شهد يوم ٧ ديسمبر ١٩٤١ — الذي وصفه الرئيس فرانكلين روزفلت في خطاب الحرب المثير للمشاعر الذي ألقاه أمام الكونجرس بأنَّه «… تاريخ سيظل مقترنًا بالعار» — الغارة الجوية الساحقة التي شنَّتها القوات البحرية اليابانية على ميناء بيرل هاربر في هاواي، والتي أغرقت الأسطول الحربي الأمريكي — أو أتلفته — وأقحمت الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية.

صورة التقطتها طائرة يابانية لصفِّ البوارج الأمريكية في بداية الهجوم. الانفجار الظاهر في وسط الصورة يمثِّل ارتطام طوربيد بالبارجة يو إس إس أوكلاهوما. كما يمكن رؤية طائرتين يابانيتين مهاجمتين؛ إحداهما فوق البارجة يو إس إس نيوشو والأخرى فوق الترسانة البحرية.
صورة التقطتها طائرة يابانية لصفِّ البوارج الأمريكية في بداية الهجوم. الانفجار الظاهر في وسط الصورة يمثِّل ارتطام طوربيد بالبارجة يو إس إس أوكلاهوما. كما يمكن رؤية طائرتين يابانيتين مهاجمتين؛ إحداهما فوق البارجة يو إس إس نيوشو والأخرى فوق الترسانة البحرية.

في صيف عام ١٩٤١، كانت اليابان منخرطة في حرب منذ أربعة أعوام على البرِّ الرئيسي للقارة الآسيوية. فبعد اقتطاع منشوريا من الصين عام ١٩٣٢، شرعت في غزوٍ كاسح شرس للصين نفسها. وكان ثمة جيش ياباني قِوامه يفوق المليون جندي يحتلُّ آنذاك المدن الصينية الرئيسية وأجزاء كبيرة داخل الصين. إلا أنَّ حكومة القوميين بزعامة شيانج كاي شيك ظلت محجمةً عن طلب السلام بالرغم من خسارتها مساحات شاسعة من أراضيها، واستمر استنزاف القوة البشرية اليابانية وإمداداتها بلا هوادة.

وكما هو الحال الآن، كانت اليابان في عام ١٩٤١ شديدة الاعتماد على المصادر الخارجية من أجل الحصول على المعادن والبترول وغيرهما من المواد الخام اللازمة لتغذية اقتصادها. لذلك استهدف برنامج الغزو الذي أقدمت عليه اليابان تحويل الصين إلى دولة تابعة اقتصاديًّا، وذلك في أول خطوة على طريق تشكيل منظومة اقتصادية على مستوى القارة: مجال الرخاء المشترك لمنطقة شرق آسيا العظمى، الذي افتُرض أن يضمَّ أيضًا كوريا والهند الصينية والملايو وإندونيسيا. تمثَّل المخطَّط في عَزل المنطقة عن الكساد الذي ساد العالم أجمع عن طريق السماح بتدفُّق المواد الخام إلى اليابان حتى تُحَوَّل إلى سلع مصنَّعة تخدم السوق الصينية مترامية الأطراف، ومن ثَمَّ ضمان التحرر من الهيمنة الاقتصادية الغربية.

كانت موارد اليابان المحدودة من الطاقة هي نقطةَ الضعف في ذلك المخطَّط. فعلى الرغم من ضآلة استهلاك المدنيين للوقود وجيش اليابان غير المُمَيْكَن إلى حدٍّ بعيد، فقد أخذ استهلاك اليابان من النفط يتزايد بثبات منذ عام ١٩٣١، من مستوًى — منخفض إلى حدٍّ لا يُصَدَّق بالمقاييس الحديثة — يبلغ نحو ٢١ مليون برميل في السنة إلى ما يفوق ٣٢ مليون برميل عام ١٩٤١ (يبلغ استهلاك اليابان السنوي حاليًّا نحو ثلاثة مليارات برميل). فكان أكثر متطلبات الدفاع إلحاحًا هو ضمان تخزين احتياطي وفير للقوات البحرية الإمبراطورية القوية الآخذة في التنامي، وقد راكمت اليابان — واضعةً هذا الهدف نُصب عينيها — مخزونًا احتياطيًّا يقارب ٥٤ مليون برميل، مخصِّصةً ٢٩ مليون برميل للقوات البحرية.

وفي عام ١٩٤١، كان اعتماد اليابان على الموارد الخارجية من أجل الحصول على المنتجات النفطية شبيهًا باعتمادها عليها اليوم؛ من حيث توفير ٩٠ في المائة من احتياجات البلد عن طريق الواردات التي كانت تتراوح في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين بين رقم منخفض يبلغ ٣٠٫٦ مليون برميل في عام ١٩٣٨ و٣٧٫١ مليون برميل في عام ١٩٤٠، بينما وُجِّه فائض الواردات إلى المخزون الاحتياطي. ولكن كان ثمة اختلاف واحد جليٍّ عن الوقت الحالي؛ فقبل الحرب العالمية الثانية، لم يكن الاحتياطي النفطي الوفير لدى المملكة العربية السعودية والشرق الأوسط قد ظهر بعد. وجاء ٨٥ في المائة من واردات اليابان من مصدر واحد عملاق؛ فكان مصدِّر النفط الخاص لليابان هو الولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت أكبر مصدِّر في العالم آنذاك. وبحلول عام ١٩٤١، كانت العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية قد تدهورت حتى بلغت شفا الحرب.

لم يكن ذاك هو الحال دائمًا. فقد فتحت الولايات المتحدة اليابانَ على العالم الخارجي في القرن التاسع عشر. وكان الرئيس ثيودور روزفلت هو المسئول عن ضمان التوصل إلى تسوية مواتية لليابان بعد الحرب الروسية اليابانية لعام ١٩٠٥، وكانت اليابان حليفًا بحكم الأمر الواقع في الحرب العالمية الأولى. وعلى الرغم من استياء اليابانيين من قوانين الهجرة المقيِّدة لدى الولايات المتحدة، فقد كان لدى الطبقات المثقَّفة منهم رصيد لا يستهان به من المشاعر الطيبة تجاه الولايات المتحدة، التي صارت أهم شريك تجاري لليابان، كما كانت تلك الطبقات تكنُّ إعجابًا كبيرًا بنظام التعليم الأمريكي والإنجازات التكنولوجية للولايات المتحدة.

إلا أنَّه منذ «حادثة منشوريا» وتأسيس اليابان لدولة مانشوكو في عام ١٩٣٢، صارت الولايات المتحدة أكبر معارض للتوسع الياباني في آسيا. فسيرًا على مبدأ ستيمسون، رفضت الولايات المتحدة الاعتراف بنظام الحكم الصوري في مانشوكو، وتطلَّعت إلى برنامج مجال الرخاء المشترك لمنطقة شرق آسيا العظمى بنظرة عدائية واستنكار أخلاقي، وهو موقف عزَّزته الفظائع التي ارتكبها الجيش الياباني في الصين. فلم تَحُل المشاعر الانعزالية والقيود التي فرضها قانون الحياد حديث الصدور دون تقديم إدارة الرئيس فرانكلين دي روزفلت المساعدة العسكرية إلى البلدان الأجنبية المهدَّدة فحسب، وإنما منعتا كذلك فرض أي شكل من أشكال العقوبات الاقتصادية على الدول المعتدية. إضافةً إلى ذلك، كانت بريطانيا وحكومة الرئيس روزفلت ذاتها تضغطان عليه؛ لكي يتجنَّب أي مواجهة عسكرية في المحيط الهادئ يمكن أن تقلِّل من الدعم الموجَّه إلى الحلفاء وتصرف اهتمام الرأي العام عن هتلر.

كانت البحرية الأمريكية أكثر حيطةً. فقد حذَّر قادة العمليات البحرية المتعاقبون الرئيس من أنه لحين استكمال مشروع البناء لعام ١٩٣٤، وتعزيز القواعد في الفلبين ووسط المحيط الهادئ وهاواي، من شأن أيِّ مواجهة عسكرية مع اليابان أنْ تكشف الضعف الشديد في موقف القوات البحرية الأمريكية. فهي لم تكن تمتلك عدد حاملات الطائرة ولا سفن الإمدادات المساعِدة اللازمة لعبور جزر مارشال وجزر كارولين الخاضعة للسيطرة اليابانية والزاخرة بالقواعد العسكرية، حتى تواجه البحرية اليابانية المهيبة في عقر دارها.

وازداد قادة الأساطيل حسمًا في ممانعتهم الدخول في مثل تلك المواجهة بعد بدء حملة الغواصات الألمانية في المحيط الأطلنطي. فقد بدأ نقل مدمِّرات أسطول المحيط الهادئ الضرورية لحماية السفن الثقيلة من هجمات الغوَّاصات إلى المحيط الأطلنطي للاضطلاع بمهمة المراقبة وحراسة القوافل. وأُقيل الأدميرال العظيم جيمس أو ريتشاردسون، الذي كان قد تولى قيادة الأسطول حديثًا، لقضائه على حلم مدِّ خط لدوريات الطرادات عبر المحيط الهادئ من هاواي الذي داعب مخيِّلة الرئيس، وإصرار الأدميرال على ضرورة سحب الأسطول إلى قواعده في الساحل الغربي؛ نظرًا لضعف تأمين ميناء بيرل هاربر. وما إن اتُّخِذ قرار منح خط الإمداد الحيوي لبريطانيا الأولوية القصوى، حتى صار اتخاذ موقف مماطِل في المحيط الهادئ أمرًا حتميًّا.

إلا أنه في يوليو ١٩٤٠، مَنح تمرير قانون مراقبة الصادرات الرئيس عذرًا للرد على التوسع الياباني دون الظهور بمظهر تأديبي. فعندما توغَّل الجيش الياباني في سبتمبر ١٩٤٠ في شمالي الهند الصينية، استطاع روزفلت التعلُّل بالاحتياجات الدفاعية الأمريكية لحظر تصدير الحديد الخردة والفولاذ. وبعدها بفترة قصيرة، مَنَع تصدير وقود الطائرات وزيوت التشحيم إلى أي مكان سوى بريطانيا العظمى وبلدان النصف الغربي من الكرة الأرضية. إلا أنَّ إمدادات النفط والبنزين العادي إلى اليابان لم تنقطع، ولم تقل واردات اليابان النفطية في عام ١٩٤٠ إلا إلى ٢٣ مليون برميل نزولًا من ٢٦ مليون برميل في العام السابق.

في ذاك الحين، كانت السياسة الخارجية اليابانية قيد إعادة تقييم من خلال عملية معقَّدة وشاقَّة. فمنذ الاستيلاء على منشوريا، كان للجيش الياباني — أو القيادة العليا للجيش بمعنًى أصح — تأثير ضار على السياسة الخارجية؛ مما أسفر عن حوادث اغتيال عدة نفَّذها الضباط الشباب المتطرِّفون ضد وزراء من كبار السن ومحافظين (أشهرها حادثة ٢٦ فبراير عام ١٩٣٦) اعتبرهم الضباط الشباب «غير جديرين» بمصير اليابان الإمبراطوري. وقد كانت القيادة العليا للجيش مهدَّدة بإراقة ماء الوجه، بل والخزي أمام الإمبراطور والشعب كلما طال سماحها باستمرار الحرب في الصين. لذا صارت القيادة العليا المناصر الرئيسي لتوطيد العلاقات مع ألمانيا وإيطاليا والقيام بتحرُّك عدواني تجاه الجنوب تحقيقًا لحلم الاكتفاء الذاتي العزيز.

على صعيد آخر، عملت بعض الفئات القوية دعمًا لانتهاج سياسة معتدلة. كان منهم النبلاء والقيادات التجارية والمالية، وحتى القوات البحرية الإمبراطورية. فتلك الفئات — بالرغم من انزعاجها واستيائها من المواقف الأمريكية — كانت أكثر تقديرًا من الجيش ضيِّق الأفق لقوة الولايات المتحدة الصناعية ونفوذها العالمي، وكانت تخشى ما يمكن أن يخلِّفه الدخول في حرب مع الولايات المتحدة من عواقب لا يمكن التنبؤ بها. وكان الرفض الأمريكي القاطع للبرنامج الذي وضعته اليابان لآسيا مزعجًا لكنه محتمَل ما دام إمداد النفط لم يُمَس. ومقارنةً بالصلات الجغرافية والتاريخية والاقتصادية طويلة الأمد التي كانت تربط اليابان بالولايات المتحدة، بدت صلاتها الجديدة بحلفاء المصلحة — ألمانيا وإيطاليا — مصطنعة وواهية.

إلا أنه قبل أن يتسنى ظهور سياسة واضحة المعالم، كان لا بد من طرح تلك الخلافات للنقاش المفصَّل في نطاق الدائرة الإمبراطورية. وعلى الرغم من أنَّ الصحافة ورجال السياسة في الولايات المتحدة الأمريكية كانوا يطلقون على اليابان ونظامها السياسي لفظ «الفاشية» الفج، ويضعونها في زمرة واحدة مع ألمانيا وإيطاليا باعتبارها رفيقتهما في الظلم عن تراضٍ، فلم تكن ثمة قواسم مشتركة كثيرة بين اليابان بنظامها السياسي وهذين النظامين الدكتاتوريين الأوروبيين. ففيما عدا النفوذ الطاغي الذي حظيت به طبقة العسكريين — التي ارتُئي أنها تجسِّد فضائل محاربي الساموراي — كان المجتمع الياباني قبل الحرب، ولا سيما عملية صنع القرار فيه، تقليديًّا إلى حدٍّ يكاد يكون مروِّعًا.

فكانت القرارات بشأن المسائل الحيوية المتعلِّقة بمستقبل الإمبراطورية تُتَّخَذ من خلال عملية شاقة من البحث في الذات والمشاورات المتبادلة بين زعماء جماعات القوة الرئيسية، وذلك في إطار إجراءات برلمانية. ثم يُسلَّم الاتفاق المتولد عن تلك العملية — الذي يُصاغ بالأسلوب الملطَّف المجازي الذي تتميَّز به الثقافة اليابانية — إلى الإمبراطور للحصول على نوع من التأييد الرمزي في طقس مطوَّل يُدعَى «المؤتمر الإمبراطوري».

كما هو متوقع، كثيرًا ما تمخَّضت تلك المنظومة عن التوافق بشأن سياسات جسَّدت تناقضات صارخة. والمثال النموذجي على ذلك كان قرارَ تعيين رئيس وزراء مدني ذي نزعة محافظة خالصة في صيف عام ١٩٤٠، هو الأمير كونوي. كان كونوي مستعدًّا لقبول برنامج الجيش الذي استهدف التوغُّل في غزو البر الرئيسي الآسيوي مع محاولة التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة بالتوازي. إلا أنَّه بعدما منح كونوي الجيش تفويضًا محدودًا للحصول على قواعد في الهند الصينية الفرنسية، ووقَّع في سبتمبر ١٩٤٠ اتفاق تحالف دفاعي مع ألمانيا وإيطاليا يُعرَف بالاتفاق الثلاثي، صار من العسير جدًّا على روزفلت ووزير الخارجية كورديل هَل أن يقدِّما تنازلات ذات قيمة في المفاوضات دون أن يوصَما بالمهادنَين.

بعدها اتخذت اليابان خطوات تجاه تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة في النفط. فخفضت استهلاك المدنيين للوقود من ٦-٧ ملايين برميل سنويًّا إلى ١٫٦ مليون برميل سنويًّا. وبتنويع مصادر الإمداد نجحت اليابان بحلول نهاية عام ١٩٤٠ في تقليل نسبة وارداتها النفطية من الولايات المتحدة إلى ٦٠ في المائة. إلا أن الاضطراب الذي أصاب سوق النفط إثر الطلبات المتنافسة للقوى المحايدة والقوى المتحاربة على حد سواء، فضلًا عن تعذُّر الوصول إلى المصادر المتبقية استوجب البحث عن بدائل. ولسنوات تطلَّعت اليابان بجشع إلى احتياطات النفط لدى جزر الهند الشرقية الهولندية، وطلبت في يونيو ١٩٤٠ — بعد احتلال ألمانيا لهولندا — ضمانات من الحكومة الاستعمارية الهولندية في باتافيا — التي انقطعت صلتها بالبلد الأم آنذاك — ببقاء صادرات النفط والمعادن إلى اليابان على معدلها قبل الحرب. وفي سبتمبر ١٩٤٠ أرسلت حكومة الأمير كونوي بعثة كبيرة إلى باتافيا «بمقترحات» متعلقة بالحصول على المواد الخام على نطاق أكبر بكثير، مع منح النفط الأولوية القصوى.

وقبل اندلاع الحرب، بلغت واردات اليابان من جزر الهند الشرقية نحو ٤٫٥ ملايين برميل سنويًّا. وبعد اندلاعها طلبت اليابان ضمان تصدير ٢٢ مليون برميل إليها، وهو ما كان سيمثِّل ٤٠ في المائة تقريبًا من الإنتاج السنوي لجزر الهند الشرقية (٥٥ مليون برميل)؛ وهو رقم يكاد يتطابق تمامًا مع مقدار النفط الذي تعتمد فيه اليابان على الولايات المتحدة. إلا أنَّ إدارة الاستعمار الهولندي — بالرغم من درايتها الكاملة بضعف موقف جزر الهند الشرقية — أبدت الخشونة والعناد المعروفين عنها. فمدَّت المفاوضات أكثر من ثلاثة أشهر، وعندما وافقت أخيرًا في نوفمبر على زيادة الصادرات، لم تَمنَح اليابان سوى ١٤٫٥ مليون برميل سنويًّا، وحتى تلك الكمية كانت خاضعة لموافقة شركات النفط وكبلتها بنود التملُّص.

في شتاء ١٩٤٠-١٩٤١، ازداد تركيز الولايات المتحدة على الورطة التي وقعت فيها بريطانيا التي تكبَّد خط الإمداد الحيوي لها عبر المحيط الأطلنطي خسائر كارثية إثر حملة الغواصات الألمانية. وفي أبريل ١٩٤١، غزت ألمانيا يوغوسلافيا واليونان وألحقت ببريطانيا هزيمة منكرة في جزيرة كريت وشمال أفريقيا. فوسَّع الرئيس روزفلت منطقة الحياد الأمريكية في المحيط الأطلنطي وشدَّد حماية القوافل في شرق منطقة الحياد. وفي مايو، أعلن زيادة تتبُّع الغواصات وحماية القوافل في منطقة الحياد ونقل وحدات من الأسطول من المحيط الهادئ إلى المحيط الأطلنطي، وأُعلِنت حالة الطوارئ الوطنية. وفي واشنطن، مُنِحت الأولوية لدعم بريطانيا بلا جدال.

كانت توجُّهات السياسة في اليابان متذبذبة آنذاك. فأُرسِل سفير ياباني جديد — الأدميرال كيتشي سابورو نومورا — كان معروفًا عنه علاقته الودية بالولايات المتحدة إلى واشنطن محمَّلًا بمجموعة جديدة من المقترحات المبدئية، عُرض فيها تجميد العمليات العسكرية اليابانية في الصين وبدء المفاوضات مع شيانج كاي شيك الذي كان ما زال له سيطرة واهية على المقاطعات غير المحتلة. وفي المقابل، طلبت اليابان رفع الحظر عن المواد الحيوية، واستئناف العلاقات التجارية الطبيعية مع الولايات المتحدة. وكذلك طلبت مساعدة الولايات المتحدة في إعادة إمدادات المواد الخام من جنوب شرق آسيا، والتأثير على شيانج كاي شيك كي يفتتح مفاوضات السلام مع اليابان. وافق الوزير هَل على مناقشة تلك المقترحات، ولكن بعد خمسين اجتماعًا سرِّيًّا مع نومورا لم يتمكَّن التوصُّل إلى أرضية للاتفاق. رفض هَل الخوض في التفاصيل وردَّ بطلبه الموافقة من حيث المبدأ على أربع نقاط قبل بدء المفاوضات: تتعهَّد اليابان باحترام سلامة أراضي الدول كافة، وعدم التدخُّل في الشئون الداخلية للدول الأخرى، والمساواة في الفرص التجارية، والالتزام بتغيير الوضع القائم بالسبل السلمية. رأت اليابان في تلك الصِيَغ مخططًا قانونيًّا لوضع العقبات في طريق التفاوض على المقايضات، وانتهت المباحثات بجمود مؤقت.

في الوقت نفسه، ظهرت عوامل جديدة زادت موقف كل دولة تصلُّبًا. ففي أبريل ١٩٤١ وقَّعت اليابان وروسيا فجأة ميثاق عدم اعتداء، وفي يونيو غزت ألمانيا الاتحاد السوفيتي. كانت تلك التطورات تعني بالنسبة إلى القيادة اليابانية العليا أنَّ الخطر السوفيتي الماثل على حدود منشوريا قد حُيِّد أخيرًا. إضافةً إلى ذلك، علَّقت الولايات المتحدة في يونيو الصادرات النفطية إلى اليابان من الساحل الشرقي وموانئ الخليج. فعقدت المؤسسة اليابانية اجتماعًا سرِّيًّا، وفي شهر يوليو اقترحت القيادة العليا للجيش — في مؤتمر إمبراطوري آخر وبموافقة الأمير كونوي — على الإمبراطور أنَّه لم يعد أمام الإمبراطورية خيار سوى المضي في المسيرة إلى الجنوب. بدا على الإمبراطور قبول ذلك الرأي، وصدرت أوامر بوضع خطة لغزو ماليزيا والفلبين وجزر الهند الشرقية الهولندية وهونج كونج، إضافةً إلى الاستعداد لشنِّ حرب على الولايات المتحدة وبريطانيا وهولندا. ولكن لم توضَع مهلة محدَّدة وكان من المفترض أن تُستأنَف المفاوضات.

يوم ٢٤ يوليو، احتلَّ الجيش الياباني مواقع رئيسية في جميع أنحاء الهند الصينية، بموافقة مترددة من حكومة فيشي الفرنسية. ويوم ٢٦ يوليو، أمر الرئيس روزفلت بتجميد كافة الأصول اليابانية في الولايات المتحدة وحظر الصادرات البترولية كافة إلى اليابان إلا بترخيص. وسرعان ما حذت الحكومة البريطانية والحكومة الهولندية حذو الولايات المتحدة. وحتى يومنا هذا لا يتَّضح من السجلات ما إذا كان الرئيس أدرك التبعات الكاملة لتصرُّفاته. فتشير بعض مذكِّرات حاشيته إلى أنَّه كان ينوي استخدام سلطة منح التراخيص كسلاح دبلوماسي، أو صنبور يمكن فتحه وغلقه لأغراض المساومة. إلا أنَّ تجميد أرصدة اليابان أفضى إلى استحالة دفعها نقدًا مقابل النفط مثلما كانت تفعل من قبل. على أي حال، كان ذلك نصرًا لصقور الإدارة الأمريكية — وزير الحرب ستيمسون ووزير الخزانة مورجنثاو ووزير الداخلية إيكيس — الذين ما انفكوا يلحون على حظر تصدير النفط منذ شهور اعتقادًا منهم أن ذلك سيجبر اليابان على الإذعان.

وسرعان ما اتضح أنَّه لا يمكن — ولا أمكَن يومًا — إصدار تراخيص في مثل ذلك المناخ السياسي. واضطرت اليابان آنذاك إلى السحب من مخزونها الاحتياطي. ونقتبس هنا قول المؤرِّخ هربرت فيس:

لم يكن ثمة سبيل، لم يكن ثمة مصدر إمداد غير مشروط يمكن لليابان أن تحصل منه على القدر الذي تحتاج أن تستخدمه … مع كل طن يُستهلَك، صار من المتوقَّع أنْ تضطر اليابان إلى إخلاء الخزانات التي كانت قد ملأتها ببصيرة متحمِّسة … من الآن فصاعدًا صار الوقت ومقياس النفط متلازمين. فكلما انخفض منسوب النفط اقتربت ساعة اتخاذ القرار.

مثَّل توقيت تصرُّف الرئيس انتكاسة بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية الأمريكية. كان سلاح البحرية على وجه الخصوص قد أكَّد أكثر من مرة ضعف موقف الولايات المتحدة في المحيط الهادئ — إذ كان عدد حاملات الطائرات اليابانية يفوق عدد حاملات الطائرات لديها بنسبة عشرة إلى ثلاثة — وكان الجيش قد ألحَّ على التأجيل لحين تقوية القوات الجوية والأرضية في الفلبين. ومن طوكيو، حذَّر السفير جوزيف إي جرو مجدَّدًا من أنَّ اليابانيين بطبعهم يتصرَّفون بعنف دون سابق إنذار إذا ضُيِّق عليهم الخناق. إلا أنَّ الرئيس روزفلت كان يرى أنه على الرغم من أن تصرُّفه كان ينطوي على مخاطرة، فهي لم تكن بالمخاطرة التي يمكن أن تنزع منه الخيار أو تستتبع عواقب وخيمة على الولايات المتحدة. كان ما أكَّد هذا الاعتقاد لديه هو أنَّ ناصحيه أجمعوا تقريبًا على أنَّ الحرب إنْ جاءت فستكون بعيدة، في صورة تحرُّك ياباني ضد ماليزيا وجزر الهند الشرقية الهولندية، ولم يكن تأمين الولايات المتحدة أمرًا ذا أهمية.

قوبل تجميد الأرصدة وحظر صادرات النفط بصدمة واستنكار في اليابان. وتكشف السجلات التي نُشرَت بعد الحرب اليأس الذي خيَّم على الأجواء في اليابان. وبحلول أغسطس ١٩٤١ لم يكن متبقِّيًا سوى إمداد من النفط يكفي الجيش اثني عشر شهرًا، ويكفي القوات البحرية ثمانية عشر شهرًا. فبدأ مؤتمر إمبراطوري انعقد في أوائل سبتمبر التخطيط للحرب، وفي أكتوبر حلَّ مجلس وزراء متشدِّد بقيادة وزير الحرب جنرال هيديكي توجو محل مجلس الوزارة فاقدة المصداقية برئاسة الأمير كونوي الذي كان قد علَّق آماله على عقد اجتماع قمة سرِّي مع الرئيس روزفلت. وألزم مؤتمر إمبراطوري أخير انعقد يوم ٥ نوفمبر الإمبراطور الذي كان ما زال متردِّدًا بخوض الحرب ما لم يمكن التوصُّل إلى حل دبلوماسي في آخر لحظة.

تمثَّلت آخر محاولة لليابان في تقديم مقترحات جسَّدت تنازلات جديدة حملها مبعوث خاص إلى واشنطن هو سابورو كوروسو، الذي سيشارك أدميرال نومورا من ذلك الحين فصاعدًا في المفاوضات. تضمَّنت تلك المقترحات الموافقة على انسحاب اليابان الفوري من الهند الصينية والامتناع عن التوسُّع في آسيا أكثر من ذلك، والانسحاب من الصين تدريجيًّا بعد توقيع معاهدة سلام مع شيانج كاي شيك. وأوضحت المقترحات أيضًا أن اليابان مستعدة لاعتبار الاتفاق الثلاثي مُلْغًى.

إلا أنَّ تلك المقترحات — مثلها مثل الجهود السابقة — تحطَّمت على صخرة الخلاف المستعصي على الحل. فاليابان لم تكن لتنسحب من البر الرئيسي الآسيوي تمامًا وتعود إلى حالة التقشُّف والعَوَز التي عانت منها جزر اليابان المكتظَّة بالسكان. ولم تكن الولايات المتحدة لتقبل تنازلًا يترك في حَوْزة اليابان أي جزء من الصين. إلا أنَّ مهلة — أو تدبيرًا مؤقَّتًا — مدتها ثلاثة أشهر تُترَك خلالها القوات كلها في مكانها ظلت قيد المناقشة. ولكن في يوم ٢٦ نوفمبر — بعدما احتلَّت اليابان مواقع أخرى في الهند الصينية — أذهل الوزير هَل أعضاء البعثة اليابانية بالعودة إلى المطالب السابقة بلا مواربة، بما في ذلك انسحاب اليابان الكامل من الصين كلها.

طيلة تلك الأحداث، كان الرئيس روزفلت ودائرة مقرَّبة من كبار مستشاريه: وزراء الخارجية والحرب والبحرية، ورئيس أركان الجيش وقائد العمليات البحرية، يتابعون جميع منعطفات السياسة اليابانية عبر أجهزة التقاط البث السلكي واللاسلكي. كان خبراء الشفرة الأمريكيون قد فكُّوا الشفرة الدبلوماسية اليابانية، وبعدها كانت تلك الرسائل غير المشفَّرة الموجَّهة إلى مراكز اليابان في الخارج — وهي الرسائل التي أطلِق عليها اسم «ماجيك» — تصل إلى مكتب الوزير هَل في غضون بضع ساعات من تلقِّيها وترجمتها. ولكن على الرغم من أنَّ الرئيس ومستشاريه كانوا على علم بالوضع اليائس لليابان، ونيتها اتخاذ تدابير عسكرية جذرية إذا فشلت المفاوضات، فإنهم لم يعلموا الوجهة المرجَّحة للضربة وتوقيتها. فشفرات الجيش والبحرية اليابانيين لم تكن قد فُكَّت، وبينما كانت المؤشرات الواردة عن تحركات القوات تشير إلى ماليزيا وجزر الهندية الشرقية الهولندية وربما الفلبين، وإلى التاريخين الحيويين لنهايتي أسبوعين الموافقين ١ ديسمبر و٧ ديسمبر، لم ترد إشارة إلى الهجوم على الولايات المتحدة أو ممتلكاتها.

على الرغم من ذلك — وتحوُّطًا لكافة الاحتمالات — أرسلت وزارة الحرب ووزارة البحرية في واشنطن إنذارًا عامًّا بالحرب يوم ٢٧ نوفمبر إلى قادة أسطول المحيط الهادئ الأمريكي في ميناء بيرل هاربر وإدارة الجيش في هاواي، وإلى جنرال مكارثر وقائد الأسطول الآسيوي الأمريكي في مانيلا. ولم يُصدر أي تلميح للكونجرس أو الصحافة أو عامة الشعب الأمريكي عن الحرب الوشيكة.

تظل الغارة الجوية اليابانية على بيرل هاربر ماثلة في المخيلة الأمريكية باعتبارها أكبر كارثة تعرَّضت لها البلاد إبَّان الحرب؛ إذ قُتِل فيها أكثر من ٣ آلاف جندي أمريكي وملاح بحري وجوِّيٍّ، ودُمِّرت — أو أييتلِفَت — ست بوارج حربية ومعظم الطائرات الحربية الرابضة على الأرض. ولكن بالنسبة إلى اليابان، اتضح أن تلك الهجمة مثلَّت كارثة عسكرية وسياسية أشدَّ فداحةً بكثير. فحاملات طائرات أسطول المحيط الهادئ — السفن الرئيسية الحقيقية في الحرب التالية — لم تكن في الميناء صباح يوم ٧ ديسمبر. وبالرغم من كل الأدلة المشيرة إلى ضعف موقف البحرية الأمريكية في المحيط الهادئ، تشبَّث قائد القوات البحرية اليابانية — أدميرال ياماموتو — بمبدأ مفاده أنَّه قبل أن يتسنَّى له تحقيق أهدافه الرئيسية؛ لا بد أولًا من تدمير «الأسطول المرابط» للعدو في منطقته. فعوضًا عن تعريض الرئيس روزفلت لمعضلة إقناع الكونجرس صعب المِراس بإعلان الحرب دفاعًا عن الإمبراطوريات الاستعمارية لبريطانيا وهولندا وترك مشكلة التهديد النازي دون حل، وحَّد القائد الياباني صفَّ الولايات المتحدة في قرار دخول الحرب على الفور.

حتى بعد إجراء ثمانية تحقيقات رسمية وعقد جلسات استماع مطوَّلة في الكونجرس واستعراض كمٍّ هائل من المذكِّرات وغيرها من المصادر الأوَّلية، لا يزال المؤرِّخون متنازعين فيما يتعلق بأسباب تلك الهزيمة المنكرة وعدم استعداد الولايات المتحدة. وثمة مراجعات تاريخية تظهر باستمرار لتزعم أن الرئيس روزفلت استثار تلك الهجمة بصورة أو بأخرى، وركَّزت أحدث تلك المراجعات على رسائل ملتقطَة كان ينبغي أن تثير قلق الإدارة في واشنطن فورًا. والحقيقة التي لا جدال فيها — فيما يبدو — الآن هي أنه طيلة تلك الأزمة، حُرِم أدميرال كيمل وجنرال شورت — القائدان في هاواي — من معلومات حيوية، وإنْ لم يثبُت قط ما إذا كان ذلك نتاج التخطيط المتعمد أم التسلسلات القيادية الجامدة أم خشية الكشف عن وجود رسائل «ماجيك» من الأساس.

الدرس المستفاد من تلك الأزمة هو أنه في حين أنَّ النفط لم يكن السبب الوحيد لتدهور العلاقات، فما إنْ استُخدِم سلاحًا دبلوماسيًّا، حتى صار اندلاع الأعمال العدائية حتميًّا. فقد قطعت الولايات المتحدة في تهوُّر خط إمداد الطاقة الحيوي لخَصم قوي دون إيلاء الاعتبار الواجب للعواقب الوخيمة التي يمكن أن يجلبها تصرُّفها. وعندما ردت الضحية الضربة، تصرَّفت باندفاع أهوج وأطلقت جماح قوى، لا يزال تأثيرها الذي يفوق التقدير يلازمنا حتى يومنا هذا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.