يمكنك التعرُّف على هذه الصورة على الفور — إنها إحدى أشهر الرسوم العلمية على الإطلاق. إنها النسخة الأصلية من «مسيرة التقدم» — التي رُسِمت لكتاب علوم شهير عام ١٩٦٥ — وفيها اصطفَّ جميع الأقرباء الأوائل للبشر المعروفين آنذاك، وفقًا للترتيب الزمني. وقد رسمهم الفنان رودولف زالينجر وهم يمشون بخُطًا واسعة عازمة بعرض الصفحة، يزداد تطوُّرهم مع كل خطوة على ما يبدو. فأعطى الرسم انطباعًا — على الرغم من أن الكتاب يقول شيئًا آخر — بأن عملية التطور البشري كانت مسيرة تقدمية خطية بدءًا من كائنات صغيرة الدماغ تتسلق الأشجار إلى الإنسان الحديث كبير الدماغ ذي القدمين.

إعادة النظر في أقربائنا.
إعادة النظر في أقربائنا.

وقد تعرَّضت تلك الصورة التي نُقِلت مرارًا وتكرارًا إلى النقد لفرط تبسيطها، إلا أنه حتى وقت قريب لم يكن أحدٌ ليعتقد أن ماضينا التطوري أكثر تعقيدًا بكثير، باستثناء بعض الأفرع الجانبية الغريبة التي لا تنتهي إلى شيء. إلا أنه ثمة سلسلة من الحفريات الجديدة ظهرت في الآونة الأخيرة تضطرنا لإعادة النظر.

على وجه التحديد، يبدو وكأن أنواعًا عديدة من القردة الشبيهة بالبشر كانت موجودة في الفترة الحيوية التي تتراوح ما بين ٢٫٥ و١٫٨ مليون سنة مضت، عندما تطورت أولى القردة المنتصبة ذات الأدمغة الكبيرة نسبيًّا. والأدهى من ذلك أن أشباه البشر الذين استوطنوا شرق أفريقيا من سلالة الإنسانيات — والذين طالما اعتُبِروا أسلافنا المباشرين — قد يكونون أبناء عمومتنا لا أكثر، بينما تكمن أصولنا الحقيقية جنوبًا. وربما نحتاج إلى إعادة رسم شجرة عائلتنا بأكملها.

بدت القصة واضحة تمامًا فيما مضى. فنحو بداية القرن العشرين، شرع علماء الأنثروبولوجيا في استخراج حفريات نوع من السلالات كبيرة الدماغ ذات قدمين من الأرض، وأُطلِق عليه فيما بعد «الإنسان المنتصب». وحاليًّا لم يعد ثمة شك في أن الإنسان المنتصب — الذي عاش في الفترة منذ نحو ١٫٨ مليون سنة مضت إلى ٥٥٠ ألف سنة مضت في كلٍّ من أفريقيا وآسيا — كان أحد أسلافنا المباشرين؛ فقد كان باستطاعته أن يصنع أدوات حجرية متطورة، وربما تمكن كذلك من إشعال النار والتحكم فيها.

بعد ذلك، سرعان ما راحت تظهر حفريات أقرباء أقدم للبشر في أفريقيا. كان أول ظهور للقردة الجنوبية — مثلما تُعرَف مجتمعةً — منذ نحو ٤٫٥ مليون سنة؛ أي قبل ظهور الإنسان المنتصب بفترة طويلة. كانت تلك القردة تسير على قدمين مثلنا ولكن كانت أدمغتها أصغر بكثير. فما كانت صلة قرابتها بالإنسان المنتصب؟ قبل نشر «مسيرة التقدم» ببضعة أعوام، ظن علماء الأنثروبولوجيا أنهم عثروا على «الحلقة المفقودة».

يأتي هنا أحد أشباه البشر الذي عُثِر عليه في منطقة أولدوفاي جورج في تنزانيا عام ١٩٦٠ ليسد الفجوة بين القردة الجنوبية والجنس البشري. تنتمي البقايا المفتتة إلى أحد الأنواع التي تتمتع بدماغ أكبر من القردة الجنوبية المتوسطة بنسبة تقارب ٥٠ في المائة، وإن كان حجمها نصف حجم الدماغ البشري. ظهر هذا النوع لأول مرة منذ نحو ٢٫٣ مليون عام؛ أي في نفس فترة اختفاء معظم القردة الجنوبية وقبل نشوء الإنسان المنتصب. وقد كانت المنطقة التي عاش بها في شرق أفريقيا موطن القردة الجنوبية صغيرة الدماغ سابقًا، واستوطنها فيما بعد الإنسان المنتصب.

اختار مكتشفو ذلك الكائن الشبيه بالبشر أن يجعلوه أول عضو في جنسنا، وأسموه الإنسان الماهر. ويقول لي بيرجر من جامعة فيتفوترسراند في جوهانسبرج بجنوب أفريقيا: إنه طيلة السنوات الخمسين الماضية، احتلَّ الإنسان الماهر موقع الصدارة في قصة أصول الجنس البشري. فببساطة كان الإنسان الماهر شبيه البشر المناسب في المكان المناسب والزمان المناسب ليكون سلفنا المباشر.

ولم يكن شبيه البشر ذلك هو الوحيد الموجود آنذاك. ففي الأعوام السابقة على اكتشاف الإنسان الماهر، عُثِر على قرد جنوبي آخر صار يُعرف الآن باسم بارانثروبوس بويزي. إلا أنه كان يحمل ملامح غير معتادة أشبه بالغوريلَّا، ومن الواضح أنه فرع جانبي في شجرة العائلة البشرية وليس سلفًا مباشرًا للبشر.

ومن ثم فقد بدا أن الأدلة تشير إلى صورة بسيطة لا تختلف كثيرًا عن «مسيرة التقدم». وعلى الرغم من الاكتشافات العديدة التي تمت منذ ستينيات القرن العشرين، لا يزال بعض الباحثين يظنون أن الصورة الأساسية بهذه البساطة. فوفقًا لتيم وايت من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، تبدو شجرة تطور أشباه البشر أقرب إلى نبات الصبَّار التقليدي، بسلالة واحدة مركزية وبعض الفروع الجانبية العَرَضية، على غرار بارانثروبوس بويزي.

إلا أنه ثمة أشخاص آخرون يرون أن الاكتشافات الحديثة تشير إلى صورة أعقد بكثير. فقد ظهرت علامات على أن أصولنا أكثر تشابكًا بعد اكتشاف الإنسان الماهر ببضعة أعوام لا أكثر. ففي عام ١٩٧٢، عثر فريق بحثي يعمل في منطقة كوبي فورا شماليِّ كينيا على جمجمة تعود إلى عصر الإنسان الماهر تحوي دماغًا أكبر قليلًا، ووجه أعرض وأكثر تفلطحًا إلى حدٍّ كبير من أي نموذج معروف من الإنسان الماهر؛ أي إن عظام الخدين فيها كانت بارزة.

فما موقع تلك الجمجمة إذن التي يبلغ عمرها ٢ مليون سنة في شجرة تطور الجنس البشري؟ وهل تربطها قرابة بالإنسان الماهر، على الرغم من شكلها غير المألوف؟ أم أنها من نوع قائم بذاته؟

سلف مباشر

أطلق أحد الباحثين على الجمجمة — متوقعًا انتماءها إلى نوع قائم بذاته — اسم إنسان بحيرة رودولف. إلا أن ميف ليكي — الباحثة بمعهد حوض توركانا في نيروبي بكينيا — وأحد أعضاء الفريق الذي عثر على الجمجمة آثرا الالتزام بأرقام العينات؛ فعيَّنوا لتلك الجمجمة رقم كيه إن إم-إي آر ١٤٧٠، أو ١٤٧٠ اختصارًا.

ولقرابة ٤٠ عامًا، ظلت الجمجمة ١٤٧٠ تمثِّل حالة فريدة من نوعها. ولكن ذلك الوضع تغير عام ٢٠٠٧ عندما بدأت ليكي وزملاؤها في العثور على حفريات مماثلة في المنطقة ذاتها. وتقول ميف: «إن عثورنا أخيرًا على حفريات تتلاءم مع الجمجمة ١٤٧٠ لهو شيء يبعث على الرضا بما يعجز عنه الوصف.»

وقد أُميط اللثام عن تلك الاكتشافات، التي تتضمن جزءًا جديدًا من فتات جمجمة ذات ملامح وجه مفلطحة على غرار الجمجمة ١٤٧٠ (مجلة نيتشر، المجلد ٤٨٨، صفحة ٢٠١) العام الماضي. كانت قطعة الجمجمة الجديدة المُكتشَفَة تعود لكائن في سن صغيرة وليس كائنًا ناضجًا. يتبين من ذلك أن الجمجمة ١٤٧٠ لم تكن حالة فريدة من نوعها — على حد قول فريق البحث — وإنما تعود إلى نوع بعينه وُلِد وعاش بوجه مفلطح. وعلى الرغم من وجود بعض أوجه التشابه بين ذلك الوجه المفلطح ووجهنا، فإنه أعرض من أن ينتمي لأسلافنا المباشرين — حسبما يقول فريد سبور من معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية في لايبتسيج بألمانيا، الذي عمل مع ليكي في مشروع الحفريات الجديدة بكوبي فورا.

باكتشاف الإنسان الماهر وبارانثروبوس بويزي، أصبح معنى ذلك أنه كان ثمة ثلاثة أنواع من أشباه البشر في شرق أفريقيا منذ نحو مليونَيْ سنة. أم أنه كان ثمة أنواع أخرى يا ترى؟ إن أحد الألغاز الدائمة في عملية تطور البشر هي مكان نشأة الإنسان المنتصب؛ وهو أول نوع اتفق كثيرون على كونه سلفنا المباشر، فجذوره يكتنفها الغموض. بل إن بعض الباحثين يشيرون إلى أنه خرج من أوراسيا (وهي المنطقة التي تقع بين أوروبا وآسيا) منذ نحو ١٫٨ مليون عام مضى (مجلة نيو ساينتيست، ١١ مايو، صفحة ٤٠).

إلا أن ثمة جزءًا من جمجمة عُثِر عليه في كوبي فورا يبلغ عمره مليوني عام يلقي بظلال الشك على هذه النظرية. ورغم أنه جزء صغير الحجم، فإنه يشبه الإنسان المنتصب إلى حدٍّ مذهل؛ مما يثير احتمالًا مثيرًا بأنه ربما قد عاش في شرق أفريقيا في نفس الزمن مع الإنسان الماهر وسلالة الجمجمة ١٤٧٠. وإن حقيقة وجودهم معًا لا تستبعد أن يكون الإنسان الماهر هو السلف المباشر للإنسان المنتصب، ولكنها تشير فعلًا إلى علاقة أعقد مما تخيَّلنا.

إن وجود أربعة أنواع من أشباه البشر في الوقت نفسه لأمر عجيب. بل إن برنارد وود — من جامعة جورج واشنطن في واشنطن العاصمة — يشير إلى احتمال وجود نوع آخر من أشباه البشر أيضًا آنذاك.

ذلك النوع هو أقلهم شهرة. ففي تسعينيات القرن العشرين، قام وود بتحليل جميع المواد المُكتَشَفَة في كوبي فورا حتى ذلك الحين. وعلى الرغم من افتقار جمجمة ١٤٧٠ إلى عظمة الفك، فقد توقَّع وود أنها تمتعت بفك قوي وأسنان كبيرة. والحقيقة أن ثمة عظمة فكٍّ وحيدة ضمن مجموعات الحفريات المكتشفة في كوبي فورا أيَّدت توقعاته. ومنذئذٍ، ساد ظن بأن تلك الحفرية تنتمي إلى سلالة الجمجمة ١٤٧٠.

ولكن هذا الاعتقاد لم يدُم؛ إذ عثرت ليكي وفريقها بعد ذلك على عظمتي فك أكثر تلاؤمًا بكثير مع النوع الجديد ذي الوجه المفلطح — والجمجمة ١٤٧٠ — من عظمة الفك التي حددها وود. وقال وود: «لا يمكن أن يكون المرء مصيبًا دائمًا.»

ولكن هذا لا يحل مسألة حفرية الفك غير المألوفة. قدَّم وود اقتراحًا جريئًا في تعليق نُشِر بجانب بحث كوبي فورا الذي أُجرِي في العام الماضي؛ فقال: إن عظمة الفكِّ قد تكون دليلًا على وجود سلالة أخرى شبيهة بالبشر عاشت منذ نحو مليوني عام (مجلة نيتشر، المجلد ٤٨٨، صفحة ١٦٢). ويؤكد سبور أن فريق ليكي لا يشارك وود هذا التأويل بالضرورة.

إذن، فربما كان شرق أفريقيا موطنًا لخمسة أنواع من أشباه البشر وقتما بدأ نوعنا يمشي على قدميه. غير أن الصلة التي تجمع بينهم جميعًا غير واضحة بالمرة (انظر الشكل)، إلا أن الإنسان الماهر يبدو السلف المباشر الأكثر ترجيحًا للبشر.

ثلاث رؤى متنافسة لشجرة العائلة البشرية: يمكن تفسير الحفريات المكتشَفَة حتى الآن بعدة طرق متباينة.
ثلاث رؤى متنافسة لشجرة العائلة البشرية: يمكن تفسير الحفريات المكتشَفَة حتى الآن بعدة طرق متباينة.

النشأة في جنوب أفريقيا

أو هكذا بدا الأمر حتى ظهر كشف غير متوقع على بُعد آلاف الكيلومترات جنوبيِّ كوبي فورا وأولدوفاي جورج. ففي عام ٢٠٠٨، عثر ماثيو ابن لي بيرجر الذي كان في التاسعة من عمره آنذاك على أول حفرية لنوع آخر من أشباه البشر، في بقعة في جنوب أفريقيا تُدعَى مالابا شمال غرب جوهانسبرج. وسرعان ما استخرج فريق بيرجر من الأرض هيكلين عظميين عمرهما مليونا عام محفوظين حفظًا ممتازًا، حتى إنه ربما كان ثمة أجزاء من الجلد ما زالت ملتصقة ببعض العظم. وقد تم الكشف عن شبيه البشر ذاك عام ٢٠١٠، وأطلقوا عليه اسم أوسترالوبيثيكوس سيديبا.

بإضافته إلى أشباه البشر في شرق أفريقيا، يعنى ذلك أن ثمة ستة أنواع منها كانت تعيش في أفريقيا منذ مليونَي سنة — وهو مستوًى من التنوع غير مسبوق خلال سبعة ملايين سنة من تطور أشباه البشر. ويمكن القول: إن أوسترالوبيثيكوس سيديبا هو أكثر الأنواع الستة إثارةً للدهشة.

يشبه أوسترالوبيثيكوس سيديبا غيره من القردة الجنوبية من عدة نواحٍ، منها مثلًا حجم الدماغ. ولكن ما يجعله قردًا غريبًا هو أنه يشبه البشر من نواحٍ أخرى (انظر الشكل أدناه). فيقول بيرجر: «في مختلف أنحاء الجسد — من الرأس حتى القدمين — يشترك أوسترالوبيثيكوس سيديبا مع الجنس البشري في عدد كبير من الخصائص.»

قرد غريب: يحمل أوسترالوبيثيكوس سيديبا خليطًا عجيبًا من الخصائص.
قرد غريب: يحمل أوسترالوبيثيكوس سيديبا خليطًا عجيبًا من الخصائص.

كلما نظر بيرجر إلى الهيكلين العظميين، ازداد اقتناعًا بأن أوسترالوبيثيكوس سيديبا نوع محوري في شجرة عائلتنا. فهو يرى أن الخصائص التي يمتلكها — بما في ذلك الأسنان الصغيرة الشبيهة بأسنان البشر والخصر مستدق الطرف الشبيه بخصر البشر — تضعه على السلالة المفضية إلى الإنسان المنتصب (مجلة ساينس، المجلد ٣٤٠، صفحة ١٦٣).

ولكن النقاد ما لبثوا أن أشاروا إلى أن أوسترالوبيثيكوس سيديبا مختلف عن الإنسان الماهر في كل شيء؛ فهو قرد جنوبي ذو دماغ صغير عاش في جنوب أفريقيا منذ مليونَي عام؛ أي بعد ظهور الإنسان الماهر الذي يتمتع بدماغ أكبر في شرق أفريقيا بما لا يقل عن ٣٠٠ ألف عام. ويُقال: إن أوسترالوبيثيكوس سيديبا هو شبيه البشر غير المناسب في المكان غير المناسب والزمان غير المناسب ليكون سلفنا المباشر. ويقول سبور: «إنه أصغر من أن يكون هو أصل الجنس البشري.»

قدَّم بيرجر ردًّا بسيطًا على هذا النقد، فقال: إن الإنسان الماهر — أقدم عضو في نوعنا — ليس أحد أسلافنا المباشرين. فدماغه الكبير نسبيًّا الشبيه بدماغ البشر يوحي لنا بأنه سلفنا المباشر، ولكن المظاهر يمكن أن تكون خادعة. ويقول: «إن أوسترالوبيثيكوس سيديبا مرشح أفضل مما كان عليه الإنسان الماهر يومًا لأن يكون أصل الإنسان المنتصب؛ فيداه وأسنانه وما يمكننا تبيُّنه من شكل جمجمته — فيما عدا سعتها — أكثر شبهًا بالإنسان المنتصب.»

معنى ذلك — على حد قوله — أن الأدمغة الكبيرة تطورت مرتين. فتطور القرد الجنوبي ذي الدماغ الصغير الذي استوطن شرق أفريقيا إلى الإنسان الماهر ذي الدماغ الكبير منذ نحو ٢٫٣ مليون سنة، إلا أن تلك السلالة انقرضت. وبعد مرور بعض الوقت، تطور القرد الجنوبي الذي استوطن جنوب أفريقيا والوثيق الصلة بأوسترالوبيثيكوس سيديبا إلى الإنسان المنتصب ذي الدماغ الكبير، واستمرت تلك السلالة لتخرج من ذريتها سائر البشرية. ومن ثم فإن بيرجر لا يزعم أن أوسترالوبيثيكوس سيديبا نفسه هو قريبنا المباشر، وإنما أنَّ سلفنا الحقيقي كان قردًا جنوبيًّا يشبهه كثيرًا عاش في نفس المنطقة ونفس الزمن تقريبًا.

واجهت أفكار بيرجر نقدًا شديدًا. فقد تجاهل وايت — على سبيل المثال — مزاعم بيرجر المتعلقة بأوسترالوبيثيكوس سيديبا. وبينما يرى بيرجر مجموعة من الخصائص الشبيهة بالبشر، يرى وايت تشريحًا مختلطًا غريبًا لا يمكن أن يمثِّل المخطَّط النموذجي لجنسنا. غير أن وايت يقر أن أوسترالوبيثيكوس سيديبا هو — على الأقل — نوع جديد بلا جدال. ولا يسري ذلك على جميع الحفريات المكتشَفَة في شرق أفريقيا.

يقول وايت: «إن وود وزملاءه يقسِّمون الحفرية تقسيمات رفيعة جدًّا بقولهم: إن تلك التباينات الطفيفة تمثِّل سلالات منفصلة.» ويقول: إن البشر في الزمن الحديث بينهم اختلافات، ولكننا جميعًا ننتمي إلى النوع ذاته. ويرى أنه بالمثل تنتمي جميع الحفريات المكتشَفة في كوبي فورا إلى نوع واحد، على الرغم من اختلاف الشكل.

رفض سبور رَأْيَ وايت المتعلق بحفريات كوبي فورا، وقال: «ليت تيم يقدِّم إحصاءات تثبت وجود نوع من الرئيسيات متنوع بما يكفي لضم كل تلك السمات التي وجدناها!»

نظرًا لكون أشكال العظام مفتوحة أمام التفسيرات المختلفة، هل من سبيل آخر لمعالجة تلك المسألة؟ اللافت للنظر أنه ثمة سبيل آخر فعلًا؛ فالكربون الموجود في مينا الأسنان يحوي دلائل على أنواع الطعام التي كان صاحب هذه الأسنان يتناولها. فإذا كان لأصحاب العظام مختلفة الشكل أنظمة غذائية متمايزة لعضَّد ذلك الرأي القائل: إن كل منها نوع قائم بذاته.

حتى وقت قريب، ظن الباحثون أن الأنظمة الغذائية لأشباه البشر متماثلة نسبيًّا. فعلى الأرجح معظم القردة الجنوبية كانت تتغذى على البذور والدرنيات، بينما نزع أفراد الجنس البشري تقريبًا إلى إضافة بعض اللحوم إلى الخضراوات. والآن صرنا نعلم أن الأمور كانت أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.

في عام ٢٠١١، تولى تُوره سرلينج من جامعة يوتا في سولت ليك سيتي مهمة تحليل أسنان بارانثروبوس بويزي. كان ذلك النوع يتميز بأسنان كبيرة ومتينة إلى حد أنه كان دائمًا ما يُعتبَر آكل بذور ودرنيات بالأساس، ولكن المثير للدهشة أن تحليل سرلينج أشار إلى أن بارانثروبوس بويزي ربما يكون قد أمضى أيامه في أكل الحشائش — وهو نظام غذائي خاص فريد من نوعه بالنسبة إلى أشباه البشر ويكاد يكون منعدمًا فيما بين القردة (دورية بروسيدينجز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينسز، المجلد ١٠٨، صفحة ٩٣٣٧).

وفي العام الماضي، ألقى بيرجر وزملاؤه نظرة على نظائر الكربون التي تحويها أسنان أوسترالوبيثيكوس سيديبا، فكشفوا عن نظام غذائي غني — على نحو غريب — بأوراق الشجر والفاكهة بل ولحاء الأشجار، على الرغم من انتشار الحشائش في بيئته. ومرة أخرى، كان ذلك نظامًا غذائيًّا خاصًّا لا يشبه النظام الغذائي لأي نوع آخر من أشباه البشر (مجلة نيتشر، المجلد ٤٨٧، صفحة ٩٠).

وتشير آخر أعمال سرلينج — المنشورة الشهر الماضي — إلى احتمال وجود أنظمة غذائية خاصة لدى بعض أشباه البشر الآخرين الذين عاشوا من مليونَي عام، أهمها احتمال اشتراك سلالة الجمجمة ١٤٧٠ ذات الوجه المفلطح غير المألوف مع بارانثروبوس بويزي في نظام غذائي مشابه؛ فالأسنان التي نُسِبت إلى تلك السلالة تحوي النظائر ذاتها التي تحمل طابع الغذاء الغني بالحشائش. إلا أن الحفريات التي تُنسَب عادةً للإنسان الماهر ترجِّح أن ذلك النوع من أشباه البشر كان أقل اعتمادًا على الحشائش في غذائه.

وعليه فقد أيَّدت دراسة الأنظمة الغذائية فكرة أنه كان ثمة أنواع عدة من أشباه البشر يعيشون جنبًا إلى جنب، وذلك بإثباتها أنهم كانوا يستخدمون موارد مختلفة. ويقول سرلينج: «هذا العمل يفتح فعلًا مسألة تحديد كيفية تقاسم تلك الكائنات المساحة المتاحة لها.»

أما اللغز الذي لم تحله هذه الدراسة فهو مسألة ما إن كان سلفنا المباشر هو الإنسانَ الماهر أم قردًا جنوبيًّا شبيهًا بأوسترالوبيثيكوس سيديبا. ولن يساعد على حلِّ هذه المسألة سوى اكتشاف حلقات وصل متوسطة واضحة. ولكننا إذا كنا قد توصلنا لبعض المعلومات خلال السنوات القليلة الماضية، فسنجد أنه من المرجح أن تطرح الاكتشافات الجديدة أسئلة أكثر مما تجيب.

إلا أن وود متأكد من اتجاه سير الأمور على الأقل. فهو يتوقع أنه بحلول عام ٢٠٦٤ — بعد مرور قرن على وصف أول اكتشاف للإنسان الماهر، و٩٩ عامًا على «مسيرة التقدم» — ستزداد فروع شجرة عائلتنا كثافة وتشابكًا عما هي عليه الآن في نظره. وإذا استمرت الاكتشافات في التتابع بسرعة وكثافة، قد لا نضطر إلى الانتظار كل ذلك الوقت لكي نعرف ما إذا كان مصيبًا أم مخطئًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Gamal Shaker ·١٣ أبريل ٢٠١٦، ٠:١٩ ص

    حشرات : وضفادع : وغوريــلات * وكل : ما: هو : آت : آت