أغلب البطاريق الإمبراطورية لم تطأ أرضًا يابسة بأقدامها.
أغلب البطاريق الإمبراطورية لم تطأ أرضًا يابسة بأقدامها.

البطريق الإمبراطوري طائر شبه أسطوري؛ فهو يتزاوج في منتصف فصل الشتاء في واحد من أكثر الأماكن برودة على سطح الأرض، ويستطيع أن يتحمل درجات حرارة تصل إلى خمسين درجة تحت الصفر، ورياح بقوة الأعاصير.

في مارس أو أبريل، أي مع بداية فصل الشتاء في أنتاركتيكا، تتهادى الطيور فوق الجليد البحري قاصدة مستعمراتها التي يحدث فيها التزاوج. وبعد أن يوضع البيض تعود الأنثى إلى البحر بحثًا عن الغذاء تاركة الذكر كي يحضنه. وعندما تعود الإناث مرة أخرى في شهر يوليو أو أغسطس، يكون البيض قد فقس، وتكون الذكور قد قضت تقريبًا أربعة أشهر متاخمة بعضها لبعض في البرد القارس دون طعام مما يفقدها نصف وزنها.

هذه الظروف الاستثنائية التي يعيشها البطريق الإمبراطوري صنعت منه كائنًا مشهورًا، حتى إنه أصبح مثالًا يُحتذى به لدى أبناء الطائفة الإنجيلية. ولكنَّ هذا الطائر المذهل سيضطر أن يواجه قريبًا الشيء الوحيد الذي لم يتطور ليتكيف معه منذ نشأته، ألا وهو الدفء. فإذا قفزنا إلى الأمام واستبقنا الأحداث لعقود قليلة، سنجد أن العديد من المستعمرات ستكون في طريقها إلى الانقراض. فهل نحن بصدد مشاهدة المسيرة الأخيرة لطائر البطريق الإمبراطوري؟

إن اكتشاف ما يحدث مع البطريق الإمبراطوري هو في حد ذاته تحدٍّ كبير؛ إذ من الصعب جدًّا الوصول إلى كل مستعمراته تقريبًا. فقد شهد هذا العام نشر أول تعداد دولي للطيور بناءً على تحليل أوتوماتيكي لصور الأقمار الصناعية بواسطة هيئة أبحاث القطب الجنوبي البريطانية، وكشف هذا التعداد عن أربع مستعمرات لم تكن معروفة من قبل، مما يصل بإجمالي عدد المستعمرات إلى ٤٦، وإجمالي عدد البالغين إلى ٦٠٠٠٠٠؛ أي ضعف الأعداد التي كشفت عنها التقديرات السابقة تقريبًا. وربما تبدو هذه الأخبار سارة، ولكن من المستحيل أن نحدد هل العدد الإجمالي للطيور يتزايد أم يتناقص. يقول فيل تراثان، أحد أعضاء الفريق: «كل ما في الأمر أنه أصبح لدينا وسيلة أفضل للعثور عليها، ألا وهي الاستشعار عن بُعد.»

بإمكاننا الآن أن نراها … ولكن مستعمرات البطريق الإمبراطوري المتبقية البالغ عددها ٤٦ مستعمرة قد لا تصمد في وجه الاحتباس الحراري. (نيو ساينتيست)
بإمكاننا الآن أن نراها … ولكن مستعمرات البطريق الإمبراطوري المتبقية البالغ عددها ٤٦ مستعمرة قد لا تصمد في وجه الاحتباس الحراري. (نيو ساينتيست)

تأتينا أشمل المعلومات عن الزيادة والنقصان في أعداد طائر البطريق الإمبراطوري إلى حد بعيد من مستعمرة واحدة فقط تصادف وجودها بجوار محطة دومونت دورفيل للأبحاث، الواقعة على ساحل أديلي لقارة أنتاركتيكا. ويقول عالم الأحياء ستيفاني جونوفريه من معهد وودز هول لعلوم المحيطات في ماساتشوستس المعني بدراسة الطيور: «بعد هبوب عاصفة ثلجية، يستطيع أفراد المحطة أن يروا كم بيضة قد تجمدت وكم فرخ نفق.» وقد صُورت هذه المستعمرة الصغيرة نسبيًّا ذات الألفين وخمسمائة طائر في الفيلم الوثائقي «مسيرة البطاريق» الذي عُرض عام ٢٠٠٥ وحقق نجاحًا ساحقًا.

يراقب الباحثون عن قرب الطيور الموجودة حول محطة دومونت دورفيل للأبحاث منذ عام ١٩٦٢. وخلال السبعينيات وأوائل الثمانينيات، بلغ متوسط درجات الحرارة في الشتاء ١٤٫٧ درجة مئوية تحت الصفر، في حين أن مستوى درجات الحرارة المعتاد في هذه المنطقة هو ١٧٫٣ درجة تحت الصفر. قلصت هذه «الفترة الدافئة» مساحة الجليد البحري في فصل الشتاء بنسبة ١١٪، وقللت من أعداد طائر البطريق بمقدار النصف. يقول جونوفريه: «عندما قلت مساحة الجليد البحري، نفقت أعداد كثيرة من طيور البطريق الإمبراطوري.»

لماذا يتأثر البطريق الإمبراطوري بشدة هكذا بتغيرات الجليد البحري؟ بدايةً، إن معظم طيور البطريق لم تطأ من قبل اليابسة بأقدامها، فهي لا تتحرك برشاقة تمكِّنها من تسلق الصخور المنحدرة والجروف الجليدية الموجودة في أغلب مناطق ساحل قارة أنتاركتيكا لحمايتها. وتعيش كل طيور المستعمرات الست والأربعين، فيما عدا مستعمرتين فقط، على جليد الشاطئ؛ أي الجليد الملاصق للشاطئ بإحكام. إذن في حالة تأخر تكوُّن الجليد البحري أو انهياره مبكرًا، لن يكون مستمرًّا طوال الفترة التي تحتاجها هذه الطيور كبيرة الحجم لتتناسل وتربي فراخها، وهي فترة تبلغ ثمانية أشهر تقريبًا.

يقول تراثان: «الانهيار المبكر للجليد البحري يمكن أن يؤدي إلى فشل كارثي لموسم التزاوج.» يعيش البطريق الإمبراطوري عشرين عامًا تقريبًا، لذا بإمكان مستعمرات البطريق أن تتحمل مرور بعض المواسم القليلة التي لا تشهد تزاوجًا جيدًا، ولكن استمرار هذه التغيرات قد يكون كارثيًّا.

الأهم من ذلك أن ريش البطاريق يتساقط كل عام في شهر يناير أو فبراير، وستتجمد الطيور وتموت إذا حاولت أن تسبح خلال الثلاثين يومًا التي يستغرقها تقريبًا نمو الريش مرة أخرى. لذا يجب أن تعثر الطيور على أسطح من الجليد العائم تأوي إليها، تكون كبيرة بالقدر الكافي حتى تستطيع أن تعبر هذه المرحلة بسلام. وربما تكون هذه الفترة من حياة البطاريق الإمبراطورية أصعب من فصل الشتاء، لأنها لا تملك الكثير من الوقت قبلها لكي تزيد من أوزانها.

يقول جيرالد كُويمان من معهد سكريبس لعلوم المحيطات، وهو واحد من رواد علماء الأحياء المعنيين بدراسة البطريق الإمبراطوري على مستوى العالم: «تعتمد الطيور البالغة على ثبات الجليد البحري لقضاء مرحلة تساقط الريش، وهذا، في رأيي، هو أكثر الأشياء إثارة للقلق. فهذه الطيور ليس أمامها خيار آخر، إذ يجب عليها أن تطرح ريشها.»

وأخيرًا وليس آخرًا، تستمد البطاريق جزءًا كبيرًا من طاقتها، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من التغذية على الكريل، ويعتمد هذا النوع من القشريات أيضًا على الجليد البحري؛ إذ تتخذ صغار الكريل من طبقة الجليد مأوى لها، تختبئ أسفلها وتتناول طعامها. فالجليد البحري، على حد قول جونوفريه، هو أساس النظام البيئي في قارة أنتاركتيكا.

في الوقت الحالي، لا يزال هناك الكثير من الجليد البحري. فقد ازدادت مساحة الجليد البحري الشتوي بقارة أنتاركتيكا زيادة طفيفة على مدار الثلاثين عامًا الماضية، وذلك بسبب ازدياد قوة الرياح التي تحمل الجليد البحري لمسافات أبعد عن اليابسة، وتكوُّن المزيد من الجليد في المياه المفتوحة التي تصبح مكشوفة بحدوث ذلك. ويُعتقد أن ازدياد قوة الرياح يحدث نتيجة لتآكل طبقة الأوزون، وليس نتيجة للاحتباس الحراري.

المستعمرة المفقودة

على عكس ما يحدث في المحيط المتجمد الشمالي، حيث يصمد الجليد البحري السميك من العام إلى العام، ينصهر كل الجليد البحري تقريبًا في قارة أنتاركتيكا كل عام. وهذا يعني أن مساحة الجليد البحري الشتوي تتغير بسرعة وفقًا لأي تغير في الظروف المناخية. ويمكن ملاحظة هذا الأمر في المناطق المحيطة بشبه الجزيرة القطبية الجنوبية التي ترتفع درجة حرارتها بصورة متزايدة، إذ تقل مساحة الجليد البحري الشتوي بمعدل ١ أو ٢ بالمائة كل عام. وفي ذلك المكان، على جزر ديون، اختفت مستعمرة صغيرة للبطريق الإمبراطوري. عندما اكتُشفت هذه المستعمرة في عام ١٩٤٨، كانت موطنًا لثلاثمائة طير بالغ، وبحلول عام ١٩٩٩ لم يتبق منها سوى أربعين طائرًا، وبعد عشر سنوات اختفت كل الطيور. ولا يعرف أحد يقينًا ما الذي أدى إلى زوال المستعمرة، إلا أنه تزامن مع تقلص فترة استمرار الجليد البحري الشتوي («بلوس وان»، مجلد ٦، صفحة e14738).

في شبه الجزيرة القطبية، تشهد أعداد البطاريق المستوطنة بقارة أنتاركتيكا، مثل بطريق أديلي والبطريق شريطي الذقن، انخفاضًا حادًّا ومفاجئًا، ويعود هذا الانخفاض في الأغلب إلى تغير الظروف البيئية وتناقص أعداد الكريل. وساعد على ذلك الأمر أيضًا تعرض المنطقة لغزو بعض الأنواع غير المستوطنة من البطاريق مثل بطاريق الجنتو، وقد تتبعها أنواع أخرى مثل البطريق الملك وبطريق المكرونة.

ما تشهده شبه الجزيرة القطبية الجنوبية اليوم يمكن أن يحدث خلال العقود القادمة في جميع أرجاء قارة أنتاركتيكا. يقول جون ترنر، عالم المناخ بهيئة أبحاث القطب الجنوبي البريطانية: «مع تضاعف تركيزات غاز الاحتباس الحراري خلال القرن المقبل، نتوقع أن تقل مساحة الجليد البحري في قارة أنتاركتيكا بمقدار الثلث.»

في وقت سابق من هذا العام، جرى إدراج طائر البطريق الإمبراطوري على القائمة الحمراء للاتحاد العالمي للحفاظ على الطبيعة للأنواع المهددة بالانقراض في المستقبل القريب، وتعني كلمة «القريب» هنا قرنًا أو اثنين. وعندما استخدم فريق ستيفاني جونوفريه الملاحظات التي جرى التوصل إليها في محطة دومونت دورفيل ليتوقعوا ماذا سيحدث مع ارتفاع درجة حرارة القارة، اكتشف أعضاء الفريق أن عدد طيور هذه المستعمرة سيقل بنسبة ٨١٪ بحلول عام ٢١٠٠ وستكون في طريقها إلى الانقراض («جلوبال تشينج بيولوجي»، مجلد ١٨، صفحة ٢٧٥٦).

يتوافق ذلك مع ما جاءت به دراسة أجريت عام ٢٠١٠ بواسطة فريق ضم ستيفاني جونوفريه وديفيد إينلي من شركة إتش تي هارفي آند أسوشيتس للاستشارات البيئية الواقعة في كاليفورنيا. وتوقع الفريق أن كل مستعمرات البطريق الإمبراطوري الواقعة شمال دائرة عرض ٧٠ درجة، أي قرابة ٣٥٪ من إجمالي طيور البطريق الإمبراطوري، سوف تتضاءل أو تختفي إذا ارتفعت درجة حرارة العالم بمقدار درجتين مئويتين، في حين أن عددًا قليلًا من المستعمرات الواقعة جنوب دائرة عرض ٧٣ درجة قد تزدهر بعض الشيء.

لا يبدو الأمر غاية في السوء، ولكنَّ الدراستين السابقتين مبنيتان بصورة متزايدة على افتراضات غاية في التفاؤل فيما يبدو. فإذا استمر الأمر على ما هو عليه الآن، فسوف ترتفع درجة حرارة العالم أكثر من درجتين مئويتين قبل حلول عام ٢٠٥٠، وتكون في طريقها إلى الازدياد خمس أو ست درجات مئوية بحلول عام ٢١٠٠. يقول ديفيد إينلي: «إذا ارتفعت درجة حرارة الأرض بمقدار خمس أو ست درجات، فلن يتبقى، في رأيي، الكثير من الجليد البحري في أي مكان على سطح الأرض.» وإذا اختفى الجليد البحري، فسوف يختفي البطريق الإمبراطوري أيضًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.