إننا نعيش في مشهد غير مرئي؛ مشهد على الرغم من أننا لا نستطيع إدراكه مباشرةً فإنه يحدد كل شيء نراه ونفعله. فكل شيء هنالك يتبع مساراته التي لا يمكننا إدراكها حسيًّا، من كوكب يدور حول الشمس إلى صاروخ يتقدم نحو القمر أو قلم رصاص يسقط على الأرض دون اكتراث. ونحن نقاوم هذه المسارات كلما صعدنا جاهدين تلًّا أو سُلَّمًا.

إن الزمكان هو نسيج الكون، بل ربما هو نسيج الواقع نفسه أيضًا. لكن ما هو الزمكان؟
إن الزمكان هو نسيج الكون، بل ربما هو نسيج الواقع نفسه أيضًا. لكن ما هو الزمكان؟

إنه مشهد الزمكان: النسيج الأساسي للكون المادي، وربما للواقع نفسه. على الرغم من أننا لا نرى ارتفاعاته وانخفاضاته، فإننا نشعر بها في صورة تلك القوة التي نسمِّيها الجاذبية. وقد أصبح مفهوم الزمكان، الذي ابتكره الفيزيائي هيرمان مينكوفسكي في القرن العشرين، واستخدمه ألبرت أينشتاين في نظرية النسبية العامة؛ أحدَ أقوى المفاهيم في الفيزياء قاطبةً.

لا يوجد سوى مشكلة واحدة مزعجة، وهي أنه ما من أحد يعرف ماهية الزمكان. تصوَّره أينشتاين كسطح أملس تمامًا، شوَّهته كتلة النجوم والكواكب والمجرات لتوليد الجاذبية. والآن، تُلمِح الإشارات القادمة من مجموعة مختلفة من الأجرام السماوية إلى شيء مختلف، وإذا ما تأكَّدت صحةُ نتائج عمليات الرصد — وهي محل جدل — فإنها تدل على أن مشهد الواقع أكثر وعورةً تمامًا مما اعتقد أينشتاين؛ وهذا قد يعني أن الكلمة الأخيرة لم تكن له في مسألة الزمكان أو الجاذبية؛ وقد يغيِّر إدراكنا عن الكون جذريًّا.

قبل أينشتاين، كان يُعتقَد أن المكان والزمن خاصيتان كونيتان منفصلتان. ففي رأي إسحاق نيوتن، كان المكان والزمن إطارًا صلبًا للخلق، بل وربما نوعًا من تجسُّد الإله، تتجلى فيه إرادة الله من خلال الجاذبية والحركة؛ إذ إنه «مركز حسي» تجلَّى الله للكون عبره. في رأي الكثيرين، توغَّلَ هذا التفسير كثيرًا في عوالم علم اللاهوت غير التقليدي؛ وهكذا سرعان ما نُحيت جانبًا تفسيرات نيوتن الدينية. لكن مَن نظروا في العلم الذي تستند إليه قليلون.

ولم يتَّضِح إلا في منتصف القرن التاسع عشر أن ديناميكا نيوتن لم تستطع شرح دقائق حركة كوكب عطارد الدائرية حول الشمس. تمكَّنت نسبية أينشتاين من عمل ذلك، لكن فقط من خلال دمج كلٍّ من المكان والزمن في كيانٍ كليٍّ واحدٍ لا يمكن فصله رياضيًّا، بحيث يتأثَّر أحدهما بأي عامل يتعرض له الآخَر: متصل الزمكان.

رغم أن رياضيات النسبية تصف خواصَّ الزمكان جيدًا جدًّا، فإنها في طبيعتها الأساسية غير وافية؛ إذ إنها تتركنا نفتِّش عن أية أدلة قائمة على الرصد. إن كل شيء في الكون منغمر في الزمكان، من أكبر المجرات وحتى أصغر الجسيمات، ومن أضعف موجات الراديو وحتى أكثر أشعة الضوء بريقًا؛ ومن ثَمَّ فإن كل الأشياء لا بد من أن تتفاعل معه على نحوٍ ما حسبما يبدو. وهنا نسأل هل كانت تلك التفاعلات تترك أي آثارٍ يمكننا أن نقيسها أو نفسرها، ومن ثَمَّ نستطيع أن نرى الشكل المادي الحقيقي للزمكان؟ يقول جوفاني آملينو-كامليا من جامعة لا سابينزا في روما بإيطاليا: «هذا سؤال رائع، وقد شرعنا في الإجابة عنه.»

في عام ٢٠٠٥، بَدَا أننا رأينا لمحة من الإجابة عن هذا السؤال. مصفوفة التليسكوب ماجيك — تليسكوب تشيرنكوف الكبير لتصوير أشعة جاما في الغلاف الجوي — هي مجموعة من أجهزة الاستقبال العملاقة في لا بالما بجزر الكاناري في إسبانيا، وهي مضبوطة بحيث ترصد الضوء الكوني الأعلى طاقةً: أشعة جاما. في ليلة الثلاثين من يونيو، رصدت المصفوفة دفقة من إشعاع جاما صادرة من ثقب أسود عملاق في قلب المجرة ماركاريان ٥٠١، وهي مجرة تبعد عنا بنحو ٥٠٠ مليون سنة ضوئية. ولم يكن هذا بالأمر غير المتوقَّع؛ إذ تتكهَّن نظرياتنا بأنه كلما وقع شيء داخل هذه الثقوب السوداء، أُطلِق وهج ضوئي. لكن تلك التوهجات الضوئية الكبيرة بالدرجة الكافية ليلتقطها تليسكوب أرضي — حتى إن كان جهازَ استقبالٍ عملاقًا مثل ماجيك — شحيحةٌ ولا تحدث إلا على فترات متباعدة؛ علاوة على أن الوهج الضوئي الذي صدر من مجرة ماركاريان كان أول وهج يُرَى من نوعه.

الزَّبد الكمي

وقد كشف التحليل التفصيلي عن شيء غير معتاد قطعًا عن تلك الدفقة؛ وهو أن الإشعاع المنخفض الطاقة قد وصل قبل الإشعاع المرتفع الطاقة بما يصل إلى ٤ دقائق، وهذا الأمر لم يكن من المفترض أن يحدث لو أن الزمكان يعمل وفقًا لنسبية أينشتاين؛ ففي زمكان النسبية الأملس، تسافر كل أنواع الضوء بنفس السرعة بصرف النظر عن طاقتها. لكن ذلك التأثير جاء متوافقًا تمامًا مع النظريات الأخرى المنافسة التي تحاول وصف الزمكان من ناحية ميكانيكا الكم؛ تلك النظرية التي تختلف تمامًا عن النسبية العامة، وتتعارض معها، والتي تشرح كيف يعمل كل شيء بجانب الجاذبية.

في نظرية الكم، لا شيء ثابت أو يقيني؛ فالجسيمات والطاقة يمكن أن تتغير وتنبثق داخل الوجود وخارجه في أقصر مقياس زمني. يلمح العديد من نظريات جاذبية الكم — «نظريات كل شيء» المنشودة، والتي ستدمج توصيفاتنا للزمكان والجاذبية بميكانيكا الكم — إلى أن شيئًا مشابهًا ينطبق على الزمكان؛ وهو أن الزمكان عبارة عن زبد كمي مضطرب بلا سطح محدد بوضوح، وليس متصلًا أملس. هكذا أصبح مشهد أينشتاين المتموج أكثر شبهًا ببحر متلاطم الأمواج، حيث يجب على الجسيمات والإشعاع أن يشقَّا طريقهما خلاله بصعوبة. وهنا يكون الضوءُ المنخفض الطاقة بأطواله الموجية الأطول أقربَ إلى عابرة محيط تنساب عبر بحر الزبد الكمي دون عراقيل بصفة عامة، أما الضوء العالي الطاقة ذو الأطوال الموجية الأقصر، على الناحية الأخرى، فهو أشبه بقارب صغير يكافح عبر الأمواج.

في عام ١٩٩٨، اقترح آملينو-كامليا وجون إليس — وكانا آنذاك في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية «سيرن» بالقرب من جنيف بسويسرا — أن الضوء العالي الطاقة الصادر من مجرات بعيدة نَشِطة يمكن أن يُستخدَم في التحقُّق من هذا التأثير؛ فالمسافة الشاسعة تتيح للتأثيرات الدقيقة أن تتعاظم على صورة تأخر زمني قابل للرصد. وحسبما يبدو، هذا بالضبط ما رآه تليسكوب ماجيك.

نادرًا ما تكون الأمور بهذه البساطة في الفيزياء، وقد أثارت نتائج عمليات رصد التليسكوب ماجيك مناقشة حيوية. يقول روبرت فاجنر من معهد ماكس بلانك للفيزياء في ميونخ بألمانيا، وهو أحد أفراد الفريق الذي أجرى عملية الرصد الأولى: «لقد أصبح هذا الأمر متناغمًا للغاية.» حين لمح التليسكوب هيس وهجًا آخَر عملاقًا من إحدى المجرات في يوليو ٢٠٠٦، كانت الفرصة مواتية تمامًا لاختبار النظرية؛ والتليسكوب هيس — جهاز التصوير الثلاثي الأبعاد العالي الطاقة — هو تليسكوب تصوير أشعة جاما أيضًا، ويقع في منطقة نائية من ناميبيا. تبعد المجرة التي نحن بصددها — وهي PKS 2155–304 — عن الأرض بمسافة تفوق المسافة بين الأرض وماركاريان ٥٠١ أربع مرات، ومن ثم لا بد من أن التأخر الزمني سيكون أكبر.

لكن … لا شيء. تقول أنيشكا ياهولكوفسكا من جامعة بيير وماري كوري في باريس بفرنسا، وهي أحد أفراد الفريق الذي يحلِّل الإشارات: «إننا لم نَرَ أية إشارة على أي تأخُّر زمني.» إذا ما افترضنا أن الزمكان، أيًّا ما قد تكون ماهيته، ربما يكون واحدًا في كل موضع، فإن هذا يرجح أن التأخر الزمني الأصلي كان شيئًا في صميم طبيعة مصدر أشعة جاما في مجرة ماركاريان ٥٠١. على سبيل المثال، من الممكن تصور أن الجسيمات قد عُجِّلت على طول المجالات المغناطيسية بالقرب من مركز المجرة؛ مما قد يتسبَّب بطبيعة الحال في انبعاث أشعة جاما المنخفضة الطاقة أولًا. لكن، نظرًا لأن ما من أحدٍ يعرف يقينًا ماهية العمليات التي تتم في قلوب المجرات المظلمة تلك، فلا يزال توجد مساحة وافرة للجدل.

وظلت الأمور على هذه الحال حتى العام الماضي، حين اصطدمَتْ بكوكب الأرض أنشطُ أشعة جاما شُوهِدت خلال تاريخنا القصير مع عمليات الرصد.

كان ذلك انفجار أشعة جاما؛ وهو وميض إشعاعي شديد وقصير ليس من قلب مجرة نَشِطة، وإنما ناتج عن الموت الانفجاري لأحد النجوم العملاقة الفائقة. إن انفجاراتِ أشعة جاما شديدةُ البريق لدرجة أن التليسكوبات الحديثة يمكن أن تراها عبر الكون بأكمله، مما يعني أن ضوءها سافَرَ عبر الزمكان لمليارات السنوات.

رغم ذلك، فإن انفجار أشعة جاما الذي رصده التليسكوب فيرمي التابع لوكالة ناسا الفضائية في ٢٧ أبريل ٢٠١٣، والذي يُعرَف عمومًا باسم GRB130427A؛ كان مذهلًا. لقد أمطر كوكب الأرض بأشعة عالية الطاقة من أشعة جاما تفوق تلك التي يطلقها أي انفجارٍ متوسطٍ بعشر مرات، واحتوى على فوتون أشعة جاما كان يحمل طاقة أكبر من الفوتون المرئي ﺑ ٣٥ مليار مرة. أُرسِلت تنبيهات أوتوماتيكية لمراصد في جميع أنحاء العالم، وخلال ساعات كانت مجموعة من التليسكوبات تدرس عواقب الانفجار. وكان آملينو-كامليا أحد العلماء الذين تلقَّوا التنبيه.

في مايو، وزَّع هو وزملاؤه ورقة بحثية تزعم رصد تأخُّر زمني مدته مئات الثواني ما بين أشعة جاما المنخفضة الطاقة وتلك العالية الطاقة الناتجة عن الانفجار. يقول آملينو-كامليا: «إن الأرقام تثبت توافقًا تامًّا، فهذه هي المرة الأولى التي يتوفر فيها دليل قوي على هذه الخاصية.»

وهي أدلة قوية؛ لأنه على النقيض من نتائج عمليات رصد ماركاريان ٥٠١، أمكن مطابقة أوقات وصول الفوتونات المتنوعة الطاقة بالأزمنة المُتكهَّن بها عبر معادلة بسيطة. وهذه العلاقة مُرضية في رأي علماء الرياضيات، وقد تساعدنا أيضًا على رؤية ما يكمن وراء النسبية، في حال هُدِمَت حقًّا؛ إذ ترسم نظريات جاذبية الكم المتنوعة صورًا مختلفة للزمكان، وقد تكون لها آثار مختلفة على الضوء.

في نظرية الأوتار — على سبيل المثال — يتشكَّل الزمكان من تشابك ستة أبعاد إضافية للمكان، علاوة على الأبعاد المكانية الثلاثة المعتادة وبُعد الزمن. وتنتشر الفوتونات المختلفة الطاقة عبر هذه المنظومة على نحو مختلف تمامًا عن المتوقَّع في نظرية الجاذبية الكمية الحلقية، وهي نظرية أخرى شهيرة تتخيَّل الزمكان كنوع من دروع الزرد، مشكَّل من حلقات مجدولة.

للوقت الحالي، منع آملينو-كامليا فريقَه من دراسة أيٍّ من هذه النظريات المتنافسة هي الأصح، إن كان أيٌّ منها صحيحًا. يقول آملينو: «في الوقت الحالي، أعتقد أنه من المهم أن نفصل ما بين الكيفية التي نتمنَّى أن تكون الطبيعة عليها نظريًّا، والكيفية التي عليها الطبيعة فعليًّا حسبما توضح ما بين أيدينا من حقائق.»

بدلًا من ذلك، تتمثَّل المرحلة التالية في رؤية تكهُّنات معادلة التأخر الزمني بشأن الفجوات الزمنية في انفجارات الإشعاعات الصادرة من مصادر أخرى. وفي ورقتهم البحثية، يذكر آملينو-كامليا وفريقه أربعة انفجارات أخرى لأشعة جاما، كان سلوكها متسقًا مع المعادلة رغم أنها لم تدعمها على نحو حاسم.

ثمة آخَرون لم يعثروا على مثل هذه الأدلة؛ فبعد أيام قليلة من ظهور بحث آملينو-كامليا، نشرت ياهولكوفسكا وزملاؤها تحليلهم لأربعة انفجارات أخرى، أقلَّ نشاطًا من انفجارات أشعة جاما التي رصدها تليسكوب فيرمي، ولم يجدوا أية علامة على وجود تأخر زمني.

في رأي ياهولكوفسكا، ليس بإمكاننا أن نصل إلى أي استنتاجات أكيدة؛ لأن تفسيرات آملينو-كامليا — مثل تحليل الماركاريان ٥٠١ من قبلُ — تفترض أن أشعة جاما أُطلِقَت في آنٍ واحد بصرف النظر عن طاقتها. وستظل هذه المشكلة موجودةً دائمًا ما دامتِ التفسيرات تقوم على عمليات رصد فردية لنوع واحد من المصادر، حسبما يذكر إليس، الذي يضيف قائلًا: «إذا ما وجدتَ تأثيرًا متشابهًا في مصدرين، فسوف تبدأ حقًّا في الاعتقاد بأنك ربما تكون قد وجدت شيئًا.»

يتضمن أحدُ الاختبارات — الذي من شأنه توضيح الأمور — النيوترينواتِ. فهذه الجسيمات الشَبحية تنتقل فعليًّا بسرعة الضوء، ولا تكاد تتفاعل مع أي شيء. ومع ذلك، نظرًا لأنها تحمل طاقة، فإنها ينبغي أن تتفاعل مع الزمكان وتمر بفترة تأخر زمني تتوقف على طاقتها، هذا إذا ما كان آملينو-كامليا محقًّا؛ وذلك برغم أن فترة التأخر الزمني هذه لا يمكن قياسها إلا إذا استطعنا العثور على نيوترينوات انتقلت لمسافة بعيدة إلى الحد الكافي.

ودائمًا ما كانت هذه مشكلة؛ فتفاعلات الاندماج النووي تجعل الشمس بمنزلة مصنع نيوترينوات ضخم يمحو تقريبًا كلَّ الإشارات القادمة من مسافات أبعد. وبالإضافة إلى النيوترينوات الشمسية، فإن النيوترينوات الكونية الوحيدة التي شوهدت كانت صادرة من المستعر الأعظم SN1987A، وهو نجم تصادَفَ انفجاره بالقرب من مجرتنا في مجرة سحابة ماجلان الكبرى على بُعْد حوالي ١٧٠ ألف سنة ضوئية؛ وهذه أيضًا مسافة قريبة جدًّا لا تسمح بأن تكون هناك أية فترات تأخر زمني يمكن قياسها بين نيوترينوات ذلك المستعر الأعظم.

قد يكون الدعم الذي سيقطع الشك باليقين في متناول أيدينا الآن. آيسكيوب، هو كاشف نيوترينوات مدفون على عمق كيلومتر مكعب من جليد أنتاركتيكا، وقد شُغِّل بكامل طاقته عام ٢٠١١. في أبريل ٢٠١٢، وجد آيسكيوب نيوترينوين أثَارَا الأقاويلَ بين العلماء. وكان النيوترينوان — اللذان سُمِّيَا في نوبة من الغرابة العلمية بيرت وإرني باسم شخصيتين من عرض «عالم سمسم» التليفزيوني — أكثر نشاطًا إلى حدٍّ كبير من تلك النيوترينوات التي تولِّدها الشمس. ولهذا السبب فقط، يعتقد دان هوبر من فيرميلاب في باتافيا بإلينوي أن هذين النيوترينوين صادران عن انفجار أشعة جاما. يقول هوبر: «لا يوجد كثير من الأشياء التي يمكنها إنتاج هذا القدر من الطاقة في جسيم واحد؛ لذا فإن انفجارات أشعة جاما هي المصدر المرجح.» وفقط مؤخرًا أعلن مرصد آيسكيوب اكتشافه ٢٦ نيوترينوًا آخَر، كشفت طاقاتها على ما يبدو عن مصدر من خارج المجرة.

يعتقد آملينو-كامليا أنه قد وجد ثلاثة نيوترينوات أخرى في بيانات سابقة من مرصد آيسكيوب — وهي نيوترينوات تناسب تمامًا فكرة حدوث تأثيرات زمكانية كمية؛ إذ إنها جميعًا صادرة عن الاتجاه العام لثلاثة انفجارات لأشعة جاما مثبتة على نحو فردي — لكنها وصلت إلى الأرض قبل أشعة جاما بآلاف الثواني، هذا إذا كانت مرتبطة حقًّا بالانفجارات.

من المتوقع أن تهرب النيوترينوات من نجم منهار أسرع مما يهرب ضوء انفجار أشعة جاما؛ لأن النيوترينوات لا تتفاعل، في حين أن الانفجار المرئي لا بد من أن يشقَّ طريقه بصعوبة عبر الغاز المنهار على ذاته قبل أن يسرع عبر الفضاء. لكن حتى مع أخذ هذا الأمر في الحسبان، يذكر آملينو-كامليا أن حجم الفجوة الهائل بين النيوترينوات وضوء أشعة جاما يتوافق مع الآثار المختلفة لتفاعلات الزمكان عليهما.

لا يزال إليس متشكِّكًا؛ إذ يقول: «من حين إلى آخَر، يعتري الحماس أحدهم، لكني لا أعتقد أن ثمة أي أدلة إحصائية دامغة حتى الآن. وإحدى المشكلات التي نواجهها هي أن الادعاءات الاستثنائية تتطلَّب أدلة استثنائية كذلك؛ ومن ثَمَّ عليك أن تفعل شيئًا يكون مُقنِعًا بحق.»

هذا حتمًا سيتطلب تليسكوبات أكبر حجمًا قادرة على رصد كمٍّ أكبر من النيوترينوات وأشعة جاما على نحو أسرع. ويشارك فاجنر ضمن تعاون بين أكثر من ١٠٠٠ باحث من ٢٣ بلدًا يهدف إلى بناء خليفة عملاق لمرصدَيْ ماجيك وهيس؛ وهكذا ستكون مصفوفة التليسكوب تشيرنكوف أكثر حساسيةً بمقدار ١٠ مرات، وقادرة على رؤية ما يتراوح بين ١٠ إلى ٢٠ انفجارًا في المجرات النَّشِطة سنويًّا. وبعد ثلاث سنوات من تطوير التكنولوجيا ودراسة المواقع الممكنة، ومع التمويل الذي توفره على نحو أساسي حتى الآن حكوماتُ ألمانيا وإسبانيا والمملكة المتحدة، يتطلع التعاون الآن إلى الحصول على مبلغ المائتَيْ مليون يورو اللازم لتحويل هذا التليسكوب إلى حقيقة.

فهل سيفتح هذا التليسكوب أعيننا أخيرًا على المشهد المحيط بنا؟ يأمل القائمون على تنفيذه في ذلك. يقول فاجنر: «لا يوجد سبب للتشاؤم.» إن العثور على بنية من أي نوع في الزمكان قد يكون بمنزلة ثورة تضاهي ثورة نظرية أينشتاين، وقد تُنِير الطريق في الوقت الذي تجاهد فيه الفيزياء كي ترى خطوتها التالية. يقول هوبر: «هذا الأمر من الأهمية بمكان بحيث إننا مهما تحدَّثنا عنه، فمن الصعب أن نوفِّيه حقه.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.