بعد أن أمضَتْ ليبيا قرونًا من الزمان تحت حكم الإمبراطورية القرطاجية، ثم البيزنطية، ثم العثمانية، سقطت في أيدي الإيطاليين عام ١٩١١. ثم طَرَحَتِ الحربُ العالمية الثانية وهزيمةُ إيطاليا التساؤلَ عمَّا ينبغي فِعْلُه حيالها؛ فاقترحت بريطانيا تقسيمها إلى ثلاث مناطق نفوذ، بحيث يُوضَع إقليم برقة تحت الحكم البريطاني، وإقليم طرابلس تحت الحكم الإيطالي، ومنطقة فزان الصحراوية تحت الحكم الفرنسي. اعترض القوميون العرب على ذلك الاقتراح، وقرَّرَتِ الأمم المتحدة في عام ١٩٤٩ إقامةَ دولة ليبيا المستقلة. صاغت جمعية وطنية دستورًا ملكيًّا وعرضت العرشَ على السيد إدريس أميرِ برقة.

كان الأمير هو قائد الحركة السنوسية؛ الجماعة الدينية القوية التي أسَّسَها جدُّه في القرن السابق ردًّا على النفوذ الغربي في العالم العربي. أَحْكَمَتْ تلك الحركةُ الإسلامية الأصولية سيطرتَها على ولاء بدو الصحراء، وأصبحت قوة كبرى على الساحة السياسية الليبية، وفي الأعوام الأخيرة للإمبراطورية العثمانية كانت هي الحاكم الفعلي للداخل الليبي.

وُلِد السيد إدريس في واحة ببرقة عام ١٨٩٠، وتولَّى إمارة الحركة السنوسية في سنوات المراهقة. نُفِيَ إلى مصر لسنوات في ظل نظام الحكم الإيطالي، ثم عاد إلى ليبيا بعد طَرْد قوى المحور عام ١٩٤٣. وفي ٢٤ ديسمبر ١٩٥١، تحدَّثَ إلى الأمة الجديدة بصفته الملك إدريس الأول على الراديو من بنغازي، فقال: «نعلن للأمة الليبية الكريمة أنه نتيجةً لجهادها، وتنفيذًا لقرار هيئة الأمم المتحدة الصادر في ٢١ نوفمبر ١٩٤٩، قد تحقَّق بعون الله استقلال بلادنا العزيزة، وإننا لنبتهل إلى المولى عزَّ وجَلَّ بأخلص الشكر وأجمل الحمد على نعمائه، ونوجِّه إلى الأمة الليبية أخلص التهاني بمناسبة هذا الحادث التاريخي السعيد.»

لم تكن آفاقُ المملكة الجديدة مبشِّرة؛ فلم يكن لديها صناعة، وكانت الزراعة فيها محدودة. كانت صادراتها الرئيسية تتضمَّن الجلودَ والصوفَ والجيادَ وريشَ النعام، وقد جمعَتْ بين كونها واحدةً من أقل معدلات دخل الفرد في العالم وكونها صاحبة أعلى معدلات الأُميَّة على مستوى العالم. كان إدريس قد جاوَزَ الستين من عمره ولم ينجب ابنًا يَخْلُفه في الحكم، ويُقال إن ابنةَ عمٍّ تزوَّجها في عام ١٩٣٢ تعرَّضَتْ لأربع عشرة حالة إجهاض، والابن الذي أنجبته أخيرًا عام ١٩٥٣ مات بعد بضع ساعات؛ فكان الرضا — شقيق إدريس — هو وليَّ العهد والوريث، إلا أنَّ العائلة الملكية مزَّقَتْها خلافاتٌ لا تنتهي. وكان الورع الإسلامي الأصولي للملك الجديد — الذي ضَمِن سيطرته على البدو — يضعه على طرف النقيض من الاتجاهات الفكرية الحَضَرية النازعة إلى الحداثة في ليبيا، فصارت كلٌّ من بنغازي وطرابلس تُنَصَّب عاصمةً كل عامين بالتناوب؛ تهدئةً للخصومة بين إقليمَيْ برقة وطرابلس. وقد ترتَّب على سرعة ظهور السيل الجارف من الموظفين البيروقراطيين أن صارت الحكومة الملكية الجديدة باهظةَ التكلفة.

تبدَّلت حالة الاقتصاد باكتشاف النفط فيما بعدُ في خمسينيات القرن العشرين، إلا أن الملك العجوز هدَّد بالتنازل عن العرش في عام ١٩٦٤. وفي عام ١٩٦٩ قرر التنازل عن العرش لولي عهده، لكن استبقه الانقلاب الذي نفَّذَتْه مجموعةٌ من ضباط الجيش بقيادة العقيد القذَّافي، الذي حوَّلَ البلاد إلى النظام الجمهوري. نُفِيَ الملك إدريس إلى مصر مرة أخرى، وتُوفِّي عام ١٩٨٣، بينما صارتْ أولُ دولة مستقلة تنشئها الأمم المتحدة منبوذةً دوليًّا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (2)

  • default avatar
    Ahmed Zaki ·١٧ يوليو ٢٠١٤، ٦:٣٤ ص

    مقال رائع وترجمة جيدة

  • default avatar
    وسام السراج ·١٧ يوليو ٢٠١٤، ٠:٦ ص

    لم يكن معمر القذافي عقيدا عندما قام بالثورة بل كان ملازم اول