يثار الجدل من حين لآخر حول من عساه يكون الأعظم بين ملوك إنجلترا. يرى البعض أن ألفريد العظيم هو الأجدر بهذا اللقب، مع أنه لم يحكم إنجلترا كلها وإنما ويسكس فحسب، والبعض الآخر يؤثر ويليام الفاتح. ومن بين المرشحين الذين يرد اسمهم باستمرار لنيل هذا اللقب الملك هنري الثامن وابنته إليزابيث الأولى. وكما يعي أي مفسر جاد، يشبه الأمر لعبة من ألعاب الحفلات؛ قليل من التسلية غير الضارة التي قد تكون ذات نفع إذا أثارت بعض الاهتمام بجانب من جوانب الماضي. لكن على غرار قوائم «أفضل ألبوم غنائي على مر العصور»، يتمخض عن الاهتمام النقدي المتكرر ظهور نفس المرشحين القلائل مرارًا وتكرارًا، ويُختبرون على أساس أدنى قاسم مشترك من المعرفة التاريخية العامة، وهو ما يجعل قائمة أفضل المرشحين المتكررة على نحو مضجر تُنبئ بالكثير عن المُثل الفيكتورية والافتراضات التاريخية القائمة أكثر مما تُنبئ عن التأثير الفعلي للأفراد. ينزع الناس إلى اختيار قصصهم الملكية المفضلة، ولا يأبهون بالإنجازات الفعلية لهؤلاء الملوك.

ثمة شيء لا يختلف عليه اثنان: كي يكون الملك أهلًا لنيل هذا اللقب، لا بد أن يكون قد حكم قبل «إعادة تأسيس المَلَكية» عام ١٦٦٠ (إذ انتقلت بعدها أغلب مسئوليات إدارة شئون الدولة إلى البرلمان) لكن يندر أن يتحرر الناس من أثر التحولات الأيديولوجية التي حدثت بعد عام ١٦٦٠ عند تقييم إنجازات الملوك والملكات قبل هذا التاريخ. لو طرحت هذا السؤال قبل القرن السابع عشر، أغلب الظن ما كنت ستسمع سوى اسمي ملكين فحسب يستحقان لقب «أعظم ملوك إنجلترا»: إدوارد الثالث وهنري الخامس، ويُعزى ترشيح الملك هنري الخامس لهذا اللقب في الأساس إلى محاولته المستميتة لتقليد الملك إدوارد.

وُلد إدوارد الثالث يوم الاثنين الموافق الثالث عشر من نوفمبر عام ١۳١٢ بقلعة ويندسور. وقت مولده كانت المملكة على شفا الدخول في حرب أهلية نتيجة لاغتيال إيرل بيرس جافستون الأول، المقرب من الملك إدوارد الثاني والد إدوارد الثالث. تفاقمت الظروف الصعبة التي وُلد فيها إدوارد الثالث باندلاع حرب أهلية فيما بعد ووجد إدوارد الشاب نفسه مدفوعًا إلى صراع على السلطة بين والده وهيو ديسبنسر المقرب منه من ناحية، ووالدته الملكة إيزابيلا وعشيقها الماكر سير روجر مورتيمر من ناحية أخرى. ولم ينته الموقف الصعب حتى مع تنازل إدوارد الثاني عن العرش وتتويج إدوارد الشاب في يناير عام ١۳٢٧؛ إذ صار ملكًا بالاسم فقط على مدار السنوات الأربع التالية، وكان مورتيمر هو المهيمن الفعلي على حكومة المملكة بالاشتراك مع الملكة. وفي عام ١۳۳٠، كان إدوارد يحيا في فزع من مورتيمر؛ «التابع» الجبار.

كانت الأمور جميعها معقدة أمامه. ربما ولد إدوارد الثالث عظيمًا، لكن العظمة حُجبت عنه. فشرع في تغيير هذا الوضع بطريقة بارعة، وساعد في مؤامرة حاكها صديقه سير ويليام مونتاجو لسجن مورتيمر في أكتوبر عام ١۳۳٠، لكن حتى بعد التغلب على ألد خصومه، واجه معارضة من اسكتلندا وفرنسا. وقد وُلدت عظمة إدوارد عندما نجح في قلب الأزمة الدبلوماسية لمصلحته.

لا شك أنه نعم بحظ وافر. وقد امتلك الصفات القيادية الضرورية في اللحظة التي كانت الفروسية الإنجليزية في أمس الحاجة إليها. غلب على رؤيته لمهمة الملك طابع المدرسة القديمة القائم على القصص البطولية للملك آرثر والعظماء الذين يحققون الإنجازات العظيمة بسيوفهم، وجسارتهم، وإيمانهم الكامل بالله. لكن ما بدل قدره وقدر مملكته هو النقيض تمامًا لهذه الرؤية الفروسية النبيلة؛ قوة الشعب. ففي أغسطس عام ١۳۳٢ استعدت قوة صغيرة من الفرسان الإنجليز ورماة السهام في سهول دوبلين باسكتلندا لمحاربة جيش من الاسكتلنديين يفوقهم عددًا بكثير. وُضع رماة السهام على الأجناب على استعداد للإطاحة بطليعة الجيش المتقدمة نحوهم، وكان هذا الإجراء الاستراتيجي هو مصدر الإبداع الذي ألهم ملك إنجلترا الصغير بعدها بأسبوع، عندما سمع بما حدث. أردى رماة السهام الصفوف الأمامية قتلى في أماكنهم فأعاقت الجثث تقدم القوات التي وراءها. وهكذا طوقت القوة الإنجليزية الصغيرة المتخصصة في رماية السهام الطويلة الجيش الاسكتلندي بحيث عجز عن الفرار.

لا يسعنا أن نوفي هذه المعركة حقها من الأهمية. كان النصر المحرز ضئيلًا (فقد وقعت المعركة بالمصادفة دون موافقة رسمية من الملك)، غير أنها أوضحت أنه يمكن استخدام المقذوفات في الحرب لتحقيق نفع كبير وذلك حين يلتقي عدد قليل نسبيًّا من رماة السهام مع جيش أكبر من الجنود. باتت طرق القتال التي صمدت أمام اختبار الزمن مهددة، وكذلك الأعراف الاجتماعية أيضًا. فيما مضى كان يستحيل تمامًا أن يواجه جيش صغير جيشًا كبيرًا في الظروف العادية، إلا إذا كان الجيش الكبير غير مسلح، أو واهن العزيمة، أو محاصرًا. لكن الآن صار بمقدور جيش صغير من رماة السهام أن يدمر جيشًا أكبر منه من الفرسان.

وهنا لعب الحظ دوره مرة ثانية مع إدوارد. أدت التوترات والاضطرابات الاجتماعية الناجمة عن فترتي الحكم السابقتين إلى أن المجتمعات في شمال ووسط إنجلترا تعلمت تقدير قوة رماة السهام. ونظروا بعين الاحترام إلى رماة القوس الحقيقيين مثلما بجلوا رامي القوس روبين هوود ورجاله. ولهذا عندما قرر إدوارد أن يطبق تجربته العسكرية على نطاق واسع ضد الاسكتلنديين في يوليو ١۳۳۳، استطاع أن يجمع بسهولة ألوفًا من رماة السهام من المقاطعات الشمالية. أثبتت القوة الجماعية لسهام هؤلاء الرماة فعاليتها الحاسمة عند قمة هاليدون هيل بالقرب من ضاحية برويك. لم تتضمن ثقافة الاسكتلنديين رمي السهام، ولم يكن لديهم العدد الكافي من رماة السهام لهزيمة الإنجليز. بل كان الفرنسيون أقل استعدادًا لدرء هجمات رماة السهام الطويلة، إذ كانوا ينظرون نظرة متدنية إلى جنود المشاة المسلحين بمثل هذا السلاح البسيط، ومن ثم لم يكن لديهم سوى عدد قليل جدًّا من الرجال المدربين كما ينبغي. وأدرك إدوارد أنه حصل على خطة للانتصار لم يكن أعداؤه قادرين على مضاهاتها.

وهكذا تحولت محن إدوارد الدبلوماسية إلى فرص مواتية. استطاع أن يفرض طموحه العسكري على جيرانه، وفي الوقت نفسه دعم ثقافة الفروسية النبيلة التي ورثها عن جده. انتصر الإنجليز في معركة تلو الأخرى. وانتصر إدوارد في معارك بحرية على غرار معركة سلوس (١۳٤٠)، ومعركة وينتشيلسي (١۳٥٠). ووقع ديفيد الثاني، ملك اسكتلندا، أسيرًا للإنجليز في معركة نيفلز كروس عام ١۳٤٦. وفي نفس العام سحق إدوارد قوات الجيش الفرنسي في معركة كريسي. وفي العام التالي استولى على ميناء كاليه المهم بعد حصار دام أحد عشر شهرًا، وفي عام ١۳٥٦ وقع ملك فرنسا أسيرًا في يد جيش يقوده ابن إدوارد الثالث، وذلك في معركة بواتييه.

كل هذا يمكن توقعه من ملك عظيم، لكن إدوارد ما كان ليلقى كل هذا الثناء لو اقتصرت رؤيته فحسب على ميدان المعركة. لم يكن التفوق العسكري سوى جانب واحد لا بد أن يتسم به ملوك العصور الوسطى العظماء. فمن المتوقع منه أيضًا أن يحكم شعبه بنزاهة ويحافظ على العلاقات بين أقطاب القوة، وهي مهمة لم تكن يسيرة لأن هؤلاء الأقطاب كانوا يغضبون حين لا تسير ممارسات المحاباة على النحو الذي يأملونه. وباستثناء مواقف قليلة، نجح إدوارد في الإمساك بنجاح بزمام هذين المجالين الشائكين طيلة خمسين عامًا حكم خلالها. فيما يتعلق بالمجال العسكري، تعاون مع البرلمان ليقدم الحماية ضد الاستبداد الملكي مثلًا، وذلك بأن عرف الخيانة (وهو القانون الذي لا يزال معمولًا به في كتب القوانين الأساسية حتى يومنا هذا) واقترح برنامجًا تشريعيًّا يضاهي ذلك الذي وضعه جده إدوارد الأول. وبإبقائه إنجلترا في حالة حرب مستمرة مع فرنسا واسكتلندا، وجه طاقات المملكة نحو الصراعات الخارجية، ومن ثم تمكن من حفظ السلام في الداخل، بالإضافة إلى توسع مكافئ في التعمير والتجارة. ومن قبيل المفارقة أنه ببدء حرب المائة عام — التي يلوم الفيكتوريون إدوارد بسببها بشدة — نجح في إرساء واحدة من أطول فترات السلام الداخلي في إنجلترا في العصور الوسطى.

الشروط الأخيرة التي يجب أن يتسم بها الملك لكي يكون عظيمًا هي أصعبها تحقيقًا: ألا وهي أن يقدم إلى الشعب ما لا يمكن أن يتوقعه؛ أن يوفر لهم مكافآت لم يجرءوا على أن يحلموا بها عند بداية الحكم. ومرة أخرى حالف الحظ إدوارد. تكلفت الحروب التي خاضها تكاليف باهظة؛ فكانت سريات رماة السهام بحاجة إلى قدر لا بأس به من التمويل، وبالمثل احتاجت القوات البحرية إلى أموال كثيرة. لكن مع نشأة الحاجة إلى فرض الضرائب على الشعب للإنفاق على حروبه، تجلت كياسته. كان إدوارد دمث الخلق وقادرًا على استيعاب سياسات الحلول الوسط. وحينما وجد البرلمان نفسه مُثقلًا بمطالب فرض ضرائب جديدة، قرر أن تكون له مطالبه بالمقابل. توصل إدوارد والبرلمان إلى طريقة جديدة يعمل من خلالها الملك والشعب معًا لخير المملكة. أما أولئك الذين لم يكونوا أثرياء بالدرجة الكافية بحيث يمكن تمثيلهم في البرلمان، فكان هناك تمكين من نوع آخر. مثّل انتفاع إدوارد من رماة الأسهم نوعًا من التفضيل، وهكذا نال الخادم أو المزارع البسيط الذي يستطيع أن يرمي السهام المزيد من الاحترام. فيما سبق كان أفراد سلاح الفرسان وحدهم هم الذين يوصفون ﺑ «المحاربين»، لكن حماية إدوارد للمملكة وتشريعه الذي عزز شأن سلاح رماية السهام رفع جميع الرجال الإنجليز أقوياء البنية إلى هذه المنزلة. ساوى نشر الملك لسلاح الرماية ودعمه لاستخدام المدافع بين الطبقات الاجتماعية من حيث منزلتها العسكرية.

أمّن إدوارد السلام الداخلي والمجد الخارجي، واعتُبر قاضيًا عادلًا وقائدًا مغوارًا؛ أسدًا في نظر أعدائه وحملًا في عين شعبه. سهل إدوارد حدوث تغيير اجتماعي عميق وتعامل مع تحديات هذا التغيير. ولكي يشبع رغبة الإنجليز في الاستقلال عن هيمنة الكنيسة الرومانية، بدأ سلسلة من قطع العلاقات مع البابوية، التي كان مقرها أفينيون في ذلك الحين. علق معاصروه من الإنجليز على هذا الموقف قائلين: «الآن وقد أصبح البابا فرنسيًّا والمسيح إنجليزيًّا، سنرى من الأعظم.» يدور جدل حول ما إذا كان إدوارد الثالث قد امتلك برنامجًا قوميًّا شاملًا أم لا، مع أنه دعم الهوية القومية الإنجليزية لدرجة مذهلة بالنسبة لرجل نشأ يتحدث اللغة الفرنسية كلغته الأولى. وقد ساند أيضًا القديسين الإنجليز، ومنح الإنجليز عملاتهم الذهبية، وفي عيد ميلاده الخمسين أقر اللغة الإنجليزية اللغة الأولى للأمة، بل استخدمها في بعض من شعاراته. كما يظهر الإرث الذي خلفه في صميم الهوية الإنجليزية اليوم. فقد أسس «وسام ربطة الساق»، واتخد القديس سان جورج شفيعًا رئيسيًّا للمملكة، ودفع فدية لإطلاق سراح الشاعر الإنجليزي جيفري تشوسر عندما أُسر في فرنسا، وأعاد بناء معظم القلاع الملكية الإنجليزية. بلغت تكلفة تحويل قلعة ويندسور إلى قصر يليق بملك أكثر من ٥٠ ألف جنيه استرليني، وهي أعلى تكلفة لبناء غير كنسي على مدار العصور الوسطى بأكملها. بل حتى ساعة بيج بين منشؤها في الأساس برج جرس شيده إدوارد في ويستمينستر ويحتوي على جرس عملاق يحمل اسمه. وسواء على أرض الواقع أو في الصورة المأخوذة عنه، قدم إدوارد أكثر مما يتوقع شعب من ملكه. وبعد وفاته بوقت قصير، نُقش على نصبه التذكاري في دير ويستمنستر ما يأتي:

هنا يرقد مجد الإنجليز، زهرة ملوك الماضي، وقدوة ملوك المستقبل، ملك رحيم، جلب السلام لشعبه، الملك إدوارد الثالث، الذي تمم يوبيله الذهبي. المحارب الذي لا يُقهر، المكابي الثاني، الذي نجح في حياته، وأعاد الحكم الرشيد، وحكم بكل جسارة وإقدام، ليحصل الآن على تتويجه السماوي.

اليوم، لا يتذكره الكثيرون. فلكونه ملكًا محاربًا، تعرض لهجوم المؤرخين الفيكتوريين الذين كانوا إما أساقفة مصلحين أو من المنظّرين من أبناء الطبقة المتوسطة؛ فرآه الأساقفة رجلًا علمانيًّا، ورآه أبناء الطبقة المتوسطة شديد العنف. لم تكن «سياساته» مقبولة لدى جيل لم يملك بعد المستوى الفكري الذي يؤهله للحكم على إدوارد وفقًا لمعايير زمانه. لم تسهم روح الفروسية الجديدة في القرن التاسع عشر في إثبات عكس ذلك كثيرًا، إذ بدت مستغربة إلى درجة السخافة في مثل ذلك العصر الآخذ في التوجه نحو الصناعة. وعندما لاح شبح الحرب في سماء أوروبا في مطلع القرن العشرين، خفت نجم إدوارد.

إحقاقًا للحق، المقارنة بين الملوك تعد مغالطة تاريخية وبلا معنى؛ لأنها تفتقر إلى ما هو مهم بالفعل؛ ألا وهو أن كل ملك من الملوك تقريبًا أسهم بتطوير واحد وبنى فوق إنجازات من سبقوه: فلم يكن الملوك في منافسة بعضهم مع بعض. كانت لإدوارد مكانته، لكن ليس أمثاله محل ترحيب في حكومات اليوم. لكن حري بنا أن نذكر أن الباحث جوشوا بارنز أعلن في عام ١٦٨٨ أن الملك إدوارد هو أعظم ملك عرفه العالم، بل إنه أعظم حتى من يوليوس قيصر، وأغسطس، وجستنيان، وشارلمان. ومن غير المرجح أن يقترح أي مؤرخ بجدية أن أي ملك إنجليزي آخر قد يستحق هذه المكانة السامية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.