الدب القطبي هو أكبر آكل لحوم على اليابسة، ففي المعتاد يزن ذكور الدببة نحو ٤٠٠ كيلوجرام، ويصل وزن القليل منهم إلى ٦٠٠ كيلوجرام. إلا أن ذلك كان حجمهم في الماضي. ففي ألاسكا — وربما في بقاع أخرى — لم تعد الدببة القطبية تبلغ الحجم الكبير الذي كانت تبلغه منذ عقدين من الزمان فحسب.

وفي المقابل، نجد أن الضفدع ذا البطن زعفراني اللون الذي يعيش في بورنيو صغير جدًّا — طوله ٢٠ ملِّيمترًا لا أكثر — إلى حد يصعب معه رؤيته على الرغم من لون ظهره الأزرق المعرَّق وبطنه ذي البقع الزاهية. وقد صارت رؤيته أصعب؛ لأنه بدوره آخذ في الانكماش. ففي جميع أنحاء مملكة الحيوان — من الأسماك إلى البرمائيات والزواحف والطيور والثدييات — ترد تقارير عن حدوث تغيرات في حجم الجسم، عادةً ما تتعلق بتضاؤل الحيوانات. ذلك أمر مهم؛ لأن حجم الجسم يؤثر على كل شيء، بدءًا من القدرة على الحصول على الطعام مرورًا بفرص الفرار من الحيوانات المفترسة وصولًا إلى إيجاد شريك للتزاوج. فلماذا إذن يتغير حجم حيوانات كثيرة؟ وهل سيستمر هذا الاتجاه؟

يظن كثير من علماء الأحياء أن إجابة هذا السؤال مرتبطةٌ بملاحظة أبداها عالم الحيوان كريستيان بيرجمان عام ١٨٤٧. فقد أشار إلى أنك إذا نظرت إلى أنواع الثدييات والطيور وثيقة الصلة، فستجد أن الأنواع الأصغر حجمًا تنزع إلى العيش في مناطق مناخية أكثر دفئًا. فاستنتج بيرجمان أن ذلك النسق مرتبط بمساحة سطح الجسم وحجمه. فنسبة مساحة سطح الجسم إلى حجمه أكبر لدى الحيوانات الأصغر، لذا فهي تفقد حرارتها بمعدل أسرع، وتكافح من أجل الحفاظ على درجة حرارة جسمها عندما تشتد البرودة. أما الحيوانات الأكبر حجمًا فتواجه المشكلة العكسية؛ فهي تكافح من أجل الاحتفاظ ببرودة جسمها عندما يكون الجو حارًّا.

رحلة آمنة

ليس المقصود ﺑ «قاعدة» بيرجمان — حسب المسمى الخاطئ الذي أُطلق على تلك النزعة — أن الحيوانات الكبيرة ذات الدم الحار لا تعيش في الأجواء الدافئة. فحتى الحيوانات الضخمة يمكنها أن تتطور بحيث تتكيف مع الحرارة، كما أثبتت الأفيال. إلا أن الأجساد الأصغر — مع مجموعة معينة من التكيفات مع الحرارة أو البرودة — أنسب للأجواء الدافئة. والنتيجة المترتبة على ذلك بديهية: كلما ارتفعت حرارة العالم، تضاءل حجم الحيوانات.

يبدو أن هذا بالضبط هو ما يحدث للخراف شبه البرية على جزيرة سواي الاسكتلندية، في أرخبيل سانت كيلدا، حيث يزيد عدد الخراف الأصغر حجمًا التي تظل على قيد الحياة مع انكسار برودة فصل الشتاء، مما أدى إلى انخفاض متوسط حجم الخراف (ساينس، المجلد ٣٢٥، صفحة ٤٦٤).

وكثير من الطيور تنكمش بدورها. على سبيل المثال: درست جانيت جاردنر — عالمة البيئة بجامعة موناش في ملبورن — وزملاؤها عينات من متحف لثمانية أنواع من طيور أسترالية جُمِعَت قبل عام ١٩٥٠ وبعده. فاكتشفوا انخفاضًا في حجم الجسم في أربعة أنواع. وتقول جاردنر: «حجم جسم الطائر الذي كان موجودًا في بريزبن عام ١٩٠٠ يتمتع به اليوم الطائر الموجود في البقاع المحيطة بسيدني.» وأضافت أن تلك الطيور لم ترتحل، وإنما صغُر حجمها استجابةً لارتفاع درجة الحرارة في بيئتها.

إن التغيرات الملحوظة في الحجم طفيفة، نحو نصف في المائة في حالة خراف جزيرة سواي على سبيل المثال. ولكن ليس في ذلك ما يثير الدهشة علمًا بأن حرارة العالم قد ارتفعت أقل من درجة واحدة حتى الآن، وأن الحياة البرية لم يتوفر لها متسع من الوقت للاستجابة لذلك التغير. فما الذي سيحدث بعد مرور فترة زمنية أطول؟

إن السبيل الوحيد للإجابة عن هذا السؤال هو الرجوع إلى الماضي. فأقرب الحالات شبهًا بارتفاع درجة حرارة العالم اليوم هي ظاهرة الحرارية القصوى في عصر الباليوسين/الأيوسين منذ نحو ٥٦ مليون سنة عندما ارتفعت حرارة العالم ٥ أو ١٠ درجات مئوية قبل أن تنخفض الحرارة مجددًا ببطء، وإن كان من المرجح أن يكون ذلك الارتفاع في درجات الحرارة قد حدث على مدى عشرات الآلاف من السنين، لا بضع مئات السنين.

وقد تضاءل حجم ثدييات كثيرة بالفعل أثناء تلك الظاهرة ثم نما فيما بعد، إلا أنه مع توفر حفنة من الحفريات لا أكثر للدراسة، لم يتضح ما إذا كان ذلك قد حدث استجابةً لتغير المناخ. إلا أنه في العام الماضي، وضع فريق سجلًّا أحفوريًّا أكثر تفصيلًا إلى حد بعيد لأنواع متعددة من الخيول — كانت بحجم القطط آنئذ — كانت تعيش فيما صار الآن حوض بيجهورن في وايومنج. فتبين من ذلك السجل أن حجم جسمها ارتبط فعليًّا بدرجة الحرارة؛ إذ انكمش بمعدل ٣٠ في المائة لدى ارتفاع درجة حرارة الجو، ثم نما بمعدل ٧٠ في المائة لدى انخفاضها (ساينس، المجلد ٣٣٥، صفحة ٩٥٩).

كانت تلك التغيرات هائلة. وفي حين أن العلاقات الارتباطية لا تثبت وجود علاقة سببية، فإن تغير درجة الحرارة هو التفسير الأرجح. ومن ثم صار واضحًا بالفعل أن تغير المناخ سيخلِّف أثرًا هائلًا على الحياة البرية؛ إذ سيغير الأماكن التي يمكن للنباتات والحيوانات أن تعيش فيها، وكذلك يغير أوقات نشاطهم. والآن يبدو أن الحيوانات التي ما زالت تعيش في مكانها ستتعرض لتغيرات كبيرة في حجم جسدها. والأدهى من ذلك، أن الفقريات ذات الدم الحار لن تتأثر وحدها.

الانكماش بالحرارة: أثناء ظاهرة الحرارية القصوى في عصر الباليوسين/الأيوسين، ارتفعت درجات الحرارة العالمية بمعدل وصل إلى ١٠ درجات مئوية. وتُظهر حفريات حصان قديم بحجم القطة — «سيفرهيبوس» — أن حجمه تضاءل إلى حد بعيد مع ارتفاع درجة حرارة العالم، ثم نما عندما انخفضت حرارته.
الانكماش بالحرارة: أثناء ظاهرة الحرارية القصوى في عصر الباليوسين/الأيوسين، ارتفعت درجات الحرارة العالمية بمعدل وصل إلى ١٠ درجات مئوية. وتُظهر حفريات حصان قديم بحجم القطة — «سيفرهيبوس» — أن حجمه تضاءل إلى حد بعيد مع ارتفاع درجة حرارة العالم، ثم نما عندما انخفضت حرارته.

وقد توصلت إحدى الدراسات التي أجريت — في وايومنج أيضًا — عن الآثار المتحجرة التي خلَّفتها اللافقاريات التي تعيش في التربة أنها انكمشت بدورها؛ إذ انخفض قطر الجحور بمعدل يتراوح متوسطه بين ٣٠ في المائة و٥٠ في المائة لدى ارتفاع درجة حرارة المناخ. ويقول جون سميث — جيولوجي بجامعة كانزاس: «لقد صدمني مدى الانخفاض الذي اكتشفناه. ومن الجائز تمامًا أن تستجيب الكائنات الحية التي تعيش في التربة لتغير المناخ في عصرنا الحديث بأسلوب مشابه.»

إلا أنه لا أحد يدَّعي أن الحيوانات كلها ستنكمش. فبالرغم مما تتمتع به «قاعدة» بيرجمان من بعض المصداقية، فإنه ثمة استثناءات عديدة. فكيفية تأثر الحيوانات بالمناخ أكثر تعقيدًا بكثير مما تصور بيرجمان. وتقول جنيفر شيريدان — عالمة البيئة بجامعة ألاباما في تسكالوسا: «ثمة أمثلة على كائنات تضاءل حجمها، وأخرى لم يتضاءل حجمها، بل إن بعضها آخذٌ في النمو.»

وقد تختلف الاستجابات لارتفاع درجات الحرارة على المدى القريب عن الاستجابات على المدى البعيد إلى حد بعيد. فلنتناول الدببة القطبية في ألاسكا على سبيل المثال، إن التفسير الأرجح لانخفاض حجم جسمها هو نقص الغذاء (إكولوجيكال آبليكاشنز، المجلد ٢٠، صفحة ٧٦٨). فالدببة تصطاد الفقمات وغيرها من الفرائس على جليد المحيط المتجمد الشمالي والمناطق المحيطة به، وقد ازدادت صعوبة الصيد بسبب معدل الفقد الكبير في جليد البحر.

إلا أنه بالنسبة إلى بعض الحيوانات، فقد زاد الطعام المتاح لها، وهو ما قد يفسر نمو بعض الأنواع أكثر من المعدل الطبيعي. وأغلب الظن أن تلك الآثار مؤقتة؛ فالأرجح أن يزيد تعداد الأنواع أو ينخفض حتى تستعيد أعدادها توازنها مع إمدادات الغذاء. فإذا تجنبت الدببة القطبية الانقراض، يمكن أن تستعيد أجسامها حجمها. إلا أن الحيوانات التي يتضاءل حجمها كنتيجة مباشرة لارتفاع درجات الحرارة، فمن المرجح أن تظل صغيرة طالما أن المناخ ما زال أكثر دفئًا من ذي قبل.

وتدور نقاشات كثيرة فيما بين علماء الأحياء حول ما إذا كانت التغيرات المُشاهدة حتى الآن ليست أكثر من نتيجة لتأثر تطور الحيوانات بالبيئة المتغيرة، أو إنها نتيجة الانتخاب الطبيعي، أي إنها جينية. ليس من اليسير معرفة إجابة ذلك السؤال، فقد تختلف الإجابة باختلاف الحيوانات. إلا أنه من الواضح أن التغيرات التطورية ستكون أكثر دوامًا.

إلا أن درجات الحرارة المرتفعة لا تلائم الحيوانات الأصغر حجمًا على الدوام. فمنذ فترة طويلة، تُسجَّل وفيات جماعية للطيور والوطاويط الصغيرة في درجات الحرارة شديدة الارتفاع، وزاد تواتر تلك الوفيات مع زيادة شيوع الارتفاع الشديد في الحرارة. يُعزَى ذلك — على ما يبدو — إلى أن الحيوانات الأصغر حجمًا ذات مساحة سطح الجسم الأكبر نسبيًّا لا تفقد حرارتها بمعدل أسرع فحسب، وإنما تفقد المياه بمعدل أسرع أيضًا. فعندما ترتفع درجات الحرارة بشدة ولا يتوفر الماء بسهولة، تُصاب الطيور الضئيلة بالجفاف خلال ساعتين لا أكثر، حتى وإن كانت مرتاحة في الظل (بيولوجي ليترز، المجلد ٦، صفحة ٢٥٣).

فمع أن الأجساد الأصغر أكثر تكيفًا مع درجات الحرارة المتوسطة المائلة للدفء، فإن الأجساد الأكبر أكثر تكيفًا مع درجات الحرارة شديدة الارتفاع عندما تندر المياه. لذا فقد يتأرجح ضغط الانتخاب الطبيعي من اتجاه لآخر حسب الطقس. فيتوقف زيادة طول قامة الأنواع أو تضاؤلها — أو عدم تغيرها على الإطلاق — على أي العوامل يسيطر على بيئته.

فبالنسبة إلى ذوات الدم البارد — بما في ذلك اللافقاريات — يمثل المناخ مرتفع الحرارة تحديات خاصة. بادئَ ذي بدء، تتسارع وتيرة النمو في الأجواء الحارة، ومن ثم تبلغ الحيوانات مرحلة النضوج أسرع. ولكن معدل النمو لا يستمر عادةً، أي إن معظم تلك الحيوانات تصير أصغر في نهاية المطاف.

وتعتمد سرعة معدل الأيض لدى الحيوانات ذات الدم البارد إلى حد بعيد على درجة الحرارة المحيطة أيضًا. قد تبدو تلك ميزة؛ إذ إنها تتيح لها مزيدًا من النشاط، إلا أنها قد تترتب عليها سلبيات كبيرة أيضًا. فتسارع معدل الأيض يتسبب في حرق قدر أكبر من الطاقة حتى في فترات الخمول لدى تلك الحيوانات؛ مما يستتبع زيادة حاجتها من الطعام.

وقد أجرت شيريدان وزملاؤها بعض الحسابات التقريبية للتبعات التي ستقع على البرمائيات والزواحف. وتنبأت بأنه إذا ارتفعت الحرارة ٦ درجات مئوية هذا القرن — حسبما تنبأ البعض — فستزيد حاجة الأنواع الضئيلة مثل الضفدع المزركش ضيق الفم في الهند — التي عادة ما تزن ٠٫٣ جرامًا فحسب — من الغذاء بمعدل ٧٥ في المائة، أو أن تأكل ٤٦٢ نملة بيضاء إضافية في السنة. وسيكون على سحلية تنين كومودو التي تزن ٩٠ كيلوجرامًا أن تجد ٢٢٤ دجاجة إضافية في السنة لكي تحتفظ بحجم جسمها.

وتقول شيريدان: «إذا كان بإمكان الكائنات أن تزيد استهلاكها من الموارد حتى يتناسب مع ارتفاع معدل الأيض لديها، فستتمكن من الحفاظ على معدلات نموها وستحتفظ بحجمها.» ولكن العثور على مزيد من الطعام قد يكون عسيرًا في الأجواء الحارة. فقد توصلت دراسة عن السحالي إلى أنها تضطر إلى قضاء وقت أطول في الظل حتى تتجنب فرط السخونة، مما يتيح لها وقتًا أقل للصيد والتجول بحثًا عن الطعام.

وقد لا يوجد طعام إضافي متاح لها. فإذا تنافس العدد ذاته من الحيوانات على القدر ذاته من الطعام، فلا بد من التنازل عن شيء. فتقول شيريدان: «لا بد لها أن تضحِّي بشيء، والأرجح أن يكون النمو أول شيء تتخلى عنه.»

وقد يُعزى إلى ذلك تضاؤل حجم بعض البرمائيات والزواحف بالفعل. فعلى سبيل المثال، توصلت دراسة أُجريت عن العلاجيم على مدى ٢٠ عامًا في دورست بالمملكة المتحدة إلى أن حجم جسمها آخذٌ في التضاؤل. وقد توصلت شيريدان في أبحاثها عن الضفادع في بورنيو إلى أن عدد الأنواع الآخذة في التضاؤل يفوق كثيرًا عدد الأنواع الآخذة في النمو.

قد تبدو تلك النتائج مثيرة للدهشة علمًا بأن الزواحف والبرمائيات العملاقة ازدهرت في عصور كثيرة كانت حرارة الكوكب فيها أشد من الآن. فالأرجح أن أشهر تلك الزواحف والبرمائيات العملاقة — ومنها الديناصورات والتيروصورات والزواحف البحرية — كانت من ذوات الدم الحار، إلا أن كثيرًا من الوحوش العملاقة ذات الدم البارد عاشت بدورها في الأجواء الحارة مثل: «البوا الهائلة»، وهي أفعى ضخمة يبلغ طولها ١٣ مترًا وتزن أكثر من طن.

فيقول جيسون هيد — عالم الإحاثة بجامعة نبراسكا لنكولن، وعضو الفريق الذي وصف البوا الهائلة: «عندما تكون من الزواحف الكبيرة الهائلة العملاقة، فستحتاج إلى بيئة أكثر دفئًا لمجرد الحفاظ على درجة حرارة جسمك. وليس لدي علم بوجود أي فترة زمنية في السجل الأحفوري تضاءل فيها حجم البرمائيات أو الزواحف استجابةً لارتفاع درجات الحرارة.»

وتقول شيريدان: «على المدى البعيد، ستتطور ظاهرة العملقة.» إلا أن العالم لم يسبق أن ارتفعت حرارته بالسرعة الحالية، وعلى المدى القريب يُرجح أن يتضاءل حجم الزواحف والبرمائيات، على حد قولها.

والأسماك بدورها ستنكمش. فسوف تتعرض لضربة مزدوجة؛ إذ إن ارتفاع درجات حرارة المياه سيسرِّع معدل الأيض لديها ومن ثم احتياجها للأكسجين، ولكن القدر المتاح منه سيأخذ في التناقص لأن قابلية الأكسجين للذوبان في المياه الدافئة أقل. فتصير العواقب الآتية حتمية. وعلى حد قول ويليام تشيونج من جامعة بريتش كولومبيا بكندا — الذي درس فريقه أثر ارتفاع درجات الحرارة على الحياة البحرية: «سينفد مخزون الأسماك من الأكسجين وهي أصغر حجمًا.» (نيتشر كلايمت تشينج، doi.org/kbn)

إما التكيف أو الانقراض

بالنسبة إلى الحيوانات التي تكافح من أجل التكيف مع المناخ الدافئ، يتمثل الحل البديهي في الانتقال إلى مكان أبرد. وهذا بالضبط ما تفعله أنواع عديدة في المحيطات. ولكن الهجرة قد تكون عسيرة أو مستحيلة. فقد تسد السبل عوائق طبيعية مثل الجبال أو البحار، أو أسوار أو طرق أو مدن أو أراض زراعية.

فبعض الحيوانات يكون عليه إما أن يتكيف مع عالم أكثر دفئًا أو أن يموت. وإنَّ التكيف بتغيير حجم جسمك قد يكون له مشاكله. يتمثل أحدها — على حد قول شيريدان — في أن الأفراد الأصغر حجمًا ينجبون ذرية أقل. وتضيف: «على أسوأ الفروض، يُحتمل أن يصير لديك نوع ينخفض تعداده جدًّا إلى حد أن يصير معرَّضًا للهجوم، أو الخطر أو حتى الانقراض.»

وثمة مشكلة أخرى تتمثل في أن الحيوانات الأصغر قد تجد صعوبة أكبر في اقتناص بعض فرائسها، وقد تصير كذلك أكثر عُرضة لهجوم الضواري. فتقول شيريدان: «إن كان كل شيء ينكمش بالمعدل ذاته، فسيكون لديك في الأساس نسخة مصغرة من العالم، وسيبدو كل شيء ألطف بعض الشيء لا أكثر.» إلا أنه مع تباين استجابة الأنواع المختلفة للتغيرات المناخية، فسيكون هناك رابحون وخاسرون، وهو ما سيتسبب في حد ذاته في تبعات بيئية لا يُستهان بها.

ويقول مارتن ويكلسكي — عالم البيئة بمعهد ماكس بلانك لدراسة الطيور في ألمانيا: «إن حجم الجسم — في رأيي على الأقل — هو أهم الخصائص لدى الحيوانات، وهو متصل بسائر ضروب الخصائص الأخرى.» ويترتب على تغييره آثار متسلسلة لا حصر لها.

وما تغيُّر حجم الجسم سوى واحد ضمن التحديات الكثيرة التي تواجهها الحياة البرية. فنحن لم نكتف بالتسبب في ارتفاع حرارة العالم بمعدل أسرع من أي وقت مضى منذ نشأة الحيوانات، بل إننا نجعل بقاءها على قيد الحياة بعد ذلك التغيير أمرًا بالغ الصعوبة. فباستغلالنا المفرط للحيوانات، وتدمير بيئتها الطبيعية ونشر الأمراض، دفعنا أنواعًا كثيرة بالفعل إلى الانقراض — لا سيما الأنواع الضخمة بطيئة التكاثر — وقضينا على قدر كبير من التباين الجيني لدى الأنواع الباقية. وذلك يخفض بشدة فرص تلك الأنواع في التطور بالسرعة الكافية لمواكبة التحديات التي تجري في عالمنا سريع التغير.

ويكاد يكون من المؤكد أننا بدورنا سنشعر بتبعات ذلك الأمر. فبالرغم من عدم إمكانية التنبؤ بآثار انخفاض الحجم في المحيطات — على حد قول تشونج — فقد تتمثل إحدى النتائج في حدوث انهيار في مخزون الأسماك. وإذا مرت أنظمة بيئية أخرى نعتمد عليها باضطراب مشابه، فستزداد خطورة أزمة الغذاء التي تلوح في الأفق. فربما يئول الأمر بالناس إلى الانكماش بدورهم — على غرار الدببة القطبية.

طُبع هذا المقال تحت عنوان «الانكماش أو السقوط في الهاوية».

عندما تتعقد الأمور، الكبار … «يتضاءلون»

ظن مارتن ويكلسكي أنه لا بد أن خطأ ما قد حدث بينما كان يقيس حجم سحلية الإجوانا البحرية في جزر جالاباجوس. فعقب ظاهرة «إل نينيو» عام ١٩٩٨، لم يندهش من اكتشافه سحالي تفقد وزنها. أما ما تعذَّر تصديقه فكان أن قاماتها صارت أقصر أيضًا.

لكن لم يكن ثمة خطأ في الأمر؛ فقد اتضح أن الإجوانا البالغة يمكنها أن تعكس مسار النمو الطبيعي بتقليص هيكلها العظمي. فيقول ويكلسكي — الذي يعمل حاليًّا بمعهد ماكس بلانك لدراسة الطيور في ألمانيا: «لا شك أن تلك الحالة هي أكثر الأمثلة الموثَّقة إثارة للاهتمام على الانكماش استجابةً لتغير المناخ.»

ومنذ ذلك الحين، اتضح أن بضعة أنواع أخرى يمكنها القيام بذلك أيضًا. فأصغر سلحفاة في العالم — على سبيل المثال — يمكنها أن تقلِّص درقتها في أوقات الجفاف، بحيث تخفض حجمها بنسبة تصل إلى ١٢ في المائة. وقد توصلت الدراسات التي أُجريت على أسماك السلمون المرقط البنية الصغيرة أيضًا إلى أن الأسماك يمكن أن يقصر طولها بنسبة ١٠ في المائة على مدار فصل الشتاء شديدة البرودة. ويقول ويكلسكي: إن المدى الذي قد يبلغه انتشار تلك الاستراتيجية غير واضح. ويضيف: «على الأرجح لا يزال الوقت مبكرًا للغاية لمعرفة أي أنواع من الشروط لا بد من استيفائها حتى يتطور الانكماش.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.