مرَّ ألفا عام منذ ذلك اليوم الصيفي حين كانت كليوباترا — ملكة مصر — تعد عدتها الحزينة والمهيبة والدرامية على نحو مناسب لمغادرة هذا العالم. خلال الأعوام التي سبقت ذلك كان كل من أوكتافيوس — الذي أطلق عليه أغسطس لاحقًا — في الغرب، ومارك أنطونيو في الشرق يتنافسان على سيادة العالم الروماني. وقد ساهمت كليوباترا مساهمة ضخمة في الأسطول العظيم الذي واجه به حبيبها أنطونيو غريمه الروماني عند أكتيوم — شمالي شرق اليونان — في السنة الحادية والثلاثين قبل الميلاد. وبعد هزيمتهما المهلكة، فر أنطونيو وكليوباترا عائدين إلى الإسكندرية عاصمة مملكتها.

حين احتشدت قوات أوكتافيوس في مصر في العام التالي، أنهى أنطونيو حياته، معتقدًا أن كليوباترا قد لقيت مصرعها. أما كليوباترا نفسها فقد وقعت في أيدي الغزاة، وانتحرت. وقد علم أوكتافيوس بما فعلته حين تلقَّى خطابًا منها تطلب فيه منه أن تُدفَن مع أنطونيو — وهي نهاية ملائمة لإحدى أشهر العلاقات الغرامية في العالم. يروي لنا القصة الكاتب والمؤرخ اليوناني بلوتارخوس الذي لا تزال ترجمته لحياة أنطونيو هي مصدرنا الوحيد والأمثل للمعلومات عن كليوباترا. كتب بلوتارخوس يقول: «هرع رسول أوكتافيوس إليها، فوجد أن الحراس لم يكونوا قد علموا بالأمر بعد، لكنهم حين فتحوا الأبواب، وجدوا كليوباترا ترقد ميتة على أريكة ذهبية، مرتدية ملابسها الملكية. أما عن وصيفتيها، فقد كانت إحداهما — وتدعى إيراس — على وشك الموت تحت قدميها، في حين كانت شرميون تحاول ضبط التاج الملكي الذي يحيط بجبين الملكة وهي تترنح برأس ثقيل. حينئذٍ قال أحدهم في غضب: «ياله من صنيع رائع يا شرميون!» فأجابت قائلة: «إنه حقًّا صنيع رائع؛ إذ يناسب سليلة الملوك.» ولم تكد تنبس ببنت شفة أخرى، وإنما تهاوت هناك إلى جانب الأريكة.»

إن الطريقة التي توفيت بها ملكة مصر غير مؤكدة. غير أن إحدى الروايات المتناقلة تشير إلى أنها قد قُتلت بلدغة ثعبان حمله إلى غرفتها رجل ريفي في سلة تين مغطاة بأوراق النبات، وقيل: إن كليوباترا جعلت الثعبان يلدغها في ذراعها. وقد كانت طريقة موت كليوباترا الشهيرة هذه توائم حبها البالغ للاستعراض، والذي أظهرته الملكة على مدار حياتها. وبعيدًا عن الطبيعة المؤثرة الغريبة للأحداث التي يقال أنها وقعت، كان ثمة معتقد مصري في أن ذلك النوع من الثعابين — الكوبرا — هو الحيوان المقدس الذي يُنسَب إلى إله الشمس آمون رع، وكان ملوك مصر — الفراعنة الذين سبقوا أسرة البطالمة الإغريقية التي تنحدر منها كليوباترا والتي امتدت لثلاثة قرون — يحملون صورته على تيجانهم.

لم تكن كليوباترا نفسها مصرية على الإطلاق. فبعيدًا عن بعض الدماء الشامية والفارسية التي قيل أنها تجري في عروقها، كان الجانب الأعظم من أصلها إغريقيًّا، ومقدونيًّا، وفي ذلك الوقت لم يكن هناك فارق كبير بين الاثنين؛ إذ إن المقدونيين الذين تنحدر منهم أسرتها البطلمية في الأصل كانوا أبناء عمومة لليونانيين، أو على الأقل من بعيد، وكانوا يتحدثون لهجة مشتقة من لغتهم. ومع ذلك، كانت كليوباترا ملكة مصر وكانت تأخذ الديانة الفرعونية التي اعتنقها المصريون الأصليون بجدية شديدة؛ بالرغم من استحالة معرفة ما إذا كانت كليوباترا تؤمن حقًّا بتلك الديانة أم أنها تظاهرت بذلك من أجل الاستهلاك الشعبي؛ إذ إنها عاشت في عصر ساد فيه الاستغلال السياسي للدين باعتباره مخدر للشعوب على نطاق واسع.

على أية حال، كان تأليه كليوباترا بمقتضى الطريقة التي ماتت بها أمرًا يليق بها؛ إذ أُعلِنت ألوهيتها بالفعل خلال حياتها، فقد أُعلِن أنها تجسيد لإلهة مصر القديمة إيزيس، التي كان مذهبها المبهر والغامض — المائل إلى الشكل الهيليني — يجتاح العالم الإغريقي الروماني. على النقيض من كافة الديانات التي وُجدت في ذلك الوقت، لعبت النساء في تلك الديانة دورًا كبيرًا، وكان ذلك ملائمًا جدًّا للملكة التي تفوقت حتى على جِداتها القويات في القدرة والطموح السياسي. بالإضافة إلى ذلك، كان كهنة إيزيس يعرفون كل شيء عن الاستعراض — ودائمًا ما كان الاستعراض أحد الأشياء التي تفوقت فيها كليوباترا.

وقد استخدمت كليوباترا قدراتها الاستعراضية كسلاح قوي التأثير في مناسبات مهمة، على سبيل المثال، حين استدعاها مارك أنطونيو عام ٤١ قبل الميلاد — قبل أحد عشر عامًا من انتحارها — إلى طرسوس في آسيا الصغرى. كان حبيبها وحاميها يوليوس قيصر قد مات، فطلب إليها أنطونيو — الذي كان يحكم الشرق — زيارته لكي تجيب عن الاتهامات الموجهة إليها أنها قدمت المساعدة في جهود الحرب للرجلين اللذين قتلا الديكتاتور وهما بروتاس وكاسيوس. في ذلك الوقت، لقى الرجلان نهاية دموية، وكان على كليوباترا أن تقدم تفسيرًا لأفعالها. كانت قد التقت بأنطونيو لأول مرة وهي في الرابعة عشرة من عمرها، ثم تكررت لقاءاتهما في عدد من المناسبات اللاحقة. إلا أنه لا يوجد أي تسجيل لما جرى في تلك اللقاءات الأولى. أما ذلك اللقاء الذي نحن بصدده فقد كانت حينه في التاسعة والعشرين من عمرها. يكتب بلوتارخوس قائلًا:

لقد عرفها قيصر وهي لا تزال فتاة يافعة غريرة، لكنها ستزور أنطونيو في الوقت الذي تكون خلاله المرأة في قمة جمالها وذروة قوتها العقلية؛ لذلك فقد زودت نفسها بهدايا كثيرة، ومال وفير، وكل ما يتاح لمن في مكانتها الرفيعة ومملكتها المزدهرة، فكان من الطبيعي أن تذهب بهذه الأشياء؛ لكنها ذهبت أيضًا واضعةً ثقتها الكبرى في نفسها، في مفاتن وسحر شخصها.

في الواقع، اعتمدت كليوباترا على عوامل الجاذبية الشخصية هذه إلى حدٍّ كبير، حتى إنها لم تزعج نفسها بالإجابة عن الاتهامات التي وُجهت لها. ولم تكن تلك الاتهامات جِديَّة في الواقع؛ إذ إنه من المستبعد أن تكون كليوباترا قد ساعدت الرجلين اللذين قتلا قيصر. بل على العكس، أرادت كليوباترا أن تجتذب الدعم من الرجل الذي أصبح — بعد موت قيصر —الشخص الأقوى في الإمبراطورية الرومانية، والذي كان بمقدوره تمكينها من استعادة سيطرتها على كافة الأراضي حول مصر التي كانت يومًا تخضع لسلطان أجدادها البطالمة. وكخطوة أولى في هذا الاتجاه، قررت أن تقدم عرضًا ثبت أنه أروع من أي شيء يستطيع الرومانيون تحقيقه أو حتى تخيله.

كان على أنطونيو أن ينتظر قدومها إلى طرسوس لفترة من الوقت. وبالرغم من أنها مُستدعاة لمقابلة ذلك الملك — الذي فاق نفوذه نفوذها إلى حد كبير — فإنها لم تسرع إليه، وهو الأمر الذي خالف الأصول. وذات يوم، حينما كان يجلس في سوق طرسوس يستمع إلى القضايا، يقال: إن الحشود التي كانت تحيط به انفضت، ووجد أنطونيو نفسه يجلس هناك وحيدًا. فقد هرع الجميع لدى رؤية سفينة كليوباترا المتألقة تقترب أعلى نهر سيدنوس. وقد قرأ شكسبير عن المشهد في ترجمة سير توماس نورث الإنجليزية لبلوتارخوس؛ ووصف تلك الصورة في «أنطونيو وكليوباترا»:

كانت السفينة التي تجلس فيها كالعرش المصقول

ومؤخرة المركب ذات الذهب المطروق تصطلي فوق المياه

والأشرعة الأرجوانية معطرة بعطر فواح

عشقته الرياح، والمجاديف الفضية

راحت تتحرك على إيقاع الناي، فإذا الماء

الذي تضربه يتحرك أسرع وكأنه يطيع المجاديف من فرط عشقه لضرباتها. أما عن شخصها

فقد فاق كل وصف: كانت مضطجعة

في جناحها، بملابس من الذهب والنسيج

وقد فاقت صورة فينوس إلهة الجمال التي نرى فيها

الطبيعة الفائقة الخيالية؛ وعلى جانبيها وقف فتيان جميلو الطلعة يشبهون بغمازات وجناتهم

كيوبيد الباسم، يمسكون بمراوح ذات ألوان عديدة، فتتوهج وجنتاها

الرقيقتان اللتان تُهوِّيهما المراوح بهوائها

فبدا وكأن المراوح تلهب وجنتيها بدلًا من أن تبردهما.

وهكذا أصبحت كليوباترا عشيقة لأنطونيو. صحيح أنه — بعد قضاء شتاء سعيد معها في الإسكندرية، رحل وبقي بعيدًا لأكثر من ثلاث سنوات، بل وتزوج من امرأة أخرى في الواقع — أوكتافيا أخت أوكتافيوس شريكه في الحكم، الذي لُقب لاحقًا بأغسطس. لكن أنطونيو عاد بعد ذلك إلى كليوباترا وظل معها طوال السنوات السبع التي تبقت من حياته، باستثناء فترات غيابه في بضع حملات.

من ناحية المظهر، لم يكن المعاصرون يجدون أن كليوباترا تتفوق على زوجة أنطونيو الفاضلة أوكتافيا بأية حال. لكن أنطونيو كان يشعر أن أوكتافيا مزعجة؛ لأنه كان يكره أخاها أوكتافيوس — الذي ظل دومًا يحاول التحكم فيها من خلف الكواليس. والأمر شبه المؤكد أيضًا أن أنطونيو كان يشعر بأن أوكتافيا مملة مقارنةً بكليوباترا. وكانت الحقيقة هي — حسبما وصل إلينا — أن كليوباترا كانت تتمتع بشخصية آسرة على نحو استثنائي في لقائها وحديثها. ويذكر بلوتارخوس أن الحديث إليها كان له سحر لا يُقاوم. علاوة على ذلك، كانت طريقتها الجذابة في الحديث وصوتها الفتان وحضورها بوجه عام مثيرين إلى حدٍّ واضح و«محركين للرغبة» — حسبما يقول كاتب السيرة.

من الواضح أنه ينبغي لنا أن نَخلُص إلى أنه ما من امرأة رومانية في ذلك الوقت كان من الممكن أن تكون رفيقة ممتعة إلى ذلك الحد. لذا عمَّت الرومانيين — من خلال محدثيهم الرسميين وشعرائهم الوطنيين — حالة هيستيرية من الكراهية لهذه الملكة الأجنبية التي كانوا يخشونها أكثر من أي عدو سبق لهم أن واجهوه باستثناء هانيبال القرطاجي. وظلوا يطلقون عليها: الأجنبية. وفي الواقع، كانت فطنتها وحديثها المتحضر وقدرتها على إمتاع الآخرين إغريقية تمامًا، وجسدت بما يكفي الاختلاف بين الشقين اليوناني واللاتيني لعالم حوض البحر المتوسط؛ حيث إنه على الرغم من الإعجاب الروماني بالحضارة الإغريقية، لم يكن الرومانيون واليونانيون المعاصرون يتبادلون أية مشاعر ودية.

غزا الرومان كافة الممالك العظيمة التي نشأت من فتوحات الإسكندر الأكبر في القرن الرابع قبل الميلاد فيما عدا مملكة واحدة. كانت مصر التي حكمتها كليوباترا آنذاك هي المملكة الوحيدة الناجية، والتي على الرغم من حالتها الخربة إلى حد ما وكونها لا تخلو من النفوذ الروماني، فإنها ظلت بلدًا مستقلة. وكانت هي حريصة بشدة وباستمرار على أن تظل الممثل الوحيد المتبقي لعصر الممالك الهيلينستية القوية — وهو ما يعني أن تكون مصر ممثلة لتراث اليونانيين. فقد سقطت مقدونيا — أرض أجدادها — في يد روما، وكذلك الدولة السلوقية العظيمة التي كانت قائمة في الشام وبابل. وهكذا لم يعد هناك سوى آخر سليلة لقائد جيش الإسكندر الأكبر بطليموس الأول في مصر؛ الملكة كليوباترا. فدافعت عن بقاء الحضارة اليونانية في عالم يهيمن عليه الرومانيون الأقل تحضرًا. وقد رأت كليوباترا وهي فتاة يافعة معاملة الرومانيين المهينة لوالدها، على وجه الدقة، حين كبدوه مبالغ مالية ضخمة بعد أن طلب والدها المساعدة من الرومان.

على مدار أكثر من قرن قبل ذلك، كان أفراد الطبقة العليا من الرومانيين مهووسين بمسألة مدى تطبعهم بالشخصية اليونانية. وقد تطرق الكاتب والخطيب الروماني شيشرون في كتاباته إلى هذه المشكلة باستمرار. وكذلك تكرر ورود حلها؛ وكان الحل هو أنه لا ينبغي تحت أي ظرف أن يغلب الطابع اليوناني بنحو مفرط على الرومانيين، وهو فعل ينم عن الانحطاط، علاوة على أنه غير مقبول من الناحية السياسية. كان الخطيب العظيم شيشرون أحد الرومانيين الذين التقَوْا كليوباترا حين زارت عاصمتهم خلال السنتين الأخيرتين من حياة يوليوس قيصر — بعد لقائهما الشهير في الإسكندرية — ولم ترُق له على الإطلاق. ولا بد أنه شعر بالحنق والاستغراب الشديد أن يلتقي تلك السيدة اليونانية النبيلة التي كانت تتمتع بمهابة شديدة، والتي كانت — علاوةً على ذلك — قادرة تمامًا على التعامل معه على نفس المستوى الفكري؛ وذلك — على سبيل المثال — لكونها ماهرة في عدد من اللغات على مستوى هائل حقًّا.

كانت لأنطونيو مشكلته الخاصة مع الحضارة اليونانية. فحين تقاسم أنطونيو وأوكتافيوس الإمبراطورية الرومانية بعد موت قيصر، كانت المنطقة الشرقية من نصيب أنطونيو، وكانت حضارة هذه المنطقة يونانية إلى حد كبير. لكن الحكام الرومانيين السابقين كانوا يميلون بوجه عام إلى الحفاظ على هويتهم الرومانية المميزة، أو أنه إذا كان من الحكام الرومانيين من عمل على نشر المعرفة من العلوم والفنون اليونانية، فقد فعلوا ذلك بنوع من الوعي الذاتي وتحت أعينهم. أما أنطونيو — على الجانب الآخر — فمن اللحظة الأولى التي خطت فيها قدماه ممالكه الشرقية، بدأ في التصرف على نحو مختلف؛ إذ انغمس في العادات اليونانية بحماس ملحوظ. وها هو وصف بلوتارخوس — الذي ترجمه نورث — للبيئة الهيلينية التي أحاطت بأنطونيو حين دخل مملكته الجديدة ووطئت قدماه مدينة أفسوس:

اصطف كل من أناكسينور عازف العود، وزوثوس عازف الناي ومترودوراس المهرج، وكان هذا الجمع من الموسيقيين والممثلين لمباهج آسيا (وقد تخطوا بلطفهم وقدرتهم على الإطراء كل المشكلات المزعجة التي حملها أنطونيو معه من إيطاليا) مجتمعًا بأكمله في بلاط أنطونيو، وقدموا عرضهم. وبعد انقضاء العرض، غادروا جميعًا. وقد استمتع جميع الحضور إلى أقصى درجات الاستمتاع حين رأوه مبتهجًا من ذلك العرض. وكانت نباتات اللبلاب والسهام المكللة باللبلاب وآلات السنطور الموسيقية والناي والمزامير تملأ أرجاء مدينة أفسوس.

في وقت لاحق، حين عاش أنطونيو مع كليوباترا في الإسكندرية، أصبح يونانيًّا أكثر بدرجة لا تخطئها عين، بل إنه وصل إلى حد ارتداء الزي الهيلينستي. ومصدرنا الذي استقينا منه هذه المعلومات هو أبيان — وهو مؤرخ إغريقي الأصل من الإسكندرية عاش في فترة أحدث: «نحَّى أنطونيو مسئولياته وموكبه كقائد للجيش جانبًا، وارتدى زي الإغريقيين عديم الأكمام، بدلًا من زي بلاده والحذاء الأتيكي الأبيض الذي يرتديه كهنة أثينا والإسكندرية. ولم يخرج سوى للمعابد والمدارس ومناقشات الدارسين، وكان يقضي وقته مع اليونانيين؛ احترامًا لكليوباترا، التي لم يبقَ في الإسكندرية إلا من أجلها.» في الواقع، يُروى أن أنطونيو فرح حين وُصف ﺑ «محب الإغريق».

مما لا شك فيه أن ذلك الاهتمام بالعادات اليونانية كان دفينًا في أنطونيو، لكن كليوباترا هي من أخرجته. ومن الناحية التاريخية، كانت هذه الظاهرة مؤقتة، إذ لم يكن أمام أنطونيو وقت طويل في الحياة. لكنها رغم ذلك كانت تنطوي على دلالة ما؛ إذ لم يكن من المنطقي — ولا من الواقعي على المدى الطويل — تجاهل حقيقة أن الإمبراطورية على النحو الذي كانت عليه في ذلك الوقت كان لها طابع إغريقي بمقدار ما لها من طابع روماني. في نهاية الأمر — وبعد مرور عدة قرون — ظهر مزيج جديد بين الحضارتين اليونانية والرومانية، كما كان لا بد أن يحدث.

إن الحديث عن الأحداث التي كان من الممكن أن تقع في التاريخ ليس مجديًا. لكن من الواضح، أنه لو أُتيحت الفرصة أمام أنطونيو وكليوباترا، فإن عملية المزج بين الحضارتين كانت لتتطور قبل وقت طويل جدًّا مما حدث على أرض الواقع. لكن على الناحية الأخرى، بعدما اكتسب أوكتافيوس — قاهر أنطونيو وكليوباترا — اسمه المثير للإعجاب أغسطس، حاول أن يؤسس لوحدة رومانية يونانية أقل سخاءً وأقل توازنًا، والتي ظل فيها العنصر الروماني سائدًا على نحو راسخ على الرغم من أنها أتاحت قدرًا من الحكم الذاتي للمجتمعات المدنية اليونانية. وهكذا ظلت الإمبراطورية مستمرة على دربها الروماني الضيق بدرجة لا داعي لها نوعًا ما، بالرغم من الجهود الشجاعة التي لم تطل كثيرًا لأنطونيو وكليوباترا من أجل رأب الصدع الكبير بين الحضارتين.

لكن كل ذلك كان مختبئًا وراء آفاق المستقبل في اللحظة التي شوهدت فيها سفينة كليوباترا البراقة مبحرة أعلى النهر في طريقها إلى طرسوس. كانت مهمتها الأولى هي دفع أنطونيو الروماني إلى تبني قضيتها؛ أي دفعه إلى مد حدود بلادها بعيدًا إلى ما وراء حدود مصر القومية الضيقة إلى الاتحاد المتوسطي الشرقي متعدد القوميات واللغات الذي حكمه أجدادها. وبينما ننظر إلى الأمر من منظورنا الحالي، نجد ذلك الطموح متطرفًا وغير واقعي. بالتأكيد، في ذلك الوقت الذي كان الرومان يهيمنون فيه على كل شيء، كان عهد الممالك اليونانية الكبرى قد ولَّى. لكنَّ كليوباترا لم تفكر كذلك؛ كان يبدو لها أن ذلك الطموح يمكن أن يتحقق، وأن ذلك لم يكن ليتم سوى بالحصول على الدعم الروماني. وها هو أقوى الرومانيين على وجه الأرض في صحبتها في طرسوس ثم بعد ذلك في الإسكندرية؛ لذا كان يجب عليها أن تجعله يحبها بشدة وبإخلاص. وهكذا كرست كليوباترا ترسانة جاذبيتها الهائلة لهذه المهمة.

ثمة قصص لا حصر لها حول الحياة الممتعة التي وفرتها كليوباترا لأنطونيو، وحول كيفية استمتاعه بهذه الحياة بكل جوارحه؛ ففي خلال الفترات الطويلة (أو الطويلة جدًّا) الفاصلة بين الحملات، اعتاد أن يدلل نفسه بقضاء أوقاتٍ رائعة تمامًا، أوقاتٍ رائعة لا تختلف عن تلك التي اعتاد الاستمتاع بها — وقد عرفنا كذلك أنه كان يتسم بتلك العادة غير الرومانية المثيرة للدهشة البالغة والمتمثلة في السخرية من نفسه. ومن ثم فقد نشر أعداؤه الرومانيون — بتحريض من نسيبه العدواني أوكتافيوس — في كل مكان أنه كان مفتونًا تمامًا وواقعًا في شَرَكِ حبه للملكة المغوية، وظلوا يكررون ذلك حتى بعد وقت طويل من موته.

من المؤكد أن أنطونيو كان متيمًا بكليوباترا إلى حدٍّ كبير؛ لكنه لم يصل — على الأقل حتى المراحل الأخيرة من علاقتهما — إلى درجة العبد المخبول الذي صورته عليه الدعاية المضادة. فالحكام الرومان البارزون — حتى حينما عاشوا في الشرق — كانوا أقوى مما صورته مثل تلك القصص. لقد كانوا يستمتعون بالمتع الحسية وينهلون من أشكال اللهو الأخرى إلى أقصى درجة بطرقهم المتعددة. ولكن يظل من المؤكد أنه لم يثبت أن قيصر أو أنطونيو — لفترة طويلة — قاما بأي شيء يعارض مصالحهما السياسية حتى ولو لمصلحة كليوباترا.

فيما يتعلق بأنطونيو، يتبلور أكثر مثال إيضاحي على الفكرة سابقة الذكر في مملكة يهودا الفلسطينية. كانت كليوباترا تمقت الملك اليهودي هيرودوس — الذي كانت شخصيته في مثل قوة وتعقيد شخصية كليوباترا. وفي الوقت الذي ظل فيه في السلطة، بدا وأن وجوده له تأثير مدمر على العدد الكبير من اليهود الذين عاشوا في مصر. بل الأسوأ من ذلك أنه كان يقف عقبة صريحة في سبيل حصولها على الأراضي التي تريدها لتحيي بها إمبراطورية البطالمة. ومع أنها فعلت كل شيء بإمكانها لدفع أنطونيو إلى إسقاط هيرودوس، إلا أنها لم تنجح في ذلك؛ إذ كان عشيقها يتجاهل هذا المطلب باستمرار.

كان أنطونيو — مثلما كان الحال مع قيصر من قبله — قد حسم أمره بأن استقرار الشرق الأوسط يحتاج إلى دولة يهودية مثلما يحتاج إلى دولة مصرية، ولم يستطع أي شيء أن يزحزحه عن هذا الموقف. وعلى الرغم من ذلك، استطاعت كليوباترا مع مرور الوقت إقناعه بإعطائها أجزاءً معينة ومهمة من مملكة هيرودوس. وقد كانت هذه بمثابة الضريبة التي كان على هيرودوس أن يدفعها للمرأة التي شاركت أنطونيو فراشه. ومع ذلك، فقد صمد هيرودوس، وبقي ملكًا على أورشليم، ضد رغبة كليوباترا تمامًا، بل وعاش ستة وعشرين عامًا بعدها.

بالرغم من جميع القصص المتناقلة، لم يكن أنطونيو على استعداد لتنفيذ أي شيء وكل شيء تريده كليوباترا. وكذلك — على الناحية الأخرى — لم يكن اهتمامه بمصر نابعًا تمامًا من حبه لملكتها. فقد اهتم قيصر بهذا البلد نظرًا لثرائها الهائل بالمال والتجارة والحبوب — وعلى الرغم من تآكل هذه الثروة بسبب الانحدار السياسي التدريجي، فإنها ظلت ضخمة على نحو خرافي. وقد اهتم أنطونيو بمصر للأسباب نفسها، بالإضافة إلى سببين آخرين؛ السبب الأول هو أن القوة العدوانية الوحيدة التي كان على روما مواجهتها في أي مكان في العالم هي فارثيا — وهي دولة إقطاعية كبيرة تقع فيما وراء الحدود الشرقية لروما على نهر الفرات — وفي الحملات المهمة التي شنها أنطونيو على فارثيا وحلفائها، كان في حاجة إلى تعاون مصر معه كقاعدة إمداد.

أما السبب الثاني، فهو أن الوقت كان قد أزف لوقوع الصدام مع أوكتافيوس في الغرب. وكانت مصر يومًا ما متفوقة في بناء السفن، باستخدام الخشب الذي يأتي من الشام وقليقية بجنوب شرق آسيا الصغرى. وفي ذلك الحين كانت كليوباترا ستمد أنطونيو بالسفن؛ ولذلك السبب، أعطاها أنطونيو جزءًا من أرض الشام وقليقية — وهي البلاد التي رغبت أيما رغبة في وضع يدها عليها لكي تحيي المملكة البطلمية القديمة المترامية الأطراف.

كانت ثمة طريقتان أساسيتان يدير بهما الرومان عالم البحر المتوسط؛ أولاهما هي الإدارة المباشرة — عبر الولايات والحكام — والثانية كانت عن طريق دعم الدول الأصلية المطيعة — التي كانت تدير شئونها الداخلية بنفسها، لكنها تعتمد على روما في تدبير شئونها الخارجية. وكان هذا النموذج الأخير هو النظام الذي طُبِّق على الحدود وفيما ورائها؛ خاصة على الحدود الشرقية؛ حيث كثرت الدول اليونانية الصغيرة بدرجات مختلفة. وحين قام قائد روماني آخر — بومبيوس — بالبطش بالمملكة السلوقية القديمة (التي تراجعت وانحصرت في الشام فقط آنذاك) قبل جيل مضى، اعتمدت خطوة تحقيق الاستقرار في الشرق التي تلت ذلك على العديد من تلك الدول التابعة. وقد تبنى أنطونيو الرؤية ذاتها.

وعلى الرغم من الدعاية العدائية، كانت هذه السياسة معقولة بالدرجة الكافية — طالما أنها لم تتجاوز الحدود المسموح بها. ومع ذلك، من الثابت أن هذه السياسة هي أحد الجوانب التي تسببت في سقوط أنطونيو. صحيح أن مصر في عهد كليوباترا لم تكن سوى حلقة في سلسلة النطاق العازل المعقدة المشكَّلة من الدول الإغريقية أو الهيلينية المتاخمة — المعتمدة على روما بشكل أو بآخر — لكنها رغم ذلك كانت أقوى هذه الحلقات، علاوة على أنه حينما حان الوقت في عام ٣١ قبل الميلاد ليواجه أنطونيو أوكتافيوس، وحُسم القرار بأن تدور رحى هذه المعركة في البحر، كان ذلك يعني أن كليوباترا كان عليها دور مهم لتقوم به؛ إذ إنها هي التي ساهمت بكثير من سفن الأسطول.

بالإضافة إلى ذلك — في تلك الأعوام الأخيرة — أصبح من الواضح على نحو متزايد أن علاقة أنطونيو بكليوباترا بدأت في الخروج عن السيطرة بدرجة مدمرة. لم يجد أنطونيو غضاضة في أن يكتب لأوكتافيوس، سائلًا إياه عن وجه الأهمية في مَن يقيم علاقة غرامية مع مَن؟! مضيفًا بفجاجة أن سجل أفعال أوكتافيوس نفسه يحوي ما لا يُحتمل الاطلاع عليه. لكن العملات التي كان أنطونيو يُصْدِرها في تلك الفترة تروي لنا قصة مختلفة. ففي أوقات كثيرة من التاريخ الروماني، كانت التصميمات والنقوش الموجودة على قطع النقود الرسمية تسهم بدور مهم في جهودنا لنتمكن من صياغة ما كان يحدث، وهذه هي الحال الآن كذلك. فقد كانت رأس كليوباترا في الواقع تظهر على عملات أنطونيو الرومانية إلى جانب صورته الشخصية. وقد كان ذلك استثنائيًّا. إنه شرف لم يحلم أن يحققه أي ملك أو ملكة من التابعين. كما لم يحلم أي ملك أو ملكة بإدراك لقب كليوباترا المنقوش باللاتينية بأناقة: «ملكة الملوك، وملكة أبنائها الملوك» — وهم أبناؤها من أنطونيو وأخوهم غير الشقيق قيصرون، الذي ادعت كليوباترا أنه ابن قيصر؛ ومع ذلك سواء أكان ادعاؤها صحيحًا أم كاذبًا، فإنه يخضع للتشكيك في صحته منذ ذلك الحين.

لا يمكننا أن نعرف ما كان يدور في عقل كليوباترا. فدراسة التاريخ القديم — بمصادره المشرذمة التي تتطلب تحقيقًا دقيقًا — عملية مرهقة جدًّا لا يجب أن نطلب من ورائها الكثير. وحسبما نعرف، ركزت كليوباترا لمعظم حياتها على إحياء مصر العظمى من جديد، لكن أعداءها من الرومان ذكروا أنها كانت ترغب في أن تصبح سيدة العالم الروماني. وتعتبر مثل تلك العملات غير المعتادة على الإطلاق أدلة ترجح أنه — على الرغم من أن كليوباترا أجنبية — لو كان النصر قد تحقق في معركة أكتيوم البحرية عام ٣١ قبل الميلاد لما كانت نتيجة ذلك ستختلف كثيرًا عن تتويج كليوباترا على عرش العالم الروماني.

في جميع الأحوال، من الواضح أنه خلال السنوات الأخيرة التي سبقت المعركة القاضية كان ثمة عنصر جديد وغير مسبوق في المكانة التي أدركتها كليوباترا، وقد صدم هذا العنصر بشدة العديد من كبار الرومانيين في حاشية أنطونيو ومعسكره. يحتمل أن تكون كليوباترا قد تزوجت أنطونيو بموجب القانون المصري — فقد طلَّق أوكتافيا في عام ٣٢ قبل الميلاد؛ مما قدم لأخيها أوكتافيوس العدواني دعاية مجانية على طبق من فضة — ولكن حتى ولو كان الأمر كذلك، فإن ذلك لم يكن له أهمية على الإطلاق في روما؛ لأن الروماني لا يستطيع الزواج من أجنبية. الشيء الآخر الذي أقلق أعضاء مجلس الشيوخ الروماني وقادة الجيش هو أن ذلك العدد المتزايد من الألقاب المبالَغ فيها التي خُلِعَت عليها وعلى أبنائها كان من الممكن أن تُفسَّر على أنها انسلاخ لبلاد كانت تخص — وينبغي أن تخص — روما.

ساءت علاقة أنطونيو وأوكتافيوس أكثر وأكثر، وباتت الحرب حتمية. وفي الوقت الذي أوشكت أن تبدأ فيه الأعمال العدائية، فكر أصدقاء أنطونيو الرومانيون أنه من المهم بوجه خاص أن تبقى كليوباترا بعيدة عن مركز القيادة العسكرية في أفسوس. فوجودها — على حسب اعتقادهم — كان من شأنه أن يجعل أنطونيو يبدو في صورة عشيق المرأة الأجنبية الضعيف. وفيما يبدو أن أنطونيو أدرك أهمية فكرتهم، فأمر كليوباترا بمغادرة المعسكر، والإبحار عودةً إلى مصر، والمكوث هناك في انتظار نتيجة المعركة. ولو أنها فعلت ذلك؛ لخدمت مصلحته ومصلحتها. في الواقع، كان من الممكن أن ينتصر أنطونيو في أكتيوم، ولتغير مسار التاريخ بأكمله.

لكنها تساءلت في نفسها عن مدعاة مغادرتها. لقد أسهمت بمائتي سفينة وبمبلغ كبير من المال، علاوة على أنها زودت الجيش البري — الذي كان معسكرًا إلى جانب الأسطول — بأكمله بالمؤن. وهكذا أقنعت أحد قادة أنطونيو الأساسيين بأن يشرح له أنه يجب عليها أن تبقى وتشارك في المعركة. وقد أخبر القائد رئيسه قائلًا: «ليس من العدل أن تبعد امرأة قدمت كل هذه الإسهامات الضخمة عن أرض المعركة، ولا من مصلحة أنطونيو إحباط المصريين الذين شكلوا جزءًا ضخمًا من قوته البحرية. علاوة على ذلك، من الصعب رؤية تدني مستوى ذكاء كليوباترا عن أي من الأمراء المشاركين في المعركة، وهي التي حكمت مملكة كبيرة كمصر بنفسها لوقت طويل، وتعلمت إدارة الشئون الكبرى من خلال مرافقتها الطويلة لأنطونيو.»

انتصرت هذه الحجج في النهاية. لكن النتيجة المترتبة على ذلك هي موجة من انشقاقات بعض من الأنصار الرئيسيين لأنطونيو، وأعضاء مجلس الشيوخ الروماني والملوك الأجانب، وقد حمل بعضهم معلومات أساسية لمركز قيادة أوكتافيوس.

وسط هذه الأجواء التعيسة، كانت معركة أكتيوم البحرية الكارثية تقترب. وكانت فكرة الاشتباك في حد ذاتها محبطة؛ كانت معركة خاسرة من قبل أن تبدأ. وكانت معنويات أنطونيو منخفضة تمامًا. وقد استعان أوكتافيوس بقائد أسطول بحري عبقري — هو أجريبا — والذي استولى بالفعل على مراكز أنطونيو الرئيسية القوية على طول الساحل الغربي لليونان. فقدَ أنطونيو أغلب أسطوله في أكتيوم، ولم يتبقَّ سوى سفن كليوباترا التي فصلت نفسها — وقد لحق بها أنطونيو نفسه — وأبحرت عائدة إلى مصر. في السنة التالية، غزا أوكتافيوس مصر دون أن تأخذه بها رحمة. وفي أغسطس من عام ٣٠ قبل الميلاد، قبل ألفي عام بالضبط (من وقت كتابة هذا المقال)، لقي عدواه مصرعهما الواحد تلو الآخر، بيديهما لا بيد غيرهما: فقد انتحر أنطونيو أولًا — ذلك الروماني ذو الشخصية المتفردة الفذة، على غرابتها، وطريقة التفكير المميزة المبتكرة. ولحقت به كليوباترا التي حققت له أروع سعادة في حياته — وهو شيء لا يثير الدهشة؛ إذ إنها إحدى أروع النساء اللائي عشن على وجه الأرض.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (2)

  • default avatar
    Giku Jihab ·٢٢ أبريل ٢٠١٤، ٢٢:٢٩ م

    كليوباترا سيدة فاقت غيرها،حتما ليس الجمال سلاحها الوحيد بل ذكاءها المثير....متعلقة انا بها .

  • default avatar
    Said Jalol ·١٩ أبريل ٢٠١٤، ١١:٣٤ ص

    شكرا كثيرا