مستقبل جديد

الروبوت بيج دوج يستخدم الذكاء الاصطناعي للتجول في الأرض الوعرة؛ فقط لا تلق إليه عصا!
الروبوت بيج دوج يستخدم الذكاء الاصطناعي للتجول في الأرض الوعرة؛ فقط لا تلق إليه عصا!

الآلات الذكية

إذا أردنا بناء كمبيوتر يعمل بنفس مستوى الذكاء البشري، لمَ لا ننسخ المخ فحسب؟ فعلى أي حال، البشر هم أفضل نموذج للذكاء. في العِقد الماضي، قدمت العلوم العصبية الكثير من الرؤى الجديدة حول كيفية معالجتنا للمعلومات وتخزينها.

العقل البشري شبكة من ١٠٠ تريليون تشابك عصبي تصل بين ١٠٠ مليار خلية عصبية، معظمها يغير حالته من ١٠ إلى ١٠٠ مرة في الثانية. وتصميم مخنا يجعلنا ماهرين في مهام مثل إدراك الأجسام داخل صورة.

على الجانب الآخر، يملك جهاز الكمبيوتر الفائق نحو ١٠٠ تريليون بايت من الذاكرة ودوائر الترانزستور الخاصة بها يمكنها إجراء العمليات أسرع بمائة مليون مرة من المخ. وهذه البنية تجعل الكمبيوتر أفضل في العمليات السريعة الدقيقة المحددة للغاية.

لكن قد تستفيد بعض العمليات من عملية المعالجة الشبيهة بتلك التي تجري في المخ، حتى ولو استتبع هذا التخلي عن بعض المميزات. على سبيل المثال، المهام غير الدقيقة على غرار التعرف على الوجوه لا تتطلب بالضرورة دوائر عالية الدقة تتبع فيها عملية المعالجة مسارًا دقيقًا.

يختبر بعض الباحثين بنية هندسية تشبه بنية المخ من أجل محاكاة متطلبات المخ منخفضة الطاقة. إن المخ يقوم بكل عملياته الحسابية باستخدام ٢٠ وات فقط، وهو يوازي ما يستخدمه مصباح باهت الإضاءة للغاية. أما الكمبيوتر الفائق القادر على إجراء عمليات حسابية مماثلة فيتطلب ٢٠٠ ألف وات. تهتم مجموعات أخرى من الباحثين بدراسة قدرة المخ على معالجة البيانات وتخزينها في نفس المكان والتعلم من هذه القدرة (انظر الرسم التوضيحي).

ولهذه الأسباب، توجد مشروعات حالية لبناء دوائر حاسوبية جديدة مستلهمة من العقل؛ متوازية أكثر من كونها متسلسلة، تناظرية أكثر من كونها رقمية، أبطأ وتستهلك طاقة أقل كثيرًا.

أجهزة كمبيوتر تستخدم الحدس

يفشل البشر باستمرار في الوصول إلى مستوى مثالي من العقلانية. فنحن نقع في أخطاء شائعة في عمليات اتخاذ القرار ونتأثر بسهولة بسبب التفاصيل غير ذات الصلة بالموضوع. وعندما نسارع باتخاذ قرار دون التفكير مليًّا في كل جوانبه، نطلق على ذلك الثقة في حدسنا. كنا نظن أن غياب مثل هذه السمات البشرية غير العقلانية يجعل أجهزة الكمبيوتر أفضل، لكن أحدث أبحاث العلوم المعرفية تخبرنا بعكس ذلك.

يبدو أن البشر لديهم عمليتا اتخاذ قرار متكاملتان، إحداهما بطيئة ومتأنية وعقلية في المقام الأول، والثانية أسرع ومندفعة وقادرة على مضاهاة الموقف الحالي مع خبرة سابقة، مما يجعلنا قادرين على الوصول إلى قرار سريع. ويبدو أن العملية الثانية هي السر وراء الفعالية الشديدة للذكاء البشري.

يبدو الجزء العقلاني متأنيًا ودقيقًا، ويتطلب مزيدًا من الوقت والطاقة. لنقل مثلًا إن سيارة قادمة تبدأ في الانحراف تجاهك. ستحتاج أن تتصرف على الفور: تستخدم بوق السيارة، أو تضغط على المكابح، أو تغير مسارك، وذلك بدلًا من بدء عملية حسابية طويلة لتحديد التصرف المثالي، الذي قد يكون متأخرًا. مثل هذه الطرق المختصرة مفيدة أيضًا حتى في غير حالات الطوارئ. فإذا استهلكت الكثير من طاقة المخ في الوصول إلى القرار الأمثل بشأن تفاصيل مثل هل سترتدي القميص الأزرق القاتم أم الأزرق الفاتح، فسوف ينفد منك الوقت والطاقة اللازمان للقرارات المهمة.

هل ينبغي أن يتضمن الذكاء الاصطناعي عنصر الحدس؟ بالفعل، الكثير من أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة يتكون من جزأين: جزء يتفاعل على الفور مع الموقف، وجزء يفكر بتأنٍّ أكبر. يتضمن تصميم بعض الروبوتات بنية هندسية «تصنيفية»، تكون فيها أدنى طبقات النظام تفاعلية على نحو صرف، والمستويات الأعلى تعمل على كبح ردود الأفعال وانتهاج سلوك موجه أكثر نحو الهدف. على سبيل المثال، أثبت هذا المنهج فائدته في جعل الروبوت ذي الأرجل الأربع يتغلب على وعورة الأرض.

كانت هناك جهود مشابهة لدفع أنظمة الذكاء الاصطناعي نحو اتخاذ قرارات أفضل عن طريق منحها مشاعر. على سبيل المثال، إذا حاول روبوت مستقل القيام بنفس العمل عدة مرات وفشل بشكل متكرر، قد تفيد دائرة «الإحباط» في حثه على استكشاف طريقة جديدة.

إن صنع آلات تحاكي المشاعر مهمة معقدة. ويرى مارفن مينسكي — أحد مخترعي أنظمة الذكاء الاصطناعي — أن المشاعر لا تظهر نتيجة فعل وحيد تقوم به الأمخاخ، وإنما تنتج عن تفاعل يتضمن العديد من أجزاء المخ، وبين الجسد والمخ. إن المشاعر تحفزنا على اختيار قرارات معينة بدلًا من غيرها، والتفكير في أجزاء برنامج حاسوبي كما لو كانت محفزة بواسطة المشاعر ربما يساعد في تمهيد الطريق أمام ذكاء اصطناعي أكثر شبهًا بالذكاء البشري.

التطور

معظم أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة معقدة للغاية لدرجة يستحيل معها برمجتها يدويًّا. وأحد بدائل ذلك هو السماح للأنظمة بتطوير نفسها. وفي هذا المنحى، تجرب عملية متكررة عدة أشكال مختلفة من البرنامج في بيئة افتراضية، وتختار الأشكال الأكثر نجاحًا وتتخذ أفضل القرارات باستخدام أسلوب المحاولة والخطأ.

أولًا: يبني المصممون محاكاة لبيئة البرنامج؛ قد تكون بيئة صحراوية أو حوضًا. ثم يضعون بضعة تصميمات مختلفة من برنامج الذكاء الاصطناعي داخل المحاكاة، ويقيسون جودة قراراتها؛ بعبارة أخرى، مستوى تأقلمها. ربما يكتشف أحد أشكال برنامج الذكاء الاصطناعي السلوك المناسب، وربما يكون شكل آخر بطيئًا. يجري التخلي عن التصميمات غير الملائمة، وإجراء تعديلات على التصميمات الملائمة، ثم تتكرر العملية.

يمكن تشبيه التعديلات التي تغير من بعض معالم التصميم الواحد بالطفرات العشوائية التي تحدث في الانتخاب الطبيعي. والتعديلات التي تدمج تصميمين مختلفين من أجل إنتاج تصميم «ناتج» ثالث لا تختلف عن التكاثر الجنسي. ولهذا السبب يشار إلى هذه العملية باسم «الخوارزميات الوراثية».

الطموحات المبكرة

مستقبل الذكاء الاصطناعي في تغير مستمر في الثقافة الشعبية.
مستقبل الذكاء الاصطناعي في تغير مستمر في الثقافة الشعبية.

ما الذكاء الاصطناعي؟

إن مجال الذكاء الاصطناعي هو علم وتصميم الآلات التي تتصرف بذكاء. وذلك يطرح سؤالًا محيرًا: ماذا نعني بكلمة «ذكي»؟ من نواحٍ عدة، الآلات «غير الذكية» أكثر ذكاءً بالفعل منا بكثير. لكننا لا نصف البرنامج بأنه ذكي لأنه يجد حاصل ضرب أرقام كبيرة أو يتتبع آلافًا من الحسابات البنكية؛ نقول إنه دقيق فحسب. فنحن نقصر كلمة ذكاء على القدرات البشرية الفريدة، مثل التعرف على وجه مألوف، أو التغلب على ازدحام المرور في ساعة الذروة، أو إتقان العزف على آلة موسيقية.

لماذا يصعب برمجة آلة للقيام بهذه الأشياء؟ لأن المبرمج بطبيعة الحال سيكون مدركًا للمهمة المطلوب أداؤها من الكمبيوتر منذ البداية. إن سر الذكاء الاصطناعي هو جعل الكمبيوتر يقوم بالأمر الصائب مع أنك لا تعرف ما سيكون عليه هذا الأمر.

في العالم الواقعي، يتخذ عدم اليقين أشكالًا عدة. يمكن مثلًا أن يكون منافسًا يحاول منعك من الوصول إلى هدفك. ويمكن ألا تظهر تداعيات أحد القرارات إلا لاحقًا — ربما تنحرف بسيارتك من أجل تفادي تصادم دون أن تعرف إذا كان القيام بذلك آمنًا أم لا — أو أن تتاح معلومات جديدة خلال مهمة ما. يجب أن يكون البرنامج الذكي قادرًا على التعامل مع كل هذه الأمور وأكثر منها.

لمضاهاة الذكاء البشري، لا يجب أن يحاكي النظام المهمة فحسب، ولكن يجب أيضًا أن يحاكي العالم الذي تُباشَر فيه المهمة. يجب أن يستشعر بيئته ثم يتصرف وفقًا لها، بحيث يعدل ويغير أفعاله وفقًا لها. وسنصف الآلة بأنها ذكية فقط عندما تستطيع اتخاذ القرار الصحيح في الظروف الملتبسة.

الأصول الفلسفية

إن جذور الذكاء الاصطناعي تسبق أول أجهزة الكمبيوتر بقرون. ذكر أرسطو طريقة تفكير منهجية آلية تسمى القياس المنطقي تسمح لنا بالوصول إلى استنتاجات من المقدمات المنطقية. وأجازت إحدى قواعده الحجة المنطقية الآتية: «بعض البجع أبيض. كل البجع طيور. ومن ثمَّ، بعض الطيور بيضاء.» هذا النوع من الحجج المنطقية — بعض أ يكون ب، كل أ يكون ج، فإن بعض ب يكون ج — يمكن تطبيقه على أي أ، ب، ج من أجل الوصول إلى استنتاج صحيح، بصرف النظر عن معاني الكلمات التي تكوِّن الجملة. وفقًا لهذه الصيغة، يمكن بناء آلية تستطيع أن تتصرف بذكاء بالرغم من افتقاد الدليل الكامل للفهم الإنساني.

هيأت معادلة أرسطو الظروف أمام البحث المكثف حول طبيعة ذكاء الآلات. مع ذلك، لم تصبح أجهزة الكمبيوتر دقيقة بدرجة كافية لاختبار هذه الأفكار حتى منتصف القرن العشرين. ففي عام ١٩٤٨، صمم جراي والتر — الباحث بجامعة بريستول في المملكة المتحدة — مجموعة من «السلاحف» الآلية المستقلة بذاتها التي يمكنها التحرك والاستجابة للضوء والتعلم. كانت إحداها تدعى إلسي، وكانت تستجيب لبيئتها، على سبيل المثال، عن طريق تقليل حساسيتها تجاه الضوء عندما تُستنفد بطاريتها. هذا التعقيد جعل سلوكها لا يمكن التنبؤ به، وهو ما شبهه والتر بسلوك الحيوانات.

في عام ١٩٥٠، صرح آلان تورينج بأنه إذا ما كان باستطاعة الكمبيوتر أن يجري حوارًا مع شخص ما، فإنه ينبغي علينا، بدافع من التهذيب، أن نتفق على أن الكمبيوتر «يفكر».

لكن لم يُصغ مصطلح ذكاء اصطناعي إلا بحلول عام ١٩٥٦. في ورشة عمل صيفية أقيمت بجامعة دارتموث في هانوفر بنيوهامبشاير، أوضح مؤسسو المجال الناشئ رؤيتهم قائلين: «كل جانب من جوانب التعلم أو أي سمة من سمات الذكاء يمكن وصفه بدقة بحيث يمكن جعل الآلة تحاكيه.»

كانت التوقعات تشير إلى قرن سريع التقدم في هذا المجال، وبدا أن الآلات التي تضاهي مستويات ذكاء البشر أمر حتمي.

مجال مجزأ

في ستينيات القرن العشرين، كان معظم باحثي الذكاء الاصطناعي واثقين من أنهم سيحققون هدفهم خلال عقود قلائل. فعلى أي حال، استغرق انتقال هندسة الطيران من أول طائرة نفاثة إلى وضع أول رائد فضاء على سطح القمر ٣٠ عامًا فقط، فلمَ لا يتقدم الذكاء الاصطناعي بطريقة مشابهة؟

يكمن الاختلاف في أنه ليس هناك معادلة واضحة للذكاء؛ فهذا المجال يفتقر إلى معادلته الخاصة مثل قوانين نيوتن للحركة أو قانون النسبية الخاصة. وبحلول ثمانينيات القرن العشرين، أدرك باحثو الذكاء الاصطناعي أنهم لا يملكون الأجهزة القوية بما يكفي ولا المعرفة الكافية لمحاكاة ما يستطيع البشر القيام به وكانت النتيجة أن تجزأ المجال. فبدلًا من العمل على كمبيوتر ذكي واحد يضاهي الإنسان، انقسمت مجموعات البحث لدراسة جوانب معينة من المشكلة الكبيرة: على سبيل المثال، التعرف على الصوت، والرؤية لدى الكمبيوتر، والاستدلال الاحتمالي، وحتى الشطرنج (انظر الخط الزمني).

شهد مجال فرعي من هذه المجالات نجاحًا كبيرًا. ففي عام ١٩٩٧، هزم كمبيوتر آي بي إم «ديب بلو» بطل العالم في الشطرنج جاري كاسباروف. كان «ديب بلو» يستطيع تقدير ٢٠٠ مليون موضع على رقعة الشطرنج في الثانية أثناء بحثه عن الحركة المناسبة. وسمح له ذلك برؤية الكثير من الحركات المتتابعة مقدمًا ليعلم إلى أين يمكن أن تقوده.

سجل «ديب بلو» انتصارًا مدهشًا في لعبة تتطلب دقة عقلية. مع ذلك، كان يمتلك نطاقًا ضيقًا من الخبرات. كان بإمكانه أن يفوز بمباراة شطرنج، ولكنه لم يكن يستطيع مناقشة الاستراتيجية التي استخدمها، ولا يستطيع أن يلعب أي لعبة أخرى. وما كان لأحد أن يظن أن ذكاءه كذكاء البشر.

الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية

السيارة «ستانلي» — سيارة جامعة ستانفورد ذات التحكم الذاتي — فازت في أول مسابقة للسيارات بدون سائق.
السيارة «ستانلي» — سيارة جامعة ستانفورد ذات التحكم الذاتي — فازت في أول مسابقة للسيارات بدون سائق.

تطبيقات تصيد الرسائل المزعجة

ما يزيد عن ٩٠ بالمائة من رسائل البريد الإلكتروني المرسلة هذه الأيام رسائل مزعجة. وإذا ظهر ذلك في محتوى صندوق الوارد في بريدك الإلكتروني، فإن البريد الإلكتروني سيصبح غير صالح للاستخدام. إن حمايتك الرئيسية ضد بائعي حبوب المعجزات ومخططات العمل من المنزل تأتيك من خلال مرشحات الرسائل المزعجة التي تعتمد على”تعلم الآلات«. وكما يشير المصطلح، يتعلم مرشح الرسائل المزعجة من بيئته ومن طريقة معاملة الناس لرسائلهم الإلكترونية.

يقدم مستخدمو البريد الإلكتروني المعيار الأمثل عن طريق تحديد وتصنيف الرسائل في صندوق الوارد بأنها «رسائل مزعجة» أو «رسائل غير مزعجة». ويستخدم البرنامج هذه المعلومات من أجل تحليل كل رسالة إلى مجموعة من السمات. يمكن للسمة أن تكون كلمة، أو كلمتين، أو عبارة، أو وقت إرسال الرسالة، أو الكمبيوتر الذي أرسلها. وهذه السمات يمكنها بعد ذلك مساعدة البرنامج في تحديد هل الرسالة الواردة مزعجة أم لا. على سبيل المثال، افترض أنها تحتوي على عبارتي «أرخص الأسعار» و«تغليف محكم». سوف يرجع برنامج الذكاء الاصطناعي إلى الإحصاءات العالمية التي تخبره أن هاتين العبارتين تظهران في ٨ بالمائة و٣ بالمائة من الرسائل المزعجة على الترتيب، وتظهر بنسبة ٠٫١ بالمائة و٠٫٣ بالمائة من الرسائل الحقيقية. وبعد القيام ببعض الافتراضات حول السمات المنفردة — وتطبيق صيغة تسمى قاعدة بايز، التي تقيّم احتمالية وقوع حدث ما بناءً على ملاحظات الأحداث المرتبطة به — يصل إلى نتيجة أنه من المحتمل بنسبة ٩٩٫٩ بالمائة أن هذه الرسالة رسالة مزعجة.

لكن أهم ما تقوم به مرشحات الرسائل المزعجة هو تحديث قوالبها بمرور الوقت اعتمادًا على الخبرة. ففي كل مرة يصحح المستخدم خطأ، ربما عن طريق إنقاذ رسالة حقيقية من مجلد البريد غير المرغوب فيه، يحدث البرنامج نفسه ليعمل وفق الواقع الجديد. وهكذا لا يحتاج المبرمجون أن يحددوا التعليمات خطوة بخطوة من أجل تحديد الرسالة المزعجة، إنما يحتاجون فقط إلى بناء نظام تعلم عام وتعريضه لنماذج من الرسائل المزعجة والرسائل الحقيقية، ويقوم البرنامج ببقية العمل.

المترجمون العالميون

في أي يوم من الأيام، يترجم موقع جوجل نصوصًا تزيد عن تلك التي يترجمها المترجمون المحترفون من البشر في العالم أجمع خلال عام. يعالج موقع جوجل ٦٥ لغة، ويترجم من أي لغة إلى الأخرى؛ ما يزيد عن ٤٠٠٠ زوج لغوي محتمل. ولم يكن ليستطيع فعل ذلك دون مجال من مجالات الذكاء الاصطناعي يسمى منطق الاحتمالات.

في السابق، صمم علماء اللغة أنظمة ترجمة تعتمد على قواميس ثنائية اللغة وقواعد نحوية منظمة. فشلت هذه الأنظمة لأن هذه القواعد جامدة. على سبيل المثال، الصفات تأتي بعد الاسم في اللغة الفرنسية وقبل الاسم في اللغة الإنجليزية، لكن توجد حالات استثنائية ليست بقليلة.

في العِقد الماضي، تحولت الترجمة من القواعد المكتوبة بأيدي الخبراء إلى إرشادات احتمالية تُعَلّم تلقائيًّا من نماذج فعلية.

يتمثل جانب آخر للترجمة الآلية في الشراكة بين البشر والآلة. فأنظمة الترجمة الآلية الحديثة تبدأ بجمع ملايين الوثائق التي ترجمها البشر بالفعل من جميع أنحاء شبكة الإنترنت.

ومع أن الترجمة الآلية لم تصل إلى المثالية بعد، فإنها تتطور بخطى ثابتة حيث تزداد دقتها وتُضاف إليها لغات جديدة. وتعمل شركة جوجل على إنتاج تطبيق عالمي يسمى «ترانسليت» (بمعنى «ترجم»). تحدث من خلال ميكروفون هاتف الأندرويد الخاص بك، وسوف يعيد التطبيق قراءة ما قلته مُترجمًا إلى اللغة المطلوبة. ويستطيع الشخص الذي تحدثه أن يرد بلغته.

الذكاء الاصطناعي على الطريق

إذا كنت في طريقك نحو لاس فيجاس وتخطيت سيارة تحمل لوحات حمراء اللون وعليها علامة اللانهاية، فاعلم أن هذه السيارة تقود نفسها. ففي أوائل هذا العام، أصدرت ولاية نيفادا أول رخصة لسيارة ذاتية التحكم.

هل ستنتشر المركبات ذاتية القيادة في بقية العالم؟ حتى الآن، كانت القيادة مهمة متروكة للبشر خاصة أنها تتضمن الكثير من المتغيرات: هل السيارة القادمة تسير بسرعة ٦٠ أم ٧٠ كيلومترًا في الساعة؟ هل يمكن أن توجد سيارة أخرى خارج نطاق الرؤية عند المنعطف؟ إذا حاولت أن أتخطى السيارة التي أمامي، فهل سيزيد سائقها من سرعته؟ وأكثر من ذلك بكثير.

أما برامج الذكاء الاصطناعي فالقيادة الفعلية كانت الجزء السهل، على الأقل على الطرق السريعة. ففي عام ١٩٩٤، قادت سيارتا مرسيدس بنز ذاتيتا القيادة ومجهزتان بكاميرات وبرامج ذكاء اصطناعي مسافة ١٠٠٠ كيلومتر على الطرق السريعة حول باريس.

مع ذلك، معظم القيادة تتم داخل المدن، وهنا يصير الأمر صعبًا على برامج الذكاء الاصطناعي، التي حتى وقت قريب لم تكن قادرة على التوافق مع قواعد المرور غير المكتوبة داخل المدينة. على سبيل المثال، عندما برمج باحثو جوجل سيارة ذاتية القيادة على أن تلتزم بالتوقف عند تقاطع الطرق كما هو محدد في دليل السائق، وجدوا أنها لن تحصل أبدًا على فرصة للتحرك للأمام، لذا غيروا سلوك السيارة بأن جعلوها تتحرك للأمام مسافة بوصة بعد أن تنتظر لبرهة من الوقت، كي تشير إلى نيتها في التحرك للأمام.

مصدر آخر للشك في قدرة السيارة ذاتية القيادة يتمثل في تحديد السيارة لموضعها. فلا يمكن للسيارة أن تعتمد على نظام تحديد المواقع العالمي فحسب؛ إذ تتفاوت دقته بمقدار عدة أمتار، لذا يعوض برنامج الذكاء الاصطناعي هذا بالحصول على تغذية راجعة متزامنة من الكاميرات والرادار وأشعة الليزر المُحدِّدة للمدى، ومقارنتها بالبيانات الواردة من نظام تحديد المواقع العالمي. وتوفر مقارنة هذه المواضع غير الدقيقة قياسًا عالي الدقة.

لكن الذكاء الاصطناعي ليس مقصورًا على القيادة وحسب. ففي الطرازات الحديثة للسيارات، يعدل برنامج الذكاء الاصطناعي تلقائيًّا تدفق الوقود لجعله أكثر كفاءة والمكابح لجعلها أكثر فعالية.

إن أحدث السيارات ذاتية القيادة تجمع الكثير من فروع الذكاء الاصطناعي، وقد بدأ الناس في قبول هذه الفكرة. وبتصريح خاص، سار أسطول من سيارات جوجل ذاتية القيادة بالفعل مئات الآلاف من الكيلومترات على طرق كاليفورنيا السريعة وشوارع المدينة المزدحمة دون أي تدخل من البشر. وتجيز ولايتا فلوريدا وكاليفورنيا الآن السيارات ذاتية القيادة، وربما يتبعهما في ذلك ولايات أخرى.

مناجم البيانات

في عام ٢٠١١، قدمت شركة آي بي إم الكمبيوتر «واطسون» للعالم، وهو كمبيوتر فائق يجيب عن الأسئلة ويملك القدرة على فهم الأسئلة التي تُطرح باللغة الدارجة والإجابة عنها بدقة. وحُمِّلت ملايين الوثائق التي يمكن الوصول إليها بشكل فوري للإجابة عن أي سؤال تقريبًا على شبكة كمبيوترات «واطسون» البالغ عددها ٣ آلاف كمبيوتر.

أدخلت الشركة هذا الكمبيوتر القوي في برنامج «جيوباردي»، وهو برنامج مسابقات تليفزيوني شهير يطرح أسئلة غير مباشرة بالمرة. إن اللعبة أكثر تعقيدًا من الشطرنج: فهي تتطلب ما هو أكثر من كل المعرفة البشرية؛ إذ تتطلب القدرة على فهم التورية والتلاعب بالألفاظ الذي يتخلل أسئلة اللعبة.

إن الفرع الرئيسي من الذكاء الاصطناعي المسئول عن ذكاء «واطسون» هو التفكير الاحتمالي؛ أي القدرة على استخلاص الفهم الكامل من مجموعة من المعلومات المنقوصة. وقبل أن تبدأ المسابقة، لُقِّمَ «واطسون» نصوصًا من الموسوعات وصفحات الإنترنت والمراجع الأخرى ومسابقات البرنامج السابقة. بعدها قَسّمت آي بي إم برنامج «واطسون» إلى مجموعة من حوالي ١٠٠ برنامج فرعي، كل منها مسئول عن مجال تخصصه، على سبيل المثال، مشاهير المؤلفين. وبعد أن صقل الخبراء قواعد بياناتهم، جمع «واطسون» المعرفة الموجودة في كل أجزائه الخبيرة، واختار الإجابة ذات الاحتمالية الأكبر للصواب. وتغلبت الآلة على بطلين من البشر.

بيد أن الحصول على بطولة المسابقة لم يكن طموح «واطسون» الحقيقي. إذ تخطط آي بي إم لتحويل نجاح الكمبيوتر الفائق في البرنامج إلى عمل أكثر جدية، على غرار تقديم المعلومات التي يكون فيها للوقت دور حاسم إلى الأطباء ورجال الأعمال والمزارعين وغيرهم.

الذكاء الفائق القادم

إن مفهوم الجهاز فائق الذكاء — الجهاز الذي يستطيع التغلب على التفكير البشري في أي موضوع — صاغه عالم الرياضيات آي جيه جوود عام ١٩٦٥، الذي كان يعمل مع آلان تورينج في بلتيشلي بارك؛ مركز التشفير وفك التشفير خلال الحرب العالمية الثانية بالمملكة المتحدة. وصرح جوود قائلًا: «إن أول آلة فائقة الذكاء هي آخر اختراع سيحتاجه الإنسان»؛ لأنه من ذلك الوقت فصاعدًا، ستصمم الآلات آلات أخرى؛ آلات أفضل، ولن يبقى عمل للبشر ليقوموا به.

على مدار العقد الماضي أو نحو ذلك، روج باحث الذكاء الاصطناعي راي كورزويل لهذا المفهوم، وأطلق عليه «التفرد التكنولوجي»؛ أي النقطة التي تحسِّن فيها الآلات فائقة الذكاء مجتمعنا جذريًّا لدرجة ألا نستطيع التنبؤ بطريقة تغير الحياة بعد ذلك.

ونتيجة لذلك، توقع البعض في خوف أن هذه الآلات الذكية سوف تستغني عن البشر عديمي الفائدة — على غرار قصة فيلم «ماتريكس» — ويرى آخرون مستقبلًا مثاليًّا مليئًا براحة لا تنتهي.

إن التركيز على هاتين النتيجتين بعيدتي الاحتمال على نحو متساوٍ قد صرف تركيز الحوار عن التأثيرات الاجتماعية الحقيقية التي أحدثها بالفعل التغير التكنولوجي سريع الوتيرة. فلمدة ١٠٠ ألف عام، اعتمدنا على الأعمال الشاقة التي تقوم بها المجموعات البدائية الصغيرة. ومنذ ٢٠٠ عام فحسب تحولنا إلى مجتمع صناعي نقل معظم الأعمال اليدوية إلى الآلات. ثم بعد ذلك، منذ جيل واحد فقط، انتقلنا إلى العصر الرقمي. واليوم، تمثل المعلومات أغلب ما نصنعه، وليس الأشياء المادية؛ أي بتات وليس ذرات. إن أجهزة الكمبيوتر موجودة في كل مكان، وقد استُبدلت الأعمال الحاسوبية بكثير من أعمالنا اليدوية بالفعل.

يحدث تسارع في التقدم مشابه لذلك في تكنولوجيا الروبوتات. إن الروبوت الذي يمكنك أن تشتريه اليوم من أجل تنظيف أرضية منزلك موجه بشكل خاص إلى المولعين بالتكنولوجيا. لكن في غضون عِقد من الزمان، سيحدث انفجار في استخدامات الروبوتات في المكاتب والمنازل. بعضها سيكون ذاتي التحكم وبعضها الآخر سيتحكم فيه الإنسان عن بعد. وقد تنبأ مؤلف روايات الخيال العلمي روبرت هينلين بهذا التطور في عام ١٩٤٢؛ إذ كان البشر المتحكمون في الروبوت «والدو» يرتدون قفازات تترجم كل حركة لجعل الروبوت البعيد يقوم بمهام تتراوح بين العمليات الجراحية الدقيقة حتى الصيانة.

أنا شخصيًّا أعتقد أن آخر ابتكار سنحتاجه هو الشراكة بين البشر والآلة. فعلى غرار الانتقال من الكمبيوتر المركزي في سبعينيات القرن العشرين إلى الكمبيوترات الشخصية اليوم، انتقلت معظم أنظمة الذكاء الاصطناعي من كونها كيانات مستقلة إلى كونها أدوات تُستخدم في الشراكة بين البشر والآلة.

سوف تتحسن أدواتنا بدرجة غير مسبوقة عندما تشتمل على المزيد من الذكاء. وسوف نصبح نحن أيضًا أفضل، وقادرين على الوصول إلى كم أكبر من المعلومات والتعليم. وربما يقل ما نسمعه حول الذكاء الاصطناعي ويزداد ما نسمعه حول «تعزيز الذكاء». في الأفلام، لا يزال علينا أن نقلق من سيطرة الآلات على البشر، لكن في الحياة الواقعية، سيتقدم البشر وأدواتهم المتطورة جنبًا إلى جنب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.