في السادسة من صبيحة شتوية لأحد أيام مارس عام ١٩٣٩، كسر أدولف هتلر حالة السِّلْم الأوروبية الهشَّة التي انعقدت قبل ستة أشهر من ذلك التاريخ في مؤتمر ميونيخ، بإرسال قوة الدفاع الألمانية (فيرماخت) عبر الحدود إلى ما تبقَّى من تشيكوسلوفاكيا. وقد أثار هذا التصرف العدائي تصعيدًا دوليًّا مهولًا، أدى مباشرةً إلى اندلاع الحرب في سبتمبر عام ١٩٣٩. وخلال أسابيع من احتلال براج، أصدرت كلٌّ من بريطانيا وفرنسا تعهُّدات رسمية بأمن بولندا ورومانيا واليونان. وفي الوقت نفسه، دخلت لندن في محادثات غير مسبوقة مع موسكو سعيًا إلى تحالف عسكري. كانت ألمانيا تواجه احتمال إحياء تحالف الوفاق الذي تشكَّلَ في الحرب العالمية الأولى، فاستجاب هتلر وجوبلز لذلك برفع حدة الحرب الدعائية إلى مستوًى جديد. وفي الأول من أبريل عام ١٩٣٩، ومع تدشين البارجة العملاقة تيربيتس في فيلهلمسهافن، خطب هتلر في حشد متحمس عن أهوال الحصار وخيانة بريطانيا، وفي نفس الوقت اجتهد الدبلوماسيون الألمان لإقناع إيطاليا واليابان بتشكيل تهديد ثلاثي حقيقي للإمبراطورية البريطانية. في النهاية، لم يتمكَّن أيٌّ من الأطراف من تحقيق ائتلافهم المراد؛ فقد رفضت اليابان أن تُجَرَّ إلى تحالف هجومي على بريطانيا، وارتاب ستالين في تشامبرلين؛ ومن ثَمَّ، في أغسطس، وفي تغيُّرٍ لافتٍ للانتباه في الموقف، أبرم مولوتوف وريبنتروب المعاهدة النازية السوفييتية، وأطلق هتلر قواته في بولندا في الأول من سبتمبر واثقًا من أن الاتحاد السوفييتي سيسهم في الهجوم. وبعد يومين، بما يتفق مع ما أعلنتاه قبل ستة أشهر، أعلنت فرنسا وبريطانيا الحرب على ألمانيا.

ما من خلاف على هذه الرواية الأساسية، لكن يظل السبب وراء تصعيد هتلر للتوتُّر الدولي في هذه المرحلة مسألةً مثيرةً للجدل. ثمة مؤرخون — بخاصة ريتشارد أوفري وإيان كيرشو — لا يزالون يؤكِّدون على أن هتلر لم يقصد في الواقع إثارةَ حرب شاملة على بولندا في خريف ١٩٣٩، وهم في ذلك يستشهدون بخطبة هتلر المتفاخرة في الثاني والعشرين من أغسطس من عام ١٩٣٩ في الجيش الألماني، والتي ادَّعَى فيها أن «رجال ميونيخ» سيعزفون عن شنِّ حربٍ على بولندا. بينما يتحدث كيرشو عن «خطأ في التقدير» من ناحية أخرى، لكن هذا الرأي مرفوض تمامًا على نطاق واسع. ومن بين المؤرخين البريطانيين، كان أشدَّ مَن عارَضَ هذا الرأي، الراحلُ تيم ميسون، الذي دخل في جدل مرير على صفحات مجلة باست آند بريزنت في ١٩٨٩ مع أوفري، حول مسألة ما إذا كان هتلر قد جُرَّ في حقيقة الأمر إلى الحرب تحت ضغط أزمة اقتصادية وشيكة. وبنبرة مدروسة لكنها ليسَتْ أقل حسمًا، ما انفكَّ جيرهارد فاينبرج — أبرز الخبراء الأمريكيين في سياسة هتلر الخارجية — يرفض فرضية «الحرب غير المقصودة». بالطبع، ما من أحد يشك في أن هتلر كان سيفضِّل احتلال بولندا دونما الدخول في مواجهة مع القوى الغربية، والواضح أن هذه كانت أمنية يشاركه فيها بشدة معظم القادة العسكريين الألمان؛ ومع ذلك يزعم فاينبرج وآخرون أنه بدءًا من أزمة السوديت في مايو ١٩٣٨ فصاعدًا، أدرك هتلر أنه سيضطر في النهاية إلى مواجهة القوى الغربية، وفي خريف عام ١٩٣٩ شنَّ هجومًا على بولندا؛ لأنه رأى أنه مستعدٌّ للمخاطرة بخوض هذه الحرب الأوسع نطاقًا، عاجلًا غير آجل.

لكن ما الذي دفع هتلر إلى هذه العدائية القاسية التي دمَّرَ بها نفسه في نهاية المطاف؟ يدَّعِي يواخيم فيست — أبرز كتَّاب سيرة هتلر الذاتية — أن حسَّ الفوهرر المتنامي بالموت أقنعه بأنه ليس لديه وقت ليخسره. على النقيض، يقوم زعم فاينبرج وميسون على اعتبارات تتعلق بميزان القوة بمعناه الأوسع. يتذكَّر ألبرت شبير لاحقًا أنه في خريف عام ١٩٣٩ كان هتلر مأخوذًا بفكرة أنه قد يفوِّت فرصةً استراتيجيةً بالغةَ الأهمية؛ ولذا كان عليه أن يشنَّ هجومه — عاجلًا غير آجل — لأنه كان يعرف أن المزية العسكرية التي تتفوق بها ألمانيا في ذلك الوقت على أعدائها محدودة الوقت، وقد أوضح هذه النقطة جيدًا في مراسلاته مع موسوليني في ربيع عام ١٩٤٠. وبدءًا من ربيع عام ١٩٣٩ فصاعدًا، اتخذت «دوائر اتخاذ القرار في الحكومة البريطانية» قرارًا «بالقضاء» على «الدول ذات الحكم الاستبدادي»، وقد كان لإدخال اقتراحَيْ تشامبرلين غير المسبوقَيْن — وهما التجنيد الإلزامي وقت السِّلْم، وزيادة الإنفاق على القوات الجوية الملكية — حيِّز التنفيذ آثارٌ مباشِرة على تقييم هتلر الاستراتيجي. كتب هتلر يقول: «فيما يتعلق بقوة الدفاع — في ضوء إعادة التسليح الإنجليزية الإلزامية — ثمة تحوُّلٌ لا يكاد يكون ملحوظًا لصالحنا في ميزان القوى. أما بالنسبة للشرق، فالموقف يتدهور لا محالة.» وبالنسبة لأوفري، يبدو هذا الرأي نوعًا من عقلنة الأحداث بأثر رجعي، وفي رأيه كان هتلر بالتأكيد يُعِدُّ ألمانيا لحرب مع بريطانيا وفرنسا، ولكن بناءً على جدول زمني امتدَّ حتى عام ١٩٤٢. فالغرض من بولندا لم يكن مواجهة كبرى، وإنما «إجراء عسكري غير معلَن كحربٍ».

ومنذ الجدالات التي دارت بين أوفري وميسون في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، ظلَّتِ الآراء دون تغير في جوهرها. ورغم تقدُّم جوانب أخرى من تأريخ الرايخ الثالث على مدار العقدين الأخيرين، فقد خيَّم جوٌّ من الضجر على مسألة الحرب وحالة اقتصاد التسليح الألماني في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، فكيف السبيل إذن إلى حل هذه الأزمة الفكرية؟ استنادًا إلى تناقض أقوال هتلر على مدار الفترة بين ١٩٣٨ و١٩٣٩، فإنه من الجلي أن قرار الحرب ليست له أسباب دوجماتية؛ ومع ذلك، قد تكون الإشارة المرجعية إلى أدلة أرشيفية جديدة قادرة على إمالة ميزان الاحتمالات، مما يُمكِّن أي جهد جديد من ربط الفرضيات التي وُضِعت حول السياسة الخارجية لهتلر بإدراكنا الجديد للتاريخ الأشمل لنظامه. وبوجه خاص، إننا نحتاج إلى استكشاف الروابط بين هوس هتلر الأساسي الآخر — «الحرب العنصرية» — وتقييمه للموقف الاستراتيجي لألمانيا في عام ١٩٣٩.

ورغم دراسة الأرشيف الدبلوماسي للرايخ الثالث بإمعان، فإنه لا يمكن الجزم بأن الشيء نفسه قد حدث مع المواد الخاصة بالجوانب الاقتصادية والصناعية لإعادة التسليح؛ فإذا ما تتبَّعنا مسار عملية إعادة التسليح الألمانية في أواخر عقد الثلاثينيات من القرن العشرين من وجهة نظر مديريها العسكريين، يتضح أن هتلر لم يكن يهذي حين أشار إلى سنة ١٩٣٩ على أنها تمثِّل فرصةً استراتيجيةً، وتُظهِر أبحاث قديمة كانت مهمَلة حول إدارة جهود التسليح الألمانية هذا الأمرَ بدقة. وفي النصف الأول من عام ١٩٣٩ — في الوقت الذي كانت فيه كلٌّ من بريطانيا وفرنسا تُسرِعان من وتيرة جهود التسليح لديهما — كانت إعادة تسليح الرايخ الثالث التي لاقَتْ من الثناء الكثيرَ تواجِه ورطةً كبيرة.

في التاسع عشر من يونيو عام ١٩٣٩، أرسل الجنرال فالتر فون براوخيتش، قائد الجيش الألماني، خطاباتٍ يائسةً لهتلر ولزميله فيلهلم كايتل، رئيس القيادة العليا للفيرماخت، وقد بدأ خطابه لكايتل كما يلي:

عزيزي كايتل

إن الاحتياطي الحالي للجيش من المواد الخام … في وضع مزرٍ لا يُحتمَل … وقد أبلغني رئيس مكتب الأسلحة الحربية بالأثر المحتمَل على اقتناء الأسلحة. وبعد النظر إلى الموقف من جميع الجوانب، وُجِد أنه يصل إلى حد التصفية العملية لجهود التسليح … وفي حالة تنفيذ الاستقطاعات التي أعلن عنها الطاقم الاقتصادي العسكري للفيرماخت من حصص المواد الخام، سيتعطل تمامًا جزءٌ كبيرٌ من قطاع التسليح في فترة زمنية وجيزة … وقد دفعتني هذه المخاوف الخطيرة إلى توجيه خطابي الشخصي إلى الفوهرر في التاسع عشر من يونيو ١٩٣٩، مع توجيه نسخة منه إليك.

لم يكن براوخيتش يسعى لمجرد انتزاع امتيازات للجيش من خلال المغالاة في تصوير قتامة الموقف؛ فقد كان القيام بذلك خطيرًا جدًّا. فبعد صدامات هتلر مع قيادة الجيش الألماني حول أزمة السوديت في ١٩٣٨، مَنَعَ ضباطَ الأركان من إمطاره بالتقييمات المتشائمة عن موقف التسليح، وبعد أسابيع قليلة من خطاب فون براوخيتش — حين طلب هتلر بيانًا حديثًا عن إنتاج الذخيرة وتطوره المحتمل على مدار الأشهر الثمانية عشر التالية — دقَّق الضابط المسئول في كافة التقديرات تدقيقًا مضاعفًا بنفسه؛ لضمان أنها خالية من صبغة التشاؤم الذي يهدف لخدمة مصالح شخصية. وكانت الصورة المقدَّمَة لهتلر تُظهِر ثبات الإنتاج، الذي كان في صيف عام ١٩٤٠ أقل من القدرة الإنتاجية المثلى بنسبة ٧٠٪، إذا ما أخذنا في الاعتبار توافر كميات كاملة من النحاس والصلب.

كذلك لم تكن المشكلات قاصرةً على الجيش؛ فقطاع الطيران أيضًا كان يعاني نفسَ الانخفاض الحاد في حصص المواد الخام، ولم يتم الإبقاء على الزيادة السريعة في إنتاج قاذفات القنابل المتوسطة الحديثة آنذاك — طراز يونكرز ٨٨ — التي كانت بؤرة التركيز في تخطيطات سلاح الطيران الألماني في نهاية ثلاثينيات القرن العشرين؛ إلا بخفض الإنتاج المُخطَّط لكل الطائرات الأخرى، بما في ذلك الطائرة ستوكا الشهيرة؛ قاذفة القنابل الانقضاضية طراز يونكرز ٨٧. وفي وجه الاستقطاعات الضخمة في حصة النحاس والألومنيوم، كان سلاح الطيران الألماني مضطرًّا إلى تبنِّي برنامج أخطر بنحوٍ لا يُضاهَى لاقتناء الأسلحة؛ إذ كان يتخلى عن طرازات طائرات ثبت نجاحها عمليًّا في الحرب لصالح طائرات لم تمر إلا باختبارات تمهيدية.

وكان السبب وراء ذلك التراجُع الشديد في إنتاج المعدات العسكرية في النصف الأول من عام ١٩٣٩، هو المشكلة التي طاردت مديري الاقتصاد الألماني منذ بداية ثلاثينيات القرن العشرين؛ ألا وهي الموازنة بين احتياج البلد الشديد للأطعمة المستوردة والمواد الخام، وقدرته على بيع البضائع المصنَّعة بوصفها صادرات.

لم تكن الصادرات الألمانية خلال فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية هي الأفضل على مستوى العالم مثلما كانت قبل عام ١٩١٤، أو كما ستصبح لاحقًا بعد عام ١٩٤٥. وقد ظلت قيمة عملة الرايخ الألماني مرتفعة بنحوٍ مبالغ فيه طوال فترة ما بين الحربين العالميتين، مما جعل الصادرات مفتقرة إلى التنافسية، والواردات بخسة الثمن إلى حدٍّ غير طبيعي، وقد ازدادت هذه المشكلة تعقيدًا مع وصول هتلر إلى سدة الحكم؛ بسبب شعور الكراهية الذي تولَّدَ بالخارج إزاء إساءة معاملة الجالية اليهودية وتخلُّف ألمانيا الهمجي عن دفع ديونها العالمية. ومما زاد الأمور سوءًا، من بدايات عام ١٩٣٤ وصاعدًا، أن بنك الرايخ لم يكن يملك احتياطيًّا لتوفير تغطية مؤقتة لأي عجز في الصادرات. وفي عام ١٩٣٩، حتى بالأخذ في الاعتبار الكميات الضخمة من الذهب والصرف الأجنبي التي استُولِيَ عليها في النمسا وتشيكوسلوفاكيا، دبَّرَ الرايخ الثالث شئونه باحتياطي صرف أجنبي يقل عن سُبْع الاحتياطي الموجود في بنك إنجلترا. وليس من قبيل المصادفة أن راينهارد هايدريش السيئ السمعة أثبت نفسه أمام جورينج — الرجل الذي سيصدر له الأمر لاحقًا بتنفيذ عملية الحل الأخير — حين تولى رئاسة إحدى الوحدات الشرطية الخاصة المسئولة عن تعقُّب آخِر ما تبقَّى من الملكيات الألمانية من الذهب والصرف الأجنبي الخاصة باليهود والألمان على حدٍّ سواء.

ولثلاث مرات خلال الفترة ما بين العامين ١٩٣٣ و١٩٣٩، سرَّع نظام هتلر إيقاع الإنعاش الاقتصادي وإعادة التسلُّح إلى حدٍّ مهول، ليجد النظام نفسه في مواجهة احتمال وقوع عجز مدمِّر في الصرف الأجنبي. وفي الأعوام ١٩٣٤ و١٩٣٦ و١٩٣٧ و١٩٣٩، كان النظام الألماني يتأرجح على حافة أزمة، وفي كل مرة كانت الأزمة تُحلُّ، لكن على حساب الاستقطاع من جانب أو آخَر من جوانب التوسُّع الاقتصادي. ولم يتخذ جورينج خياره ما بين «البندقية أو الزبد» — الذي كثيرًا ما اقتُبِسَ في سياقات أخرى — في عام ١٩٣٦، في وقت إعلان خطة السنوات الأربع، وإنما خلال العامين اللذين سبَقَا ذلك أثناء أزمة الصرف الأجنبي التي حدثت عام ١٩٣٤، والتي عملت كخلفية للأحداث المعروفة بليلة السكاكين الطويلة. ومثلما قُضيَ على قيادة كتيبة العاصفة لضمان سيطرة الجيش على برنامج إعادة التسليح، كان التأكيد كذلك على أولويات الجيش شديدًا في مجال الاقتصاد؛ ومن ثَمَّ لم يكن الخيار بين «البنادق أو الزبد»، بل كان ما بين «البنادق أو الصادرات». وفي بداية عام ١٩٣٧، ومرة أخرى في بدايات عام ١٩٣٩، كان برنامج التسليح هو المتضرر من جهود النظام النازي للعيش في حدود ميزان المدفوعات. وقد استُقطِع من إنتاج الأسلحة أولًا من أجل تقليل الطلب على المواد المستوردة؛ وأهمها خام الحديد والنحاس، وفي الوقت نفسه من أجل إطلاق القدرة الصناعية والعمالة والمواد الخام لإنتاج الصادرات. وفي أبسط حالاتها، كانت عمليات التبادل تتضمن تصديرَ أسلحةٍ كانت مصنَّعَةً من أجل الفيرماخت أو المعدات الآلية المستخدَمَة في صنعها، من أجل الدفع لواردات الغذاء والمواد الخام.

ولا ينبغي أن يتخيَّل المرء أن الفوهرر كان بأي حال من الأحوال منفصلًا عن هذه المسائل «الفنية» حسبما يُفتَرَض؛ فقد كان هتلر واعيًا تمامًا بالحقبة الزمنية التي عاش فيها؛ إذ تشكَّلَ وعيه السياسي في ظل الاقتصاد المحاصر خلال فترة الحرب العالمية الأولى، حين كانت مشكلات العملة الأجنبية وواردات المواد الخام هي موضوع النقاش السياسي اليومي. وبعد وصوله للحكم في عام ١٩٣٣، اشترك مباشَرةً في قرار تأخير سداد ديون ألمانيا الخارجية. وخلال ذروة الأزمة المالية لعام ١٩٣٤، اعتمد بنفسه قرار وزير الاقتصاد هيلمار شاخت بخفض الإنفاق على الواردات الاستهلاكية بمقتضى ما يُعرَف ﺑ «الخطة الجديدة». وبعد عامين، كان هتلر هو مَن اتَّخَذَ القرار النهائي فيما يتعلَّق بحلِّ مشكلات العملة المتجددة والقرار ببدء خطة السنوات الأربع التي وضعها جورينج. الأمر الأهم أنه بدءًا من خريف عام ١٩٣٧، وربما قبل ذلك، لم يكن من الممكن إجراء عمليات إعادة تخصيص كبرى للصلب أو لحصص المواد الخام دون موافقة الفوهرر. وفي عام ١٩٣٩، كما رأينا، بات هتلر مُدرِكًا تمامًا المصاعبَ التي يُواجِهها كلٌّ من الجيش والقوات الجوية نتيجة حصص المواد الخام الضئيلة. وفي الواقع، اختار هتلر واحدًا من أهم الخطابات على مدار حياته المهنية لمناقشة مشكلات بلاده الاقتصادية العصيبة بصراحة ووضوح أمام مجلس النواب الألماني (رايخستاج)، في الثلاثين من يناير عام ١٩٣٩، في الذكرى السادسة لوصول الحزب النازي إلى سدة الحكم.

يُشار الآن إلى «خطاب الثلاثين من يناير» على نطاق واسع باعتباره لحظةً فارقةً في تاريخ نظامه؛ لأنه في منتصف خطابه الذي استغرَقَ ساعتين ونصف الساعة، أصدر هتلر أحدَ أهم بياناته العامة في «قضية اليهود»؛ فقد أعلن آنذاك أنه إذا ما قام «المموِّلون الدوليون اليهود داخل وخارج أوروبا» مرة أخرى «بإثارة حرب عالمية»، فلن تكون النتيجة حينئذٍ «انتصار اليهود، وإنما إبادة الجنس اليهودي في أوروبا.» كانت الكلمة الرئيسية هنا هي «حرب عالمية»، والتي تعطي تلميحًا عن هوية مَن كان الخطاب موجَّهًا لهم. قبل ذلك بأسابيع قليلة، في الرابع من يناير بالتحديد، في خطاب «حالة الاتحاد» السنوي، كان الرئيس روزفلت قد تحدَّى هتلر مباشَرةً. وفي أعقاب عملية آنشلوس وأزمة السوديت وليلة البلور، أعلن روزفلت أن أي بلد لا يحترم الدين أو الديمقراطية أو «النوايا الحسنة الدولية»، فإنه يشكِّل تهديدًا لأمن الولايات المتحدة نفسها. وهكذا كان هتلر يردُّ على روزفلت في الثلاثين من يناير، وبِنْية خطاب هتلر توضِّح ذلك؛ بفقراته الطويلة الصعبة التفسير عن تمويل الدولة للكنائس في ألمانيا، والتي كانت تهدف إلى إضعاف هجوم روزفلت على عدم تديُّن الحزب النازي. وهذا الأمر محوري؛ لأنه يشير إلى تحوُّل بالغ الأهمية في رؤية هتلر للعالم خلال عام ١٩٣٨. ونتيجةً لرد الفعل الأمريكي على الهجمات المعادية للسامية التي أعقبت عملية آنشلوس (والتي بلغت منتهاها بإخفاق جهود روزفلت في مؤتمر إيفيان في العثور على حلٍّ دوليٍّ لمشكلة اللاجئين اليهود)، وما تلاها من هجمة عامة أكبر في أعقاب ليلة البلور، أقنع هتلر وقيادة الوحدة الوقائية أنفسهم أن مركز المؤامرة اليهودية العالمية قد انتقَلَ عبر الأطلنطي إلى واشنطن ووول ستريت. وقد ارتدَّ ذلك على الموقف في أوروبا؛ لأن أذرع «المؤامرة» امتدَّتْ من أمريكا إلى السياسة الخارجية البريطانية والفرنسية. وفي رأي برلين، كان روزفلت هو مَن يقف وراء العدائية المتزايدة تجاه ألمانيا في لندن وباريس. وفي الواقع، بأخذ إصرار هتلر منذ أيام مذكراته «كفاحي» على أن بريطانيا كانت الشريك الطبيعي للتوسعية الألمانية، ما كان من سبيل لتفسير تصميم بريطانيا الصارم «غير الطبيعي»، إلا بالإشارة إلى تأثير مثيري الحروب من اليهود الأنجلو أمريكيين وأدواتهم، وبخاصةٍ ونستون تشرشل.

ومع ذلك، كانت الحرب الصريحة هي الملجأ الأخير للأخطبوط اليهودي، وكانت وسيلته الوحيدة للعمل ضد ألمانيا هي الاقتصاد. وهنا يتصل خيطَا إعادةِ تفسير استراتيجية هتلر في عام ١٩٣٩. قليلٌ من المؤرخين هم مَن يقرءون خطبة الثلاثين من يناير من بدايتها إلى نهايتها، وهذا يمكن تفهُّمه؛ فنظرًا لأن الخطبة كانت تعجُّ بكثير من الصيغ النموذجية المعتادة لهتلر، فإنها كانت عرضًا مُرهِقًا حتى بمقاييس هتلر الخاصة؛ ومع ذلك، فإن نظرةً عابرةً على النص كافيةٌ للكشف عن أن جزءًا كبيرًا منه — ذلك الجزء الذي وصل تدريجيًّا إلى التهديد الشهير ضد يهود أوروبا — كان مكرَّسًا لمناقشة مشكلات ألمانيا الاقتصادية؛ مما يقدِّم مبررًا ضمنيًّا لقرار هتلر الذي سبق ذلك بعشرة أيام بطرد هيلمار شاخت؛ رئيس بنك الرايخ الذي كان يحظى باحترام واسع، ليعيِّن محله فالتر فونك، أحد الوضعاء النازيين. وحسبما ذكر هتلر، كان الوضع المأساوي الذي وجدَتْ ألمانيا نفسها فيه هو ما حتَّمَ هذه الحركة التي اتخذها الحزب — الفوهرر نفسه بصورة ضمنية — إزاء التأكيد على القيادة الموحَّدَة. وبعد استنفاد الثروة النمساوية — التي لم تكن متوقَّعةً — خلال عام ١٩٣٨، بات احتياطي الصرف الأجنبي الألماني في خطر الاستنفاد التام مجدَّدًا؛ وهي النقطة التي صرَّحَ بها جورينج منذ نوفمبر ١٩٣٨. واستجابةً للموقف، أوجب هتلر على كل ألماني توجيه طاقاته الكاملة نحو نشاط إنتاجي جديد من شأنه تمكين الرايخ الثالث من فعل المستحيل؛ الاستمرار في برنامج التسليح وضمان توجيه الصادرات الضرورية إلى الخارج. وقد أعلن هتلر أن ألمانيا واجَهَتْ خيارًا قاسيًا «أن تحيا — أي أن تصدِّر — أو أن تموت.» لم يتحدث الفوهرر بمثل تلك النبرات اليائسة حول الوضع الاقتصادي في أي مرحلةٍ منذ وصوله إلى سدة الحكم؛ لم يفعل ذلك في عام ١٩٣٤، أو حتى في عام ١٩٣٦. ولكن مَن كانوا المتهمين الرئيسيين وراء حالة الطوارئ الاقتصادية هذه؟ إنهم أعداء ألمانيا في الغرب الذين أغلقوا حدودهم أمام الصادرات الألمانية بتحريضٍ من داعميهم اليهود، وسعوا من خلال الضغط السياسي والاقتصادي إلى منع دخول ألمانيا إلى الأسواق المربحة على الأرجح؛ مثل أمريكا اللاتينية.

في هذه اللحظة الحاسمة من عمر نظام هتلر، كانت الأيديولوجية العنصرية هي التي تمدُّ الجسرَ بين تقييمه الاستراتيجي وفهمه لمشكلات ألمانيا الاقتصادية. قد يبدو التأكيد على البواعث الأيديولوجية — بأخذ سياسة هتلر الخارجية عام ١٩٣٩ في الاعتبار — متناقضًا في ضوء حقيقة أن الأمر انتهى بهتلر إلى الدخول في حرب ضد بريطانيا متحالفًا مع الاتحاد السوفييتي، وهو عكس التحالف الذي دعا إليه في «كفاحي»؛ ومع ذلك لم يكن جوهر أيديولوجية هتلر متمثِّلًا في مخطَّط تحالف بعينه، وإنما هو نظرة للعالم تقوم على فكرة نضال عنصري عنيد. وفي عام ١٩٣٨، بدا أن مكمن المؤامرة ضد ألمانيا قد عبر الأطلنطي، وكان هذا هو ما زاد بدوره من التهديد باختلال التوازن غير المستقر بين سباق التسليح من ناحية ومشكلات ألمانيا المزمنة مع ميزان المدفوعات الدولي من ناحية أخرى. كان الألمان مدركين تمامًا أنه خلال شتاء ١٩٣٨-١٩٣٩، كان مسئولو توريد الأسلحة الفرنسيون في أمريكا يتفقدون أحدث أجيال قاذفات البوينج، فلم يكن يخفى على أحد أن روزفلت كان توَّاقًا لدفع الكونجرس إلى تعديل التشريع الأمريكي المقيِّد لتصدير الأسلحة للدول الديمقراطية الصديقة. وفي المقابل، كانت العلاقات الاقتصادية الألمانية الأمريكية — التي كانت يومًا الصخرة التي تقوم عليها ديمقراطية فايمار — في أسوأ حالاتها، بل وانهارت العلاقات أكثر في الثامن عشر من مارس عام ١٩٣٩، حينما فرض روزفلت تعريفة عقابية على الواردات الألمانية ردًّا على احتلال براج.

لقد كان انحيازُ أمريكا المتزايدُ الوضوح إلى الدول الديمقراطية الغربية هو الذي أعطى مسألة سباق التسليح مثل هذه الضرورة القصوى؛ ذلك الانحياز الذي كان في تلك المرحلة أيديولوجيًّا أكثر منه عمليًّا. وفي مايو ١٩٣٩، وضع الخبير الاقتصادي البارز في الفيرماخت تقييمًا لكافة جهود التسليح التي تبذلها القوى العالمية العظمى؛ فأظهر أنه في ظل إنفاق الولايات المتحدة ٢٪ فقط من دخلها القومي على المعدات العسكرية، كانت «الدول الديمقراطية الثلاث» تتفوق فعليًّا في الإنفاق على ألمانيا وإيطاليا مجتمعتين. وفي رأي أيِّ مفكِّر استراتيجي تقليدي، قد يشير تقييمٌ بهذا الشكل إلى أن أيَّ حرب واسعة النطاق كانت تعد إجراءً خاسرًا بالنسبة لألمانيا. لكن لا يمكن فَهْم ردِّ فعل هتلر على الصعوبات الاقتصادية في عام ١٩٣٩ في هذا الضوء؛ فقد كان يرى الموقفَ عبر عدسات أيديولوجيته العنصرية، مما اقتضى أن يكون ذلك الصراع حتميًّا. ربما تمنَّى هتلر — حسبما ورد في مذكرة هوسباخ الشهيرة التي كُتِبت في نوفمبر عام ١٩٣٧ — أن يدخل «حربًا كبرى» ضد بريطانيا وفرنسا في اللحظة التي يختارها، وفي وقتٍ ما من بداية أربعينيات القرن العشرين. لكن مع بداية عام ١٩٣٩، جعلت وتيرةُ الأحداث تنفيذَ هذه الخطط الطويلة المدى أمرًا صعبًا، ومع زيادة توطُّدِ العلاقة بين أمريكا وفرنسا وبريطانيا، لم يكن هناك مزيد من الوقت ليضيعه. فإن كان أعداء هتلر الألداء يرتجلون، فقد كان هو كذلك يرتجل. وحان الوقت للمخاطرة بكل شيء، حسبما ذكر لجورينج في أغسطس ١٩٣٩ كما يعرف الجميع، ولولا ذلك لَتعرَّضت ألمانيا لدمارٍ أكيدٍ في مواجهتها لتحالُفٍ عالميٍّ يحرِّكه عدوُّها اليهودي العنيد.

قراءات إضافية

  1. A. Tooze, Wages of Destruction: The Making and Breaking of the Nazi Economy (Penguin, 2006).
  2. G. L. Weinberg, Germany, Hitler, and World War II (Cambridge UP, 1995).
  3. T. Mason, Nazism, Fascism and the Working Class (Cambridge UP, 1995).
  4. R. J. Overy, War and Economy in the Third Reich (Oxford UP, 1994).
في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.