عندما بدأ الإسكندر الأكبر رحلته في غزو العالم المعروف لدى رفقائه من اليونانيين بينما هو في سن المراهقة، كانت أعمارُ مُعاصِريه تصل غالبًا إلى سنِّ الأربعين. لكن، طوال ملايين السنين التي سبقت حكم الإسكندر الأكبر، لم تكن أعمارُ معظم البشر وأسلافهم تتجاوز على الأرجح فترةَ المراهَقةِ. وشأن الإسكندر الأكبر، فقد حكم أسلافُنا في فترة الشبابِ الأرضَ؛ فكانوا يوفِّرون المواردَ ويوزِّعونها، ويحمون جماعاتهم ويسعون وراء السلطة، ويطهون الطعام، ويبحثون عن المتعة. ومنذ حوالي ٢٫٦ مليون عام، ابتكروا الأدوات وأنشئوا المنظمات الاجتماعية، ثم وضعوا اللغات وأخيرًا الثقافات، كما عبدوا الطبيعة وتصارعوا معها، حيث استطاعوا النجاة بأنفسهم من خطر الانقراض الوشيك. ومثلما طوَّر أسلافنا في فترة الشباب — خلال مرحلة المراهَقةِ وأوائل العشرينيات — المهاراتِ اللازمةَ لانطلاق الحضارة، تمكَّنوا أيضًا من زيادة متوسط العمر المتوقَّع.

أحد الفاتحين الأوائل: الإسكندر الأكبر.
أحد الفاتحين الأوائل: الإسكندر الأكبر.

بمجرد أن تولَّى كبار السن الحكم تدريجيًّا، بدأ التمييز العمري في الظهور؛ حيث تناسَتْ معظمُ الحضارات الإسهاماتِ التي قدَّمها أسلافها في فترة الطفولة والشباب واستعدادهم الوراثي للقيادة. وفي الواقع، فإن ما يحدث في الوقت الحالي من إنكارٍ لمشاركة الشباب في صنع القرار، يتناقض مع سجل الإنجازات البشرية الكلي الذي يضمُّ في الأغلب الخبرات القيادية لدى الشباب، وليس لدى مَنْ هُمْ أكبر منهم سنًّا. مع ذلك، استمرَّتْ بعضُ الشعوب الأصلية في السماح للأطفال والمراهقين بالمشاركة في صنع القرار؛ ومن ثَمَّ فإن النضال الغربي العادل لحماية الأطفال من العمل القسري، وكذلك من الانتهاكات الجسدية والنفسية، يجب ألا يمتدَّ ليحدَّ من فُرَصِ المشاركة والقيادة بين الأشخاص الأقل من ١٨ عامًا؛ ذلك لأن حرمان الشباب من الحقوق والفُرَص السياسية لا ينتهك مفهومَ الديمقراطية فحسب، بل ينتهك أيضًا مفهومَ التطوُّرِ نفسه.

إن مَنْحَ حقِّ الاقتراع للقاصرين قد يحثُّ الآباءَ الذين يتبعون أسلوبَ القمع على الضغط على أبنائهم للإدلاء بأصواتهم وفقًا لرؤية عائلتهم. قد تكون تأثيرات الأبوين جيدة أو سيئة، ولكن في كلتا الحالتين سوف تستمر التأثيرات إلى سنِّ الرُّشْدِ. مع ذلك، فإن احتمالية استغلال البالغين لحقوق الأطفال السياسية لا تبرِّر حرمان الأطفال من فُرَص التصويت السياسي والمشاركة بل والقيادة التي اعتادوا ممارستها منذ ملايين السنين. ونظرًا لأن مشاركة معظم المواطنين في العملية السياسية لا تتعدَّى عمليةَ التصويتِ مطلقًا، فإن إتاحة الفرصة للشباب لن تعطيهم تفويضًا بالمشاركة في الهيئات التشريعية، ولن تُغرِق تلك الهيئاتِ بمَنْ هم في سن المراهقة؛ لكنها ستتيح الفُرَصَ أمام البشرية لإيجاد المزيد والمزيد من أمثال الإسكندر الأكبر في فترة شبابه، ليشاركوا في اتخاذ القرارات المتعلِّقَة بمستقبل الحضارة، كما فعل أسلافُهم في فترة شبابهم منذ ملايين السنين.

قد يساعد أيضًا الفهمُ الأفضلُ لتاريخ البشرية — باعتباره يمثِّل غالبًا تاريخ الشباب — في التعامل مع بعض مشكلات الطفولة الحالية. فعلي سبيل المثال، قد يساعد الاستعداد الوراثي للقيادة في تفسير انتشار ظاهرة التنمُّر والاستقواء بين الأطفال على نحوٍ مؤسِفٍ. فبما أن المجتمعات القديمة كانت هرمية على نحوٍ غير رسميٍّ، وكانت السلطةُ تُستمَدُّ من إظهار القدرة البدنية، ربما كان التنمُّرُ أحدَ أشكال التأثير المهمة، وقد يساعد فَهْمُ هذه الصلةِ الأطفالَ في احتواءِ ظاهرة التنمُّر. لكنهم يحتاجون — مثل أسلافهم في فترة الشباب — إلى فُرَصٍ للتأثير على العالم مثلما فعل أسلافهم لملايين من السنين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.