اضطرت الألعاب الأولمبية الأخيرة للمعاقين الأصحاء منا إلى إيلاء الأقلية المعاقة بيننا اهتمامًا بالغًا، ربما للمرة الأولى. وتمثلّ أحد الإنجازات التي حققتها تلك الألعاب في تسليط الضوء على أوجه اختلاف اللاعبين، وكانت المفارقة أنها جعلت إعاقاتهم أقل لفتًا للنظر بكثير من قدراتهم الاستثنائية. والمواجهات من ذلك القبيل تدفعنا إلى إعادة النظر في كيفية تعريفنا للإعاقة وتقييمها وفي سُبُل تعاملنا مع من «لا يشبهوننا».

المؤرخون الآن بصدد الرجوع إلى موضوع «الجسد»، مثيرين التساؤلات حول كيفية النظر إلى مسألة الإعاقة في بداية أوروبا المعاصرة. على سبيل المثال: ثمة أعمال شائقة حول طبيعة «مهرج» البلاط والدور الذي اضطلع به في إنجلترا تحت حكم آل تيودور، وكان ثمة عاصفة من المؤتمرات والمقالات المخصصة لمعالجة مسألة الإعاقة في أدب عصر النهضة وفنونه.

ويركِّز عملي على الأشخاص المعاقين ذهنيًّا وجسديًّا — لا سيما الأقزام — الذين عاشوا في إسبانيا إبان القرن السادس عشر والقرن السابع عشر. وعلى الرغم من طول غفلة المؤرخين المعاصرين عنهم، فقد اضطلع الأقزام بدور رئيسي بوصفهم مرافقين لآل هابسبورج لفترات طويلة وخدمًا شخصيين مقربين إليهم. وكان لهم خدمهم الخاص، ووفّر لهم الملك السكن والغذاء وكانوا يتلقون الهدايا والثياب بصفة منتظمة.

وفي ذلك الوقت كان الشخص الذي يولَد قزمًا متناسقًا أو غير متناسق (مودونًا) ينتمي إلى فئة تضم «المسوخ» و«الأعاجيب» و«المعجزات». وكانت تلك المفردات تشير إلى شيء أو شخص خارج عن المألوف ولكنه جزء من المخطط الإلهي الأعظم. وكانت المسوخية ظاهرة إيجابية. ففي إطار البلاط الإسباني كان الأقزام يمثلّون أعاجيب يومية: مألوفة واستثنائية في الوقت ذاته. فقد كانت بنيتهم النادرة والعجيبة هي التي جعلتهم جديرين بالوجود في البلاط وتخليد ذكراهم على اللوحات الزيتية إلى جانب ساداتهم وسيداتهم من العائلة المالكة. وبدلًا من أن يُهَمَّشوا، كان الأقزام جزءًا لا يتجزأ من حياة البلاط. أما الأشخاص ذوو الإعاقات الجسدية الأشد — كالسيدات ذوات اللحى — فكان يمكن إحضارهم إلى البلاط الملكي لدراستهم، ولكنهم لم يقيموا فيه بصفة دائمة ولم يظهروا في اللوحات مع العائلة المالكة.

وعلى الرغم من مكانة الأقزام داخل البلاط الملكي فلم يكن هنالك مفر من حقيقة بنيتهم الشاذة، التي جعلت منهم مثارًا للضحك؛ إذ كانت أسماؤهم عادةً ما تظهر إلى جانب أسماء مهرّجي البلاط في سجلات القصر. ونحن نعلم أن الأقزام كانوا يرفّهون عن العائلة المالكة فعلًا في أوقات تناول الطعام بالذات نظرًا لاعتقاد أنّ ما أثاروه من ضحك كان مفيدًا للهضم. ولم يكن الأقزام ولا المخبولون يُدانون لانعدام أخلاقياتهم، لأن حالتهم كانت من صنع الله، في حين أن المهرجين عاديي الطول والذكاء كانوا موضع شك من الناحية الأخلاقية لأنهم اختاروا التصرف كحمقى ومخبولين عوضًا عن أن يحسنوا استغلال مواهبهم الطبيعية. إلا أن مهرجي البلاط كجماعة كانوا مُنتقَدين، وفي عام ١٧٠٠ طردهم جميعًا الملك الجديد من آل بوربون، فيليب الخامس. فقد كان حكم آل هابسبورج الإسبان قد انتهى بوفاة الملك تشارلز الثاني، الثمرة السقيمة لأجيال من تزاوج الأقارب، الذي عجز عن إنجاب وليّ العهد المنتظَر.

وقبل طردهم، كان أحد أدوار الأقزام يتمثّل في تعزيز وهم «الكمال» الذي اشتهر به سادتهم. وكانت تلك وظيفة يؤديها أيضًا بعض الأقزام كشخصيات فرعية في اللوحات الفنية. وكانت فكرة رسم اللوحات هي تجسيد النظرية المتعلقة بالبنية الآدمية لقوام الصفوة، الذي اتسم بالتناسق والرشاقة والبشرة الفاتحة الخالية من العيوب والشموخ والوقار. وساد تصور لتلك البنية باعتبارها نموذجًا لا يمكن إلا لقلة من البشر أن تحققه دون الاستعانة بوسائل اصطناعية، كمستحضرات التجميل، والأحذية ذات الكعب العالي والثياب الفاخرة عالية الجودة. وذلك النموذج النمطي للبنية الطبيعية أو المثالية التي لا تكون طاعنة في السن ولا مفرطة البدانة ولا مفرطة النحافة شديد الشبه بمشاهير اليوم المحسَّنين تكنولوجيًّا.

في عمله الرائد حول الوصم بالعار، ذهب عالم الاجتماع إرفنج جوفمان عام ١٩٦٣ إلى أن: «ثمة … قواعد، مثل تلك المرتبطة باللياقة الجسدية، تأخذ شكل المُثُل وتضع معايير يمر الجميع بمرحلة من حياتهم لا يرقون فيها إلى مستواها». وفي ضوء هذه التوقعات العالية، فَهِمَ المشاهدون المعاصرون الأوائل أن اللوحة يمكن أن تحمل شبهًا واضحًا مع الشخص الجالس أمام الرسام وأنها أيضًا تواري ما بجسده من عيوب وعدم تناسق.

وقد قدَّم البارون ديتريش شتاين — سفير الإمبراطور ماكسميليان الثاني في مدريد — الدليل على وجود فجوة بين الرسم والواقع في وصفه للوحات التي رسمها ألونسو سانشيز كوِيُّو لدون كارلوس — وريث فيليب الثاني — عام ١٥٦٤، والمعروضة حاليًّا في متحف تاريخ الفن بفيينا. فقد أوضح سرد ديتريش شتاين أنه على الرغم من أن اللوحة كانت مجاملة للأمير، فقد كان في الواقع بالغ الشحوب، ولديه كتف أعلى من الأخرى، وكانت ساقه اليمنى أقصر من اليسرى، وكان صدره غائرًا.

وتثير أوجه القصور الجسدية والذهنية لدى آل هابسبورج ذاتهم أسئلة مهمة حول من هو المعاق حقًّا في البلاط الملكي؛ أهو الأمير الراقي مشوَّه الصدر أم القزم المتناسق الذي كان «التشوه» الوحيد الذي يعانيه هو صِغَر حجمه؟ وما معنى أن يكون المرء «طبيعيًّا» في زمن كان المعتاد فيه أن يعاني الناس حالات قضى عليها الطب في العالم المعاصر إلى حد بعيد؟ لا يصح في سياقنا الحديث الاعتماد على التقسيمات الثنائية البسيطة، بل يتحقق الفهم الأفضل للفرق بين الشخص العادي السليم والشخص المعاق إذا ما قيس هذا الفرق بمقياس متدرج، لا على أساس الأحكام المطلقة.

وكما قال الراحل روي بورتر: «لا بد أن يتضمّن تاريخ الأجساد تاريخ إدراكنا الحسي لها». ونأمل أن يكون أحد الآثار الدائمة للألعاب الأولمبية للمعاقين هو حثّنا على تنحية ما نظن أننا نعرفه جانبًا، والنظر مجددًا إلى النصوص والصور المألوفة، وإخراج الأشخاص المعاقين من دائرة الظل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.