تخيل أنك تجلس على شاطئ جزيرة جرينلاند قارس البرودة. اضبط آلة الزمن لتسافر بضعة قرون إلى المستقبل، ثم راقب الصفيحة الجليدية الضخمة فوقك وهي تذوب ببطء وتنسكب في البحر. حتى الآن لا شيء يخالف التوقعات، لكن ما سيحدث عندما تتدفق كل مياه الذوبان هذه إلى البحر قد يفاجئك! فبينما تخوض المدن البعيدة معركة مع ارتفاع مستويات المياه، ستجد نفسك بعيدًا عن سطح الماء، تراقب الأمواج المتقهقرة أدناك. فوفقًا للجيوفيزيائي جيري ميتروفيكا: «سينخفض منسوب البحر تحت قدميك بمعدل ١٠٠ متر، إنه أمرٌ لا يُصدق، لكنه حقيقيٌّ.»

إذا ذاب جليد جزيرة جرينلاند بالكامل، فسينخفض منسوب البحر الإقليمي بمقدار ١٠٠ متر.
إذا ذاب جليد جزيرة جرينلاند بالكامل، فسينخفض منسوب البحر الإقليمي بمقدار ١٠٠ متر.

كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ الأمر كله يرجع إلى حقيقة كون البحر ليس مسطحًا كما يبدو من بعيد؛ فسطح البحر يضم تلالًا وأودية مائية، وليس مستويًا كحوض استحمام مليء بالمياه الساكنة. لكننا لا نرى هذا لأن المنحدرات تمتد على نحو تدريجي إلى حدٍّ بعيد، لكن قد يصل ارتفاعها أو عمقها إلى أمتار كثيرة.

لقد ظل هذا المشهد المائي كما هو تقريبًا طوال بضعة الآلاف عام المنصرمة لكنه يبدأ الآن في التغيُّر. فمع ذوبان الصفائح الجليدية لن يقتصر الأمر على زيادة المياه في المحيطات بل ستبدِّل تلك التلال والأودية مواقعها كذلك. وبناءً على ما سيحدث فقد تواجه مدينتا بوسطن ونيويورك خطر ارتفاع جديد لسطح البحر، أو يمكن أن تنحسر الأمواج عن شاطئ اسكتلندا كاشفةً عن أراضٍ جديدة.

إذا كنت تظن أن هذا الكلام يبدو بعيد الاحتمال فأنت تشارك الكثيرين رأيهم؛ فعلماء المحيطات أنفسهم وجدوا صعوبة في تقبل هذه الفكرة، مع أن قواعد الفيزياء التي تحكمها بسيطة إلى حدٍّ كبير، وقد اكتُشف المبدأ الأساسي خلفها منذ زمن بعيد يرجع إلى القرن التاسع عشر. وكان أول من اكتشفها الفيزيائي روبرت وودوارد الذي كان يعمل لدى وكالة المسح الجيولوجي الأمريكية في الوقت الذي اتضح فيه أن أجزاء كبيرة من أمريكا الشمالية كانت مغطاة بالثلوج منذ زمن ليس ببعيد.

طلب زملاء وودوارد منه المساعدة في تفسير الاكتشاف المحيِّر التالي: أثناء وجود الجليد، بدا أن شاطئ إحدى البحيرات كان أعلى بكثير عند أحد الجوانب مقارنة بالجانب الآخر. أدرك وودوارد أن أية كتلة ضخمة على سطح الأرض — بدءًا من القارات وانتهاءً بالصفائح الجليدية — تفرض جاذبية لا يُستهان بها على أية مياه تحيط بها بحيث تُجمِّع السائل قبالة جوانبها، أما في حالة الصفائح الجليدية، فإن تلك التلال المائية ستنخفض إذا ذاب الجليد. وعليه نشر وودوارد بحثًا علميًّا عام ١٨٨٨ يصف طرقًا لحساب التغيرات الناتجة عن ذلك في منسوب البحر.

وبعد حوالي قرن من الزمان، عام ١٩٧٦، أخذ وليام فاريل وجيمس كلارك عامل تأثيرات الجاذبية في الحسبان عندما حاولا التوصل إلى كيف تغير منسوب البحر مع ذوبان الصفائح الجليدية الضخمة في الشمال مع نهاية العصر الجليدي الأخير. وفي العام التالي طبَّق كلارك وكريج لينجل نفس المبادئ لاكتشاف ما سيحدث إذا تضاءلت الصفيحة الجليدية الهشة في غرب القطب الجنوبي أو اختفت؛ ووجدا أن منسوب البحر حول معظم أجزاء الأرض سيرتفع لكنه سينخفض في أجزاء من المحيط الجنوبي، تاركًا «بصمةً» عالميةً مميزةً.

لم يتوارَ ذلك الاكتشاف عام ١٩٧٧ في إحدى المجلات العلمية المغمورة، بل نُشر في مجلة نيتشر، لكن المدهش أن الرسالة لم تصل. يعلق ميتروفيكا — الذي يعمل في جامعة هارفرد — على هذا قائلًا: «ترتبط فكرة بصمات منسوب البحر بتاريخ طويل من الإهمال.» واستمر علماء المحيطات في التحدث عن متوسط منسوب البحر مفترضين أن ذوبان صفيحة جليدية سيتسبب في تأثير موحَّد في جميع أنحاء العالم. وحتى يومنا هذا تعتمد معظم الخرائط التي تزعم توضيح تأثيرات ارتفاع منسوب البحر على هذا الافتراض المبسَّط.

رغم ذلك لطالما ظلت تلك الخرائط مختلفة عن القياسات؛ إذ أظهرت مقاييس المد والجزر التي تراقب منسوب البحر في مئات المواقع حول العالم ارتفاعًا بطيئًا في متوسط منسوب البحر، لكنها أظهرت كذلك اختلافات إقليمية ضخمة. يقول ميتروفيكا: «لاحظ المختصون بمراقبة بيانات مقاييس المد والجزر أن منسوب البحر يتغير من مكان لآخر، لكنهم أغفلوا تأثير الجاذبية؛ لذا اعتقدوا أن ما لاحظوه يطرح مشكلة.» وفي حقبة التسعينيات نقل إلينا القمر الصناعي توبكس/بوسيدون صورة مفصَّلة للمحيطات حول العالم لأول مرة، وأكد على وجود تلك الاختلافات المحيِّرة في المشهد البحري.

في البداية ظنَّ علماء المحيطات أن السبب أحد الآثار المتخلفة منذ آخر عصر جليدي. فمن المعروف منذ القرن التاسع عشر أن وزن أية صفيحة جليدية يدفع قشرة الأرض لأسفل؛ ومع هبوط القشرة، تتحرك الصخور العميقة إلى الجوانب متسببة في بروز المناطق المحيطة لأعلى. وعندما يسيح الجليد ويزول الوزن، تعود القشرة إلى شكلها السابق. ورغم إغفال تأثير الجاذبية في أغلب الأحيان، ظل ارتداد ما بعد العصر الجليدي أمرًا معروفًا.

كانت الصفائح الجليدية الضخمة في أمريكا الشمالية وأوراسيا شديدة الثقل، مما تسبب في انخفاض سطح الأرض تحتها بواقع ٥٠٠ متر. وعندما بدأ الجليد يذوب منذ حوالي ٢٠ ألف سنة ارتدت القشرة جزئيًّا على نحو سريع جدًّا؛ وهو ما يعلق عليه ميتروفيكا قائلًا: «كان الأمر يشبه إفلات رباط مطاطي مشدود.» عقب ذلك استمرت عملية الارتداد بمعدل أكثر بطئًا، بل إن بعض الأماكن لا تزال ترتفع حتى اليوم — على سبيل المثال يرتفع خليج هدسون بمقدار سنتيمتر واحد سنويًّا — بينما المناطق التي برزت لأعلى في يوم ما لا تنفك تنخفض. سيبدو منسوب البحر في تلك الأماكن إما في حالة انخفاض أو ارتفاع.

إن نمط ارتداد ما بعد العصر الجليدي يساعد على تفسير الاختلافات الإقليمية التي تسجلها مقاييس المد والجزر، لكنه لا يفسرها جميعًا. على سبيل المثال، لا يمكن تحميل الارتداد مسئولية الارتفاع البطيء نسبيًّا في منسوب البحر الملحوظ في أنحاء أوروبا مقارنة بالمتوسط العالمي، وهو ما تسبب في إرباك علماء المحيطات وإسعاد رافضي نظرية تغير المناخ ممن أوردوا هذا التناقض الثابت كأحد مظاهر إخفاق علم المناخ. يعلق ميتروفيكا على هذا قائلًا: «أرغمنا المتشككون على التفكير بمزيد من الإمعان.»

بدأ ميتروفيكا في التشكيك في نموذج حوض الاستحمام الممتلئ بالتساوي خلال عقد التسعينيات: «بدأت أتساءل، مهلًا! لماذا نتوقع تأثيرات متماثلة؟» ومن ثم أجرى مع زملائه سلسلة من المحاكيات لذوبان صفيحة جليدية كي يلاحظ كيف سيستجيب نظام المحيطات والأرض كافةً. وإضافة إلى التأثيرين القويين للجاذبية والارتداد السريع، اشتمل النموذج كذلك على تأثيرات أقل درجة، مثل التغيرات في دوران الأرض.

إن إزالة صفيحة جليدية يماثل نقل وزن من على إطار عجلة؛ إذ يؤدي إلى تغيير توازن الكوكب. على سبيل المثال، إذا ذابت ثلوج جرينلاند فسيتسبب ذلك في نقل محور دوران الكوكب بمقدار نصف كيلومتر ناحية الصفيحة الجليدية الذائبة، بينما سيميل الانتفاخ الاستوائي بدوره بعض الشيء. سيضيف ذلك مزيدًا من القباب إلى بصمة منسوب البحر، محركًا سطح المياه لأعلى أو لأسفل بمقدار نصف متر في عدد من الأماكن (راجع الشكل).

ارتفاعات وانخفاضات: الصفائح الجليدية شديدة الضخامة لدرجة أن جاذبيتها تسحب المياه ناحيتها. عندما تذوب الصفائح تختفي تلك الجاذبية، مما يتسبب في انخفاض منسوب المياه حولها.
ارتفاعات وانخفاضات: الصفائح الجليدية شديدة الضخامة لدرجة أن جاذبيتها تسحب المياه ناحيتها. عندما تذوب الصفائح تختفي تلك الجاذبية، مما يتسبب في انخفاض منسوب المياه حولها.

أظهر فريق ميتروفيكا عام ٢٠٠١ أنه عبر أخذ تلك التأثيرات كافة في الاعتبار أصبح في وسعهم تفسير الاختلافات الجغرافية في مقاييس المد والجزر. يعلق ميتروفيكا على هذا قائلًا: «كانت تلك اللحظة هي قمة الإثارة بالنسبة لنا.» وبدأ الأمر يلفت نظر المزيد من الناس، رغم أن بصمات منسوب البحر لم تنضم أخيرًا إلى الاتجاه الرئيسي في علم المحيطات إلا خلال بضع السنوات الأخيرة.

بالنسبة لغير المتخصصين في هذا المجال لا يزال مفهوم المشاهد البحرية المتغيرة يبعث على الدهشة، وهو الأمر الذي يصفه ميتروفيكا قائلًا: «ما زلت ألقي كثيرًا من المحاضرات يُصدَم فيها الناس لمعرفة أن منسوب البحر ينخفض بالقرب من صفيحة جليدية تتعرض للذوبان.» وكلمة «بالقرب» ها هنا تشير في الحقيقة لمسافة بعيدة إلى حدٍّ كبير، فتأثير الجاذبية الممتد سيؤدي إلى انخفاض منسوب البحر في حدود ٢٠٠٠ كيلومتر تقريبًا بعيدًا عن الجليد.

إذا اختفت ثلوج جرينلاند تمامًا فسيهبط البحر حول شمال اسكتلندا بمعدل يزيد عن ٣ أمتار، وسينخفض كذلك حول أيسلندا بمعدل ١٠ أمتار، بينما ستشهد معظم سواحل أوروبا ارتفاعًا في مستويات سطح البحر، إلا أن هذا الارتفاع سيقل إلى حدٍّ بعيد عن المتوسط العالمي المخيف البالغ ٧ أمتار. لكن لا بد أن تذهب كل تلك المياه لمكانٍ ما؛ لذا سيشهد المزيد من أجزاء العالم البعيدة ارتفاعات تتخطى المعدل المتوسط. ستتأثر أمريكا الجنوبية على وجه التحديد سلبًا جرَّاء ارتفاعات تصل لعشرة أمتار.

كتلة جليدية متدلية

إذا كنت تعيش على بعد بضعة آلاف كيلومترات من جرينلاند ولا يهمك سوى نجاتك فربما تبدو هذه التوقعات مطمئنة … لكن تلك الأرقام لا تنطبق إلا على صفيحة جرينلاند الجليدية. توجد كتلة جليدية ثانية تتدلى فوق رءوسنا عند الطرف الآخر من العالم، ألا وهي الصفيحة الجليدية الرقيقة في غرب القطب الجنوبي، وإذا ذابت تلك الصفيحة فستضيف ٣ إلى ٦ أمتار لمتوسط منسوب البحر وستخلف نمطًا مختلفًا للغاية على المحيطات.

سينخفض منسوب البحر بالقرب من القطب الجنوبي، وسيرتفع ارتفاعًا طفيفًا حول أقصى نقطة في جنوب أمريكا الجنوبية. لكن معظم سواحل العالم ستشهد ارتفاعات أعلى من المتوسط العالمي، وسيعاني الساحل الشرقي للولايات المتحدة على وجه التحديد من آثار أشد سوءًا؛ إذ سيشهد ارتفاعات تزيد عن المتوسط بنسبة ٢٥٪. علاوة على ذلك، يتصادف كونه إحدى تلك المناطق التي لا تزال القشرة الأرضية تهبط عندها ببطء بعد آخر عصر جليدي، بمعدل يبلغ ٢ إلى ٣ مليمترات سنويًّا.

إذن أي النمطين سنشهد؟ تشير الملاحظات إلى أن الصفيحة الجليدية في جزيرة جرينلاند تفقد كتلتها حاليًّا بمعدل يبلغ ضعف معدل صفيحة القطب الجنوبي، وهو ما يمثل على ما يبدو أخبارًا سارة نوعًا ما لأوروبا. لكن يظل السؤال المحوري هو: ماذا سيحدث بعد ذلك؟ تشير دراسات حديثة إلى حتمية الذوبان الكامل لصفيحة جرينلاند الجليدية، ما لم تُجرَ بعض الإصلاحات الهندسية الجيولوجية. رغم ذلك، يُفترض عمومًا أن يستغرق ذوبان الجليد قرونًا طويلة أو حتى ألف عام، لكن لا أحد يعلم على وجه اليقين؛ فالدراسات التي أجريت على فترات الذوبان السابقة محدودة الصلة بما يحدث الآن لأسباب ليس أقلها كون معدل احترار العالم اليوم أسرع من أي وقت مضى.

علاوة على ذلك يُعدُّ التنبؤ بمصير الصفيحة الجليدية بغرب القطب الجنوبي مهمة أصعب؛ فمعظمها يقع على صخور على عمق عدة مئات من الأمتار تحت منسوب البحر مما يجعلها ضعيفة للغاية. والمياه الدافئة تذيب الجليد أسرع بكثير من الهواء الدافئ، وإذا بدأت التيارات الدافئة في نخر الجليد من الأسفل فقد تتفتت الصفيحة غير المستقرة بسرعة تفوق بكثير سرعة تفتُّت الصفيحة التي تغطي جزيرة جرينلاند.

في هذا السياق توصلت ناتاليا جوميز — طالبة دراسات عليا تعمل مع ميتروفيكا — إلى الحقيقة التالية: «بعدما رأينا البصمة والحلقة التي تحدثها من انخفاض كبير في منسوب البحر حول الصفيحة الجليدية، أدركنا حتمية أن يؤثر ذلك تأثيرًا عميقًا على استقرار الصفيحة الجليدية.» إذا انحسر البحر فستقل كمية الجليد المعرضة للتيارات الدافئة. تشير حسابات ميتروفيكا وجوميز التي نُشرت العام الماضي إلى أن الانخفاض الإقليمي في منسوب البحر مع ذوبان الجليد عبارة عن رد فعل سلبي سيتسبب في إبطاء انحسار الصفيحة الجليدية (مجلة نيتشر جيوساينس، المجلد ٣، صفحة ٨٥٠)؛ وهو ما يعلق عليه ميتروفيكا قائلًا: «إنه التطور الأحدث والأكثر إثارة.»

على الصعيد المقابل، قد يؤدي ارتفاع منسوب البحر حول غرب القطب الجنوبي نتيجةً لذوبان جليد جرينلاند لتأثير مزعزع للاستقرار، وحتى الآن معدل ذوبان جرينلاند هو الأسرع. وقد تفقد كلتا الصفيحتين الجليديتين كميات ضخمة من الجليد على مدار القرن أو القرنين التاليين، مما يترك بصمةً على منسوب البحر تنبع من تضافر إسهامات كلٍّ منهما.

يبدو أن هذا قد حدث خلال آخر فترة بين عصرين جليديين منذ ١٣٠ إلى ١١٤ ألف سنة، فإبَّان تلك الحقبة كان متوسط درجات الحرارة العالمية أدفأ بدرجة أو درجتين مئويتين عن مستويات عصر ما قبل الصناعة؛ وهو مستوى من الاحترار سنمر به في منتصف القرن تقريبًا. واستنادًا إلى القرائن المتمثلة في الشواطئ القديمة والشعاب المرجانية، كان يُعتقد أن متوسط منسوب البحر في تلك الحقبة كان أعلى من اليوم بمعدل يتراوح بين ٤ إلى ٦ أمتار؛ وهو ارتفاع هائل قد يرجع إلى ثلوج جرينلاند وحدها. لكن ذلك التحليل تجاهل الاختلافات الإقليمية.

في عام ٢٠٠٩ أعاد فريق يضم ميتروفيكا ويقوده روبرت كوب من جامعة برنستون تحليل نفس البيانات في ضوء جميع العوامل المعروفة بتأثيرها على منسوب البحر الإقليمي، واستنتجوا أن متوسط منسوب البحر في ذلك الزمن كان على الأرجح أعلى بثمانية أمتار عن اليوم. يعلق ميتروفيكا على هذا قائلًا: «يوحي ذلك بحدوث تداعٍ ضخم في غرب القطب الجنوبي وجزيرة جرينلاند معًا.»

لا أحد يستطيع القطع بالوقت اللازم لحدوث نفس الظاهرة مجددًا، لكنَّ لدينا على الأقل تصورًا أفضل بكثير للبقاع التي ستشهد أقصى ارتفاع لمنسوب البحر والبقاع التي ستشهد انخفاضه. إذا كنت ترغب بالعيش في مكان يطل على البحر دون القلق حيال ارتفاع مستويات المياه، فإن جزيرة جرينلاند هي أفضل اختيار أمامك، لكن لا تتوقع فحسب أن تحتفظ بإطلالتك على البحر إلى الأبد.

بحار هائجة

البحر يتحرك، لا جديد في ذلك، لكن الأمواج والمد والجزر ليست سوى الظواهر الأسرع زوالًا من بين تحركات البحر الديناميكية؛ إذ تخلق الرياح والمناخ والتيارات كذلك أنماطًا أكثر رسوخًا في المحيطات، فتتسبب في رفع أجزاء من سطحها أو خفضها لأيام أو أسابيع أو سنوات، أو حتى ألف عام.

مع تحرك أنظمة الضغط الجوي المنخفض فوق المحيطات، فإنها تمتص قبة بارزة في سطح البحر، رغم أن تلك القباب العريضة نادرًا ما يتجاوز ارتفاعها ٣٠ سنتيمترًا. من ناحية أخرى، في وسع الرياح القوية حشد موجات عاصفة تصل لعدة أمتار قد يترتب عليها آثار مدمرة، كما ظهر في إعصارَي ساندي وكاترينا.

إن تغيرًا في الرياح السائدة قد يؤدي إلى تأثير تدريجي أقل وضوحًا. فعلى سبيل المثال، يرتفع منسوب البحر حول جزر سليمان الاستوائية غربي المحيط الهادي بمقدار سنتيمتر تقريبًا كل عام — وهو معدل أسرع بكثير من المتوسط العالمي — منذ منتصف التسعينيات. في هذا الوقت تقريبًا تغيرت أنماط الرياح، وتفيد الحسابات التي أجراها الباحثان أكسل تيمرمان بجامعة هاواي وشين مكريجور بجامعة نيو ساوث ويلز بسيدني، أستراليا، أن الرياح هي المسئولة عن خلط الأمور؛ إذ تضخ مياه السطح الدافئة إلى أعماق المحيط لتخلق طبقة تزداد كثافة من المياه الدافئة. تتعرض المناطق الأكثر دفئًا في المحيط لضغط يدفعها لأعلى من قبل المياه الأبرد والأكثر كثافة حولها.

تخلق تيارات المحيط كذلك مشهدًا بحريًّا أكثر ثباتًا؛ إذ يتسبب هبوط المياه المالحة الباردة في شمال المحيط الأطلنطي في دفع حزام متحرك من التيارات. ولمعادلة تأثير كوريوليس — نتيجة لدوران الأرض — ومن أجل السماح للتيارات بمواصلة التدفق نحو الشمال الشرقي من خليج المكسيك حتى مناطق هبوطها، يصبح منسوب البحر في أجزاء من شمال الأطلنطي أقل مما كان سيصبح عليه.

يزعم أندريس ليفرمان الباحث بمعهد بوتسدام لأبحاث تأثير المناخ في ألمانيا أن تدفق مياه الذوبان العذبة قليلة الكثافة القادم من جرينلاند قد يبطئ من هذا الحزام أو يوقفه كله. إذا توقفت المياه فسترتفع المناطق التي تعرضت للخفض. وتشير أحدث النماذج إلى كون هذا التأثير أضعف قليلًا مما كان يُخشى سابقًا، لكن إذا توقف الدوران المتقلب تمامًا، فسيؤدي هذا التأثير وحده لإضافة نصف متر لارتفاع منسوب البحر في المملكة المتحدة وشمال شرق الولايات المتحدة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.