إذا كنت قرأت أي شيء عن منهج التاريخ الجديد المقترح لإنجلترا وويلز، فستكون قد لاحظت أن معلمي التاريخ في المدارس — من وجهة نظر الساسة والأكاديميين والصحفيين — لا يدرِّسون الحقائق؛ فنحن نتجنَّب المعرفة وكأنها الطاعون. والتواريخ والأسماء والإحصاءات تثير اشمئزازنا؛ فكل ما نفعله هو تدريس — ويلفظ النقاد الكلمة التالية كأنها لفظ بذيء — «المهارات». لدينا تعليقات تثبت ذلك الرأي صادرة عن وزير التعليم مايكل جوف، وكلير فوكس من برنامج «المتاهة الأخلاقية» على محطة راديو ٤ الإذاعية، والمؤرخ أنتوني بيفر صاحب المؤلفات الأكثر مبيعًا، وغيرهم.

نسيج بايو مصدر ثري ووصف آسر لأحداث عام ١٠٦٦.
نسيج بايو مصدر ثري ووصف آسر لأحداث عام ١٠٦٦.

إلا أن كل ذلك حديث لا أصل له من الصحة؛ فمعظم معلِّمي التاريخ امتهنوا تلك المهنة لأنهم يحبون مادتهم، فنحن نحب الحقائق مثلما يحبها كلٌّ من جوف وفوكس وبيفر، ومعظمنا يجتهد في إيجاد سبل جذابة ومثيرة لتقديم المادة التاريخية بأسلوب يُخرج طلابنا من الدرس بفهم متطور للماضي.

بيد أني توصلت بخبرتي إلى أن الشيء الوحيد الذي يخشاه معلمو التاريخ — وأشير هنا إلى معلمي المرحلة الثانوية — هو سرد القصص، وهو ما يبدو لي أمرًا مؤسفًا للغاية.

فالتاريخ هو قصة الماضي؛ قصة طويلة معقدة مبهرة، يرويها لنا أفضل المؤرخين في صورة سرد قصصي. فكِّرْ من هو مؤرخك المفضل؟ هل هو الشخص الذي أجرى بحثًا أصيلًا مجهول المصدر؟ أم الشخص الذي يستطيع أن يقف أمام جمهور من الناس، أو يؤلِّف كتابًا يروي قصةً تسلب لُبَّ الجميع؟ أشد المؤرخين تأثيرًا في مدرستي وجامعتي — على حدٍّ سواء — كانوا من رواة القصص. فبفضل تأثير السيد راسل والسيد كلومبَس ما زال بإمكاني أن أسرد لك أحداث عام ١٠٦٦ بقدر كبير من التفاصيل. ومن بين أساتذتي في الجامعة، ما زلت أكن كل التقدير لبروفيسور رونالد هاتون؛ بسبب أسلوب روايته لموضوع الحرب الأهلية أو السحر أو موضوعات أخرى كثيرة. وقد اتضح إلى حدٍّ كبير أن عامة الشعب يرون ذلك أيضًا؛ نظرًا لتصدُّر روايات الخيال التاريخي لهيلاري مانتِل قوائم الكتب الأفضل مبيعًا.

إلا أن السرد القصصي كثيرًا ما يُعتبَر مصطلحًا مشينًا في المدارس؛ إذ يُنظر إليه على أنه مهارة دون المستوى، أو أن مكانه يقتصر على الحصص الدراسية التي يغلب عليها حديث المعلمين. فبصفتنا معلمين نكتب: «مجرد سرد قصصي» أو «توقَّف عن سرد القصة» في هوامش المقالات، وكأن تلك إهانة للتاريخ. فكثيرون يخشون فكرة الوقوف أمام فصل والاكتفاء بسرد قصة الماضي؛ لأن ذلك ليس هو «التعليم المستقل» السحري الذي يرغب مكتب معايير التعليم وخدمات الأطفال والمهارات — هيئة الرقابة على التعليم — في رؤيته، والذي يكون المعلمون فيه ميسِّرين لعملية التعلم.

ذلك أسلوب تفكير مؤسف في الأساس؛ إذ إن السرد القصصي جزءٌ أساسيٌّ من التاريخ، والأهم من ذلك أننا إذا تبنيناه جميعًا بقدر أكبر؛ فسيؤثر بالإيجاب على عملية التعلُّم لدى طلابنا.

فيمكنه في المقام الأول أن يخلف تأثيرًا هائلًا على جذب التلاميذ، فالأطفال يحبون القصص، وتكمُن عظمة التاريخ في أن قصصه حدثت بالفعل. فاحكِ لطلابك عن مقتل توماس بيكيت عام ١١٧٠: أربعة فرسان يدخلون كاتدرائية كانتربيري ويفصلون رأس رئيس الأساقفة عن جسده. فما الذي قد تحتاجه أكثر من ذلك لجذب انتباه الفصل؟ يحتجُّ مكتب معايير التعليم بأن الدروس لا ينبغي أن تقتصر على «حديث المعلمين» فحسب، ولكن ذلك لا يعني عدم شغل ذلك الحديث أي حيِّز منها. حَرِيٌّ بالمعلمين أن يجربوا ذلك، فَلْتَرْوُوا قصة وشاهدوا أثرها على جذب انتباه الطلاب.

لا أظن أن الشيء الوحيد الذي ينبغي أن يتعلمه الطلاب هو القصة؛ ففي نهاية المطاف أود أن يمضي طلابي قُدُمًا إلى المعالجة التحليلية الأرقى للسببية أو الدلالة أو التفسير. ولكنَّ معلمي التاريخ ينسَوْن أحيانًا أن ذلك النوع من التفكير لن يحدث إلا بعد أن تعرف القصة. فحتى يفكر الطلاب في سبب انتصار السوفييت أثناء الحرب العالمية الثانية لا بد أن يعرفوا قصة النزاع. يبدو ذلك بديهيًّا، إلَّا أن المعلمين كثيرًا ما يمضون أسرع من اللازم إلى المستوى الأرقى، قبل أن يستوعب الطلاب القصة التي تمثِّل حجر الأساس في بناء ذلك الهدف الأسمى.

وأخيرًا، فإن نسج القصة في حد ذاته مهارة صعبة. فمعظم كتب التاريخ ذات الشعبية قائمة على السرد القصصي بالأساس، فكتاب «الحرب العالمية الثانية» الذي صدر حديثًا لأنتوني بيفر، والرائع من وجهة نظري، عبارة عن سرد صريح لأحداث الحرب. فهل هذا تاريخ دون المستوى؟ مُحال؛ فقد كان لزامًا على بيفر أن يفكر فيما ينبغي أن يتضمنه الكتاب، وما ينبغي تركه، وكيفية جعله جذابًا أو مثيرًا لاهتمام القارئ. ذلك أمر صعب. ولطالما شدَّد شون لانج من حملة «تاريخ أفضل» على تلك المسألة، ولكن كثيرًا ما يتوجس معلمو التاريخ خيفةً من الأنشطة القائمة بالأساس على نسج القصص.

لا بد أن يتذكر معلمو التاريخ سبب اختيارنا تلك المادة. سأُصدم إن لم يكن السبب هو حبنا للقصص؛ لذا دعُونا نتقبلها بصدر رحب ونواصل بث الإلهام في الجيل القادم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Idmond Dantes ·٢ يناير ٢٠١٤، ١٣:٣٠ م

    مقال جميل ومهم جدا.