لطالما تعامل نظام التعليم الأمريكي مع الرياضيات باعتبارها مهارة إجراء العمليات المنطوية على حساب الأعداد، وقد استُخدم مصطلح «الاستدلال الكمي» لوصف تطبيق الرياضيات على مجالات دراسية أخرى، وقد عرقلت هذه الفكرة المغلوطة الخطيرة قدرة طلابنا على استيعاب التطورات المهمة في التفكير العلمي والفلسفي بشدة. وربما يكون من الأنسب اعتبار الرياضيات ضربًا من اللغات توصَّل إليه البشر للتحدث عن مفهومَي الأعداد والمساحة المجردَيْن. وهذه اللغة ينبغي أن تحظى بالتقدير؛ ليس فقط لجاذبية بنية الرياضيات اللغوية المعقدة، ولكن أيضًا لثراء الكتب والأدبيات المصاغة بها.

السبب المباشر وراء هذا الاهتمام بتعليم الرياضيات مؤخرًا هو الصعوبة التي يواجهها الطلاب عامةً وبوضوح في تعلُّم هذه المادة؛ ففي حين أعرب بعض التربويين عن اهتمامهم بتحسين أصول التدريس، أظهر الطلاب ميلًا إلى اختيار نهجٍ أكثر عملية كلما أتيحت لهم الفرصة، وهذا النهج يتمثل في تجنب دراسة المادة من الأساس. وكما هو متوقع، كان رد فعل النظام التعليمي محاولة دفع الطلاب إلى تعلم الرياضيات بأي حال. وقد مورس ضغطٌ على الطلاب لدراسة المادة بدرجات إصرار متباينة، في ظل هيمنة منهجيتين فكريتين متعارضتين على الجدل المثار حول قدر المعاناة التي ستلحق بالطلاب. وفقًا للمنهجية الأولى، لا بد من تطبيق حدٍّ أدنى لهذه المعاناة على الطلاب كافة. ونظرًا لأن الصعاب التي يمر بها الإنسان تبني شخصيته؛ فإن كل امرئ يستحق قدرًا عادلًا من المعاناة. أما أولئك الذين عقدوا عزمهم على تبنِّي توجُّهٍ أكثر رأفةً، على الناحية الأخرى، فكثيرًا ما يذهبون إلى أن جرعة المعاناة لا بد وأن تقتصر على الأمور التي لا شك في ضرورتها. وبموجب هذا المنطق، ينبغي ألا تكون مادة الرياضيات إجبارية إلا إذا كانت مذكورة كشرط أساسي لدراسة مواد ضرورية لأي سبب آخر.

في سياق هذه الحجج، تراجعت قضية الرياضيات نفسها إلى مكانة ثانوية. وفي ظل هذه الرؤية يكمن ذلك الافتراض الضمني بأن الرياضيات مادة بالغة الغموض، ورغم أن للرياضيات بعض التطبيقات العملية، فإن علاقاتها بمجالات العلوم الأخرى قليلة. وقد طُرحت جانبًا أي اعتبارات خاصة بالجاذبية الفكرية والشكلية للمادة باعتبارها غير ذات أهمية لأي شخص سوى علماء الرياضيات أنفسهم. وفي معظم المناهج الدراسية، لطالما انفصلت الرياضيات تمامًا عن كل المواد الدراسية الأخرى، حتى إن الطلاب يندر أن يصادفوا ما يشير إلى أن هذا الفصل أمر مغلوط. على سبيل المثال، كل العلوم الطبيعية تقريبًا تُدَرَّس وكأن الطلاب لا يعرفون سوى القليل عن الرياضيات، إن وُجد. وبالمثل، من المتوقع أن يتعلم الطلاب علم الأحياء دونما اعتماد على مفاهيم العلوم الطبيعية وشكلياتها. ويصر كثير من علماء الإحصاء الآن على أن مادتهم منفصلة تمامًا عن الرياضيات؛ ومن ثَمَّ لا تتطلب دراسة مادة الإحصاء أي إعداد في الرياضيات. ويرجح بعض المتخصصين في علوم الحاسب الآلي أنه ما دام المرء يستوعب الرياضيات الخاصة بأجهزتهم، فليس من الضروري استيعاب رياضيات الظواهر الطبيعية. وفيما يتعلق بالطلاب، لا يبدو لهم أن ثَمَّةَ أيَّ خطأ؛ فهم يرون أن العوامل التي تحدد ما إذا كانت المادة تُصنَّف على أنها صعبة أم سهلة، عامة أم متخصصة، هي تعقيد الواجبات المفروضة عليهم وحجم الكتاب الدراسي. ومع زيادة قيم هذه المعايير، تزداد الحاجة كذلك إلى «إتقان» أساليب رياضية محددة. وعبر المجموعة الكاملة من المواد الدراسية المقدمة، لا يتعرض الطلاب إلا لأكثر الأفكار إبهامًا عما نعنيه بكلمة «الدقة».

وبالتأمل الدقيق في طبيعة الرياضيات كنشاط فكري، يتبين لنا التضارب الواضح في هذا الموقف؛ فطلابنا لم يغفلوا عن تقدير جماليات الرياضيات فحسب، وإنما لم يستوعبوا بالمثل تلك الرؤى العميقة التي أتاحتها الرياضيات عن العالم الطبيعي. إن الرياضيات ليست مجرد فضول فكري أو مهارة مفيدة، وإنما هي جانب مهم من أكثر قدرات النوع البشري تميُّزًا.

لغة الرياضيات

كتعريف عام، يمكن تسمية الرياضيات بدراسة الأعداد والمساحة، وللحديث عن أشياء كهذه كان ينبغي أولًا لعلماء الرياضيات أن يضعوا مفردات وأبجدية مناسبة، ولكن من الواضح أن العناصر المحددة لدى علماء الرياضيات هي عناصر مجردة تمامًا، ولا يمكن — في واقع الأمر — رؤيتها بأي صورة إلا في مخيلة البشر. وعلى الرغم من أن كثيرًا من الطلاب ينزعجون — فيما يبدو — من هذه الحقيقة، فإن الرياضيات قابلة للاستيعاب لأنها مجردة على وجه التحديد. إننا لا نعتمد على المشاهدة لنعرف أن الخطوط مستقيمة استقامة تامة، وأن الخطوط المتوازية لا تتلاقى أبدًا. ومن الممكن أن نجزم بأشياء كهذه بكل ثقة لأن علم الرياضيات لم يُكتَشَف، وإنما اختُرِع. ويجب أن نضع نُصب أعيننا أيضًا أن الخيال والتجريد جزءان عموميان من التجربة الإنسانية، وليسا قاصرَيْن على النطاق الخاص بعلماء الرياضيات. إن فكرة الخط أو النقطة ليست أكثر تجريدًا من فكرة الولاء والحرية. والرياضيات تختلف عن اللغات الأخرى؛ ليس لأنها تنطوي على مفاهيم مجردة، وإنما بسبب انفصالها التام عن التعقيدات التي ينطوي عليها انغماسنا في الملاحظة المباشرة.

لو كانت الرياضيات لا تتكون إلا من كلمات ورموز جديدة، فقد يكون من الملائم اعتبارها امتدادًا للُّغات الموجودة. لكن السبب وراء كون الرياضيات لغة جديدة ومستقلة هو أنها تملك كذلك قواعدها وتراكيبها اللغوية الخاصة. ونظرًا لأن علماء الرياضيات قد وضعوا كلًّا من مفرداتها وقواعدها اللغوية؛ فإنهم يسعَوْن إلى اكتشاف الأشياء التي يمكن، أو لا يمكن، قولها عن الأعداد والمساحة. وفي عالم الخيال المثالي المنظم هذا، من الممكن تطبيق المنطق الصارم على أي مسائل تثار. وينبغي أن تحظى هندسة إقليدس بالتقدير للجماليات التي يمكن أن تسفر عنها هذه العملية؛ فنظام البديهيات والتعريفات والنظريات والبِنَى الذي حدده يشكِّل — بوضوح — المفردات والقواعد الخاصة بالحديث عن الموضوع الذي اختاره. ومن خلال تركيز تفكيره على المجردات الخيالية المحددة التي ولدها خياله، تمكَّن من إخراج وصف منطقي وكامل لا خلاف عليه. فإذا استوعب المرء اللغة، فإنه لن يعرف ما هو المثلث فحسب، وإنما سيعرف ما ينبغي أن يُقال عن المثلثات. إن مفردات اللغة وقواعدها غاية في الدقة؛ ومن ثَمَّ، فالاستنتاجات حتمية.

من اللغويات إلى الأدب

تسعى العلوم الطبيعية إلى تفسير سلوك الأشياء التي نراها في الطبيعة من حولنا، والملاحظة التجريبية هي الساحة الأكثر جاذبية لمثل هذه التفسيرات جميعًا. فما دور لغة الرياضيات المجردة المستقلة في العلوم التجريبية؟ الإجابة هي أن دور لغة الرياضيات لا يختلف عن أدوار اللغة في أشكال المعرفة الأخرى. فالعالِم يستخدم لغة الرياضيات لصياغة «استعارات» تمثل رؤًى متعمقة في سلوكيات الطبيعة. واستخدام الاستعارات أمر مألوف في العلوم كحاله في الشعر؛ فنحن نتحدث عن «موجات» الراديو، و«الجسيمات» دون الذرية، و«الأجرام» السماوية. وما يميز الاستعارة الرياضية هي القدرة الفائقة لهذه اللغة على كشف الغطاء عن مضامين الأفكار الأساسية. إن إطلاق لفظة كرة على كوكب الأرض قول بالغ التأثير؛ إذ إننا نعرف الكثير عما يمكننا أن نقوله عن الكرات. وحقيقة أن أغلب العلماء يفضلون تسمية هذه التراكيب اللغوية ﺑ «النماذج» أو «القوانين» لا تغير شيئًا من سَمْتها الجوهري؛ فسواءٌ أقلنا على العالم إنه كرة أم مسرح، فإن العبارتين استعاريتان.

فهم الصورة

من المتفق عليه — بوجه عام — أن الهدف من دراسة العلم هو فهم مبادئه الأساسية، لكن كيف يستطيع المرء فهم الاستعارة الرياضية؟ يُعتقد على نطاق واسع أن الخطوة الأولى هي إيجاد طريقة للتخلص من التفاصيل الرياضية حتى يمكن أن تصبح الصورة الجوهرية واضحة؛ إذنْ، لا ينبغي الاستعانة بالرياضيات إلا إذا واجه المرء مسألة محددة تستلزم إجابة عددية. يُولع عديد من التربويين باستخدام مصطلح «الاستدلال الكمي» كبديل عن كلمة «الرياضيات». إن فكرة إمكانية الإجابة عن المسائل الرياضية على نحو كيفي دون استخدام فعلي لأي عمليات حسابية لَهِيَ إحدى أخطر الأفكار المغلوطة عن طبيعة هذا الفرع من العلوم؛ فالرياضيات ليست وسيلة لوضع أرقام على الأشياء حتى يمكن الحصول على إجابات كمية عن الأسئلة العادية. إن الرياضيات لغة تسمح للمرء بالتفكير بشأن الأسئلة الاستثنائية؛ فقول إن الأرض كروية الشكل لا يعني سوى أنها بلا أطراف. وهذه الصورة اللارياضية ليست «كيفية» أو «لفظية» أو «حدْسية»، وإنما صورة بدائية وخاوية؛ فإذا أردنا صياغة استعارة ذات مغزًى عن شكل الأرض، ينبغي لنا استخدام لغة الأشكال، وهي الرياضيات. وفي رأي هؤلاء الذين لديهم استعداد لدراسة مضامين هذه الصورة، حتى الصورة الرياضية البسيطة للشكل الكروي هي صورة ثرية جدًّا حين تُستَخدَم كأداة استعارية. وفهم الصورة لا يعني كتابة الصيغة أو إجراء العمليات الحسابية، وإنما يعني فهم الاستعارة؛ فمن دون الرياضيات، لن يستطيع المرء حتى قراءة الكلمات.

القراءة النقدية

كثيرًا ما يكون الانطباع الذي يتكون لدى طلاب العلوم الطبيعية هو أن السهولة في حل المسائل الحسابية هو كل المطلوب لفهم الأفكار العلمية؛ فرغم كل شيء، يمكن اختزال مادة الفيزياء الكلاسيكية بأكملها في سبع معادلات مضغوطة بسيطة الشكل، مع قضاء معظم وقت استذكار هذه المادة في حل المسائل. مع ذلك، تتسم هذه الرؤية بالعيب الأساسي نفسه الذي يتسم به الاعتقاد في أن الرياضيات يمكن أن تحل محلها لغة أقل تجريدًا. وتمامًا مثلما لا يُغني استبعاد الحسابات الرقمية من البراهين عن الرياضيات، لا يمكن للمرء تطبيق الرياضيات على مسألة بمجرد تعيين أرقام ورموز لعناصرها؛ فالاستعارات ليست لها إجابات، لكن لها مضامين. وحين نكافح لإيجاد حلول للمسائل الرياضية، فإننا نستكشف المضامين المحددة لاستعارات وضعها كاتبٌ ما في ظروف مادية بعينها.

في الفيزياء، كما هو الحال في جميع فروع المعرفة الفكرية الأخرى، يولد الفهم من رحم التفكير النقدي، وليس من الاجتهاد وحده. على سبيل المثال، تُعد معادلات الديناميكا الكهربية مهمة ليس لمجرد أنها تنتج مسائل رياضية معقدة ومثيرة للاهتمام. وصورة ماكسويل لمجالات القوة المتدفقة والتي تتشعب وتدور وفقًا لعلاقات رياضية محددة؛ تُعد استعارة ثرية إلى حدٍّ مدهش. ولكي نستوعب هذا الأدب، يجب علينا ألا نقرأه فقط، بل وأن نفكر فيه مليًّا. وبإمعان التفكير في الأمثلة المختارة بذكاء، يمكنك أن تبدأ استكشاف تلك الأشياء المتعلقة بالمواقف الفيزيائية المختلفة والتي لها آثار مهمة على النتائج التي يرصدها المرء، وهنا تبدأ في فهم الاستعارة. ومثلما يقول بول ديراك: «إنني أفهم معنى معادلةٍ ما إذا وجدت سبيلًا لاكتشاف سمات حلها دون أن أحلها فعليًّا.» وهذا ما نعنيه بالبصيرة الفيزيائية؛ إنها حدْس قائم على التحليل النقدي لقضايا أساسية. وقد انبثق حدْس أينشتاين — الذي يُعد أحد الأفكار اللامعة بحقٍّ في التاريخ الإنساني ويذهب فيه إلى أن المغناطيسية هي في الأساس أثر نسبي للكهربية — انبثاقًا مباشرًا من تأمُّله في معادلات ماكسويل. وبناء حدْسٍ مثل هذا ربما يتطلب بذل جهد كبير؛ ففهم الكهربية والمغناطيسية أكثر صعوبة من فهم شكل الأرض، واستعارة ماكسويل معقدة لغويًّا وبِنيويًّا. من ناحية أخرى، من الممكن أن يقضيَ المرء عمره بأكمله في إيجاد حلولٍ لمسائل شديدة التعقيد والصعوبة في الديناميكا الكهربية دون أن يكتشف أبدًا احتمالية وجود إشعاع كهرومغناطيسي، رغم أن معادلات ماكسويل تلمح إلى وجوده بصورة مباشرة. فربما يتمتع البنَّاء في الواقع بقوة هائلة في عضلات ذراعيه، لكن هدفه هو بناء البيت. بالمثل، فهدف العالِم ليس البراعة الفنية وإنما نفاذ البصيرة.

تحليل الأدب الرياضي

في حين أنه من الأهمية بمكان أن نختار أمثلة مثيرة للاهتمام للتفكر فيها، فإن همَّنا الأساسي هو حل المسائل الحسابية في واقع الأمر. وفي تأكيدنا على أن الرياضيات علم مجرد مثالي يتناسب والمعالجات المنطقية الأنيقة، بالغنا في حجتنا في تفاصيل عديدة؛ أولًا: ليس لكل مسألة رياضية حل. في الواقع، الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يُدفَع بها النظام الرياضي لتقديم إجابات متسقة وموحدة هي أن تُترَك بعض الأسئلة دون إجابات. حتى إذا كنا نعرف بوجود حلول، فمن الحقيقي أحيانًا أنه يمكن ألا تكون هناك منهجية عامة لإيجاد هذه الحلول (أشهر الأمثلة على ذلك مشكلة تقسيم الزاوية إلى ثلاثة أقسام متساوية). ومثل هذه الصعوبات الفلسفية في وجهات النظر الوضعية تقل درجة صعوبتها بالمقارنة بالصعوبات العملية التي تنطوي عليها عملية إيجاد الحلول، حتى حينما نعرف بوجودها، وأننا سنتمكن من إيجادها. وغالبًا ما تؤدي مسائل حسابية بعينها — بغض النظر عن مدى براعة طرحها — بالمرء إلى أدغالٍ لا يمكن اختراقها، والتي يمكن أن يكون استخلاص الحلول منها بأي وسيلة أمرًا بالغ الصعوبة. وفي محاولة فهم العلوم، ينبغي للمرء ألا يدع هذه الأشكال من الصعوبات الرياضية تتمكن منه؛ فما يرغب العالم في معرفته هو ما إذا كانت الاستعارة الأصلية قادرة على أن توضح أي شيء عما يُتوقع حدوثه في موقف بعينه. وفي الغالب، يمكن أن يؤديَ أحد الحلول التقريبية البارعة إلى إخراجنا من ظلمات الغموض إلى نور البصيرة. وتعد مفاهيم خطوط المجال، والمقاومة، والسعة الكهربية، أمثلة على التقريبات البارعة لمعادلات ماكسويل، والتي تتيح لنا تصور وتحليل سلوك أنظمة فيزيائية معينة من خلال تجنب تعقيدات رياضية بحتة؛ من ثَمَّ، فإن استخدام هذه الأدوات الاستكشافية طريقة أخرى لتحقيق ذلك النوع من الفهم الذي يشير إليه ديراك، لكن يجب ألا نغفل عن الهدف من هذه العملية. إن الحل في حد ذاته أو الأسلوب المحدد المستخدم في إيجاده مهم فقط ما دام يقدم أفكارًا عن طبيعة الاستعارة. والمعادلات الأصلية، وليس كتالوج الحلول، هي المكان الذي يمكن العثور فيه على القانون الكامل، أو الاستعارة الكاملة. والهدف هو استيعاب الاستعارة، وليس تجميع كتالوج من الاستعارات فحسب.

طبيعة المعرفة

أخيرًا، ينبغي أن نأخذ في الاعتبار أن الاستعارات نفسها ربما تكون ذات فائدة محدودة؛ فقد تبين أن قوانين الحركة لنيوتن تحتاج إلى تصحيحات كي تتسق مع نظرية النسبية. أما مشكلات قوانين ماكسويل، فإنها أكثر جسامة؛ إذ إن هذه القوانين لا تتسق — في داخلها — مع بعضها في بعض النقاط. وحتى أكثر الاستعارات خيالًا لا يمكنها أن تُظهر كل جوانب الحقيقة للعين المجردة. وفي الأدب اللارياضي، اعتدنا على حقيقة أن المعاني تتشوه حين يتسع نطاق الأفكار أكثر من اللازم (على سبيل المثال، أبدى رسام الكاريكاتير جوني هارت منذ بضع سنوات ملاحظة ذهب فيها إلى أن مشكلة البوتقة هي أن قاعها يحترق، بينما يرتفع الخبث إلى السطح). عند شرح لغة الرياضيات في الأدبيات العلمية، من المرجح أننا نشعر بالارتباك بسبب الرؤية الأفلاطونية التي ترى أن العناصر الرياضية نفسها موجودة فعليًّا. وبصرف النظر عما إذا كان هذا التأكيد المتعلق بالرياضيات صحيحًا من الناحية الفلسفية أم لا، فإن استخدام هذه اللغة لا يَخلَع على أفكار المرء حول الطبيعة وجودًا مستقلًّا. ولا يزال استخدام العناصر الرياضية أداة استعارية، والاستعارات الرياضية لا تختلف عن أشكال الاستيعاب البشري الأخرى. وربما تمدنا هذه الاستعارات ببعض الأفكار الكاشفة شديدة الأهمية، لكنها ليست الغاية المنشودة ذات الحقيقة المطلقة. وهذا لا ينبغي أن يثير الدهشة؛ فنحن نعرف أن الأرض ليست كروية تمامًا، كما أن فكرة الغاية المنشودة هذه فكرة ابتداعية في الفلسفة الغربية، كالكأس المقدسة في العقيدة المسيحية. إن الطبيعة ليست مضطرة إلى أن تحد من تعقيداتها لتظل في نطاق الخيال البشري، على الرغم من أننا نتمنى عكس ذلك. واليأس ليس رد الفعل المناسب لهذا الكشف؛ فعجز الأفكار الكاشفة التي تقدمها أي فكرة عن شرح كل شيء آخر في الطبيعة لا يقلل من أهميتها. إضافةً إلى ما سبق، إن قدراتنا ليست ثابتة للأبد؛ فقد استمر علماء الرياضيات في اكتشاف مجالات جديدة في النطاق المجرد الذي أتَوْا به من فراغ، ولم يظنوا قطُّ أن هذه المهمة سوف تكتمل يومًا ما. وإذا كان كل الإدراك البشري قائمًا على الاستعارات، فإن توسيع نطاق اللغات التي نستخدمها لصياغة هذه الاستعارات يمكن أن يتعدى حدود خيالنا. لقد سردنا القليل جدًّا من التطورات المهمة في العلوم الطبيعية والتي لولا تطور الرياضيات ما أصبحت ممكنة. وفي تقرير أشمل، قد ينبغي علينا أن نسرد آثار الرياضيات في الفلسفة والعلوم الاجتماعية، إضافةً إلى الرؤى العميقة الحديثة التي تقدمها الرياضيات الجديدة بشأن الألغاز القديمة؛ لذلك، فإن الرياضيات تمثل فئة مهمة من الإنجاز الفكري وليست مجرد فئة محدودة. ومكانتها المتميزة والبارزة في عالم اللغات والأدبيات البشرية تجعلها عنصرًا تأسيسيًّا وجوهريًّا في التعليم.

كيف يصبح المرء مُلمًّا باللغة؟

بصفتنا تربويين، نسعى إلى جذب الطلاب إلى سبر أغوار الأدب، وفهم أفكار الآخرين، والتعبير عن آرائهم الشخصية. فإذا كانت نقطة انطلاق هذه العملية هي اللغة، فإن هدفها يجب أن يكون الإلمام باللغة، وهذا الهدف لا يمكن أن يتحقق إلا بالقراءة المتمعنة والتحليل النقدي. وبعدما رأينا أن كل أشكال اللغة تشترك معًا في نفس الأداة الأدبية الأساسية، يمكننا عقد مقارنات لا حصر لها بين معنى الإلمام بلغة الرياضيات وبين معناه في اللغات الأخرى. وقائمة التأكيدات التالية حول طبيعة الإلمام باللغة ليست في حاجة إلى شرح أو تفسير؛ ومع ذلك، عند تطبيق هذه القائمة على تعليم الرياضيات، فإنها تلمح إلى أن مناهجنا الحالية دون المستوى بفداحة، وتتطلب مراجعات شاملة.

يستطيع الأشخاص تعلُّم أكثر من لغة. غالبًا ما يُستخدم التأكيد على أن الرياضيات تتطلب موهبة فطرية خاصة جدًّا كعذر لعدم تعلم هذه المادة ومبرر لعدم محاولة تدريسها. ولا ينبغي أن يُسمح بمثل هذا التدني في التفكير في المجتمع التعليمي؛ إذ إن الرياضيات لا تختلف كثيرًا عن أشكال التعبير الأخرى عن القدرات الفكرية البشرية من أجل التواصل ووضع التصورات. وحقيقة أن المرء يمكن أن يتعلم قول أشياء باللغة الرياضية لا يمكن التعبير عنها باللغات الأخرى هي نقطة غير ذات صلة، تمامًا كاحتمالية استخدام مناطق مختلفة في المخ؛ فالرياضيات ليست حقلًا مقصورًا على الموهوبين أو المختلين، وإنما هي حقل لكل من يسعى إلى أن يتعلم بحق.

يجب أن يتعلم المرء القراءة قبل أن يدرس الأدب. تبدو هذه النقطة واضحة جدًّا حتى إنه من المثير للدهشة أنها تُنتهك على نحوٍ منتظم جدًّا، خاصةً في الهندسة والمناهج الدراسية العلمية؛ فالطلاب يتعرضون على نحوٍ روتيني — وإن كان غير متوقع — لفقراتٍ من الرياضيات الغامضة، والتفسير المصاحب لها — إن وُجد — يكون خاطفًا وسطحيًّا بطبيعة الحال. وعادةً لا يكون واضحًا ما إذا كان الهدف من الفقرات الرياضية المتخللة للمنهج تقديمَ ملاحظة هامشية، أم تقديم نقطة ذات أهمية محورية، أم إعادة سرد شيء من المفترض أن الطلاب يعرفونه بالفعل. وفي الغالب، تزداد مثل هذه القصص غموضًا بينما تتقدم أحداثها؛ فعند قراءة أيٍّ من ضروب الأدب، قد يجد المرء من حين لآخر ضرورة للرجوع إلى قاموس، وقد تكون الحواشي مفيدة جدًّا في توضيح النقاط المتعلقة بالقواعد النحوية أو استخدام الكلمات. لكن حين يُضطَر المرء إلى البحث عن كل كلمة في القاموس، وتبتلع الحواشي النص، تكون الفرصة أمام القارئ ضئيلة جدًّا لإدراك معنى أي جملة مكتملة. أما إذا أُعطي الطلاب الفرصة لدراسة قدر كافٍ من الرياضيات أولًا، فسيدهشك مدى براعة قدرتهم على إدراك الأفكار المحورية في فروع الدراسة الأخرى.

المفردات وحدها لا تكفي. إننا جميعًا نذكر اختبارات المفردات في المدرسة الابتدائية؛ إذ كنا ننظر الكلمة في القاموس، ونحفظ لتعريف، ونعرف كيف نتهجَّاها، ثم ننتقل إلى الكلمة التالية. وبالمثل، إننا نؤلف قوائم مشابهة لطلاب الرياضيات: تتكون من معادلات تربيعية ولوغاريتمات ومشتقات عكسية ودوال بيسل … إلخ. إضافةً إلى ذلك، نمنع طلابنا من استخدام القاموس للبحث عن تعريفات الرياضيات غير المألوفة التي قد يصادفونها في دراساتهم، ونُصِرُّ على أن يحفظوا القاموس بأكمله عن ظهر قلب. والإشكالية في هذه المنهجية هي أن معرفة التعريفات الأساسية لعدد كبير من الكلمات لا تضمن أن يستطيع الشخص قول شيء يمكن فهمه، بل يجب على الشخص المداومة على ممارسة التعبير عن أفكار كاملة باللغة. وفي الرياضيات، يعني هذا تكوين أمثلة تتناول عناصر وأحداثًا بعينها؛ أي تطبيقات. ولا يهم كثيرًا ما إذا كانت هذه العناصر مجردة أم يمكن رؤيتها رأي العين، تمامًا مثلما لا يهم ما إذا كانت الكلمات في شكل نثر أم شعر. ما يهم هو أن الكلمات يجب أن توضع في سياق إذا أردنا أن نثريَ عقولنا بفهم معانيها.

الطلاقة في لغة الرياضيات ليست ذات أهمية بالغة. إننا نمضي وقتًا طويلًا في إخبار طلابنا أشياء من قبيل: «هذه هي الطريقة التي تحلون بها مسألة من هذا النوع». فعلى سبيل المثال، للقسمة على كسر، يجب عليك أن تقلب الكسر ثم تضربه في العدد المطلوبة قسمته. وهذا يشبه تمامًا قولنا: «حين ترد على الهاتف، ارفع السماعة وقل «مرحبًا».» ربما تبدو هذه خطوة متقدمة عن قوائم المفردات، لكنها تمثل — في أغلب الأحيان — انتكاسة إلى الوراء في واقع الأمر؛ فأنت لا تحتاج حتى إلى معرفة معنى كل كلمة لكي تكون قادرًا على قول الإجابة الصحيحة؛ فبمجرد أن تتعلم الطريقة الصحيحة للقيام بالشيء، لن تُضطَر إلى التفكير فيها مرة أخرى. باختصار، هذا «تدريب» وليس «تعليمًا»، والموضوع المتعلق بما إذا كان ثَمَّةَ دور مناسب لأي شكل من أشكال التدريب في المناهج الدراسية الجامعية يُعد مثارًا لجدل طويل المدى، لكن في هذه الحالة، فإن المسألة لا تستحق النقاش؛ فلطالما درَّبنا طلابنا على أن يصبحوا شديدي البراعة في الإجابة عن أسئلة لن تُطرَح عليهم مرة أخرى؛ فخارج حجرة الدراسة، ليس من المرجح إطلاقًا أن يُطلَب منك «إيجاد قيمة س». إن الضرر الذي نوقعه على الطلاب بإصرارنا على هذا الشكل من تطوير المهارات المبتدئة يتجاوز مجرد إهدار وقت طلابنا. ونظرًا لأنهم لم يستوعبوا يومًا بحقٍّ معنى الإجابات التي تدربوا على تقديمها؛ فلن يكونوا قادرين أبدًا على الإجابة عن الأسئلة التي تواجههم. ولأنهم انتهوا إلى إدراك أن الرياضيات ما هي إلا مجموعة من المهارات المتخصصة، وليست طريقة تفكير وكلام؛ فإن طلابنا موجهون إلى استنتاج أن الرياضيات إما عديمة القيمة، أو أن النبوغ فيها درب من المستحيل. تخيل ما يمكن أن نفكر فيه إذا ما انتهَوْا إلى هذا الاستنتاج نفسه عن اللغة الإسبانية، على سبيل المثال. كانت ثَمَّةَ جملة في إحدى محادثات اللغة الإسبانية في المدرسة الثانوية تقول: «إنهم دائمًا ما يقدمون كرات اللحم في الكافيتيريا يوم الأربعاء.» حيث إنني لم أحظَ أبدًا بفرصة استخدام اللغة الإسبانية لإخبار شخص بهذه الجملة، فهل عليَّ أن أخلص إلى أن اللغة الإسبانية عديمة الفائدة فيما يتعلق بالتواصل مع أندادي من البشر، أم من المبالغة أن أتوقع أنني سأتمكن يومًا من تعلم الطريقة التي أقول بها أي شيء مفيد؟ إننا بتقديم التدريب عوضًا عن التعليم في الرياضيات، أخرجنا جمعًا غفيرًا من الطلاب يمتلكون معرفة واسعة بعلم الرياضيات، لكنها سطحية. وكسر هذه الحلقة يمثل أحد أهم التحديات التدريسية التي تواجهنا في تعليم الرياضيات.

الكتابة ليست كفن الخط. في حين أن فن الخط طالما اعتُبر مهارة بالغة القيمة، فإن معظمنا يرفض الآن مستندًا مكتوبًا بخط اليد، بغض النظر عن مدى وضوح الخط أو جماله، كما لا نقول على مخطوطة ما إنها «مكتوبة» بواسطة آلة لمجرد أنها مطبوعة آليًّا. وفي الرياضيات، يناقض توجُّهنا ذلك تمامًا؛ فنصر على استخدام اليد، ولا نسمح بأي شكل من أشكال الاستعانة بالآلة أو الأدوات الإلكترونية لأن ذلك يعادل الغش. وسواءٌ أكان الطلاب يدرسون في الجامعة حساب التفاضل والتكامل، أم يتعلمون في السنة الثالثة من التعليم الأساسي الضرب في الحساب، فإننا نصر على تركيز الطلاب على تنمية مهاراتهم في التعامل يدويًّا مع الرموز، وهو المطلوب للوصول إلى الناتج المرغوب. وقد آن لنا منذ وقت طويل أن نهجر هذا التوجه العتيق المغلوط؛ فنحن نهدر وقت طلابنا بتعليمهم كيفية الكتابة بالقلم الريشة في حين ينبغي لهم استخدام الآلة الكاتبة، فاستخدام التكنولوجيا الحديثة مفيد في العمليات الحسابية والمهام الأدبية على حدٍّ سواء. ويمكن أن يركز المرء اهتمامه على المحتوى المفاهيمي للمستند المكتوب، بدلًا من العمليات اليدوية اللازمة لإنتاج النص المكتوب نفسه؛ ولذا تُعد مهارات استخدام الآلة الكاتبة والآلة الحاسبة والحاسب الآلي مفيدة. فقيمة القدرة على جمع أعمدة ضخمة من الأعداد في رأسك أو تذكر تحويلات فورييه للدوال المعقدة أمر مشكوك فيه في أفضل الأحوال. وفي العالم الخارجي، ليس من اللائق إضاعة الوقت في أداء مثل هذه المهام يدويًّا.

ثَمَّةَ فارق بين التعقيد ورقي المستوى. لقد مر كلٌّ منا تقريبًا بتجربة مع المسائل الطويلة المملة التي تتضمن إحدى العمليات الحسابية البسيطة؛ فليس هناك أي صعوبة في تأليف مثل هذه المسائل على أي مستوًى من مستويات الرياضيات، وحين تبدو المسألة صعبة، من المهم أن نفرِّق بين ما إذا كان الحصول على الناتج يتطلب أفكارًا لامعة جديدة وشيئًا من المهارة، أم أنها لا تحتاج إلا إلى بذل جهد شاق؛ فالمسائل البسيطة ليست وحدها هي التي تستحق الحل، لكن من اللائق تقديم بعض المبررات لحل المسائل الصعبة كذلك.

قد تكون ثَمَّةَ مبالغة في دراسة القواعد النحوية. في حين أن الدراسة النظامية للقواعد اللغوية للرياضيات مهملة بوجه عام في مقررات مادة الرياضيات في مستويات التعليم الدنيا، فإنها غالبًا ما تهيمن على كل شيء آخر في المقررات المتقدمة. فبالقياس إلى شخص يدرس الرياضيات من أجل قراءة بعض المواد متقدمة المستوى، ليس بالضرورة دائمًا أن يدرك كل دقائق البراهين الرياضية لكي يقدر فائدة استنتاجاتها. ولكن تبيَّن أن بعضًا من هذه المسائل — مثل إثبات وجود المشتق — من الصعوبة بمكان؛ فيكفي أحيانًا أن تفهم أنواع الأشياء التي يقلق علماء الرياضيات بشأنها، لكن مع ترك القلق نفسه لهم.

من الممكن أن تكون جاهلًا رغم الطلاقة في اللغة. إن القدرة على قراءة اللغة الإنجليزية لا تلمح إلى امتلاك أي معرفة بمسرحيات شكسبير، وكذا لا يمكن فهم أفكار كاتب المسرحيات بمجرد سماع كلماته. كما أن كون العمل المكتوب سليمًا من الناحية اللغوية، ويوظف عددًا كبيرًا من المفردات، ليس مؤشرًا على أنه يحتوي على أي أفكار قيِّمة. وبالمثل، لا تشير القدرة على حل المسائل الرياضية بالضرورة إلى أي فهم أساسي لأدب الرياضيات أو طبيعة اللغة؛ فينبغي اختيار مسائل الرياضيات دائمًا بالطريقة التي تمد الطلاب ببصيرة أكثر نفاذًا إلى المفاهيم العظيمة، وليس بمجرد التعاطي مع الأرقام. فالتعليم لا يعني مجرد تعلم القراءة والكتابة؛ إذ إن ما يتعلق بما ينبغي أن يُقرأ ويُكتب عنه محوري لأي تعريف عملي للإلمام باللغة.

يجب دراسة الأدب من المصادر الأصلية. إن تطبيق هذا المبدأ على العلوم والرياضيات كثيرًا ما يُساء فهمه؛ فإننا لا نشير هنا إلى أن الطريقة الوحيدة الملائمة لتعلم فيزياء نيوتن هي دراسة كتابه «المبادئ»، فالأفكار والبراهين المقدمة بلغة الرياضيات يمكن أن يُعاد تقديمها بدقة بالغة. وحين تُعاد صياغة ذلك الجزء الخاص بالشرح أو حتى يُلخَّص، لن يحدث فقدان في المعنى إلا قليلًا، ما دامت الرياضيات محفوظة. على الجانب الآخر، إن استبدال صور لارياضية أو قوائم تنطوي على أمثلة بعينها بالرياضيات يسفر حتمًا عن خلل في الإدراك؛ إذ إن من الضروري تقديم الصيغة الأساسية — المعادلات — التي تفسر الاستعارة التي يستخدمها المؤلف. وهذا حقيقي، حتى إذا كان تمكُّن الطالب من اللغة محدودًا، ولا يستطيع إدراك سوى بعض المعاني الضمنية الأبسط في الاستعارة؛ فبرؤية الفكرة الأساسية في جملتها، سيستوعب الطلاب الأساس الذي يقوم عليه أي كم لديهم الاستعداد لتعلُّمه، إضافةً إلى أن بإمكانهم التعاطي مع المادة مرة أخرى في المستقبل دون أن يكون عليهم طرح أي أفكار تعلموها سابقًا جانبًا.

إنجازات الماضي لا يمكن أن تُنسى. لقد اعتدنا على اعتبار العلوم القديمة هراءً ساذجًا جدًّا، مثل: السماء المقببة، والأرض المسطحة، وانطلاق الذباب تلقائيًّا من اللحم الميت، وما إلى ذلك. وفي العلوم الإنسانية، يبدو هذا التوجه أحمق؛ فأعمال شكسبير لم تُلقِ بأعمال سوفوكليس في سلة القمامة. ونظرًا لأن الرياضيات تُصنف بصفة عامة، وعلى نحوٍ خاطئٍ تمامًا، في إطار العلم وليس الفلسفة؛ يميل معظم الناس — بما فيهم طلابنا — إلى الاعتقاد في أن الرياضيات التي تُدَرَّس في يومنا هذا تعبر عن تطورات حديثة. وفي الواقع، يتعرض معظم الطلاب الجامعيين لقليل من الأفكار الرياضية التي ترجع إلى القرن الخامس عشر. فإنجازات أوائل علماء الإغريق والهنود والمسلمين ليست ذات أهمية تاريخية فحسب؛ إذ إن التطورات اللاحقة لها لم تنبذها لقِدمها، وإنما شكَّلت هذه الإنجازات الأساس الذي استندت إليه هذه التطورات اللاحقة. وما يدعو للإحباط في حالة التعليم الحالية هو أن قليلًا من الطلاب هم من يملكون تصورًا غامضًا عن التقدم الذي أُحرِز في الرياضيات خلال الخمسمائة عام الماضية.

لا يوجد بديل عن تعلُّم القراءة. كان سبب اختراع الرياضيات في المقام الأول عدم قدرة اللغة القائمة آنذاك على تناول هذا الموضوع. على سبيل المثال، وجد نيوتن أن من الضرورة بمكانٍ اختراع حساب التفاضل والتكامل لكي يطور أفكاره ويعبر عنها. ومحاولة فهم أعمال نيوتن دون معرفة حساب التفاضل والتكامل ليست كمحاولة فهم أعمال سوفوكليس دون معرفة اللغة اليونانية، وإنما هي أشبه بمحاولة فهم أعمال سوفوكليس دون معرفة أي كلمات على الإطلاق. ويمكن أن يتمكن شخص من إعادة تقديم مسرحية «أنتيجون» في مجموعة من الصور، فإذا تم ذلك بمهارة، فإن النقاط الرئيسية لأحداث القصة يمكن أن تُوضَّح؛ لكن المسرحية ليست مجرد قصة عن بعض الأشخاص الذين يموتون في النهاية في ظل ظروف مأساوية. إن ادِّعاء القدرة على فهم أعمال نيوتن دون استخدام رياضياته قد يكون دربًا من الأوهام بالمثل. وفي أفضل الأحوال، قد يأمل المرء أن يتلقى تدريبًا في حل أنواع معينة من المشكلات، كتلك التي تتضمن إلقاء الأشياء في الهواء أو دفعها من فوق أسطح منبسطة منحدرة. ومع قليل من الاستثناءات، سيُثبت مثل هذا التدريب عدم نفعه على المدى الطويل؛ فبغض النظر عن مدى أهمية الصور المرئية للتواصل بين البشر، فإنها لا تشكل ضربًا من اللغة. ووضع كتاب مصور ليس نوعًا من الترجمة؛ فلا يمكن لأي عدد من الصور أن يضاهيَ قوة الكلمة المكتوبة والمنطوقة، على الرغم من القول المأثور الذي يقول بالعكس. على الجانب الآخر، تُعد الرياضيات ضربًا من اللغة. وإذا رغبنا بحق في فهم الأشياء التي قيلت بهذه اللغة، يجب علينا في النهاية أن نقرأ بعض الكتب التي تحوي لغة الرياضيات.

للأمية عواقب مؤسفة. عند الإقبال على الكتب المصورة، يختار المرء الأمية، ويعزل نفسه عن بعضٍ من أهم الأفكار في تاريخ الحضارة الغربية، وهذا قرار لا ينبغي لأي شخص يرغب في التعليم بحق أن يتخذه بسهولة. ولكن لا تكاد حقيقة أن الأمريكيين يبدون غير واعين بعواقب مثل هذا القرار تثير الدهشة؛ إذ إنهم لا يتخذونه لأنفسهم. فإذا كنا نجد العزاء عن جهلنا في القول بأننا نعرف أن الأرض كروية، فهذا ليس لشيء إلا لأنه لم يخبرنا أحد بأن الأشخاص المتعلمين في العالم عرفوا هذه الحقيقة لمدة ١٨٠٠ عام على الأقل قبل بداية رحلة كولومبوس. وليس من المرجح أن الأمريكيين يعتقدون أن الأرض مسطحة، لكن معظمهم يصدق أن اللاعب مايكل جوردان بإمكانه أن يتعلق في الهواء، بل وأن يغيِّر اتجاهه في أثناء ذلك. فالجهلاء فقط هم من يمكنهم الاقتناع بذلك، أما المتعلمون فقد عرفوا خطأه على مدار ثلاثة قرون. إن نظامنا التعليمي لم يقدم أي شيء سوى كتب مصورة؛ ونتيجةً لذلك بات مجتمعنا أميًّا وعرضة للتلاعب به. ولقد أخبرْنا العامةَ أن عليهم ترك الأشياء الفنية للخبراء، وأنهم ليسوا أذكياء بالدرجة الكافية للفهم بأي حال. وها هم قد اقتنعوا بأنهم أغبياء، لكنهم ليسوا أغبياء، هم فقط مخدوعون.

الإلمام باللغة هو الهدف من التعليم. إن دراسة الرياضيات لا تسمح فقط للمرء بقراءة وفهم أعمال الآخرين، وإنما تزيد أيضًا من قدراته على التفكير والتخيل والتعبير. وحقيقة أن كثيرين يعتبرون مادة الرياضيات مخيفة ومملة أو حتى بغيضة؛ تمثل فشلًا محبطًا في جهودنا التعليمية. إن الإلمام بلغة الرياضيات ليس مجرد مسألة تتعلق بكم سندرِّس ولمن، بل يتطلب تحسين وضعنا الحالي إجراء إصلاح حقيقي لمجموعة المناهج الدراسية كلها. ولن يكفيَ أقسام الرياضيات لدينا تدريس كيفية القراءة لطلابنا؛ إذ لا بد أن يحرص بقيتنا جميعًا على أن يقرءوا، وأن ما يقرءونه قيِّم ومهم، وأنهم قادرون على استيعاب ما يقرءونه. إن الإلمام باللغة يحتاج إلى تعليم حقيقي، ذلك النوع من التعليم الذي يصلح لكل زمان، ويهيئ المرء ليداوم على التعلُّم ما دام حيًّا. ومثلما لا يوجد جانب من التجربة الإنسانية لا يستحق الدراسة الجادة، لا يوجد طالب غير جدير بتعليم حقيقي. إن مشكلتنا ليست فشل التعليم في مواكبة المعرفة سريعة التغير، وإنما مشكلتنا أننا قد أخطأنا هدف أي تعليم حقيقي؛ ألا وهو الإلمام باللغة. وتلك هي المرة الأولى التي تلخص فيها عبارة رنانة واحدة الجوهر الحقيقي لمشكلة قومية.

المراجع

  1. Adler, M. J. and C. Van Doren. 1972. How to Read a Book. Simon and Schuster. New York.
  2. Feynman, R. P., R. B. Leighton, and M. Sands. 1964. The Feynman Lectures on Physics. Addison-Wesley Publishing Co. Reading, Massachusetts.
  3. Whorf, B. L. 1956. Language, Thought, and Reality. Technology Press and John Wiley & Sons, Inc. New York.
في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    طلال عطا المنان البشير ·١٢ مايو ٢٠١٤، ٧:٣٥ ص

    كلام في غاية الروعه