منذ مطلع عام ٢٠١٣ والأرض تقترب بانتظام من المريخ، وسوف يبلغ هذا الاقتراب ذروته يوم الثامن من أبريل، حين يكون الكوكبان في موضع تقابُل. ولأن المريخ هو الكوكب الصخري الأقرب إلى الأرض والذي يمكن مشاهدة سطحه بواسطة تليسكوبات بسيطة، فإنه يحظى بالقدر الأكبر من الاهتمام من بين جميع الكواكب الداخلية. عادةً ما يُظهِر الكوكب الأحمر تغيُّراتٍ طفيفةً من عامٍ لآخَر تظهر جليًّا للراصد المتابِع للكوكب باستمرار. لكن في بعض الأحيان، قد تطرأ على الكوكب تغيُّرات كبرى ما بين ظهور معين والظهور التالي له.

يغلب على كوكب المريخ الطابع الصحراوي الجاف، إلا أن الراصدين المداوِمين يلاحظون تغيُّرَ مظهره باستمرار. التقَطَ تليسكوب هابل الفضائي هذه المجموعة من الصور في أواخر عام ٢٠٠٧، وهي توضِّح سطح الكوكب بأكمله، بما في ذلك غطاء السحب القطبي الشمالي الذي يحجب الغطاء القطبي أسفله، جهة الجنوب لأعلى. (وكالة ناسا/وكالة الفضاء الأوروبية/فريق عمل مشروع هابل هيريتيدج (معهد علوم تليسكوب الفضاء/اتحاد الجامعات لأبحاث الفلك)/جيه بيل/إم وولف).
يغلب على كوكب المريخ الطابع الصحراوي الجاف، إلا أن الراصدين المداوِمين يلاحظون تغيُّرَ مظهره باستمرار. التقَطَ تليسكوب هابل الفضائي هذه المجموعة من الصور في أواخر عام ٢٠٠٧، وهي توضِّح سطح الكوكب بأكمله، بما في ذلك غطاء السحب القطبي الشمالي الذي يحجب الغطاء القطبي أسفله، جهة الجنوب لأعلى. (وكالة ناسا/وكالة الفضاء الأوروبية/فريق عمل مشروع هابل هيريتيدج (معهد علوم تليسكوب الفضاء/اتحاد الجامعات لأبحاث الفلك)/جيه بيل/إم وولف).

أحد أسباب الاهتمام الكبير الذي يُولِيه الراصدون لكوكب المريخ هو أن هذا الكوكب كان مُشابِهًا لكوكب الأرض بدرجةٍ كبيرةٍ في الماضي. وحتى في وقتنا الحاضر، لا يزال المريخ — بسُحُبه الركامية البيضاء، وعواصفه الترابية، وأغطيته الجليدية التي تكبر وتتضاءل باختلاف المواسم — الكوكبَ الأكثر شبهًا بكوكب الأرض من بين كواكب المجموعة الشمسية. وعلى الرغم من أن الغلاف الجوي الرقيق والبيئة الجافة للكوكب يجعلانه يبدو قاحلًا، فإن المريخ بعيد كل البُعْد عن كونه عالَمًا جامدًا لا يشهد أي تغيُّرات.

انحسار الغطاء القطبي الشمالي

الأغطية القطبية الساطعة للكوكب الأحمر هي من أولى الخصائص التي سيلاحظها راصد الكواكب ولو كان مُبتدِئًا. عندما يقترب المريخ من وضع التقابل هذا العام، يكون نصف كرته الشمالي مواجهًا للأرض، وهو ما يعطينا مشهدًا ليليًّا للغطاء القطبي الشمالي السريع الانحسار. وفي وَضْع التقابل في شهر أبريل، سيكون كوكب المريخ قد أَوْغَل في فصل الصيف الذي يستمرُّ طويلًا، ولذلك سيكون الغطاء القطبي أصغر ما يمكن عند رؤيته من كوكب الأرض. مع ذلك، فالغطاء القطبي الشمالي أكبر حجمًا بكثيرٍ من الغطاء القطبي الجنوبي، ويظهر به العديد من التصدُّعات وغيرها من الخصائص الأخرى اللافتة للنظر.

عندما ينحسر الغطاء القطبي الشمالي، سيكشف عمَّا يبدو كحلقةٍ مُظلِمة تحيط بالقطب، بالإضافة إلى ذلك، بعد مرور فترةٍ قصيرةٍ من بداية العام، يبدأ صدع كبير مُظلِم يُعرَف باسم كازما بوريال في التكوُّن عند ٣٠٠° غربًا؛ وفي الوقت نفسه تقريبًا عند الجهة المقابِلة من الغطاء القطبي الشمالي، يفصل صدع مُظلِم معروف باسم ريما تينيوس جزءًا كبيرًا هلالي الشكل من الغطاء الجليدي الساطع عن باقي القطب. المفترض أن يُرَى هذا الصدع عبر التليسكوبات البالغ قطرها ٦ بوصات أو أكثر، وسيظهر في صورة حلقة داخلية مُظلِمة تفصل الهلال الجليدي عن الغطاء القطبي الشمالي الرئيسي.

مثالٌ جلِيٌّ على تغيُّرات الوضاءة (وهي خاصية يعكس بمقتضاها الجسم كل الأشعة الكهرومغناطيسية) حدث في منتصف القرن العشرين عندما اختفت الظاهرة المعروفة «توث نيبينثيز». اليسار: توضح هذه الصورة التي التُقِطت عام ١٩٥٦ هذه الظاهرة المنحنية (منتصف المنطقة المظلمة، الانحناء الكثيف على شكل حرف C في الأسفل). اليمين: توضِّح الصورة التي التقطها كاتب المقال عام ٢٠١٢ البقايا المُظلِمة فحسب، والمعروفة اليوم باسم «ألسيونياس نودَس». (إيرل تشارلز سلايفر/مرصد لويل، مجلة سكاي آند تليسكوب: شون ووكر).
مثالٌ جلِيٌّ على تغيُّرات الوضاءة (وهي خاصية يعكس بمقتضاها الجسم كل الأشعة الكهرومغناطيسية) حدث في منتصف القرن العشرين عندما اختفت الظاهرة المعروفة «توث نيبينثيز». اليسار: توضح هذه الصورة التي التُقِطت عام ١٩٥٦ هذه الظاهرة المنحنية (منتصف المنطقة المظلمة، الانحناء الكثيف على شكل حرف C في الأسفل). اليمين: توضِّح الصورة التي التقطها كاتب المقال عام ٢٠١٢ البقايا المُظلِمة فحسب، والمعروفة اليوم باسم «ألسيونياس نودَس». (إيرل تشارلز سلايفر/مرصد لويل، مجلة سكاي آند تليسكوب: شون ووكر).

غيوم جزئية

كانت السحب منتشرة على سطح الكوكب في مرات ظهوره العديدة الأخيرة، ورغم السهولة البالغة لرصد تلك السُّحُب بواسطة أجهزة تصوير الكواكب التي تستخدم مرشحات الألوان، يمكن للراصدين أيضًا الاستمتاع بمشاهدتها؛ فمع انحسار الغطاء القطبي الشمالي، يتصاعد بخار المياه إلى الغلاف الجوي الرقيق للكوكب مكوِّنًا سُحُبًا رقيقة عادةً ما تُرَى أعلى المناطق الاستوائية للكوكب، حينها تلتصق السحابة الشهيرة التي تتخذ شكل حرف W بجوانب البراكين الكبيرة في مرتفَع «ثارسيز»، بمنطقة «أمازونيس». قد تبدو هذه السُّحُب، في بعض الأحيان، شديدةَ اللمعان؛ حتى إنك قد لا تستطيع التمييز بين البقع البيضاء التي تمثِّل الغطاءَ القطبي الشمالي وتلك التي تمثِّل مجموعةَ السُّحُب.

في بعض الأحيان تستقرُّ سُحُب الصباح وصقيعه في السهول الواسعة المنخفضة في هذه المنطقة، وهو ما يجعل براكين ثارسيز العملاقة ممثَّلةً في قمة آرسيا وقمة بافونيس وقمة أسكريوس بالإضافة إلى قمة أوليمبس المجاورة؛ تبدو كالبُقَع المظلِمة أعلى السهول اللامعة.

في نصف الكرة الجنوبي، توجد سحابة لامعة عادةً ما تملأ حوض هيلاس الهائل الناتج عن اصطدام أجرام سماوية بسطح المريخ؛ لا تخلط بينها وبين الغطاء القطبي الجنوبي.

العواصف الترابية

في الشهور التي تسبق وضع التقابُل، هناك دائمًا احتمال أن تثير أنماطُ الطقس المتغيِّرة العواصفَ الترابية الكبرى، وتحجب أجزاءً من سطح الكوكب. قد تتشكَّل العواصف الترابية بين عشية وضحاها، وعادةً ما تَظهر في هيئة سُحُب صغيرة الحجم لونها أصفر لامع. تكون هذه العواصف أكثر وضوحًا عندما تحوم فوق مناطق الوضاءة المعتمة.

من المعتاد على مرِّ التاريخ رَصْد العواصف الترابية في مناطق هيلاس وإليزيوم وكرايس وسوليس لاكوس. أما في أواخر أكتوبر ٢٠٠٥، فقد تكوَّنَتْ عاصفة ترابية كبيرة في منطقة كرايس، ثم انتقلَتْ إلى الصدوع العميقة داخل منطقة أورورا سينوس، وبسبب ارتفاع وضاءة هذه العاصفة الترابية مقارَنةً بأرض المنطقة، فقد كان لها أثر نادر تمثَّلَ في أنَّ أجزاءً من أخاديد «فاليس مارينريس» العملاقة ظلَّتْ مرئيةً لبضعة أسابيع من كوكب الأرض عبر تليسكوبات الهواة.

قد تتكون العواصف الترابية في أي مكانٍ على المريخ، وأحيانًا تطوِّق الكوكبَ كلَّه، فتحجب السطح كاملًا، ومع أن هذا النوع من العواصف الترابية قد يجعل عمليات الرصد أقل إمتاعًا، يكون التشويق الحقيقي في مشاهدة هذه العواصف الهائلة التي تحرِّكها الرياح وهي تغلِّف الكوكبَ في غضون بضعة أيام.

ظواهر الوضاءة المتغيرة

شهدت ظواهر الوضاءة المعتمة على كوكب المريخ أيضًا تغيُّرات طويلة المدى على مرِّ السنوات، فقد تأرجحت العلامات الداكنة داخل منطقة سوليس لاكوس ما بين الظهور والاختفاء خلال العقد الأخير. بالإضافة إلى ذلك، تأرجحت إحدى الظواهر الداكنة عند ٢٣٠° غربًا تقريبًا والمعروفة باسم هيبلاس ما بين التمدُّد والانحسار خلال ربع القرن الماضي.

أكبر تغيُّرٍ حدَثَ في الوضاءة مؤخرًا كان في ستينيات القرن العشرين، ففي تلك الفترة اختفت مجموعة كبيرة من ظواهر الوضاءة التي تربط منطقة سيرتيس ميجور بسهل يوتوبيا، الواقعة عند ٢٧٠° غربًا والمعروفة باسم توث نبينثيز. واليوم لا يوجد سوى الظاهرة المعتمة الصغيرة المعروفة باسم ألسيونياس نودَس.

في نفس الوقت الذي اختفَتْ فيه ظاهرة توث نبينثيز تقريبًا، تحوَّلَتْ قمة سيرتيس ميجور من ظاهرة مستدقة لتتخذ شكلَ النهاية المستديرة التي تُشبِه اليوم الرأس الجنوبي لقارة أفريقيا.

إذا افترضنا أن الكوكب الأحمر ليس غارقًا في عاصفة ترابية تدور في أرجائه بالكامل، فإن ذلك العالم دائم التغيُّر يجذب انتباه الراصدين مع اقترابه نسبيًّا لبضعة أشهر كلَّ ٢٦ شهرًا. لنرَ ما يخبِّئه لنا المريخُ من مفاجآت هذا العام.

القمر / مارس ٢٠١٤: تشير النقاط الصفراء إلى الجزء الأكثر توجهًا من حافة القمر نحو الأرض بفعل ظاهرة ميسان القمر حال وجود إضاءة مناسبة.
القمر / مارس ٢٠١٤: تشير النقاط الصفراء إلى الجزء الأكثر توجهًا من حافة القمر نحو الأرض بفعل ظاهرة ميسان القمر حال وجود إضاءة مناسبة.
في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.