع المدفوع بإيمانه، والنضال في مواجهة المحن — تعود في الغالب إلى تلك المغامرة الاستثنائية الأولى التي شهدت اختراق رجال من غربي أوروبا لدفاعات المدينة المقدسة في يوليو عام ١٠٩٩. وعندما يستخدم الساسة والمتظاهرون وأصحاب الحملات الاجتماعية كلمة «حملة صليبية» لوضع سياق لآرائهم وتوضيحها، فإن ما يتحدثون عنه ليس الحملات الصليبية ككل، وإنما الحملة المثيرة الظافرة التي انطلقت في أواخر القرن الحادي عشر.

لعله ليس من المدهش أن تحظى الحملة الصليبية الأولى باهتمام شديد من الباحثين، لا سيما على مر العقود الأخيرة. حققت مجموعة بارزة من المعلقين — أغلبهم مدربون تدريبًا بريطانيًّا — تقدمًا هائلًا في فهم دوافع ونوايا وأهداف من استجابوا لدعوة أوربانوس الثاني الشهيرة لدق طبول الحرب في كليرمونت في نوفمبر عام ١٠٩٥. وقد اتسمت هذه الدراسات بدقة متناهية، واتسم البحث في المصادر الأولية بالتمحيص الشديد، وهو ما دعا جوناثان سامبشَن لأن يعلق مؤخرًا على كتاب جديد عن الحملة الصليبية الأولى بالقول: «مع أنه لا ضير من إعادة رواية قصة عظيمة، حتى وإن لم يضف إليها من الحقائق إلا قليلًا»، فواقع الأمر أنه «يستحيل تقريبًا الخروج بشيء جديد في هذا المجال المزدحم».

إن قصة الحملة التي سارت إلى القدس شهيرة، وأخذت حقها من الرواية على مر القرون. لكن مع أن سجلات الكنائس في فرنسا فُحِصت بعناية، وكذلك الروايات السردية اللاتينية العديدة عن الحملة الصليبية الأولى خضعت لبحث مفصل، لم يتعرض أحد تقريبًا لدراسة المواد الأولية الوفيرة المرتبطة بمنطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، من العالم الإسلامي، والقوقاز، وقبل هذا وذاك من الإمبراطورية البيزنطية.

ومع توفر العديد من هذه الأدلة على نطاق واسع، فعادةً ما تُنحَّى جانبًا، أو تُنبَذ، أو لا يُقترَب منها. يتجاهل الباحثون دومًا الثقافة المادية — العملات، والأختام المصنوعة من الرصاص، والنقوش، وما إلى ذلك — مع أنه في العديد من المناطق بالشرق، تتوافر هذه المواد بكثرة، وتوضح غالبًا الكثير عن أواخر القرن الحادي عشر. ولا يختلف الأمر كثيرًا مع الأدلة النصّية؛ فاقتُطِعت مقاطع النصوص التي تشير إلى الحملة الصليبية، واستُشهِد بها في غير سياقها، دون تفكير أو اعتبار للأهمية أو الموثوقية المتعلقة بالمواد التي اعتمد عليها المؤلفون، أو نواياهم، أو السياق الأوسع نطاقًا لكتاباتهم.

تُعَد معالجة الأليكسيادا مثالًا توضيحيًّا على هذا الأمر. والأليكسيادا نص كُتِب في القسطنطينية في القرن الثاني عشر. وعلى الرغم من اعتماد ذلك النص المفرط على السجلات الإمبراطورية والوثائق الرسمية ومذكرات الحملات العسكرية والخطابات والمعلومات الملكية فقد أسيء فهمه واستخدامه دائمًا. وصف المؤرخ جيبن ذلك النص وصفًا سخيفًا قائلًا إنه «يكشف في كل صفحة منه عن غرور مؤلفته». هذا التعليق — إن تجنبنا مجموعة شائكة من الأسئلة حول ما كان يعنيه حقًّا — يكشف حقيقة أنه لم يقرأ بالتأكيد النص كاملًا. وليس الباحثون المعاصرون أكثر رفقًا من جيبن. فالإقصاء الكامل للأليكسيادا باعتباره عملًا كتبته «سيدة عجوز تعيش في المنفى» بعد وقوع الأحداث بفترة طويلة، هو الموقف المعتاد لمؤرخي الحملات الصليبية. وهذا المصدر البيزنطي الذي يتسم ببراعة الكتابة والصقل والمعرفة الواسعة أسيء استخدامه وفهمه وحُط من شأنه على مر القرون.

لم يؤد ذلك إلى تحريف تفسير الحملة الصليبية الأولى فحسب، وإنما أضفى الغموض على أصولها أيضًا. في الحقيقة، عند التعامل مع الأليكسيادا — إضافة إلى غيرها من المواد الأخرى المستمدة من منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط التي تجمعت فوقها الأتربة ومُرَّ عليها مرور الكرام أو دون الإفصاح عنها — على نحو لائق، لا يطرح ذلك وجهات نظر جديدة حول الحملة الصليبية الأولى بقدر ما يقلب المفاهيم الشائعة بشأن تلك الحملة رأسًا على عقب. فلم تتشكل الحملة التي انطلقت لتحرير القدس في كليرمونت عام ١٠٩٥، وإنما في القسطنطينية. ولم يكن البابا هو من وراء خطط توجيه حملة ضخمة إلى الشرق، وإنما شخص آخر تمامًا؛ ألا وهو الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس الأول كومنينوس.

عند النظر إلى تفاصيل تلك الحملة الصليبية من منظور جديد، يُحَل اللغز أخيرًا. على سبيل المثال، يجد السؤال المتعلق بسبب المخاوف بشأن الوضع في الشرق في تسعينيات القرن الحادي عشر الجواب عليه أخيرًا. يمكن إذن أيضًا حل المشكلة المحيرة حول سبب تحمل الصليبيين كل ذلك الألم عند أنطاكيا، وعدم تجاوزهم المدينة ببساطة ليتوجهوا مباشرةً إلى القدس؛ ذلك بمعرفة أن ألكسيوس الأول كان هو المخطط. لذا، بدلًا من قصة جميع حقائقها معلومة، وما من شيء جديد يُقال، تتجلى أخيرًا قصة خفية عن الحملة، وهي قصة عن الطموح والوعود التي نُكِث بها، عن الاتهامات والاتهامات المضادة. ويتبين أن قصة الحملة التي نعرفها ما هي إلا صورة كلاسيكية لتاريخ كتبه الظافرون.

بيزنطة هو الاسم الذي يُطلَق الآن على النصف الشرقي من الإمبراطورية الرومانية الذي لم ينج فحسب بعد أفول روما، وإنما ازدهر أيضًا. كان مركزها مدينة مذهلة أعاد تأسيسها الإمبراطور قسطنطين في القرن الرابع على ضفاف مضيق البوسفور — ويعرفها سكانها بملكة المدن، مدينة قسطنطين (القسطنطينية)، أو روما الجديدة — وحاكمها إمبراطور الرومان. لم تكن تلك المدينة نسخة من الإمبراطورية الرومانية، ولم تطالب بإرثها، وإنما كانت بالفعل الإمبراطورية الرومانية.

مع بداية القرن الحادي عشر، كانت الإمبراطورية في أوج مجدها مع امتداد أراضيها في البلقان وجنوب إيطاليا وبحر إيجة وتوسعها عبر آسيا الصغرى وصولًا إلى القوقاز وشمال سوريا. عززت فترة طويلة من الاستقرار الازدهار الاقتصادي والديموغرافي العظيم بأرجاء الإمبراطورية، ما مهد بدوره الطريق لزيادة الحِراك الاجتماعي وحيوية المشهد التجاري والثقافي والفكري.

جذبت العاصمة الموهوبين إليها من أمثال ميخائيل سيلوس، وهو أحد أكثر العلماء عبقرية وغزارة في الإنتاج في أوائل العصور الوسطى، وجون زيفيلينوس الكاتب ورجل الدين البارز، فضلًا عن عدد كبير ممن هم خارج الإمبراطورية. سافر الرجال من إسكندنافيا إلى القسطنطينية ليعملوا كحرس فارانجي، وهو الحرس الشخصي للأباطرة. وشق النبلاء الأنجلوساكسونيون الهاربون من الفتح النورماني لإنجلترا طريقهم إلى بيزنطة، طامحين في إعادة بناء حياتهم، والعثور على فرص جديدة هناك. وتوجه كذلك الفرسان من جميع أنحاء أوروبا صوب الشرق، وانضموا لصفوف الجيش حيث لم يجدوا أي عوائق أمامهم للترقي؛ فوصل بعضهم إلى أعلى المراكز في البحرية والجيش الإمبراطوري.

كانت القسطنطينية مدينة عالمية رائعة في نهاية القرن الحادي عشر. فتشير الوثائق التي يرجع تاريخها إلى تلك الفترة إلى أن المدينة قطنتها جنسيات لا حصر لها، منها على سبيل المثال لا الحصر الدنماركيون والروس، وسكان أمالفي وبيزا والبندقية، والألانيون والأرمن والنورمانديون واليهود والعرب والإنجليز والاسكتلنديون. وما كان وجود كل هؤلاء الأجانب مصادفة؛ إذ تشير الأختام التي عُثِر عليها مؤخرًا في لندن إلى وجود مكاتب توظيف في لندن وأنحاء أخرى من أوروبا سعى من خلالها الوكلاء لجذب الباحثين عن الشهرة والثروة إلى بيزنطة.

لكن المشكلة تمثلت في أن المجاورين للإمبراطورية وجدوا أنفسهم أيضًا منجذبين إليها لما تَعِد به من ثروات. والتعامل مع كلٍّ من هؤلاء المجاورين على حدة لم يشكل تهديدًا بالضرورة لبيزنطة، لكن عند تعرض كلٍّ من الشمال والغرب والشرق للهجوم في الوقت نفسه، لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا قبل أن تفقد الإمبراطورية توازنها. فشهدت النفقات ارتفاعًا كبيرًا، في حين انهارت العائدات بسبب إبعاد الرجال عن الأراضي والأسواق ونقلهم إلى الجيش. لم يمض وقت طويل حتى انهارت الموارد المالية للإمبراطورية، وازدادت الأحوال سوءًا بهزيمة عسكرية تلو الأخرى. وسقط جنوب إيطاليا في أيدي النورمانديين دون مشقة، في حين لم يُبذَل الكثير من الجهد لإيقاف رحالة سهول بيتشينج الخضراء بآسيا الوسطى من الثورة في البلقان. وفي آسيا الوسطى، انتهت محاولة طموحة للتعامل مع الأتراك بكارثة؛ فتعرض أغلب الجيش لشر هزيمة بعد استدراجه لمعركة على أرض غير مناسبة بالقرب من مانزيكرت في أغسطس عام ١٠٧١ التي أُسِر فيها الإمبراطور رومانوس الرابع.

عقب تلك الكارثة، اعتلى حاكم جديد عرش القسطنطينية، وتقدم بطلب للبابا جريجوري السابع للحصول على مساعدة عسكرية ضد الأتراك الذين وصل تقدمهم، حسب زعمه، إلى أسوار عاصمة الإمبراطورية ذاتها. ونظرًا لرغبة جريجوري العارمة في إعادة بناء العلاقات مع الكنيسة الأرثوذكسية التي ساءت بعد مشاحنة قوية أسفرت عن إنزال الحرمان الكنسي بالبطريرك عام ١٠٥٤، وافق جريجوري على الطلب وأرسل عددًا كبيرًا من الخطابات إلى جميع أنحاء أوروبا. لكن لم تتشكل أي حملة، على العكس تمامًا مما حدث بعد ذلك بعقدين من الزمان عندما تدفقت أعداد هائلة استجابة للدعوة. طالما حاول المؤرخون تفسير السبب وراء ذلك. فبينما بذل البابا جهودًا هائلة لاستقطاب الدعم في الجنوب، يشير البعض إلى أن ضعف الاستجابة رجع إلى أن سلفه لم يفعل الأمر نفسه قبل ذلك بعشرين عامًا؛ في حين يرى آخرون أن المكاسب التي وُعِد بها من ساهموا في الحملة بنهاية القرن الحادي عشر كانت أكثر وضوحًا — فيما يتعلق بالغفران والتكفير عن الخطايا — وأن ذلك يساعد في تفسير ردتي الفعل المتباينتين تمامًا. في الواقع، ثمة إجابة أخرى عن هذا السؤال.

تعكس الصورة التقليدية والراسخة في الأذهان عن بيزنطة في تلك الفترة وصولَ الأحوال إلى الحضيض بحلول وقت معركة مانزيكرت، وذلك قبل أن تشهد استقرارًا في ظل حكم إمبراطور جديد نشط، وهو القائد العسكري الشاب القوي ألكسيوس كومنينوس الذي وصل إلى الحكم في عام ١٠٨١. أنقذ ألكسيوس، على ما يبدو، الإمبراطورية مما أوشكت عليه من انهيار، وبحلول وقت الحملة الصليبية الأولى، كان يفكر في إعادة فتح آسيا الصغرى. ويبدو أن ذلك هو السبب الذي جعله يرسل مبعوثين للعثور على أوربانوس الثاني في مجمع بياتشينسا في ربيع ١٠٩٥.

لكن هذه الصورة خاطئة، وقائمة على تعامل مضلل مع المواد الأولية الوفيرة. على سبيل المثال، على الرغم من تحدث الأليكسيادا عن فوضى في الشرق مع بداية حكم ألكسيوس، مع الإشارة إلى تقدم جماعات من الأتراك نحو البوسفور نفسه وسيطرتهم على معظم آسيا الصغرى، فإن الواقع كان مختلفًا تمام الاختلاف. تشهد الأختام المصنوعة من الرصاص، والعملات المعدنية التي عُثِر عليها وترجع إلى هذه الفترة الزمنية، بأن الإدارة المدنية والعسكرية لأقاليم الإمبراطورية الشرقية استمرت في العمل كما ينبغي بعد عام ١٠٨١. بالإضافة إلى ذلك، بدلًا من مواجهة الوضع المظلم في الشرق، أخذ الإمبراطور الجديد عدة خطوات جريئة في الشهور الأولى من توليه الحكم لإحكام قبضته في الأناضول.

في الواقع، سارت الأمور على ما يرام مع الإمبراطور وإمبراطوريته حتى عام ١٠٩٢. بيد أن الموقف شهد تغيرًا كبيرًا ومفاجئًا. على مدار الجزء الأكبر من ذلك العقد، تعاون ألكسيوس على نحو منتظم ومثمر مع حاكم بغداد، السلطان ملكشاه. وعندما توفي ذلك السلطان في عام ١٠٩٢، دار صراع على السلطة بين من كانوا يطمحون إلى خلافته، مما أتاح بدوره الفرص أمام القادة العسكريين الطموحين الموجودين على أطراف العالم التركي، وبخاصة في آسيا الصغرى. وجدت بيزنطة نفسها في مواجهة سلسلة من التهديدات العدائية، وهذا جعلها تفقد سيطرتها على الأراضي الخصبة، والخط الساحلي الغربي المهم استراتيجيًّا، بالإضافة إلى شرق بحر إيجة. وأصبحت مدينة نيقية — التي تم التخلي عنها في وقت سابق من حكم ألكسيوس — شوكة في ظهر الإمبراطور نظرًا لاستخدامها كقاعدة لإسقاط مدن أخرى هامة وقريبة على نحو خطير من القسطنطينية.

جرت العديد من المحاولات المستميتة لاستعادة نيقية، بيد أن جميعها باءت بالفشل. وسرعان ما بدأت الأخبار عن ازدياد العنف بتركيا، وموقف الإمبراطورية الميئوس منه في آسيا الصغرى، في الوصول لأوروبا الغربية، من خلال كلٍّ من القنوات الرسمية، ومن رأوا بأعينهم مدى اضطراب الأوضاع ببيزنطة. ومع استمرار الغارات في البلقان بكامل قوتها، بدا بحلول نصف التسعينيات من القرن الحادي عشر أن إمبراطورية روما الشرقية العظيمة كانت على شفا الانهيار.

لم يخفَ ذلك على المقربين من الإمبراطور. فمع أنه سُلِّم جدلًا أن ألكسيوس كان يركز سلطته ونفوذه في عائلته، فالخُطَب والخطابات والوثائق الخاصة بالأديرة — التي غُضَّ عنها الطرف عادةً — تكشف عن صورة أكثر قتامة، وهي الصورة التي لا تعكس ترابطًا أسريًّا، وإنما العكس تمامًا؛ فتشير إلى شقاق وتنافس وقسوة.

وقعت بيزنطة فريسة للفوضى. وكان الستار يُكشَف باستمرار عن المكائد واحدة تلو الأخرى التي تورط فيها العديد من المقربين للإمبراطور. وبحلول عام ١٠٩٤، وصلت الأمور إلى اللحظة الحاسمة. ففي ظل النيران المندلعة في آسيا الصغرى والفوضى التي يعج بها البلقان، كان على ألكسيوس مواجهة منافسيه، بما في ذلك أخوه الذي كان يسعى جاهدًا للقضاء عليه. وفي لحظة مثيرة، جمع الإمبراطور كبار قادة الجيش وذوي الشأن في الإمبراطورية، وخاطبهم، مع علمه بأنه من الممكن أن يُقطع إربًا في الحال.

في تلك اللحظة الحاسمة، فقد المتآمرون شجاعتهم، وجاء رد ألكسيوس فوريًّا. فطهّر الجيش تطهيرًا جذريًّا، مستعيضًا عن عصبة من كبار القادة بجيل جديد من الرجال الذين يطمئن إلى ولائهم. وأبرم اتفاقيات سريعة مع القادة المحليين في البلقان، ثم تصرف بحسم. ولوقف نزيف الدم في الإمبراطورية، كان عليه أولًا استعادة نيقية التي مثلت نقطة الدخول إلى غرب آسيا الصغرى، والأناضول أيضًا إن أمكن. ولم يعد أمامه سوى ورقة واحدة ليلعب بها.

كان ألكسيوس رجلًا ورعًا، ربته أمه على «الخوف الراسخ العميق من الرب». وقد عمل جاهدًا لتوثيق العلاقات مع روما، باعثًا سلسلة من رسائل الاسترضاء للبابا أوربانوس الثاني التي يقلل فيها من شأن الاختلافات بين المذهبين اليوناني واللاتيني فيما يتعلق بالطقوس الدينية (وهي نقطة محل جدل كبير)، ويعرض أن يحل جذريًّا المشكلات التي جاشت تحت السطح لأجيال.

جاء طلبه للمساعدة العسكرية من البابا في الوقت المناسب؛ لأن أوربانوس نفسه كانت لديه مشكلات مع الكنيسة في أوروبا الغربية. فالانقسامات الناتجة عن أزمة التنصيب التي شهدت تعيين بابا زائف، كان معناها أنه لن يتمكن حتى من دخول روما في السنوات الأولى من مدة خدمته. لذا، كانت مشكلات ألكسيوس وحاجته للمساعدة هبة من عند الله؛ فها هي الفرصة قد سنحت لتوحيد الكنيسة إلى الأبد. ليس من المستغرب إذن أن يقضي البابا الجزء الأكبر من العام التالي في التماس الدعم والتملق والإصرار على مشاركة الرجال في الرحلة المتوجهة إلى الشرق.

في الواقع، يلوح طيف ألكسيوس — الذي مُحي من الصورة — من بعيد في إمدادات الحملة الصليبية في أغلب الوقت. وحقيقة أن الجيوش الضخمة لم تواجه أي مشكلات تتعلق بالإمدادات أثناء اجتيازها لأراضي الإمبراطورية دليل على تنظيم من الدرجة الأولى من جانب البيزنطيين، وكذلك الإعدادات النموذجية لاستقبال قادة الحملة الرئيسيين. فأُعدَّت المخيمات، وهُيِّئت المساكن العسكرية، وعُيِّن مسئولون لضمان سير الأمور بسلاسة.

لكن لعل الأهم هو الآليات التي ضمنت احتفاظ ألكسيوس بسلطته على الحملة. فطلب من كبار القادة القسم أمامه في القسطنطينية، وهو ما حصل عليه. وجاءت تأدية القسم بالطابع الغربي المعتاد، وألزم أولئك القادة بالولاء لشخص الإمبراطور. وقُدِّمت التعهدات برد جميع المدن والقلاع والأراضي، التي يستعيدها الغربيون وكانت في السابق تحت حكم البيزنطيين، إلى الإمبراطورية. وأعلن ألكسيوس نفسه أنه لن يمكنه المشاركة شخصيًّا في الحملة، لكنه عيَّن واحدًا من كبار القادة القليلين الذين نجوا من التطهير — وهو ابن أسير تركي تربى معه — ليقود القوات الإمبراطورية.

وبحلول الوقت الذي سقطت فيه نيقية بالقوة كان البعض يتهامسون بالفعل حول حصول ألكسيوس على جميع مغانم القوة الغربية. وعند وصولهم إلى أنطاكيا، وما شهدوه من معاناة في شتاء ١٠٩٧–١٠٩٨، خرج العداء وانعدام الثقة عن نطاق السيطرة على نحو خطير. أسرع أحد الصليبيين في استغلال الوضع، وهو بوهيموند، الأمير النورماندي لتارانتو في جنوب إيطاليا. عند شعوره بسنوح فرصته في الاستيلاء على أنطاكيا لنفسه، استغل فرصة إضعاف مكانة الإمبراطور متى أمكنه ذلك، مثل إلحاق حاشية بخطاب مرسل إلى البابا يتهم ألكسيوس بخيانة الفرسان الغربيين في كل لحظة. وادعى أيضًا أن الإمبراطور لم يفِ بالتزاماته؛ من ثم فإن القسم الذي مُنِح له كان باطلًا.

لم يقتنع الجميع بتلاعب بوهيموند الذي لا يمكن إغفاله بالتعهدات التي منحوها للإمبراطور، وكذلك مناورته البارعة التي رجحت كفته للتحكم في أنطاكيا، إحدى المدن العظيمة في شرق البحر الأبيض المتوسط. لكن بوهيموند برع في لعبته. وبعد أن فقد القادة الآخرون صبرهم، توجهوا أخيرًا إلى القدس لاستكمال رحلتهم من دونه.

لم يعلم أوربانوس الثاني قط بسقوط المدينة المقدسة. ولم يعش ليرى أن ما عُد فيما بعد لحظة انتصار للكنيسة كان في الواقع لحظة الانفصال التام بين الكنيستين اللاتينية والأرثوذكسية. ويرجع ذلك إلى أنه في أعقاب الحملة الصليبية، استلزم الأمر قصة محكمة لإضفاء صورة على الحملة تناسب من لديهم أسئلة باعثة على عدم الراحة تحتاج الإجابة عنها.

ليس مستغربًا أن بوهيموند كان الأكثر نشاطًا في الكشف عن نقائص ألكسيوس والبيزنطيين. فصدر سريعًا نص باسم «جيستا فرانكوروم» (أو أعمال الفرانكيين)، ووُزِّع بجميع الأرجاء. كان ذلك النص يشوه سمعة الإمبراطور ويسخر منه ويقدمه في صورة سلبية للغاية (في تناقض صارخ مع بطولة بوهيموند). والأسوأ هو ما تلا ذلك؛ فبعد سلسلة من المغامرات والحوادث المؤسفة، عاد بوهيموند أخيرًا إلى أوروبا تسبقه شهرته. وبعد فترة قصيرة، كان يسعى للحصول على دعم لحملة عسكرية لا تقل في طموحها عن فتح القدس. لكن هذه الحملة، وما تمتعت به من دعم باباوي، لم تكن تستهدف مدينة يحكمها المسلمون، وإنما مدينة القسطنطينية المسيحية.

وعلى نحو واسع النطاق، شُوهَت سمعة الإمبراطورية والإمبراطور في حملة تلويث من شأنها إبهار أكثر محترفي الدعاية المضادة والتشويه انحرافًا. فانتشرت الشائعات بأرجاء أوروبا عن أن والدة ألكسيوس ساحرة، أو أنه أخصى إكراهًا أبناء الطبقة الأرستقراطية في القسطنطينية، أو أجبر النساء على البغاء. كان جبانًا ولئيمًا وغير جدير بالثقة على الإطلاق. بعبارة أخرى، مُحي اسمه من التاريخ تمامًا.

وقد ظل كذلك قرونًا من الزمان، ويرجع السبب الأساسي في ذلك إلى الطريقة المهملة والمستهترة التي عوملت بها المصادر اليونانية التي يعود تاريخها إلى القرون الوسطى. فقُرِئت الأليكسيادا كما لو كانت سجلًّا زمنيًّا للأحداث، وليست أعمالًا أدبية ذات أسلوب خاص تمنح القارئ أدلة عن قصد لاختباره بدلًا من أن يكون هدفها تقديم جدول متسلسل زمنيًّا للأحداث. وغُضَّ الطرف كذلك عن خطابات تعكس سلسلة كارثية من الهزائم التي سبقت الحملة الصليبية باعتبارها غير قابلة للتصديق لأنها لا تتوافق مع الرأي المُسلَّم به بشأن ما كان يحدث في أواخر القرن الحادي عشر، ووصفت بدلًا من ذلك بأنها تزوير. وغُيِّرت تواريخ الوثائق التي تسجل منح الامتيازات للبندقية اعتباطيًّا وبلا أي أساس لتتماشى على نحو أفضل مع جدول زمني للأحداث مليء بالعيوب في حد ذاته.

كانت الحملة الصليبية الأولى عملًا بطوليًّا طموحًا مدهشًا، دفع الكثير من المشاركين فيه تفانٍ صادق، ورغبة عنيدة في رؤية الأماكن المذكورة في الإنجيل. والتحديات التي تغلبوا عليها في مسيرهم الطويل لا يمكن تخيل حجمها. وبالمثل، ما من مجال للشك في الدور الذي لعبه البابا لاستقطاب الدعم للحملة والتأكد من اشتراك عدد كبير من الرجال فيها.

مع ذلك، فإن الإطار الأساسي لأحد أعظم الإنجازات العسكرية في التاريخ قد أُبهِم عن عمد، حتى قبل سقوط القدس في يوليو عام ١٠٩٩. فلم تكن تلك الحملة تهدف إلى المساعدة في فتح مظفر لآسيا الصغرى، وإنما محاولة أخيرة بائسة لإنقاذ الإمبراطورية البيزنطية. ومن هذا المنطلق، ربما كانت الأصوات العالية، التي احتفت بإنجازات الصليبيين وشوهت في الوقت نفسه من سمعة بيزنطة، الثمن اللازم دفعه مقابل استعادة نيقية وغير ذلك من المكاسب المهمة التي تلت ذلك بفترة قصيرة، على الأقل من وجهة نظر ألكسيوس. ولعل الأصعب في فهمه هو كيف استغرقنا هذه الفترة الطويلة لاكتشاف أن «نجاح» الغربيين كان له تكاليف أخرى. تضمنت هذه التكاليف، أولًا انفصال الكنيستين، لكنها على المدى البعيد أدت إلى تدمير القسطنطينية عام ١٢٠٤، وفي النهاية، سقوط الإمبراطورية الرومانية الشرقية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك· تسجيل الدخول·
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك· التسجيل·

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة·