«السور الأمريكي يرتفع، بينما سور الصين الأصلي يُهدم.» نُشرت في مجلة بَك، عام ١٨٨٢. تنفتح الصين على التجارة، في الوقت الذي تستخدم فيه أمريكا العمالة العرقية لتقييد الهجرة. مكتبة الكونجرس.
«السور الأمريكي يرتفع، بينما سور الصين الأصلي يُهدم.» نُشرت في مجلة بَك، عام ١٨٨٢. تنفتح الصين على التجارة، في الوقت الذي تستخدم فيه أمريكا العمالة العرقية لتقييد الهجرة. مكتبة الكونجرس.

لم يُعترَض الطريق أمام هيمنة المُثُل والقيم والتقاليد الغربية على العالم فيما يبدو حتى عقد التسعينيات من القرن العشرين؛ إذ كان الاتحاد السوفييتي قد انهار، وكانت الاضطرابات تعصف بالصين، وكانت شركات الكمبيوتر والإنترنت في كاليفورنيا في حالة ازدهار. وبدت الأزمة المالية الآسيوية التي وقعت عام ١٩٩٧ بمنزلة تبرئة نهائية لمؤسسات الغرب الاقتصادية النزيهة والمنفتحة من رأسمالية المحسوبية التي كانت تُمارس في دهاليز الغرف السرية في بلدان النمور الآسيوية الوضيعة. وبدت اعتراضات الزعماء السياسيين مثل السنغافوري لي كوان يو والماليزي مهاتير محمد، دفاعًا عما أسموه «القيم الآسيوية»، وكأنها حبات عنب صغيرة فاسدة في طريق آلة التاريخ العملاقة.

كم ابتعدنا عن هذا الآن! فبعد عقدين من إعلان فرانسيس فوكوياما المزهو بالنصر عن «نهاية التاريخ»، واجهت أمريكا وأوروبا ما يبدو للكثيرين وكأنه مستقبلُ تضاؤلِ تأثيرهما العالمي، ولا سيما أن نجم آسيا آخذٌ في البزوغ على نحو لا يمكن كبح جماحه فيما يبدو وكأنه نهاية العالم بالنسبة لهما. وما من شكوك كبيرة في أن آسيا ستستمر في تشكيل وجه العالم خلال القرن القادم. ومع ذلك، إذا كنا سنوافق على العبارة التي نسمعها كثيرًا والتي تقول إن القرن التالي «ملكٌ» لقارة آسيا، فقد ننجح في إدراك أن القرن الماضي كذلك كان ملكًا لقارة آسيا بطرق عدة.

يتطلب الأمر منا الرجوع إلى الماضي بشيء من الحنين لتخيُّل أن النظام العالمي الحالي، ذلك النظام الذي تُهدد آسيا على الأرجح بتغييره تمامًا، كان ينتمي للولايات المتحدة بقدر ما كان ينتمي يومًا إلى الإمبراطورية البريطانية وهي في أوجها. وهذا لا يعني أن القوة الإنجليزية ونظيرتها الأمريكية، التي تلت إحداهما الأخرى، لم يكن لهما تأثير تحويلي على العالم، بل كان لهما بلا شك ذلك التأثير؛ وإنما باتت كلتاهما عالمية على وجه التحديد بسبب تكيُّفهما على نحو مبتكر مع الحقائق الجديدة.

لقد كان عالم الإمبراطوريات في ترابط محكم على نحو مميز؛ إذ كانت الإمبراطورية البريطانية — في أوج مجدها — أكبر وأنجح جبهة تجارية في التاريخ، حيث صنعت حلقة تجارية ربطت ست قارات ليس ببريطانيا وحدها، وإنما بعضها ببعض كذلك. وقد ساعدت الإمبريالية الأوروبية في أواخر القرن التاسع عشر في إرساء قواعد المؤسسات السياسية والمالية والعلمية والدينية التي نظنها تُشَكِّل أساس النظام العالمي الحالي. لكن التأثير يجري في الاتجاهين، فبينما كانت المصالح الغربية تمد جذورها عبر العالم، كان على أوروبا نفسها أن تتغير. وبدءًا من أواخر القرن التاسع عشر، لعبت التحديات والفرص الفريدة المنبثقة من آسيا دورًا متزايدًا في تحويل التجارة الأوروبية الخاصة إلى أول نظام عالمي حقيقي.

في عام ١٨٩٤، اشتعلت الحرب بين الصين واليابان، وقد جذب الصراع انتباه العالم، وسجَّل المرة الأولى التي تتدخل فيها أوروبا مباشرةً في صراع بين دولتين سياديتين تقعان على مسافة بعيدة عن شواطئها. وبغض الطرف عما شعرت به القوى الأوروبية إزاء أي من طرفي الحرب، فقد كانت لهذه القوى مصالح قوية في الاستقرار الإقليمي في آسيا، قائمة على حرية الوصول إلى الصين. ولم يكن من الممكن أن تُترَك الصين — التي كانت أضعف من أن تصد أي اعتداء أجنبي وأكبر من أن تُقَسَّم — لتقع تحت سيطرة أي قوة منفردة. وعندما سعت اليابان المنتصرة إلى الاستئثار باستئجار شبه جزيرة لياودونج التابعة للصين كجزء من معاهدة شيمونوسيكي عام ١٨٩٥، شعرت كلٌّ من روسيا وألمانيا وفرنسا أن مصالحها مهددة بما يكفي لمطالبة اليابان بالتراجع. وتلاشت الأزمة، لكن الاستقرار لم يعد أبدًا؛ ففي تتابع سريع للأحداث، عانت الصين من حربين أخريين: قمْعِ تحالف الدول الثمانية لثورة الملاكمين في عام ١٩٠٠، ومعركةِ الحسم بين روسيا واليابان بين عامي ١٩٠٤-١٩٠٥ التي دارت أغلبها على أراضٍ صينية.

وعندما اتضحت الرؤية، لم يكن من الممكن تمييز معالم شمال شرق آسيا؛ فقد دخلت الصين ذاك العقد عملاقًا متثاقل الخطى، وخرجت منه وليس لها وجود على الخريطة السياسية. وتحطمت مخططات روسيا في الشرق؛ أما اليابان — على الرغم من آثار الحرب الدامية عليها — فباتت آنذاك تُعرف بأنها صاحبة القوة العليا في المنطقة. ومع إدراكها للواقع الجديد، تخلت كلٌّ من القوى الكبرى عن ادعاء إجماع الآراء، وتقدمت الواحدة تلو الأخرى لعقد صفقات خاصة مع طوكيو. وقد أقرت هذه «الاتفاقيات الآسيوية غير الرسمية» بسيطرة اليابان غير الرسمية على كوريا ومنشوريا في مقابل حصول تلك القوى الكبرى على امتيازات مماثلة في أماكن أخرى: بريطانيا في الهند، وفرنسا في الهند الصينية، والولايات المتحدة في الفلبين، وروسيا في منغوليا.

كانت بريطانيا على رأس الدول التي تضغط على اليابان للإبقاء على وحدة الصين على المستويين السياسي والإقليمي. وقد دخلت في تحالف مع اليابان في عام ١٩٠٢ في إطار مجابهة مخططات روسيا في منشوريا، ثم جددت التحالف بعد انتصار اليابان لحماية «المصالح المشتركة لكل القوى في الصين من خلال ضمان استقلال ووحدة الإمبراطورية الصينية». ومثل القوى الأخرى، أدركت بريطانيا أن الاستيلاء على أراضٍ في الصين لن يخدم مصالحها. وظلت أسرة تشينج الحاكمة في الصين شريكًا حيويًّا في التجارة والمعاملات الدبلوماسية، وفضَّلت معظم القوى الأخرى مساندة الحكومة التي تعرفها بدلًا من المخاطرة بانقسام متحيز مثير للخلاف. لكن من بين كل القوى الموجودة في الصين، كانت بريطانيا ستتكبد أفدح الخسائر من السقوط المحتمل للحكومة.

كانت المصالح الاستراتيجية لبريطانيا في الصين قليلة وغير هامة نسبيًّا؛ وقد كان شغلها الشاغل هو كيف تصل لأفضل وضع لها في المنطقة بحيث تستغل مزيجًا متغيرًا من الفرص التجارية. وعلى مدار القرن التاسع عشر، انتقلت المصالح البريطانية في شرق آسيا من مانشستر إلى لندن؛ بعبارة أخرى: من قطاع الصناعة إلى قطاع المال. كان هذا بمنزلة تغير هائل في الموقف في وقت مبكر من القرن، حين دخلت بريطانيا الحرب مرتين وليس مرة واحدة لإجبار الصين على فتح أسواقها. كانت بريطانيا لا تزال تملك أكبر أسواق التصدير في آسيا؛ وفي الوقت الذي نهضت فيه كل من اليابان والهند كمنتجين منافسين في صناعة النسيج، تحركت بريطانيا لاستغلال السوق الجديدة لماكينات المصانع. لكن المال الحقيقي، مع ذلك، كان يوجد في الخدمات المالية والائتمان. وفي وقت مبكر يعود إلى سبعينيات القرن التاسع عشر، تركت مجموعة جاردين ماثيسون تجارة الأفيون لتركز على الشحن والتأمين والأعمال المصرفية. ومع أنين الأحوال المالية المستقرة للصين تحت وطأة تكاليف الحرب، ومع وجود أعدائها في الداخل والخارج، كانت سعادة المستثمرين لا توصف وهم يحققون التوازن بشراء دَيْن الحكومة الصينية في سوق لندن. وبين عامي ١٨٧٤ و١٨٩٥، جمعت شركة هونج كونج وشنغهاي للخدمات المصرفية (التي تُعرف الآن باسم «إتش إس بي سي») ١٢ مليون جنيه استرليني لمصلحتها. وما بين عامي ١٨٩٦ و١٩٠٠، ارتفع هذا المبلغ إلى ٣٢ مليون جنيه استرليني.

سعت وزارة الخارجية البريطانية إلى حماية مصالح الخدمات المصرفية الخاصة في الصين، لكنها لم تكن تخدم المستثمرين بأي حال. ومثلما ساقت المؤسسات التجارية الكبرى بريطانيا إلى الدخول في حرب بسبب تجارة الأفيون ذات يوم، كانت السياسة إزاء آسيا متداخلة بعمق مع المصالح المالية. وأصبحت الهيمنة على الأحوال المالية محور التركيز الأساسي للسياسة الخارجية البريطانية في آسيا، وإحدى المصالح العديدة التي كان التنافس فيها مع اليابان والولايات المتحدة يهدد أشياء تتعدى الأرباح. لكن وزارة الخارجية ضغطت كذلك على شركة هونج كونج وشنغهاي لاستيعاب المنافسة من داخل الصين ومن أماكن أخرى في أوروبا، خاصةً بعد عام ١٨٩٥، حين بدأت سوق الائتمان في التسارع. وبالرغم من تمتع البنوك الأجنبية بحالة عدم الخضوع للولاية القضائية الإقليمية، أدركت تلك البنوك أهمية الاحتفاظ بعلاقات طيبة مع الحكومة الصينية.

أدت الزيادة المفاجئة لحركة التجارة بين الدول الآسيوية في القرن العشرين إلى اتساع سوق الخدمات البريطانية، على نحو منفصل تمامًا عن التجارة البريطانية المباشرة. وحتى بدون تراجع حركة التجارة الأوروبية خلال الحرب العالمية الأولى، كان المال الذي يمكن جمعه من تسهيل التجارة بين هونج كونج ويوكوهاما، وسنغافورا وبومباي يضاهي ذلك الذي كان يُجمَع من التجارة بين بريطانيا والغرب. في هذه الحالة أيضًا، ظلت الصين الجائزة الكبرى في كل شيء؛ فقد أغرق المستثمرون الأجانب سوق النقل البري الصيني بالأموال أملًا في اختراق قلب هذه السوق. وقد نصت الاتفاقيات التي أبرمتها كل من بريطانيا وفرنسا وروسيا واليابان مع الصين على تصاريح حصرية بتشييد خط سكك حديدية في الداخل، إلى جانب حق تنمية الموارد على طول الخط. وقد راح القوميون الصينيون يطلقون على هذه الاتفاقيات المجحفة «اتفاقيات جائرة»، لكن المؤرخ الياباني واي تاك ماتسوزاكا يطلق على هذه الاتفاقيات اسمًا آخر، ألا وهو: إمبريالية السكك الحديدية.

حركة العمال

بدأ التوسع التجاري على المستويين الدولي وداخل آسيا في عصر لم يكن لإمكانية التنقل السكاني المرتفعة فيه أي سابقة. فمع توافر وسائل مواصلات أفضل، ونقل بحري أكثر أمنًا، وسوق عمل عالمية، أخذ الناس يتنقلون بحرية أكثر وأكثر من أي وقت مضى. ومثلما هو الحال مع تدفق السلع، تأرجح مركز جاذبية الهجرة بين شمال المحيط الأطلنطي والمحيط الهادي، وقد سجَّل المحيط الهادي حركة هجرة أوسع نطاقًا؛ فما بين عامي ١٨٤٦ و١٩٤٠، هاجر ما بين ٥٥ إلى ٥٨ مليون أوروبي إلى الأمريكتين. وفي تلك السنوات نفسها، انتقل ١٠٠ مليون شخص تقريبًا عبر آسيا، حيث قصد معظمهم وجهات في منشوريا وجنوب شرق القارة.

كان ظهور آسيا، فيما يُعرف الآن باسم سوق عمالة عالمية، ملموسًا في جميع أرجاء العالم. فما بين ثمانينيات القرن التاسع عشر وعشرينيات القرن العشرين، استغلت الحركات العمالية المزدهرة في أمريكا الشمالية وأستراليا ونيوزيلندا المخاوف من التهديد الذي تشكله العمالة الصينية الرخيصة، ودعمت سلسلة من الاعتصامات وفرض التعريفات وقيود الهجرة المناهضة للعمالة الصينية. كذلك تطلَّب تدفُّق المهاجرين من الحكومات أيضًا وضع إجراءات معيارية لتعامل كل حكومة مع مواطني الدولة الأخرى. ولم يكن ذلك يمثل مشكلة في سياق العولمة الإمبريالية؛ فالجزء الأغلب من موجة هجرة الهنود الهائلة في القرن التاسع عشر اتجه إلى مالايا وكينيا وجنوب أفريقيا، ومن ثم، فقد ظل هؤلاء المهاجرون في حدود الحكم البريطاني. من ناحية أخرى، وكما يوضح مؤرخ الصين العصري آدم ميكيون على نحو موفق، فإن التدفق العالمي للمهاجرين من شرق آسيا، وبخاصة من الصين، هو ما دفع الحكومات إلى اتخاذ جواز السفر الحديث كنظام معياري.

يمكننا إضافة توضيح مماثل عن الجزء الآخر من إجراءات عبور الحدود والمعروف الآن بالحَجْر الصحي. ففي موانئ محددة في أوروبا — خاصةً تلك الواقعة على طول البحر المتوسط — كانت ثمة ممارسات راسخة لفحص السفن القادمة. لكن حتى عام ١٨٥٠، لم تكن ثمة إجراءات معيارية لفحص الحالة الصحية للأشخاص الذين يعبرون الحدود الوطنية، ولم يكن ثمة حاجة ملحة لوضع إجراء كهذا. وحتى مع أخذ حالة الدمار التي سببها مَرَضَيِ التيفوس والجدري في الاعتبار، لم تواجه أوروبا حالة وباء كبرى عابرة للقارات لقرون.

قدوم الكوليرا

تغيَّر كلُّ ذلك حينما انتشرت الكوليرا — التي وصلت منطقة الأورال في روسيا عام ١٨٢٩ — في القارة الأوروبية مثل النار في الهشيم. وبحلول عام ١٨٣١، وصل المرض إلى باريس وأهلك ١٢٧٣٣ شخصًا في تلك المدينة وحدها خلال عام. وقد تسبب خُبث مرض الكوليرا الشديد وانتشاره بالغ السرعة في بث الفزع في الأوساط الطبية، ودفع السلطات الفرنسية إلى عقد سلسلة المؤتمرات الصحية الدولية. وكان أول مؤتمرَيْن — عُقدا في عامي ١٨٥١ و١٨٥٩ — يهدفان إلى تحديد سبب المرض والتدابير المضادة التي يمكن اتخاذها إزاءه، وقد كان المؤتمران استثنائيين بسبب عدم إثمارهما عن أي نتائج حاسمة. فإضافةً إلى الافتقار إلى المعرفة بعلم الأوبئة، أعاق اختلاف المصالح السياسية أي شكل من أشكال الإجماع. وتجاهلت وفود البلاد البحرية اقتراح فرض حجر صحي روتيني على السفن التي تصل إلى الموانئ، ليس لأن ذلك كان باهظ التكلفة، ولكن لأنهم استشعروا أن هذا الإجراء غير سليم من الناحية العلمية؛ أو، على الأقل، هذا ما قيل حينها. وبالرغم من أن بريطانيا لم تكن استثناءً فيما يتعلق بهذا الأمر، سريعًا ما أدرك المراقبون الخارجيون حدوث «توافق مذهل بين مصالح إنجلترا التجارية وقناعاتها العلمية».

«الكوليرا في أعلى صاري السفينة»، صورة بيد إف فريتس جريتس تُظهر المرض مجسدًا في صورة مهاجر تركي.
«الكوليرا في أعلى صاري السفينة»، صورة بيد إف فريتس جريتس تُظهر المرض مجسدًا في صورة مهاجر تركي.

أما المؤتمر الثالث — الذي عُقد عام ١٨٦٦ — فقد كان مثمرًا على نحو فاق الأوَّلين بكثير. كان السبب الذي دفع إلى انعقاد المؤتمر — في إسطنبول — هو التفشي الهائل للمرض في مصر، إذ كان يحمله الحجاج المسلمون — الذين كانوا يفدون في أعداد غير مسبوقة عبر قناة السويس المفتتحة حديثًا آنذاك — وهم في طريقهم إلى مكة. لم يتوقف تمامًا تدخل السياسة في العلم؛ حيث رفضت وفود من بلاد فارس والإمبراطورية العثمانية حرفيًّا اتهامهما بتوطن المرض في أراضيهما، في حين استمرت بريطانيا في رفض ادعاء أن المرض متوطن في الهند «بحماسة شديدة أشبه بالتعصب الديني». ومع ذلك، رجحت كفة الميزان لمصلحة خطورة الموقف، واقترح مؤتمر إسطنبول أول سلسلة من إجراءات السيطرة العملية على المرض، بما في ذلك إنشاء منشأة حجر صحي في مدخل البحر الأحمر، مما تطلب مستوى غير مسبوق من التعاون بين القوى الأوروبية.

على الرغم من أن الشراكة الجديدة هذه التي عمت أوروبا كانت مدفوعة بالشعور بالخوف من المرض الآخذ في الانتشار قادمًا من آسيا، فقد كان بناء الجيل التالي لبنية تحتية للوقاية من الوباء في آسيا هو ما جسد صورة حقيقية لعولمة الصحة العامة. وقد تحقق هذا الأمر بفضل تغيُّرين كبيرين: فقد أدت الثورة الباستورية إلى تحول في الفهم العلمي لأصل المرض والوقاية منه، في حين أن اتساع حركتي التجارة والهجرة بين الدول الآسيوية وضع الجميع على محك الإصابة بالأوبئة بعيدًا عن حدود أوطانهم. وبغض الطرف عن العَلَم الذي يرفرف فوق أرض شنغهاي أو سنغافورا، فهاتان المدينتان الساحليتان كانتا ملكًا للعالم بمقتضى حقيقة أن كل شخص تقريبًا كان مهتمًّا بضمان تدفق حركة التجارة عبرهما بسلاسة. وحين ضرب الطاعون هونج كونج — المركز التجاري الآسيوي العظيم — في عام ١٨٩٤، هبَّت السلطات الاستعمارية لاتخاذ الإجراءات اللازمة، حيث أسست مناطق حجر صحي، ووزعت الدواء والمطهرات، وعبأت كلًّا من الإمكانات البريطانية والصينية للعناية بالمنكوبين البؤساء.

ولم تكن بريطانيا والصين وحدهما في ذلك؛ إذ أثارت الأزمة التي ضربت مدينة دولية رد فعل عالمي، حيث كان علماء الأوبئة من أوروبا والولايات المتحدة واليابان يتسابقون ليكونوا الأوائل في عزل البكتيريا العصوية. وعلى الرغم من أن كلا الفريقين الأوروبي والياباني قد حققا الاكتشاف كلٌّ على حدة، كان عالم البكتيريا السويسري ألكسندر يرسين (١٨٦٣–١٩٤٣) هو من فاز في النهاية بأحقية إطلاق اسمه على بكتيريا الطاعون التي تعرف الآن ﺑ «اليرسينية الطاعونية». حين ضرب المرض نفسه مدينة هاربين المزدهرة بمنشوريا في عام ١٩١٠، عقدت حكومة تشينج مؤتمرًا دوليًّا للخبراء للوصول إلى حل، وأدركت الصين مدى الخطر المحدق بها. لقد أتى الطاعون مهرولًا في أعقاب الحرب بين روسيا واليابان، وكان متمركزًا على طول السكة الحديدية، قلب المصالح الأجنبية في المنطقة. وكان على الصين أن تجري محاولة ما للسيطرة على تفشي المرض، فعدم اتخاذ أي إجراء قد يعتبر تخليًا عن سيادتها. وأظهرت الاستجابة لمرض الطاعون في آسيا قناعة جديدة بأن مسببات الأمراض أو المصلحة القومية لم تتوقف عند الحدود القومية، فقد بات المرض في أي مكان آخر مشكلة يتحمل أعباءها الجميع.

أديان متنافسة

كان الدين هو الركيزة الأخيرة للمصلحة الأوروبية في آسيا؛ فقد بدأ المبشرون المسيحيون القيام برحلاتهم إلى هناك بأعداد متزايدة منذ القرن السادس عشر، تقريبًا بمجرد أن سمح لهم افتتاح الممر البحري الواقع قرب جنوب أفريقيا بالقيام بذلك دون المرور بأراضي المسلمين. وكانت الموجة الأولى تتألف من اليسوعيين، الذين أقاموا في منطقة جوا ومنها انطلقوا إلى ملاكا واليابان، كل ذلك وأعينهم على الجائزة الكبرى: الصين. وأُعجب اليسوعيون بالأراضي التي زاروها، ووضعوا استراتيجية لشرح الديانة المسيحية، ليس فقط باللغات المحلية، وإنما عبر رموز ومصطلحات المعتقدات المحلية. وقد قربتهم هذه الاستراتيجية التوافقية إلى صفوة الآسيويين، الذين اعتبروا القساوسة الذين كانوا على درجة عالية من العلم بمنزلة أقرانهم، لكنها وضعتهم في صراع مع بقية أبناء دينهم. أما الطوائف الأخرى — التي وصلت إلى آسيا عقب تجارب شديدة الاختلاف في أفريقيا والأمريكتين — فقد كانت أقل توافقًا إلى حد بعيد مع المعتقدات المحلية الآسيوية. وقد زعمت أن المنهج اليسوعي قد جاور الوثنية، مؤكدة أن الديانة الكاثوليكية ينبغي ألا تنفصل عن اللغة أو الرداء أو الحضارة الأوروبية.

بعد قرنين من الزمان، كانت موجة جديدة من المبشرين البروتستانت في آسيا تواجه السؤال ذاته: ما الذي جاءوا ليعظوا به بالضبط؟ ففي حين كان يشعر يسوعيو القرن السادس عشر بالإجلال للآسيويين العظام على المستويين المادي والثقافي، كان مبشرو القرن التاسع عشر مقتنعين بعبء مدنيَّة القارة الآسيوية الذي يقع على عاتق الرجل الأبيض، حتى إن أشخاصًا مثل جيمس هدسون تايلور (١٨٣٢–١٩٠٥) — الذي علَّم أعضاء بعثته التبشيرية الداخلية في الصين كيف يرتدون ملابسهم ويتحدثون ويعيشون مثل الصينيين — أدركوا كذلك أن أحد أفضل الطرق لجذب المحتمل هدايتهم للبعثة هو إغراؤهم بالتعليم والطب الغربيين.

وفي جميع أنحاء العالم، حتى المجتمعات المسيحية الراسخة ظلت تحت رعاية المبشرين، الذين كانوا ينزعون إلى النظر إلى المسيحيين من السكان الأصليين باعتبارهم حديثي الهداية إلى الديانة المسيحية وليس باعتبارهم أكفاء لهم في العقيدة. وقد نتوقف قليلًا هنا قبل أن نطلق الأحكام القاسية على المبشرين: فبالنظر إلى العالم من قمة النفوذ الغربي، رأت الوفود المدعوة في المؤتمر التبشيري العالمي بإدنبرة عام ١٩١٠ التقدم العدواني للبروتستانتية الأنجلو-أمريكية (إذ لم تكن البعثات الكاثوليكية مدعوة) على أنه قوة لا تقاوم، وتصوروا نور الإنجيل يشع إلى كل ركن من كوكب الأرض. أما النفر القليل من المسيحيين الآسيويين الحاضرين المؤتمر فرأوا الأمور على نحو مختلف بوضوح. فمثلهم مثل اليسوعيين قبل قرنين من الزمان، دافع هؤلاء المسيحيون الآسيويون وحلفاؤهم عن مواءمة الرسالة المسيحية للقيم الروحانية الأصلية، خاصة فيما يتعلق بالأديان الآسيوية العريقة: البوذية والهندوسية والإسلام. وبعد جدل طويل، خلص المؤتمر إلى أن عقد مثل هذه المقارنات من شأنه المخاطرة بتضييق نطاق التفرد الذي تتمتع به الديانة المسيحية، وبدلًا من التوافق، دفع المؤتمر المبشرين الميدانيين إلى عقد «أكثر المقارنات صراحةً» مع الأديان الأصلية.

وما إن عُقِد مؤتمر التبشير الكبير الثاني في القدس في عام ١٩٢٨، حتى تغيرت الأمور. فالحرب العالمية الأولى وصعود الاتحاد السوفييتي أضعف ثقة الجيل السابق في حضارة الغرب «المتفوقة»، وأضعف قوة التبشير بالمسيحية في جميع أرجاء الأرض. أصبح المسيحيون الآسيويون أنفسهم أعلى صوتًا وأكثر نشاطًا. رفض المسيحيون اليابانيون — على قلة عددهم — أي إشارة إلى أنهم مواطنون من الدرجة الثانية رفضًا تامًّا. وكان قد لحق بهم جيل جديد من المسيحيين الصينيين واسعي المعرفة، مثل سونج ماي لنج (١٨٩٧–٢٠٠٣)، التي تلقت تعليمًا أمريكيًّا، وهي زوجة تشيانج كاي شيك (١٨٨٧–١٩٧٥). والأهم هو أن تلك المجتمعات كابدت أحداثًا مثل ثورة الملاكمين في الصين وحركة الاستقلال في كوريا عام ١٩١٩، وكلا الحدثين أوقع بالمسيحيين أحداث عنفٍ متباينة، ولكنهم خرجوا منها بإيمان سليم لم يمسسه سوء. ولم يعد من الممكن تسميتهم مسيحيين تحت التدريب، ورفضوا أن يجري التعامل معهم على هذا الأساس بعد ذلك. وفي الوقت الذي كانت الوفود في إدنبرة تتطرق فيه على استحياء لموضوع الكيفية التي سيُقبَل بها المسيحيون الآسيويون في النهاية كأكفاء في العقيدة من طرف المجتمع التبشيري، كانت الوفود في القدس مباشرة بدرجة أكبر، إذ طالبت بجدول زمني محدد للوقت الذي ستنتقل فيه الكنائس المحلية للسيطرة الآسيوية الكاملة.

جعل الموقف السياسي المتدهور في ثلاثينيات القرن العشرين القضية أكثر إلحاحًا؛ فقد باتت الأيام التي يستطيع فيها الأوروبيون حماية بعثاتهم التبشيرية بدبلوماسية السفن الحربية ذكرى بعيدة. وقد أخذت اليابان تزداد عدوانية في منشوريا والصين، وأصبحت عدائيتها تجاه القوى الأوروبية في آسيا — بخاصة بريطانيا العظمى — تزداد علنًا. وقد وضع هذا الموقف المبشرين في المناطق اليابانية أمام قرار صعب؛ أينبغي عليهم محاولة تهدئة شكوك اليابانيين بالتخلي عن السلطة لمسيحيين من السكان الأصليين، أم ينبغي عليهم تأخير الرحيل ومحاولة استخدام البعثة التبشيرية كغطاء سياسي؟ اختار البروتستانت الأنجلو-أمريكيون في كوريا ومنشوريا الخيار الثاني، وهو القرار الذي أدى في النهاية إلى مواجهة صريحة في عام ١٩٣٧، حينما استبدلت السلطات المبشرين بالإكراه وجعلت مسيحيين يابانيين يحلون محلهم.

كان الموقف الكاثوليكي أكثر تعقيدًا؛ فقد كانت بعثات باريس الأجنبية الفرنسية أكبر البعثات التبشيرية الكاثوليكية في شرق آسيا، وكان لها تاريخ طويل في اليابان، وكانت تتمتع برؤية أكثر تعاطفًا للبلد باعتباره قوة حضرية. وكان جيل سابق من قساوسة بعثات باريس الأجنبية قد وصلوا بالفعل إلى أوضاع توافقية في اليابان في وقت حربها مع الصين وروسيا. وراح الكاثوليكيون اليابانيون يدعمون أمتهم بحماس في فرصة لإظهار ولائهم. وأخذ القساوسة يباركون سفن الجند وهي تغادر أحواض السفن ويثنون على شجاعة الجنود الكاثوليكيين الوطنية مثل الملازم الجريح الذي راح يصيح وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة: «قلبي مع الرب وجسدي مع الإمبراطور!»

وقد تسبب احتلال اليابان لمنشوريا — التي أُعيدت تسميتها بمانشوكو في وقت مبكر من العام اللاحق — عام ١٩٣١ في تقويض علاقاتها بالقوى الأنجلو-أمريكية. وحتى بعدما أدانت عصبة الأمم مانشوكو بأنها دولة عميلة لليابان، استمر قساوسة بعثات باريس الأجنبية — مثل كاهن الرسولية أوجست جسبيه (١٨٨٤–١٩٥٢) — في الضغط على الفاتيكان المتمنعة لإقامة علاقات ودية مع تلك الدولة. ومثل هذا الطلب كان مثيرًا للدهشة للغاية؛ لأنه جاء من البعثات الفرنسية، التي أخذت لعقود تثبط محاولات روما لتأسيس وضع دبلوماسي في اليابان والصين من خلال طلب وصاية فرنسية على الكنيسة في الصين.

كانت الحرب مع الحلفاء هي التي فرضت الحل أخيرًا. فمع وجود مئات الآلاف من المسيحيين الكاثوليكيين الذين يعيشون تحت الحكم الياباني في الصين وكوريا، ومع التنبؤ بالأعداد نفسها في الهند الصينية والفلبين، تخلى الكرسي الرسولي عن تردده الذي استمر عقودًا وأقام علاقات مع اليابان في عام ١٩٤٢. وكانت هذه الحركة — التي استقبلتها بريطانيا والولايات المتحدة بتخوف واضح — تتسق بشدة مع موقف الفاتيكان الراسخ المحايد فيما يتعلق بالصراع بين الدول؛ المبدأ الذي أعادت الفاتيكان التأكيد عليه بعد شهر حين أقامت علاقات مع حكومة تشيانج كاي شيك القومية في بكين؛ وسط اعتراضات يابانية قوية هذه المرة.

أهمية الثقافة

يعتمد قدر كبير من المناقشات الحالية حول الكيفية التي ستشكل بها آسيا القرن القادم على الثقافة؛ فإننا نرى بالفعل تعبيرًا واثقًا وقويًّا عن أفكار سياسية واجتماعية بديلة تنبثق من آسيا، ويمكننا بلا شك انتظار رؤية المزيد في المستقبل. وقد كان تأريخ الإمبريالية في آسيا يدور في جزء كبير منه في فلك الصدام الثقافي: أي الأفكار التي تقف وراء المقاومة، والأفكار المتوالية حول الحداثة، والأفواه التي كانت تُكمم.

إن وجهات النظر الثقافية مهمة، لكنها وحدها تُعد تشتيتًا عن القضية الأساسية إلى حد ما. وبغض النظر عن كيفية نظر آسيا والغرب لبعضهما البعض من الناحية الثقافية، بقيت حقيقة أن كِلا الطرفين كان عاجزًا عن قطع علاقته بالآخر. وهذا هو السبب وراء كون الحديث عن «القرن الآسيوي» القادم مضَلِّلًا جدًّا. لقد كان العالم أكثر ترابطًا بطرق عدة في عام ١٩١٠ مما كان عليه في عام ١٩٧٠. وفي بعض الأحيان، وليس دائمًا، كانت المصالح الغربية تجتاز العالم كله تحت غطاء من المصالح الإمبراطورية الغربية، جالبةً الثروة والمعرفة والهيبة للأوطان، لكنها كذلك كانت تجعل من نفسها عرضة لنفس تقلبات الأسواق والسياسة التي نشهدها اليوم. وسواءٌ أكنا نتحدث عن الدبلوماسية أم الأحوال المالية أم العلوم أم الدين، فإن مسار القرن العشرين في بداياته لم يكن متمثلًا في فرض مجموعة من الإمبرياليين الأوروبيين لإرادتهم وسننهم على العالم بحالة من اللامبالاة، وإنما تمثَّل في قيام مجموعة من المؤسسات الذكية، على ضعفها، بتكييف نفسها مع التهديدات والوعود والفرص التي يتيحها عالم سريع التغير. وقد كانت آسيا جزءًا من هذا العالم قدر ما هي جزء من عالمنا اليوم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.