يعرف الجميع أنه في الفضاء لا يمكن لأحدٍ أن يسمع صراخك. ومع ذلك، عدد قليل جدًّا من الناس هم فقط مَن يُدرِكون مدى عمق السكون الكوني. كان السكون — لحظة ميلاد الكون — هائلًا حقًّا؛ في جزءٍ من الثانية من العزلة التامة عندما لم يكن أي شيءٍ أو أي مكانٍ مترابطًا. فلو كنتَ صرختَ بالفعل، لتبدَّد صوتك بمجرد أنْ يَمُرَّ عبر شفتيك. يقول أوريليان بارو، وهو عالِم كونياتٍ في جامعة جوزيف فورييه في جرونوبل بفرنسا: «عاشتْ كل نقطةٍ في الفضاء على حِدَة في عزلةٍ تامة.»

هذا يشكِّل ابتعادًا جذريًّا عن الصورة المعتادة للزمكان بوصفه نسيجًا سلسًا متصلًا. ويأتي ذلك بفضل الباحثين الذين يحاولون تطبيق نظرية الكمِّ على فهمنا الحالي للكون؛ ذلك الفهم الذي يقوم على نظرية النسبية العامة لأينشتاين. وهذه النظرية تصف الجاذبية على نطاق النجوم والمجرات على نحوٍ ملائمٍ للغاية، ولكن عندما يتعلق الأمر بتاريخ الكون كله، لا تكون هذه النظرية كافية.

بطريقةٍ أو بأخرى، تنطوي النسبية العامة على سبب انهيارها؛ فإذا عُدْنا بالزمن إلى الوراء، نجد الأشياء في الكَوْن تقترب بعضها من بعض وتصبح الجاذبية أقوى كثيرًا. ووفقًا لنظرية النسبية العامة، نشأ الكون من نقطةٍ ذات كثافةٍ لا نهائيةٍ تُسمَّى «نقطة التفرُّد»، حيث ينحني الزمكان انحناءً شديدًا إلى الحد الذي تتحطم أمامه قوانين الفيزياء؛ لذلك لا تستطيع هذه النظرية وحدها أن تحكيَ القصة الكاملة لميلاد الكون.

وما إن تَصِرِ الأشياء بالغة الصغر، تصبح لنظرية الكم الهيمنة. ومن أجل وصْف بداية كل شيء، نحن بحاجةٍ إذن إلى دمج النظريتين في نظريةٍ واحدةٍ للجاذبية الكمية.

وعلى العكس مما قد يكون تناهى إلى مسامعك، فإن لدينا طرقًا للقيام بذلك؛ ونظرية الأوتار هي المثال الأوسع شهرة. تصف النظرية كيف أنَّ نسقًا فوضويًّا من الجزيئات التي تشكِّل المادة والقوى — بما في ذلك الجاذبية — يمكن أن يتضاءل إلى اهتزازاتٍ لأوتارٍ أحادية البعد. بَيْد أنها لا تكشف لنا الكثير عن الطبيعة الأساسية للزمكان؛ لذلك ظهر العديد من النظريات البديلة في السنوات الأخيرة.

على الرغم من أنه من السابق لأوانه الحكمُ على تلك النظريات ونحن لا نعرف ما إذا كان أيٌّ منها سينجح في تغطية التفاصيل كلها، فإننا نلاحظ بالفعل بعض النتائج الرائعة. ومن بين جميع النظريات، ثَمَّةَ ثلاث نظرياتٍ على الأقل عن الجاذبية الكمية، مستقلة تمامًا، هي أكثرها لفتًا للانتباه وتُشير إلى أن نشأة الكون بدأتْ بشيءٍ يمكن أن نطلق عليه «لحظة سكون».

إذا عدنا بالزمن إلى الوراء، يبدو أننا نصل إلى لحظةٍ كانت فيها كل نقطةٍ في الفضاء منفصلةً عن كل نقطةٍ أخرى. وهذا يعني أنه لا شيء — أي صوت أو معلومات أو ضوء — يمكنه الانتقال بينها. ربما لحظة السكون تلك ستكشف لنا عن شيءٍ جديدٍ في القصة الأكثر قدمًا!

كان ستيفن كارليب — من جامعة كاليفورنيا في ديفيس — من أوائل مَن اكتشفوا أن المسارات المختلفة للجاذبية الكمية تتلاقى؛ ففي عام ٢٠١٢، جمع كل النظريات ووجد أن العديد منها يُسقِط بُعدًا مكانيًّا أو بُعدين عندما يعود الكون إلى بدايته الحارة الكثيفة. بعبارةٍ أخرى، يبدو أن القواعد الهندسية كانت مختلفة تمامًا في البداية.

تمتد لحظة السكون أكثر ونرى المكان والزمان منفصلَين تمامًا. من الصعب تحديد كيف ومتى حدث ذلك بالضبط، ولكن يبدو أنه ينشأ عن التموُّج الكمي الأوَّلي. أجرى كارليب وزملاؤه حساباتٍ على فرعٍ من نظرية الأوتار يُدعى جاذبية التمدد. وأوضحوا أن الكون انقسم إلى أجزاءٍ منفصلةٍ خلال اﻟ ١٠−٤٣ ثوانٍ الأولى من عُمْر الكون. ولم يكن أيٌّ من هذه الأجزاء على اتصالٍ بأي شيءٍ خارج حدود كيانه (انظر الشكل).

سكون عظيم: يتنبَّأ العديد من نظريات الجاذبية الكمية بأن الزمكان ينقسم إلى أجزاءٍ منفصلةٍ كلما عدنا بالزمن إلى الوراء إلى لحظة ميلاد الكون.
سكون عظيم: يتنبَّأ العديد من نظريات الجاذبية الكمية بأن الزمكان ينقسم إلى أجزاءٍ منفصلةٍ كلما عدنا بالزمن إلى الوراء إلى لحظة ميلاد الكون.

تُردِّد الشيءَ نفسه نظريةٌ تُعرف باسم «التثليث الديناميكي السببي»، وهي التي تفيد بأن الكون يتألَّف من وحداتٍ زمكانيةٍ على شكل أهراماتٍ مثلثة القاعدة، وطرق توافق الأهرامات معًا تعطي الزمكان الانحناء الذي تقول النسبية العامة إنه ناجم عن وجود الكتلة والطاقة.

ميلاد وسط السكون

وفقًا لنظرية التثليث الديناميكي السببي، يمكن أن تكون أجزاء الزمكان كلها مختلفة، وتربط بينها المحاكاة الحاسوبية بمليارات الطرق المختلفة. تتلخَّص الفكرة في أن المقارنة بين مختلِف المخرجات تتيح لنا تحديد السيناريوهات التي تظهر في أغلب الأحيان. وهذه السيناريوهات تمثِّل التاريخ المحتمل للكون. تقول ريناتي لول، من جامعة رادبود نايميخن بهولندا وأحد واضعي النظرية: «نأمل أن تمدنا عمليات المحاكاة بمؤشرٍ على الكيفية التي أراد الكون التصرُّف بحسبها قُرب نقطة التفرُّد الأوَّلي دون ترتيب الأمور بأنفسنا.» ومع ذلك، من المثير للاهتمام أن تركيباتٍ معينةً من الخيارات تفرز أكوانًا مختلفةً تمامًا، كاختلاف الليل والنهار.

يمر الكون وفقًا لنظرية التثليث الديناميكي السببي بثلاثة «أطوار» مختلفة؛ الطور الأول مألوف لنا، عندما تكون المناطق المختلفة مترابطة وتؤثِّر بعضها في بعضٍ من خلال بثِّ الإشارات أو القوى. أما المرحلة الثانية، فتتمثل في كونٍ مؤلَّف من قطعةٍ واحدةٍ متجانسة؛ حيث يكون كل شيءٍ جزءًا لا يتجزأ من الآخر فعليًّا. والطور الثالث تكون فيه وحدات الزمكان منفصلةً تمامًا؛ كل قطعةٍ بمفردها؛ حيث تسود لحظة من السكون بعبارةٍ أخرى.

على الرغم من أنه من السابق لأوانه الجزم بصحة تلك النظرية، فإن فكرة أن الكون قد انتقل بين هذه المراحل ربما تمثل باكورةً لفهْمٍ جديدٍ للجاذبية الكمية. تقول سابين هوسينفيلدر، من معهد نورديك للفيزياء النظرية في ستوكهولم بالسويد: «إن بدايات الكون هي المدخل الأجدر بالثقة لدينا إلى الجاذبية الكمية؛ فدراسة مثل هذه المرحلة الانتقالية في بدايات الكون ستعزِّز من فهمنا لماهية المكان والزمان في الأساس.»

النظرية المعروفة باسم «الجاذبية الكمية الحلقية» هي أحدث النظريات التي أكدتْ على ميلاد الكون وسط السكون. في هذه النظرية، يتكوَّن الزمكان من نسيجٍ محبوكٍ من الجدائل والعُقَد. والطريقة التي تتشابك بها الجدائل تخلق مساحة فوضوية من الجسيمات والقوى.

من بين السبل التي يمكن للباحثين من خلالها محاولة التحقُّق من صحة النظرية نموذجُ علم الكون الكمومي الحلقي، والذي يبحث عن طُرقٍ يمكن للجاذبية الكمية الحلقية أن تُشكِّل بها التاريخ الكوني على نحوٍ فريد؛ إذ يسعى إلى تبيُّن الطرق التي يمكن أن تكُون الجدائل والعُقَد تآلفتْ بها في ظل الظروف العالية الطاقة والعالية الكثافة في بداية الكون.

عندما عاد بارو وزملاؤه إلى نقطة تمدُّد الكون وفقًا لنموذج علم الكون الكمومي الحلقي، لاحظوا ظروفًا تُبطِئ مرورَ الضوء. وعندما واصلوا ضغط كل شيءٍ في حالاتٍ أكثر سخونة وأكثر كثافة بدرجةٍ كبيرة، وصل الكون بحسب نموذج علم الكون الكمومي الحلقي في نهاية المطاف إلى مرحلةٍ لم يتمكَّن الضوء فيها من الانتقال على الإطلاق. وإذا لم يستطِعِ الضوء الانتقال، فلا يمكن أن يحدث تواصل ولا يمكن أن تنتقل القوى، وستنفصل كل منطقةٍ من الزمكان عن الأخرى، وستسود لحظةٌ من السكون.

لا يأخذ الباحثون نموذجهم على محمل الجدية بما يكفي. ويعترف بارو قائلًا: «علينا وضع الكثير من الافتراضات.» لكنهم سعداء بأن نموذج علم الكون الكمومي الحلقي انضمَّ الآن إلى مجموعة النظريات التي تشير إلى المَوْلِد الكوني الهادئ. ويقول ياكوب ميلتشاريك — زميل بارو — من جامعة ياجيلونيان في كراكوف ببولندا: «ربما تساعدنا النظريات التي تؤكِّد على لحظة السكون على فهْم العلاقات بين هذه الصيغ.»

إحدى نقاط القوى بنموذج علم الكون الكمومي الحلقي والتي تبعث على التفاؤل أنَّ التضخم يظهر بطريقةٍ طبيعيةٍ على نحوٍ يثير الاهتمام. التضخم هو فترة من النمو السريع جدًّا طالما اعتقد علماء الكون أنها لا بد أن تحدث في اللحظات التالية لخلق الكون. وتَعزَّز هذا الاعتقاد بعد الاكتشاف الأخير لبصمةٍ في إشعاع الخلفية الكونية الميكروي الذي تكوَّن بعد ٣٧٠ ألف سنة من الانفجار العظيم.

تفيد قصة الانفجار العظيم الاعتيادية بوجود فترة تضخُّم مقحمة، أما في نموذج علم الكون الكمومي الحلقي، فإنها تحدث كنتيجةٍ طبيعيةٍ لما يُسمى «الارتداد». وهذه هي اللحظة التي تسبق وصول الكون إلى حيِّز الوجود؛ فنموذج علم الكون الكمومي الحلقي لا يرى ولادة الكون باعتبارها بداية كل شيء. في عام ٢٠٠٦، أظهر بارامبريت سينج — وهو أستاذ بجامعة لويزيانا الحكومية — وزملاؤه أنه إذا عدنا بالزمن إلى الوراء في الكون الذي يصوِّره نموذج علم الكون الكمومي الحلقي، فإننا سنصل في نهاية المطاف إلى لحظةٍ تكون فيها الجدائل والعُقَد مثقلة بالطاقة وتخلق قوة مضادة تتسبَّب في قلب المكان من الداخل إلى الخارج ثم البدء في التمدُّد مرةً أخرى.

إذا احتوى ذلك الكون على أي شكلٍ من أشكال «الحقل السُّلَّمي» — خاصية تشبه الضباب تبذل نوعًا معينًا من القوة في كل نقطةٍ في الفضاء — فإن النتيجة هي فترة طبيعية من التضخُّم. وهذا الأمر ليس مصطنعًا كما قد يبدو؛ فكل نظريات علم الكونيات تضع حقلًا سُلميًّا في أكوانها باعتباره نواةً لمختلِف القوى. وفي الكون الارتدادي ذي الحقل السلمي، يُعَدُّ التضخُّم أمرًا حتميًّا تقريبًا. يقول بارو: «عليك تهيِئَة الظروف بدقةٍ إذا كنتَ ترغب في منع التضخم.»

بمقدور نموذج علم الكون الكمومي الحلقي أيضًا إخبارنا بالوقت الذي استغرقه التضخُّم؛ إذ يتوقع فترة من التضخم ضِعْف الفترة التي تخبرنا المشاهدات الكونية أنها استمرتْ حقًّا. ويرى ميلتشاريك أن هذا لا بأس به؛ إذ كان يمكن أن تكون أكبر بعشر مرات، أو ١٠ آلاف مرة، أو ١٠ تريليونات مرة. فعلى الأقل توجد قيمة لها. ويضيف قائلًا: «لا أعرف أي نموذج آخر تكون فيه فترة التضخُّم قابلةً للحساب.»

نموذج علم الكون الكمومي الحلقي ينطوي بالفعل على ميزةٍ خاصة؛ تبعث على الفرح والفزع بالقدْر نفسه. إذا ضغطتَ الكون بشدةٍ أكثر قليلًا؛ بحيث يتجاوز لحظة السكون الكوني، فإن الضوء يبدأ في الانتقال مرةً أخرى، وإن كان على نحوٍ غريبٍ للغاية. فقُبيل السكون، يتضح أن سرعة الضوء تبلغ رقمًا خياليًّا، وهو الجذر التربيعي لعددٍ سالب. وفي المعادلات، هذا يعني أن الزمن تحوَّل فعلًا إلى مكان. فنحصل على أربعة أبعادٍ للمكان ولا يوجد زمن على الإطلاق.

كل الطرق تتلاقى

على الرغم من أن تلك مشكلة مفاهيمية لدى الغالبية العظمى، فإنها تُمثِّل لبارو وزملائه لحظة كشفٍ تبعث على الفرح؛ فيشيرون إلى أن ذلك يتوافق مع تخيُّل ستيفن هوكينج وجيمس هارتل لطريقة تجاوز لحظة التفرد؛ فقد تمكَّنوا من فعل ذلك باستخدام كونٍ ذي أربعة أبعادٍ مكانيةٍ وبلا زمن.

يرى آخرون — أمثال مارتن بيووالد، الأستاذ بجامعة بنسلفانيا الحكومية — في هذا التحوُّل إلى فضاءٍ رباعيِّ الأبعاد أنه ينطوي على مشكلة؛ إذ يرى بيووالد أن نتائج هذا النموذج رائعة، ولكن طريقة بارو وزملائه في صياغة التموُّج الكمي مضلِّلة ومن المرجح أنها جرفتْهم بعيدًا عن الواقع.

ويعترف أن هذا لا يعني أنه يعرف طريقةً أفضل لفعل ذلك. ويضيف قائلًا: «تُظهِر لنا النتيجة الكثير من المشكلات الجديدة التي لم يتوقَّعها الآخرون. وربما يكون هذا الأمر محفزًا للغاية حقًّا.» أما سينج، فيُبدي معارضةً أشد؛ إذ يرى نظريات لحظة السكون على أنها نتيجة لافتراضات «أوَّلية وتخمينية للغاية» على حدِّ تعبيره. ويستطرد: «الاستنتاجات سابقة لأوانها تمامًا ومن المستبعد أن تكون صحيحة.»

سيمرُّ وقت طويل قبل أن نتمكن من مقارنة أيٍّ من هذه النماذج بكوننا الحقيقي على نحوٍ ملائم. تكمن أفضل الاحتمالات في السمات الدقيقة لإشعاع الخلفية الكوني الميكروي؛ فعلى سبيل المثال، تكشف بيانات القمر الصناعي بلانك التابع لوكالة الفضاء الأوروبية عن الخريطة الأكثر تفصيلًا لهذا الإشعاع عبر السماء بأكملها. ومع ذلك، لا تملك المركبة القدرة على التحقُّق من نموذج علم الكون الكمومي الحلقي للخلق. ويضيف بارو: «سوف نُضطر إلى انتظار قياساتٍ أخرى من أقمارٍ صناعيةٍ تتلو بلانك.»

إذا اضطُر كارليب إلى وضع تخمين، فإنه يتوقَّع أن الخرائط الأخيرة لإشعاع الخلفية الكوني الميكروي، التي وُضعتْ بواسطة تليسكوب بيسيب ٢، من الممكن أن تسبر أغوار مناطق ذات صلةٍ بالسكون العظيم أو الأبعاد المختفية. ويضيف: «من المرجَّح أنها تحمل بعض البصمات التي تُرصَد بالملاحظة.» ولكنه مع ذلك ليس لديه أدنى فكرة عما قد تبدو عليه.

يتفق باحثو نموذج علم الكون الكمومي الحلقي على أنه لا شيء جليٌّ حتى الآن، لكن من الممكن أن تظهر دلائل أخرى مصدرها تجارِب تُجرَى في المختبرات (انظر الجزء الذي بعنوان «علم الكونيات في المختبر»).

بطبيعة الحال، هذه أمور افتراضية؛ بل افتراضية أكثر مما ينبغي من وجهة نظر البعض. ولكن الدمج بين مختلِف نماذج الجاذبية الكمية يقدِّم سببًا وجيهًا لمواصلة استكشاف هذا المجال. يشير سينج إلى التقارُب بين نموذج علم الكون الكمومي الحلقي ونظرية التثليث الديناميكي السببي عند النظر إلى اللحظة التي تَحوَّل فيها الزمكان من الحالة الكمية إلى الحالة الكلاسيكية المألوفة؛ فعلى الرغم من أنهما ارتكزا على نقطتَيِ انطلاقٍ مختلفتين كثيرًا، فإن كِلَا النهجين يقدِّم زمكانًا كلاسيكيًّا تمامًا قبل أن يتسنَّى للكون فرصة التوسع على نحوٍ كبير. ويستطرد سينج قائلًا: «ربما يخبرنا هذا بأن النتائج هي انعكاس لحقيقةٍ أعمق تتعلق بالطبيعة الكمية للزمكان.»

تشعر هوسينفيلدر أيضًا بالحماس حيال القواسم المشتركة. فتقول: «إن كل نهجٍ له إيجابياته وسلبياته.» وترى أنه إذا أدَّتْ بنا مسارات مختلفة إلى استنتاجات مماثلة، ينبغي بالتأكيد أن نُولِيَ هذه النظريات اهتمامًا؛ «إذ يبدو أن هذا التلاقيَ يحاول أن يقول لنا شيئًا.» سكون! …

علم الكونيات في المختبر

هل الكون لم يتولَّد عن انفجار، وإنما وُلد وسط السكون؟ ليس التحقق من هذا الأمر سهلًا. لكن ثَمَّةَ فرضية مثيرة للاهتمام، نابعة من مصدرٍ يبعث على الدهشة: المواد الاصطناعية التي يجري تطويرها مثل عباءات التخفِّي.

إن ما تُسمَّى بالمواد الخارقة تفعل أشياءَ غريبةً عند التعرُّض للإشعاع؛ ففي حين أن معظم المواد توجِّه الموجات الميكروية أو الضوء المرئي نحو اتجاهٍ واحد، فإن المواد الخارقة يمكن أن تحنيَه في الاتجاه المقابل. ولكنها أيضًا تُبطئه أو تُسرعه بالطريقة نفسها التي اتبعتْها التغيرات في كثافة الطاقة في بدايات الكون.

وهذا يعني أنه يمكن استخدام المواد الخارقة لصنع محاكاةٍ باستخدام نماذجَ مصغرةٍ للظروف التطوُّرية أثناء اللحظات الأولى للخلق داخل المختبرات. يعمل إيجور سمولينينوف بالفعل على مثل هذه النماذج المصغرة للظواهر الكونية في مختبره بجامعة ميريلاند. وقد صنع موادَّ خارقةً من أعمدةٍ من جسيماتٍ مغناطيسيةٍ متدليةٍ وسط مادةٍ سائلة، وأوضح أن تغيير درجة حرارتها يُمكِّنه من محاكاة الأكوان التي تظهر وتختفي داخل الكون المتعدد.

يشير ياكوب ميلتشاريك — من جامعة ياجيلونيان في كراكوف ببولندا — إلى التشابُه بين تجربة سمولينينوف والجاذبية الكمية. ويرى أن التكافؤ يرتبط بحقيقة أن الذرات في هذه الأنواع من المواد المغناطيسية لها خاصية تُسمَّى «اللف المغزلي»، وهي التي يمكن توجيهها عشوائيًّا أو في صفوفٍ منظمة. وعندما يكون اللف المغزلي عشوائيًّا، وهو الذي يحدث فوق درجة حرارةٍ معينة، لا يوجد مجال مغناطيسي نهائي؛ ومع ذلك، وإذا انخفضتْ درجة الحرارة، ينتظم اللف المغزلي ليُشكِّل مجالًا مغناطيسيًّا.

وبالمثل، من الممكن أن الأجزاء المتفرقة في بدايات الكون الحارة كانت مصطفَّةً على نحوٍ عشوائي، مُشكِّلةً كونًا ذا أربعة أبعادٍ مكانية، ولكن دون زمن. وعندما انخفضتْ درجة حرارة الكون، ربما ظهرتْ اتجاهيةٌ نُطلق عليها الزمن. ويشير ميلتشاريك إلى أن استكشاف هذا التحوُّل في المختبر ربما يُزوِّدنا بدلائلَ على أن الكون خضع لمثل هذه التحولات الطورية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.