السيارات تتولى القيادة.
السيارات تتولى القيادة.

أرخِ ظهرك إلى الخلف واترك عجلة القيادة، وارفع قدميك عن الدواسات وتحرر من توتر القيادة، فسيارتك الآن هي المسئولة عن القيادة. نما حلم السيارة التي يمكنها قيادة نفسها على مدار العقد الماضي في الوقت الذي أثبتت فيه التقنيات اللازمة كفاءتها تدريجيًّا، ولكن الفكرة واجهت عقبات قانونية كبيرة.

لكن ليس بعد. ففي الوقت الراهن يسرع الساسة الخطى من أجل جعل السيارات ذاتية القيادة حقيقة. فمن هاواي حتى فلوريدا، ومن أكسفورد حتى برلين، يدور السباق من أجل وضع السيارات بدون قائد على طرقنا.

ولما كانت السيارات ذاتية القيادة تعدنا بتحسين الأمان وترشيد أفضل للوقود والتخلص من ملل القيادة لمسافات طويلة، ستستغرق سياراتنا بعض الوقت لتتحول إلى سيارات ذاتية القيادة خطوة بخطوة؛ ولطالما كان لها منتقدوها. ففي عام ١٩٩٤، وعلى أحد الطرق السريعة في المملكة المتحدة، أظهرت شركتا جاجوار ولوكاس إندستريز مدى أمان تقنِيَتَي التحكم المتكيف في ثبات السرعة والمحافظة الأتوماتيكية على خط السير؛ وهما التقنيتان اللتان أصبحتا الآن موجودتين بسياراتنا. لم تنبهر وسائل الإعلام بالفكرة، ووصفت السيارات التي تقود نفسها بأنها «جنون».

لكن ليست المخاوف المتعلقة بأمان السيارات ذاتية القيادة في محلها في عالم يلقى فيه ١٫٢ مليون شخص نحبهم سنويًّا في حوادث الطرق بسبب أخطاء بشرية، حسب رأي بول نيومان — مهندس تصميم الروبوتات في جامعة أكسفورد — الذي يطور فريقه سيارات ذاتية القيادة. ويضيف: «من الجنون تخيل أننا سنواصل قيادة السيارات كما نفعل الآن؛ أي إننا بعد ١٠ إلى ٢٠ عامًا سنواصل الاضطرار إلى أن نجلس خلف عجلة القيادة، مركزين بشدة، ولا نستغرق في النوم ولا ندهس أحدهم.»

لهذه الفكرة مؤيدون بقوة في الوقت الراهن؛ وبدأت العقبات تتذلل؛ فبموجب قانون دخل حيز التنفيذ في الأول من مارس، سمحت ولاية نيفادا الآن للسيارات بدون قائد بالسير في شبكة طرق الولاية شريطة أن تحمل بوضوح لوحات أرقام خاصة حمراء اللون، ويدفع مالكوها تأمينًا على الحياة بمبلغ من مليون إلى ثلاثة ملايين دولار، ويُنظر حاليًّا في تشريعات مماثلة في كاليفورنيا وأريزونا وفلوريدا وهاواي وأوكلاهوما.

لا تقتصر هذه الظاهرة على الولايات المتحدة فحسب، ففي ألمانيا، حصل فريق أبحاث يعمل على السيارات بدون قائد — تحت قيادة تينوش جانينيه بجامعة برلين الحرة — على تصاريح لاستخدام مطار تيمبلهوف المهجور لاختبارات السيارات ذاتية القيادة. ويحصل أعضاء الفريق عند الضرورة على تصاريح خاصة للقيادة في شوارع برلين، ويأملون في القيادة على الطرق السريعة قريبًا. ويعتزم فريق أكسفورد التقدم بطلب للحكومة البريطانية للحصول على تصاريح مماثلة.

يعمل فريق برلين على إدخال تقنية القيادة الذاتية في سيارة فولكس فاجن من طراز «باسات» — ويطلقون عليها اسم «مايد إن جيرماني» (بمعني صُنع في ألمانيا) من باب الفخر بالصناعة الوطنية — في الوقت الذي يُحوِّل فريق أكسفورد سيارة جيب عسكرية من طراز «وايلد كات» — من تصنيع بي إيه إي سيستمز — إلى سيارة ذاتية القيادة. وانضمت شركة نيسان مؤخرًا لمشروع أكسفورد، لذا ربما ينتهي الأمر بالسيارة «ليف» الكهربائية بالكامل بأن تصبح سيارة بدون قائد أيضًا.

ظهرت السيارات بدون قائد لأول مرة بطريقة جادة في مسابقة «التحدي الكبير» التي تقيمها وكالة مشاريع أبحاث الدفاع المتطورة الأمريكية. تنافست السيارات أيها الأسرع على مسارات بالصحراء في عامي ٢٠٠٤ و٢٠٠٥، وفي منطقة حضرية في عام ٢٠٠٧.

يترأس مايك مونتميرلو وسباستيان ثرون من جامعة ستانفورد — اللذان فازت سيارتهما بالجائزة في ٢٠٠٥ — برنامج جوجل لأبحاث السيارات ذاتية القيادة. وتجسد سياراتهما — المصممة وفقًا للطرازين تويوتا بيريوس وأودي تي تي — منهجي فريقي أكسفورد وبرلين. فكل السيارات تتضمن محددات للمدى بالليزر ورادارًا وكاميرات من أجل التقاط ما يحدث في بيئة المركبة الفعلية المتغيرة بدقة عالية. وتعرف السيارات أماكن إشارات المرور وعلامات الطريق وما إذا كانت الأجسام المتحركة حيوانات أو بشر أو دراجات هوائية أو دراجات بخارية أو شاحنات. ويدرس فريق نيومان الطريقة التي يمكن من خلالها للخوارزميات أن تفهم البيانات المتدفقة من محدد المدى بالليزر بالتقنية ثلاثية الأبعاد، وتقرر بسرعة ما إذا كان جسم من الأجسام سيارة أو أحد المارة، على سبيل المثال. وكذلك يدرس فريقه كيف يمكن لنظام بصري آلي تكوين صورة للعالم المحيط به والتكيف مع الظروف المتغيرة وتفاوت مستويات الإضاءة أو حتى فصول السنة. رغم ذلك، لا تزال المستشعرات والبرمجيات التي ستُطرح لتحقيق ذلك بعيدة المنال.

يقول نيومان: «يوفر نظام «فيلوداين» — المكون من ٦٤ شعاع ليزر دوَّارًا فوق معظم السيارات بدون قائد — مشهدًا ثلاثي الأبعاد للبيئة المحيطة بزاوية ٣٦٠ درجة لمسافة تصل إلى ٤٠ مترًا، ويجري تحديث المشهد بسرعة.» ولكن وفقًا لرأيه، لن تحمل سيارات المستقبل أشعة الليزر الدوَّارة غير العملية.

يوافق جانينيه على أن تكنولوجيا السيارات بدون قائد يجب أن تدخل عليها تعديلات، ويقول: «ينبغي تخفيض حجم هذه الأنظمة وأسعارها. فتستلزم القيادة الذاتية اليوم معدات تكفي لملء نصف شاحنة.»

ويقول نيومان إن ثمة تحديًا آخر هو جعل السيارات تتعرف على العوامل المنذرة بالمخاطر؛ مثل انعكاسات أشعة الشمس البراقة على الطريق أو ما يتطاير من الشاحنات — التي ربما تعوق عمل بعض المستشعرات — أو ببساطة انفجار إطار.

يقول فينتون سيرف — رائد التكنولوجيا في جوجل — إنه في الوقت الحالي، تُطلع سيارات جوجل بعضها بعضًا على الطرق التي سارت عليها، مثل تبادل البيانات حول كيفية تخطي التقاطعات الخطرة. ويريد جانينيه ابتكار تكنولوجيا مشابهة لبث التغيرات بخرائط جي بي إس من سيارة لأخرى، على سبيل المثال: عندما تُوجد أعمال في الطريق.

يقول نيومان إنه رغم ذلك، لن تحتاج السيارات بدون قائد إلى الاتصال ببعضها لاسلكيًّا باستخدام تقنية باهظة التكلفة على جانبي الطريق، حيث يجب أن تكون سيارات «ذكية ذكاءً ذاتيًّا» وعلى دراية بكل المخاطر التي تكتنفها طوال الوقت.

يواصل نيومان حديثه: «سنُدخل تقنية القيادة الذاتية على السيارات، فالحوسبة سببت تغيرات مذهلة وستصبح وسائل النقل هدفها التالي.»

إذا واجهت مشكلات، ستحصل السيارة على تغطية تأمينية

يقول بول نيومان — من جامعة أكسفورد — إنه يمكن للسيارات بدون قائد أن تقلل تكاليف التأمين من خلال إتاحة زيادة السيارة تأمينها عندما تتغير ظروف الطريق.

ويضيف قائلًا: «في ليلة مظلمة تتساقط فيها الثلوج، عندما تكون القيادة أخطر، يمكن للسيارة أن تستخدم شبكة الإنترنت، وتطلب زيادة الغطاء التأميني حتى تتغير الظروف. وإذا اتضح أن الغطاء التأميني باهظ جدًّا، لأن الظروف قاسية بما لا يتناسب مع نظام القيادة الذاتية، يمكن لمالك السيارة أن يقود بنفسه.»

يقول تينوش جانينيه — من جامعة برلين الحرة بألمانيا — إنه ينبغي في الوقت نفسه وضع معايير واضحة لمبرمجي هذه السيارات ومطوريها، حيث إن مسئولية الحوادث ربما تقع أكثر على مصممي البرمجيات أو مصنعي المستشعرات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.