في المستقبل القريب، قد يستخدم أطباء الأورام رقاقة بلاستيكية بحجم الإصبع ذات قنوات دقيقة لاستخلاص نحو عشر خلايا سرطانية من عيِّنة دم مأخوذة من أحد المرضى. بعدئذٍ يمكن فحص تلك الخلايا — التي يُطلَق عليها الخلايا السرطانية الجائلة — بحثًا عن اختلالات جينية يمكن لطبيب أورام أن يستهدفها بالعقاقير الأصلح لمهاجمة الورم. ومن شأن أخذ العيِّنات باستمرارٍ أن يمنح الأطباء وسيلة لمراقبة مدى نجاح العلاج، وتحديد ما إذا كان ينبغي زيادة كمية العقار المستخدَم أم تغييره مع تطوُّر المرض.

المصدر: بِركن جلينكر أوغلو.
المصدر: بِركن جلينكر أوغلو.

إنَّ عشرات الشركات تتنافس من أجل النجاح في هذه السوق، التي يُتوقَّع أن يبلغ حجمها ٧٫٩ مليارات دولار أمريكي في السنوات القليلة المقبلة. وقد حصلت أداة تبيعها شركة تابعة لشركة جونسون آند جونسون على موافقة إدارة الأغذية والعقاقير الأمريكية، إلا أنها غير قادرة على اكتشاف الخلايا السرطانية الجائلة عندما تكون موجودة بأعداد قليلة جدًّا — على حد قول دانييل هيبر مدير مركز السرطان بمستشفى ماساتشوستس العام. ولا يمكن للأداة المُستخدَمة في الوقت الراهن أن تلتقط تشكيلة الخلايا الكاملة التي تهرب من شتَّى أنواع الأورام.

إلا أن الجيل الجديد من تلك الرقاقات يبدو واعدًا أكثر؛ فقد أُحرِز بعض التقدم في المختبرات بالفعل، وربما يكون في سبيله إلى بلوغ عيادات الأطباء في السنوات القليلة المقبلة.

ويعمل هيبر — بالتعاون مع مهندس الطب الحيوي محمد تونر وفريقه في مستشفى ماساتشوستس العام — على تطوير رقاقة قادرة على انتزاع أية خلية سرطانية قد تكون سابحة في الدم، وتُبقيها على قيد الحياة حتى يتمكَّن علماء الأمراض من إجراء اختبارات جينومية وجزيئية عليها.

لن يسفر ذلك عن إتاحة إمكانية اكتشاف السرطان في مرحلة مبكرة فحسب، وإنما مراقبته على مَرِّ الزمن أيضًا. وتلك مسألة مهمة؛ إذ إنه بينما ينمو السرطان وينتشر في الجسد، يتغيَّر وتظهر طفرات جينية مختلفة داخل الخلايا.

وبصفة عامة، ستتزايد قيمة حيازة معلومات أدقَّ عن الخلايا السرطانية نظرًا لأن شركات الأدوية بصدد تطوير عقاقير للسرطان مستهدفةً جزيئات بعينها. فمن الممكن أن تنهض تلك العلاجات الموجَّهة بعلاج السرطان إلى حدٍّ بعيد. ويقول مسئولو شركة جينوميات السرطان، فاونديشن مِديسن، إنَّه حتى ٧٠ في المائة من الأورام التي تحللها تحمل بصمات وراثية يمكن أن تؤثر على تكوين العلاج.

المصدر: بِركن جلينكر أوغلو.
المصدر: بِركن جلينكر أوغلو.

وعلى الرغم من أن المجتمع العلمي والطبي عرف منذ فترة طويلة أن السرطان ينتشر عبر مجرى الدم، فلم يكن ثَمَّةَ وسيلة لالتقاط الخلايا السرطانية الجائلة. ويقول تونر: «تلك خلايا نادرة وسط ١٠٠ مليار خلية أخرى.» وتوفر رقاقات الموائع الدقيقة «فرصةً لمعالجة الدم بدقة أكبر ومعرفة ما إذا كان عدد تلك الخلايا مجديًا.»

اشتركت جونسون آند جونسون مع مستشفى ماساتشوستس العام في تطوير الرقاقة الجديدة وصنع منتج تجاري منها. وعلى غرار أدوات أخرى قيد التطوير، تعزل تلك الرقاقة الخلايا السرطانية النادرة عن طريق التخلص من كرات الدم كلها — الحمراء منها والبيضاء — التي يفوق عددها بطبيعة الحال عدد الخلايا السرطانية الجائلة بمليارات. بعد ذلك تُترَك أية خلايا سرطانية في سائل ملائم للحياة، يمكن سحبها منه فُرادى وإخضاعها للدراسة.

ثَمَّةَ أشكال أخرى من تلك التكنولوجيا — منها الأداة التي تبيعها جونسون آند جونسون حاليًّا — تلتقط الخلايا على سطح مادي، وذلك عن طريق غلاف مكوَّن من الأجسام المضادة التي تتعرَّف على البروتين الموجود على أغشية الخلايا في بعض الأورام السرطانية وليس كلها.

وإلى جانب إمكانية تحسين علاج السرطان، يمكن للأدوات القادرة على التقاط الخلايا السرطانية الجائلة أن تساعد علماء الأحياء على كشف أسرار الانتشار القاتل للسرطان.

يقول هيبر: «لم يتسنَّ لأحد قط استيعاب مسألة كيفية انتقال السرطان وانتشاره استيعابًا كاملًا؛ لأننا لم تتوافر لدينا الأدوات اللازمة لدراسته. وهذه هي أول مرة تنظر فيها إلى خلايا سرطانية في مرحلة انتقالية؛ لن تجدها فيها طويلًا، لكنك ستجدها.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.