«ديفون! قلت لك اذهب ونظف أسنانك!» إنه صباح يوم الخميس، ومن المفترض أن تبدأ مدرسة ديفون كارو-سبيردوتي البالغ من العمر سبع سنوات بعد خمس دقائق، وقد بدأ صبر والدته ينفد. لا يختلف ديفون عن أي طفل آخر في نفس عمره؛ إلا في شيء واحد فقط.

عندما يذهب ديفون إلى مدرسة وينشستر الابتدائية في ويست سينيكا في نيويورك يثرثر مع أصدقائه ما بين الحصص الدراسية، وأحيانًا يوبخه مدرسوه عندما لا ينتبه لهم، وفي بعض الأوقات قد يتعثر ويصطدم بالجدران. وهذه هي النتيجة الحتمية للذهاب إلى المدرسة داخل روبوت. يعاني ديفون بعض أنواع الحساسية التي تمنعه من الذهاب إلى المدرسة بنفسه، ولكنه يستعيض عن ذلك من خلال البقاء في المنزل وتسجيل الدخول إلى النظام الخاص الذي يطلق عليه «فيجو»، وهو روبوت ذو عجلتين يبلغ طوله مترًا ونصف المتر ويشبه دراجة سيجواي يوجد داخل المدرسة. يتنقل ديفون ما بين الفصول عن طريق كاميرا، ويتحدث مع زملائه ومدرسيه من خلال شاشة فيديو تعمل بتقنية الوقت الفعلي يظهر عليها وجهه. تقول والدته: «إنه يُعامل بالضبط كغيره من التلاميذ، حتى إنهم يسألون عن سبب غيابه إذا لم يحضر الحصص الدراسية.»

ديفون ليس هو الشخص الوحيد الذي ينقل نفسه إلى موقع آخر بانتظام من خلال هذه الطريقة، ولكن هناك جراحين وجنودًا وعددًا متزايدًا من أرباب المهن الأخرى يتحولون إلى جيش من البدلاء الذين غالبًا ما يكونون على بعد مئات الكيلومترات. هؤلاء المسافرون الافتراضيون بإمكانهم القيام بعدد من الوظائف يتراوح ما بين خمس إلى تسع وظائف، وخوض معارك، وإجراء جراحات من شأنها أن تُنقذ حياة الآخرين.

سيكون بإمكانك هذا العام أن تبتاع واحدًا بنفس سعر الكمبيوتر المحمول، وفي نهاية المطاف سيجري التحكم في هؤلاء البدلاء من خلال الأفكار فقط، وسوف ينقلون إلى مُشغلهم إحساسًا ملموسًا. وهذا يعني أن حواسنا سوف تنتقل إلى مواقع أخرى بطريقة لم نشهدها من قبل. يتزايد إدراك الباحثين والخبراء القانونيين وعلماء الأخلاق بأن طريقة استخدام هذه التكنولوجيا أثناء وفيما بعد العقد القادم لن تؤثر فقط على أسلوب حياتنا وعملنا، ولكنها ستتسبب في خلل للنظم الاقتصادية وتحدي القوانين، وربما أيضًا في قلب المعايير الاجتماعية.

تعود فكرة منح الأشخاص القدرة على الدخول إلى أنظمة الآلات الموجودة في أماكن بعيدة عنهم إلى أوائل ثمانينيات القرن العشرين على أقل تقدير، عندما صاغ مارفن مينسكي — أحد رواد علم الروبوتات — مصطلح «الوجود عن بُعد» الذي استخدمه للإشارة إلى حزمة التكنولوجيا التي تتيح للإنسان أن يشعر وكأنه موجود في مكان آخر يختلف عن موقعه الحقيقي. وكان مينسكي يعتقد في رؤيته المستقبلية أن هذه الأنظمة الروبوتية ستمهد الطريق ﻟ «إدارة الاقتصاد عن بُعد»، وسوف تُحدث تغييرًا جذريًّا في المجتمع.

ومع أن رؤيته لم تتحقق تمامًا مثلما تصورها، فقد تطورت هذه التقنيات بسرعة مذهلة في عصر الإنترنت. لم تتح الموجة الأولى من تكنولوجيا الوجود عن بُعد لمستخدميها سوى رؤية المواقع البعيدة من خلال كاميرا وظهورهم في المواقع الأخرى التي يشاهدونها كذلك. وكان من بين أوائل تلك الأجهزة ذلك الذي استخدم في بيئة العمل في شركة زيروكس بارك في منتصف ثمانينيات القرن العشرين؛ فخلال مشروع الإعلام الفضائي الذي قامت به الشركة، زُودت المعامل الموجودة في بالو ألتو بكاليفورنيا وبورتلاند بولاية أوريجون بكاميرات أتاحت للأشخاص المعنيين التعاون من خلال شاشات الفيديو من بُعد ألف كيلومتر تقريبًا. يعد هذا الآن شيئًا عاديًّا بفضل تطبيقات الفيديو التي تعمل بتقنية الوقت الفعلي مثل سكايب وفيس تايم.

أضافت الأجيال اللاحقة لتطبيقات تقنية الوجود عن بُعد لهذه التجربة، من خلال السماح للأشخاص بالتنقل في أرجاء المكان والتحكم في الأشياء المختلفة. ومن بين أوائل المؤسسات التي طبقت هذه التقنيات على نطاق واسع المستشفيات والمؤسسات العسكرية، وقد غيرت هذه التقنيات من وجه المجالين الطبي والحربي.

إذا كنت تعيش في الولايات المتحدة وتحتاج مثلًا إلى استئصال جزء من البروستاتا، فعلى الأرجح سيُجري لك العملية جراح موجود عن بُعد باستخدام جهاز تحكم يدار بواسطة روبوت، فحوالي ٩٠٪ من هذه العمليات تُجرى الآن بهذه الطريقة (مجلة سيرجيكال إندوسكوبي، مجلد ٢٥، صفحة ٦٨١). بل لقد أصبح من الممكن إجراء مثل هذه العمليات الجراحية عبر المحيطات؛ ففي عام ٢٠٠١ أجرى الجراحون في نيويورك عملية استئصال للمرارة لسيدة بمدينة ستراسبورج بفرنسا؛ على بعد أكثر من ستة آلاف كيلومتر.

وفي الوقت نفسه، يتحكم الجنود اليوم بشكل روتيني في الطائرات بدون طيار والروبوتات لعمليات الاستطلاع، بالإضافة إلى إبطال المتفجرات وحتى شن الهجمات. لقد أصبح استخدام هذه التقنيات الآن شائعًا للغاية في الجيش الأمريكي حتى إن بعض المحللين يزعمون أن المعارك الحربية المدارة عن بُعد قد تصبح إحدى السمات المميزة لفترة رئاسة الرئيس باراك أوباما.

شهدت السنوات الأخيرة وجودًا متزايدًا لأجهزة الوجود عن بُعد المصممة للأغراض الأقل عنفًا لمستهلكي هذه الصناعة، فعلى سبيل المثال طرحت شركة فيجو للاتصالات بمدينة ناشوا في نيو هامبشاير وشركة إنيبوتس بمدينة ماونتن فيو في كاليفورنيا روبوتات طوافة تعمل بتقنية الوجود عن بُعد لجمهور المستهلكين. ويمكن تحريك هذه الروبوتات من خلال أي جهاز كمبيوتر يحتوي على كاميرا للويب باستخدام برنامج لتصفح الإنترنت.

لا تزال هذه السوق صغيرة وحديثة نسبيًّا، لذا من الصعب أن نحصل على فكرة عامة عن الأماكن التي قد نجد فيها أحد هؤلاء البدلاء. ولكن إلى الآن، تشير الدلالات إلى أن الناس يستخدمونها لزيارة الأهل والأصدقاء، أو التجول في المباني المختلفة مثل المتاحف، أو العمل عن بُعد مع زملائهم، أما الأطباء والممرضون فيستخدمونها لتفقد المرضى من بعد.

تزعم شركة فيجو أن عملاءها يتوزعون في قطاعات مختلفة بدءًا من المستشفيات وحتى شركات مثل نوكيا وإريكسون. وتقول شركة إنيبوتس: إنها شحنت سبعين روبوتًا منذ افتتاحها في عام ٢٠١٠ إلى عدد من الشركات، منها مثلًا شركة صناعية مكسيكية يتلقى موظفوها زيارات افتراضية من مديرين من خارج المدينة لتفحص عملهم. وقد زودت الشركة أيضًا مستشفى وعيادات ستانفورد في بالو ألتو بروبوتات للمرضى، حيث يستخدمها الأطباء في علاج الأطفال الذين يتحتم إبقاؤهم في معزل. كما توضع روبوتات أخرى في منزل الطفل حتى يتسنى له حضور أعياد الميلاد والتجمعات العائلية. يقول تيم لينيهان من شركة إنيبوتس: «بإمكان الطفل أن يتحكم في مصيره، فإذا أراد أن يتحدث إلى والدته، يمكنه أن يسجل الدخول إلى نظام روبوت إنيبوت الخاص به ويسير إلى غرفة نومها ليخبرها بأنه يشعر بالوحدة ويريدها أن تزوره.»

ولكن هذه الروبوتات باهظة السعر، إذ تصل تكلفة روبوت فيجو إلى ستة آلاف دولار، وتبدأ تكلفة روبوت إنيبوت من تسعة آلاف وسبعمائة دولار أمريكي. قد يكون ذلك هو السبب الذي يقف وراء التوقعات بأن شركة دبل روبوتيكس في ميامي بفلوريدا ستحدث انقلابًا في الصناعة هذا العام. فمن المنتظر أن تُطلق الشركة الشهر القادم روبوتًا طوافًا يعمل بتقنية الوجود عن بُعد مزودًا بجهاز آي باد في مكان الرأس بنفس تكلفة الكمبيوتر المحمول الحديث. وقد نفدت أوَّل منتجات صنعتها الشركة، وهناك تقارير تشير إلى أن الشركة تلقت بالفعل طلبات مسبقة من خط إنتاجها خلال عام ٢٠١٣ تبلغ تكلفتها حوالي مليوني دولار أمريكي. وتشير التقارير إلى أن عملاء الشركة يتضمنون العديد من الجامعات الأمريكية وشركات مدرجة في قائمة فورتشن لأفضل ٥٠٠ شركة أمريكية.

بالطبع يشير فشل محاولات «العمل عن بعد» في الماضي في الانتشار على نطاق واسع إلى أن هذه الأجهزة لن تحل محل الاجتماعات التي تجرى وجهًا لوجه أو أماكن العمل الجماعية بشكل كامل. ولكنها على الرغم من ذلك توفر لنا نوعًا من الاتصالات لم يكن ممكنًا من قبل. ويوحي هذا التقدم المتزايد الذي تشهده التقنية الأساسية المشغلة لهذه الأجهزة أن التحكم في الآلات عن بُعد سوف يسير من سهل إلى أسهل خلال السنوات القادمة.

تشير الموجة القادمة من تطبيقات الوجود عن بُعد التي تمر بطور التطوير الآن في المختبرات إلى أن هذه التكنولوجيا المشغلة ستجعل تجربة المستخدم أكثر قربًا من الحياة الواقعية بشكل هائل. فعلى سبيل المثال، صنع فريق برئاسة ميل سلاتر بكلية لندن الجامعية روبوتًا بديلًا تحاكي أفعاله حركات جسد مستخدمه، فإذا مد الشخص المستخدم يده للسلام على شخص آخر، سيقلده الروبوت. وهذا الروبوت ليس متحركًا، ولكن يمكن باستخدامه تحية الآخرين والإيماء والتحكم في الأشياء. وفي الوقت الحالي يجري التحكم في هذا الروبوت من خلال حلة تُلبس على النصف العلوي من الجسم، ولكن يمكن — من حيث المبدأ — استخدام جهاز يلتقط الحركة مثل جهاز كينكت في المستقبل للقيام بنفس الوظيفة، «وبجزء زهيد من التكلفة»، على حد قول ميل.

التجسيد الحقيقي

لن يتوقف مدى واقعية التجربة عند هذا الحد، ففي أوائل هذا العام تمكن طالب يُدعى تيروش شابيرا من التحكم في أحد الروبوتات بواسطة أفكاره فقط. كان شابيرا نائمًا داخل جهاز تصوير المخ بالرنين المغناطيسي الوظيفي بجامعة بار إيلان في إسرائيل، وكان الروبوت في فرنسا. تعقب جهاز تصوير المخ التغيرات في تدفق الدم إلى القشرة الحركية الأولية بمخ شابيرا، وبعد ذلك حددت خوارزمية متى كان شابيرا يفكر في تحريك يده اليسرى أو اليمنى أو ساقيه. يقول عبد الرحمن خضر — من مختبر علوم الروبوت القائم على الشراكة بين المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي والمعهد الوطني الياباني للعلوم الصناعية المتقدمة والتكنولوجيا في تسوكوبا باليابان، وأحد أعضاء الفريق الذي قام بالتجربة: «التجسيد الحقيقي يتجاوز بكثير فكرة الوجود عن بُعد التقليدية، فهو يجعلك تشعر بأن الشيء الذي تجسده جزءًا منك» (مجلة نيو ساينتيست، ٧ يوليو، صفحة ٩).

بالطبع كانت هذه التجربة غريبة على تيروش شابيرا الذي يصفها قائلًا: «كانت تجربة ساحرة، فقد شعرت أنني هناك حقًّا، وعندما فاجأني أعضاء الفريق الفرنسي بوضع مرآة أمام الروبوت فكرت قائلًا: «كم أنا جميل! لدي عينان زرقاوان» وليس: «كم هذا الروبوت جميل؟»

في نهاية المطاف، ستتمكن الأجسام البديلة من نقل عدد أكبر من الأحاسيس إلى أجسامنا البشرية. فعلى سبيل المثال، يأمل ماسيمو برجاماسكو وأنطونيو فريسولي وفريقهما، في مختبر علوم الروبوت الحسية في مدينة بيزا بإيطاليا، أن يتمكنوا من إثارة الإحساس بالحركة عند تجسيد روبوت من بعد حتى وإن لم يكن مستخدمه يتحرك. كل ما يتطلبه الأمر هو إحداث ذبذبات بسيطة في عضلات معينة، مما يحفز المستقبلات الحسية التي يترجم المخ إشاراتها كحركة في المفصل المرتبط بها. وفي العام القادم، ينوي الفريق أن يدرج هذا النوع من الخداع ضمن تجربة التحكم في روبوت بواسطة الأفكار عبر جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي.

ونظرًا للمسار العام لهذه التكنولوجيا، بدأ العديد من الباحثين في التحقق من الآثار الاقتصادية والقانونية والاجتماعية المتوقعة. وإذا استرشدنا بتاريخ الاتصالات، فسوف تُستخدم أجهزة الوجود عن بُعد قطعًا بطرق لم يكن صانعوها ينوونها من البداية. يقول راي بوردي — وهو محامٍ يشغل منصب نائب مدير مركز القانون والبيئة في كلية لندن الجامعية، شارك ميل سلاتر وآخرين في كتابة تقرير حديث عن الآثار المتوقعة لأجهزة الوجود عن بُعد: «هناك أناس كثيرون أنفقوا أموالًا ضخمة على هذه التكنولوجيا ولم يفكروا كثيرًا في عواقبها.» فما العواقب التي قد تحدث إذا ما أصبح التنقل عن بُعد أمرًا سهلًا على الجميع؟

مبدئيًّا، قد يُحدث الوجود عن بُعد خللًا في سوق العمل؛ فأحد السيناريوهات المنطقية المطروحة أن تتيح هذه التكنولوجيا تشغيل العمالة الأجنبية منخفضة الأجر في وظائف يعد شغلها حتى هذه اللحظة أمرًا مستحيلًا؛ فقد حدث سيناريو مماثل منذ أكثر من عقدٍ من الزمان، إذ أتاح التقدم الهائل الذي حدث في سرعة شبكة الإنترنت ومستوى التغطية أن أصبحت دول مثل الهند هي الاختيار الأمثل للشركات الغربية لتعهيد خدمات الاتصالات والخدمات الإلكترونية بتكلفة أقل.

عالم يدار بالتحكم عن بُعد

لنفكر كيف يمكن للشركات العاملة بقطاع التجزئة مثل هوم ديبوت أو تيسكو أن تستفيد من العمالة الموجودة عن بُعد، وربما تتوقف هذه الشركات عن تشغيل عدد كبير من العمالة المحلية التي تنفذ مهام مثل إرشاد الزبائن إلى المنتجات الموجودة بالمتجر، أو حتى تشغيل الآلات، وإسناد هذه المهام إلى عمالة من الخارج. يقول مات بين — من كلية سلون للإدارة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الذي كان يدرس آثار تكنولوجيا الوجود عن بُعد: «بإمكان عامل واحد موجود عن بُعد أن يكون مسئولًا عن إدارة عشرة متاجر وثلاثين روبوتًا. وسأندهش بشدة إذا لم يصبح عشرة بالمائة من هذه الأعمال ينفذه العاملون عن بُعد خلال العشر سنوات القادمة. فمن وجهة نظر فنية واقتصادية يبدو هذا الأمر حتميًّا إلى حد بعيد.»

ماذا عن العواقب التي قد تلحق بمجال الطب الذي يسير بخطى ثابتة في مساره تجاه القيام بالعمليات الجراحية عن بُعد؟ قد تؤدي هذه التكنولوجيا إلى إثارة مشكلات قانونية وتنظيمية إذا ما أثارت — على سبيل المثال — موجة جديدة من السياحة الطبية. إذ يتساءل راي بوردي: «ماذا سيحدث إذا ما قدم طبيب أسنان في كوبا أسعارًا أقل لبعض العمليات للمواطنين في إنجلترا من خلال الجراحة عن بُعد؟ أين ستُقدم هذه الخدمة، ومَن الذي سينظمها؟» وإذا حدث خطأ ما خلال تنفيذ إحدى هذه العمليات، أو إذا أقدم طبيب غير مؤهل على سبيل المثال على ممارسة هذه المهنة عن بُعد، فنحن لا نعرف أي محكمة أو أي جهة طبية ستكون مسئولة عن التحقيق في هذه المسألة وتوقيع العقوبة.

بالطبع لا تمتلك أية دولة تشريعًا خاصًّا يغطي استخدام تقنية الوجود عن بُعد، ومعظم الجهات المعنية بتنفيذ القانون لن تكون مستعدة للتعامل مع الطريقة التي ستسمح بها لأي شخص أن ينقل الأفعال الجسدية عبر الحدود الدولية. ويتوقع راي بوردي ظهور المزيد من المشكلات القانونية عندما يتعلق الأمر بقضايا مثل المسئولية الجنائية: «فإذا ما لكمت شخصًا ما في دولة أخرى وأنا في إنجلترا، فهل تكون هذه الجنحة قد ارتُكبت في إنجلترا أم في تلك الدولة الأخرى، وأية دولة سيكون لقانونها أولوية التطبيق؟» أو ماذا إذا أوقع الشخص الذي يتحكم في الروبوت أحد الأشخاص على الأرض من غير قصد وتسبب في إصابته بأزمة قلبية مثلًا؟ هل يعد ذلك خطأ الشخص المتحكم في الروبوت أم خطأ المُصنِّع؟ وهل يمكن أن نلقي باللوم على حدوث مشكلة في الاتصال أو التشغيل؟ ويضيف بوردي: «لا أعتقد أن قوات الشرطة على استعداد لمواجهة مثل هذه الأمور.» وفيما يخص مكافحة الجريمة، فقد تمثل محاولات الدول للتوفيق بين قوانينها الخاصة وبين الجرائم الإلكترونية من خلال المعاهدات الدولية السابقة في هذا الشأن؛ فيقول بوردي: «سيتطلب الأمر قدرًا أكبر من التعاون عبر السلطات القضائية المختلفة.»

نأتي إلى قضية أخرى منتشرة بالفعل على شبكة الإنترنت، ألا وهي الخداع. على الرغم من أن شاشات الفيديو التي تعمل بتقنية الوقت الفعلي التي تُزود بها الروبوتات تسمح بالتأكد من هوية المستخدم، فلا تتمتع كل الأجهزة بهذه الخاصية، فأحيانًا لا يمكنك أن تعرف من المتحكم في الروبوت البديل. يتساءل راي بوردي قائلًا: «ماذا سيحدث إذا استطاع أحد الأشخاص أن يخترق هذه التكنولوجيا وأصبح هو المتحكم فيها؟ من سيعرف أن هذا قد حدث؟ وكيف يمكن أن تثبت أنك لم تكن أنت المتحكم في الروبوت؟»

لا شك أن التأكد من هوية الأشخاص هو جانب واحد فقط من بين عدة جوانب تتعلق بالتفاعل الاجتماعي التي يعتقد الباحثون أن هذه التكنولوجيا الجديدة قد تمثل تحديًا لها. مبدئيًّا، يميل معظم الأشخاص إلى معاملة الروبوتات بشكل مختلف إلى حد بعيد عن البشر، فهم يعاملونها غالبًا باحترام أقل. ولن يصبح التمييز سهلًا عندما يكون هناك إنسان يتحكم في ذلك الروبوت.

في واحدة من أولى الدراسات حول تأثير الوجود عن بُعد على القوى العاملة، اكتشفت مين كيونج لي، من جامعة كارنيجي ميلون في بيتسبرج في بنسلفانيا، وليلى تاكاياما، من شركة ويلو جراج، إحدى شركات تصنيع الروبوتات في مينلو بارك بكاليفورنيا، أن العلاقات بين العاملين المحليين وزملائهم الموجودين عن بُعد من خلال الروبوتات توطدت أكثر مما كانت عليه عندما كانوا يستخدمون المكالمات الهاتفية أو برنامج سكايب للاتصال. ولكن معايير الآداب الاجتماعية واجهت اختبارًا؛ فخلال هذه الدراسة استخدم، مثلًا، بعض الأشخاص الموجودين في أماكن العمل الروبوتات الخاصة بزملائهم كمسند للقدمين، بينما أعرب مستخدمو هذه الروبوتات عن شعورهم بالانزعاج عند اختراق الحيز الذي تشغله الأجسام التي يوجدون من خلالها عن بُعد (مجلة نيوساينتيست، ٢٦ مارس ٢٠١١، صفحة ٢٥). تشير هذه النتائج إلى أنه سيكون على الأشخاص إيجاد طرق للتفاعل عن بُعد تجعلهم يتجنبون الشعور بالانزعاج أو الإهانة.

يسعى مبتكرو تكنولوجيا الوجود عن بُعد في النهاية إلى نقل حواسنا بصورة كاملة إلى مكان بعيد عنا، وربما يثير ذلك تساؤلًا عن كيفية رؤية أنفسنا في الواقع؛ فعندما يكون بإمكاننا أن نسير ونتكلم ونعمل في أرض بعيدة ونبقى بأجسادنا في المنزل، فأين سنكون في هذه اللحظة من الزمن؟ في العالم الذي يحمل جسدنا، أم في ذلك الذي يحمل عقولنا؟

طرحت سؤالًا مماثلًا على ديفون: عندما يستخدم روبوت فيجو، هل يطغى عليه الشعور بأنه في المدرسة أم في المنزل؟ فأجابني بلهجة بسيطة مباشرة لطفل في السابعة من عمره: «بالطبع أكون في المدرسة»، ثم هرع بعدها لينظف أسنانه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.