في إحدى ليالي الصيف الدافئة في عام ١٩٦٨، وبينما كانت الحرب الباردة في أوج ذروتها، كان هناك رجلان يقفان على سطح مختبر بمجمع بورتون داون، وهو موقع تابِع لوزارة الدفاع البريطانية يشتهر ببرامج الأبحاث الكيميائية والبيولوجية. كانَا يفكِّران في الاحتمال المروع لنشوب حرب بيولوجية؛ ففي حال انفجار قنبلة ممتلئة بالبكتيريا المميتة فوق سماء لندن، إلى متى ستستمر خطورة الغبار المتساقِط؟

لا يقتصر تأثير غرف المستشفيات التي تسمح بدخول ضوء الشمس والهواء النقي على الفوائد النفسية فحسب.
لا يقتصر تأثير غرف المستشفيات التي تسمح بدخول ضوء الشمس والهواء النقي على الفوائد النفسية فحسب.

للتوصُّل لإجابةٍ على هذا التساؤل، قام كلٌّ من هنري دروويت وكيه آر ماي، عالِمَا الأحياء الدقيقة، بتعريض الميكروبات لتيارات الهواء على السطح، ولمنع تطايُرِ البكتيريا في الهواء، قام العالمان بلف خيوط من حرير العنكبوت حول مشط وقاموا بنَثْر ميكروب الأمعاء الإشريكية القولونية الشائع عليه.

وفي غضون فترة تزيد قليلًا على ساعتين، ماتت تقريبًا جميع البكتيريا التي كانت محاصَرة بالشبكات المصنوعة يدويًّا؛ إلا أنه عندما وُضِعت هذه البكتيريا في صناديق في الهواء على السطح في درجة الحرارة والرطوبة ذاتها، كان أكثر من نصف عدد الميكروبات لا يزال ينبض بالحياة بعد مرور الفترة الزمنية ذاتها. ماذا حدث؟ هناك شيء في الهواء النقي ساعَدَ في قتل البكتيريا، وقد اختفى بمجرد حصر البكتيريا.

أجرى الباحثون كثيرًا من التجارب اللاحقة التي أظهرت أن قوة المادة الغامضة، التي يُطلَق عليها عامل الهواء الطَّلْق، اختلفَتْ من ليلة لأخرى. إلا أنه مع اختفاء شبح الحرب البيولوجية، تراجَعَ الاهتمام بأبحاثهم.

ولكن، ألم يَحِن الوقتُ لننفض الغبار عن التقارير القديمة؟ أصبحت الحاجة إلى أسلحة جديدة لمحاربة العدوى ملحَّة أكثر من أي وقت مضى، في ظل تزايد أعداد مسبِّبات الأمراض التي تطوِّر مقاومة للمضادات الحيوية التي اعتدنا على استخدامها للقضاء عليها. من ثَمَّ، فإن الباحثين يتحوَّلون إلى استخدام أساليب مكافحة العدوى التي كانت شائعةً في وقت مبكر. وتقول ستيفاني دانسر، عالمة الأحياء الدقيقة بمستشفى هيرمايرز في إيست كيلبرايد بالمملكة المتحدة، التي تحاوِل إحياء الاهتمام بهذه الاستراتيجيات: «لم يحدث من قبلُ أن شاهدنا عدم تماثُل المرضى للشفاء؛ وذلك لأننا نستنفد ما لدينا من مضادات حيوية؛ ولهذا فإننا نعود أدراجنا إلى البداية.»

لم يكن الباحثون في مجمع بورتون داون للأبحاث الميكروبيولوجية أول مَن اهتموا بالفوائد الطبية للهواء النقي؛ ففي منتصف القرن التاسع عشر، كانت نسبة موت الجنود البريطانيين في ساحة المعركة في حرب القرم أقل من نسبة وفاتهم بفعل الأمراض التي أُصِيبوا بها نتيجة عدم نظافة المستشفيات الميدانية. اشتهرت فلورنس نايتينجيل — الرائدة في مجال التمريض — بقدرتها على خفض معدلات الوفاة في المستشفيات؛ بإدخالها عددًا كبيرًا من التحسينات، من بينها تجديد هواء الغُرَف. وعند عودتها إلى وطنها، طبَّقت نايتينجيل تلك الدروس المستفادة في المستشفيات البريطانية، وكتبَتْ قائلةً: «من الضروري تجديد الهواء باستمرار حول المريض؛ من أجل التخلُّص من الفضلات المُمْرضة من الرئتين والجلد.»

أصبحت العيادات التي بُنيَت وفقًا للتصميم الذي تصوَّرته نايتينجيل، والذي يسمح بدخول الضوء والهواء، تُعرَف باسم أجنحة نايتينجيل، وكانت الغُرَف طويلة ذات مساحات صغيرة مزوَّدة بنوافذ بأطر منزلقة تصل إلى السقف وتسمح بدخول الهواء النقي إلى الغرف. لم يساعد هذا التصميم في إضعاف العوامل المُمرضة التي تنتقل عبر الهواء فحسب، بل في القضاء عليها أيضًا بفاعلية؛ وذلك وفقًا للأبحاث التي أُجرِيت في مجمع بورتون داون.

كان هناك جانب آخَر جوهري تتميَّز به أجنحة نايتينجيل؛ وهو أن جوانبها الطويلة تواجِه الجنوب؛ وذلك للسماح بدخول قدر وافر من أشعة الشمس، وسرعان ما أصبحت الفوائد الصحية لأشعة الشمس معروفةً على نطاقٍ واسع، ولا سيما للأشخاص الذين يعانون من مرض السل، والذي تسبَّبَ في ذلك الوقت في نحو حالة وفاة واحدة من كلِّ خمس حالات وفاة في المدن المزدحمة.

من ثَمَّ، فإن أشعة الشمس لا تساعد في قتل البكتيريا التي تنتقل عبر الهواء والبكتيريا المتواجدة على الجلد فحسب، بل يبدو أيضًا أنها تقتل ميكروبات مرض السل في الجسم، من خلال تعزيز إنتاج فيتامين «د» الذي يؤثِّر على الجهاز المناعي للجسم. قبل مطلع القرن الماضي، لاقَتْ «عيادات الشمس» رواجًا، وكانت تستخدم الهواء النقي وضوء الشمس كجزء من علاج مرض السل؛ حيث كانت الأسرَّة في المستشفيات مزوَّدة بعَجَلٍ من أجل دفعها إلى الشرفات أو الغرف الزجاجية المطلية بطبقة خاصة تسمح بنفاذ الأشعة فوق البنفسجية.

في نهاية الأمر، ابتُكِرَت المصابيح التي يصدر عنها الأشعة فوق البنفسجية من أجل استخدامها في المستشفيات، ولكنها لم تَعُدْ مفضَّلة مع ظهور مخاطر الإصابة بسرطان الجلد وإعتام عدسة العين (المياه البيضاء على العين). في الوقت الحالي، لم تَعُدْ هذه المصابيح تُستخدَم عمومًا إلا في تعقيم الأدوات الجراحية.

معجزة في صحن

تغيَّرَ كلُّ شيء في مجال الطب خلال السنوات التي أعقبت اكتشاف ألكسندر فلمنج الشهير لصحن البكتيريا الذي تكوَّنَ عليه العفنُ، حين كان يقضي إجازته. وبالمقارنة بالقوى شبه الإعجازية للبنسلين والمضادات الحيوية الأخرى، بَدَا ضوء الشمس والهواء النقي غير صالحين لمقاومة الأمراض.

بحلول ستينيات القرن العشرين، اعتقَدَ الكثير من الأطباء أنهم سيتمكَّنون قريبًا من القضاء على الأمراض المعدية. وتقول دانسر: «أخذنا نكتشف مضادًّا حيويًّا جديدًا واحدًا تلو الآخَر. لم يكن لعامل الهواء الطلق أن يثير اهتمامًا كبيرًا؛ لأنه عندما يُصاب المريض بعدوى، فإنه يتناول مضادًّا حيويًّا وتتحسن صحته.»

إن الفكرة القائلة بأن الهواء النقي وأشعة الشمس مفيدان لنا إلى حدٍّ ما ظلت راسخةً في الوعي العام، إلا أن المستشفيات تحوَّلَتْ عن مبادئ نايتينجيل، وأغلقت نوافذها وحجبت أشعة الشمس عن الغُرَف. وما إن أبرزت أزمة النفط التي وقعت في سبعينيات القرن العشرين كفاءةَ استهلاكِ الطاقة، حتى أخذت فكرة فتح النوافذ، التي تتسبَّب في تسرُّب الحرارة الثمينة، تختفي تدريجيًّا لتحلَّ محلها نُظُمُ التهوية الميكانيكية التي تعمل على تدوير الهواء وتمريره من خلال فلاتر.

أصبحت اليوم الحاجة ملحَّة لكفاءة استهلاك الطاقة أكثر من أي وقت مضى، ولكن تبدَّدَتْ منذ أمد بعيد الآمال التي كانت معقودة على التغلُّب بنجاح على الأمراض المُعْدية؛ إذ اكتُشِفت أمراض معدية جديدة بمعدل مرض واحد سنويًّا خلال الثلاثين عامًا الماضية، وخلال العقد الماضي قضينا على أوبئة محتملة من مرض سارس وأنفلونزا الطيور.

علاوةً على ذلك، عاودت الأمراض، التي تمكَّنَّا من علاجها بسهولة في الستينيات من القرن العشرين، الانتشار مجدَّدًا ولكن في صور مقاوِمة للمضادات الحيوية، من بينها مرض السل والالتهاب الرئوي والسيلان. والمستشفيات ذاتها هي أحد أكبر مصادر انتشار مرض الإسهال المقاوِم للمضادات الحيوية، وكذلك عدوى الجرح؛ ففي المملكة المتحدة، يُصاب نحو ٩ بالمائة من مرضى المستشفيات بعدوى جديدة أثناء إقامتهم بها.

وما يزيد الطين بلة هو وجود نقص في المضادات الحيوية الجديدة؛ فمنذ عام ١٩٩٠، انخفض عدد الشركات الكبرى التي تحاوِل ابتكار هذه الأدوية من ١٨ إلى ٤. وهذا العام، اهتمَّتْ سالي ديفيز، رئيس الخدمات الطبية في إنجلترا، بالتركيز على هذه المشكلة في تقريرها السنوي، محذِّرة من مواجهة احتمال بأن تشكِّلَ أمراضٌ — تمكَّنَّا سابقًا من القضاء عليها بسهولة — مخاطرَ أكبر بكثير على صحتنا.

على الرغم من نقص إنتاج المضادات الحيوية التقليدية، إلا أن هناك بدائل متنوعة في طور التصنيع، والتي تشمل أدوية «منع النِّصاب» التي تقوم فقط بمنع البكتيريا من شنِّ هجوم على جسم الإنسان بدلًا من القضاء عليها، وتقل احتمالات تَسَبُّب هذه الأدوية في مقاومة مقارنة بالمضادات الحيوية التقليدية. وهناك خيار آخَر، وهو العلاج بالعَاثِيَات، باستخدام الفيروسات المعدَّلة وراثيًّا من أجل تدمير البكتيريا.

مع ذلك، فإن هذه الاستراتيجيات لن تُستخدَم في العيادات إلا بعد مرور سنوات، وليس من الحكمة أن نعتمد على نجاحها. في هذه الأثناء، يمكِنُنا أن نستعدَّ لمجيء عصر ما بعد المضادات الحيوية، الذي يلوح في الآفاق من خلال تعلُّم بعض الدروس من عصر ما قبل المضادات الحيوية. ليس هناك مَن يزعم أن إزاحة الستائر وفتح بعض النوافذ قد يساعد في علاج المصابين بالأمراض، ولكن إدخال بعضٍ من التغييرات على تصميم المستشفى قد يساعد في تجنُّب انتقال الأمراض إلى مَن لم يُصَابوا بها بعدُ.

أيضًا، هناك طريقة أخرى عتيقة الطراز للوقاية من الأمراض تجدي نفعًا بالفعل؛ فمجرد جعل الموظفين يهتمون بغسل أيديهم أكثر يثبت فاعليته في مكافحة انتشار البكتيريا الخارقة؛ مثل العنقوديات الذهبية المقاوِمة للمثسلين والمِطَثيَّة اﻟﻌَﺴﻴﺮة في المملكة المتحدة؛ على سبيل المثال، انخفضت معدلات الإصابة ببكتيريا العنقوديات الذهبية المقاوِمة للمثسلين بمستشفيات المملكة المتحدة بنحو ٨٠ بالمائة بعدما بلغت ذروتها في عام ٢٠٠٤. وغسل اليدين ليس العامل الوحيد في الوقاية، لكنه عامل مهم؛ فكلما زادت نسبة استخدام المستشفيات لمطهِّر اليدين الذي يحتوي على الكحول، قلَّتْ لديها معدلات الإصابة ببكتيريا العنقوديات الذهبية المقاوِمة للمثسلين.

ومن الممكن أن نحصل على منافع شبيهة لمكافحة العدوى من خلال إحياء العادات القديمة بالاعتماد على الهواء النقي وأشعة الشمس. فتقول دانسر: «لا بد من تصميم المستشفيات في المستقبل بما يتيح فتح النوافذ وإمكانية دفع أسرَّة المرضى خارج الغرف.»

لم تكن دانسر تُطالِب بمفردها بتطبيق هذا الأمر؛ فلقد تولَّى فريق من جامعة إمبريال كوليدج لندن إجراء أبحاث في عيادات مدينة ليما بجمهورية بيرو، لمعرفة إن كانت الأساليب التقليدية قد تحدُّ من انتشار مرض السلِّ الذي ينتقل عبر الهواء، ولا سيما بين الأشخاص المصابين بفيروس نقص المناعة البشري والمعرَّضين للإصابة بمرض السل بسبب ضعف الجهاز المناعي. يقول رود إسكومب — اخْتِصَاصِيُّ الوَبائِيَّات: «إن معظم حالات انتقال مرض السل تحدث عندما يحدث اختلاط بين حالات الإصابة غير المشخَّصَة والحالات المعرَّضَة للإصابة. وتُعَدُّ غُرَفُ الانتظار المزدحمة، ومثلها العيادات الخارجية وأقسام الطوارئ، بيئةً ملائمة لانتشار هذا المرض.»

يوجد في مدينة ليما مزيج من المستشفيات العتيقة الطراز التي تعتمد على تيار الهواء العادي، والمستشفيات الحديثة المزوَّدَة بوسائل التهوية الميكانيكية. وقد أظهر فريق إسكومب أن معدلات التهوية في المستشفيات القديمة كانت أكثر من ضعف تلك الموجودة في المباني الحديثة؛ وذلك من خلال إطلاق طفايات حريق تحتوي على ثاني أكسيد الكربون في المستشفيات، وقياس الوقت المستغرق لانقشاع الغاز.

وأثمرت هذه الدراسة عن أن مديري المستشفيات في مدينة ليما يحاولون بالفعل إضافة نوافذ ومناور أينما أمكن. ويقول كارلتون إيفانز — باحِث في مجال الأمراض المُعْدية في جامعة كايتانو هيريديا في مدينة ليما، والذي شارَكَ في هذه الدراسة: «إن التصميم الهندسي الذي يسمح بمرور قَدْرٍ من النسيم له فعالية بالغة.»

مع ذلك، فإن تصميم المزيد من المناور أحيانًا لا يكون عمليًّا؛ لذلك بحث الفريق أيضًا دراسة عن إن كانت أشعة الشمس الاصطناعية ستجدي نفعًا أم لا؛ فقاموا بتركيب مجموعة من مصابيح الأشعة فوق البنفسجية العتيقة الطراز في أحد عنابر مرضى السل، مع توجيه المصابيح نحو السقف بحيث يكون النصف العلوي من الغرفة مغمورًا بالضوء دون أن يتعرَّض المرضى للأشعة الصادرة من المصابيح.

وأُجرِي اختبار قياسي للكشف عن مرض السل الذي ينتقل عبر الهواء، من خلال تعريض أقفاص الخنازير الغينية لهواء من العنابر التي خضعت للعلاج بالأشعة فوق البنفسجية، وتلك التي لم تخضع له، وكانت النتيجة أن خفضت المصابيح عدد الحيوانات التي ظهرت عليها علامات الإصابة بمرض السل من ٣٥ بالمائة إلى ١٠ بالمائة، مما يشير إلى أن المصابيح ستوفِّر الحماية للمرضى أيضًا.

حاز هذا البحث على اهتمام العديد من البلدان حول العالم، ولا سيما التي تعاني من ارتفاع معدلات الإصابة بمرض السل وفيروس نقص المناعة البشري، وقد أُجرِي هذا البحث مجدَّدًا في جنوب أفريقيا، حيث يبدو أن الهواء الجاف يعزِّز من تأثير الأشعة فوق البنفسجية بدرجة أكبر. وجرى تركيب هذا النوع من المصابيح في مستشفيات في بيرو وروسيا والبرازيل، وكذلك في مستشفى سانت ماري في لندن بحجرة انتظار عيادة الصدر فيها. إن الحيلولة دون إصابة شخص بمرض السل من الأساس أفضل دائمًا من تناول المضادات الحيوية لفترة زمنية طويلة. يقول إسكومب: «كنَّا نعتقد أننا تمكَّنَّا من إحكام السيطرة على مرض السل، إلا أن ظهور الإصابة بالمرض مجدَّدًا أثارَ الاهتمامَ مرةً أخرى لإيجاد سُبُلٍ لمنع انتقال المرض.»

قد تكون هناك طريقة لجعل الأشعة فوق البنفسجية أكثر أمانًا حتى يتسنَّى استخدامها على نطاق أوسع في المستشفيات. إن الأشعة فوق البنفسجية هي جزء من الطيف يتراوح طوله الموجي ما بين ١٠ و٤٠٠ نانومتر. عند ٢٠٧ نانومترات، تمتص جزيئيات البروتين الأشعة فوق البنفسجية؛ ومن ثَمَّ لا تخترق الأشعة سوى مسافة قصيرة داخل الخلايا البشرية، فلا تصل إلى الحمض النووي لتتسبَّب في حدوث طفرات. من ناحية أخرى، إن حجم الميكروبات أصغر كثيرًا من الخلايا البشرية، لدرجة أنها تمتص الأشعة تمامًا ثم تموت (انظر الرسم).

الأشعة المستخدَمة في التعقيم.
الأشعة المستخدَمة في التعقيم.

ابتُكِرَ الآن مصباح يُطلِق أشعةً فوق بنفسجية يبلغ طولها الموجي ٢٠٧ نانومترات فقط، وأظهرت الدراسات التي أُجرِيت على الخلايا المزروعة في المعمل أن هذا النطاق الضيق من الأشعة لا يضر بمزارع أنسجة الجلد البشري، ولكنه يقتل البكتيريا، ومنها العنقوديات الذهبية المقاومة للمثسلين.

طُوِّرت هذه التكنولوجيا خصوصًا لاستخدامها أثناء العمليات الجراحية لقتل البكتيريا التي تنتقل عبر الهواء ويمكن أن تستقرَّ في الجروح المفتوحة. يقول ديفيد برينر الذي ترأَّسَ البحث بجامعة كولومبيا في مدينة نيويورك: «تسقط البكتيريا كالمطر على الجرح طوال العملية الجراحية.» ويرى برينر أنه يمكن تعزيز جميع مصابيح الإضاءة بالمستشفى بحيث تطلق الأشعة فوق البنفسجية بهذا الطول الموجي المرجوِّ.

إذا تمكَّنَّا من ابتكار مصدر اصطناعي لأشعة الشمس، فهل من الممكن ابتكار شيء مماثل يجعلنا نحصل على فوائد الهواء النقي؟ لقد بُذِلت محاولات لتنظيف هواء المستشفيات غير المتجدِّد باستخدام صورة من عامل الهواء الطلق الذي اكتُشِف منذ ٤٥ عامًا. وتوصَّلَ فريق بورتون داون في نهاية الأمر إلى أن المادة السحرية التي تقتل الجراثيم هي جذور الهيدروكسيل، وهي عبارة عن جزيئات دورة حياتها قصيرة تنتج باستمرار عن التفاعلات بين الأوزون والمياه في الغلاف الجوي، وتُحفَّز التفاعلات بفعل المواد الكيميائية العضوية التي تنتجها النباتات وتنتقل عبر الهواء.

قامت شركة بريطانية تُدعَى إنوف ٨ لفترة قصيرة بتسويق جهاز محمول للمستشفيات يعمل على إنتاج تيار منتظم من جذور الهيدروكسيل، باستخدام الأوزون والمياه وخراطيش قابلة للاستبدال من مادة محفِّزة عضوية، وأظهرت الشركة أن جذور الهيدروكسيل تعمل على أكسدة الجزيئات البيولوجية وقتل البكتيريا، ولكنها لا تسبِّب الضرر للبشر. وثبت أن الجهاز يعمل على الحد من البكتيريا التي تنتقل عبر الهواء في المستشفيات، إلا أن الشركة توقَّفَتْ عن ممارسة نشاطها العام الماضي.

ربما سيكون من الأيسر فتح النوافذ، مع عدم إغفال العقبات المحتملة، وفقًا لما ذكره جورج شاربلز، عالم الأحياء الدقيقة بجامعة جون موريس في ليفربول بالمملكة المتحدة. في الواقع، تنصُّ لوائح المستشفيات في المملكة المتحدة على أنه يتعيَّن فتح النوافذ القريبة من المرضى لمسافة لا تزيد عن ١٠سم؛ حتى لا يتعرض المرضى للسقوط منها.

برنامج الهواء الطلق

قد تسبِّب تيارات الهواء تبعثُرَ الأجهزة، وقد تحمل معها المزيد من المخاطر الخفية. ويقول شاربلز: «عادةً لا توجد المستشفيات في الوقت الحالي في أماكن نائية، بل في وسط المدن.» مما يعني أن المرضى اليوم سيتعرضون إلى الملوثات الناتجة عن السيارات، أو إذا كانت العيادة بالقرب من مستودع للنفايات، فإنهم سيتعرضون لأبواغ الفطريات التي تشكِّل خطرًا على حديثي الولادة وكبار السن وغيرهم ممَّنْ يعانون ضعف الجهاز المناعي.

تتجه فعليًّا المستشفيات الجديدة نحو توفير مساحات أكبر بداخلها والحد من حالات العدوى المكتسَبَة من المستشفيات، ولكن لا أحد متأكِّد من السبب. ويتساءل مارك ويلكوكس، رئيس قسم الأحياء المجهرية وعلم الأمراض في مستشفيات ليدز التعليمية في المملكة المتحدة: «هل الأمر يتعلَّق بتوفير مساحات أكبر بين المرضى، أم بتدفُّق الهواء بصورة أفضل؟ أم يتعلَّق بتوفير بيئة عمل أفضل للعاملين من أجل الالتزام بصورة أحسن بممارسات منع انتقال العدوى والوقاية منها؟»

إن منظمة الصحة العالمية ليست متكتمة للغاية بخصوص هذا الشأن، فقد نشرت تقريرًا تحثُّ فيه جميع دور تقديم الرعاية الصحية على استخدام التهوية الطبيعية إلى أقصى حدٍّ ممكن، بل استشهدت أيضًا بفلورنس نايتينجيل. في مدينة مومباي بالهند، تخضع إحدى المصحات العتيقة الطراز إلى عملية تجديد لتصبح عيادة مخصَّصة لعلاج الأشخاص المصابين بمرض السل المقاوِم للأدوية، ولجئوا إلى استخدام برنامج الهواء الطلق. يقول إسكومب: «إن هذه العيادة مناسِبة تمامًا لما تتميَّز به من ارتفاع الأسقف والشرفات المفتوحة. لقد عدنا إلى الوضع الأصلي في تصميم المستشفيات.»

لا تُعَدُّ المستشفيات وحدها المكان الذي يساعد تجدُّدُ الهواء النقي فيه على الحدِّ من انتشار الأمراض، بل ثمة فوائد أيضًا في أي مكان يعيش فيه الناس بعضهم بالقرب من بعض؛ فعلى سبيل المثال، كان الجنود الأمريكان المتمركزون في صحراء المملكة العربية السعودية إبَّان حرب الخليج الأولى يُصَابون بالسعال والبرد إذا ناموا في ثكنات مزوَّدة بمكيفات للهواء، أكثر من إصابتهم بهما إذا قضوا ليلتهم في خيم ومخازن. وأظهرت دراسة أخرى أُجرِيت على طلاب الجامعات الصينية أن ٣٥ بالمائة من الطلاب الذين ينامون في غُرَف سيئة التهوية في مهاجع الجامعات، كانوا يُصَابون بالعدوى على مدار العام، مقارَنَةً بنسبة ٥ بالمائة منهم ينامون في غرف ذات تهوية أفضل.

في المستقبل، قد نرى كذلك مهندسين معماريين وأطباء ومديري مبانٍ يتعاونون معًا لضمان أن نحيا ونعمل في بيئات تضع في اعتبارها الميكروبات التي تلازِمنا. وفي ذات الوقت، ربما يتعيَّن علينا أن نعمل بنصائح نايتينجيل ونسمح بدخول الهواء النقي إلى منازلنا متى أمكن. وقد كتبت نايتينجيل: «إن المبدأ الأول في مهنة التمريض والعامل الجوهري الأول للمريض، هو أن نحافِظ على الهواء الذي يتنفسه نقيًّا كالهواء الخارجي دون أن يشعر بالبرودة. ينبغي ألَّا نشعرَ مطلقًا بالخوف من النوافذ المفتوحة.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.