يقيم في القاهرة منذ بضع سنين عالم إنجليزي هو القبطان ك. أ. كرزويل، وقد انقطع للبحث في الفنون الإسلامية لا سيما فن العمارة، وانبرى للتأليف فيه، فوضع كتابًا أثريًّا خالدًا جعل عنوانه «العمارة الإسلامية في العصور الأولى لعهد بني أمية والعباسيين وآل طولون».

وقد بدأ فعلًا بطبع هذا الكتاب، ورأينا أكثر من مائة صفحة منه مطبوعة بالقطع الكبير، وسيكون الكتاب في ٣٢٠ صفحة شاملًا لمائة وأربعين صورة كبيرة تمثل مناظر المباني الإسلامية في تلك العصور، وسيكون الجزء الأول مقصورًا على عهد بني أمية؛ أي من سنة ٦٢٢ إلى ٧٥٠ بعد الميلاد، والمؤلف الذي انقطع لهذا التأليف يبلغ الخمسين من عمره، وسبب اشتغاله بالفنون الإسلامية أنه حصل على كتاب «ألف ليلة وليلة» لما كان عمره ست سنين، وقرأه فشغل بحب الفنون الشرقية والآداب الإسلامية، وشعر بميلٍ شديد نحو الشرق والشرقيين.

واقتضت ظروف الحرب الكبرى أن يزور مصر، فزارها منذ أربعة عشر عامًا، وفي سنة ١٩١٩ اشتغل بزيارة سوريا وفلسطين ورؤية آثارها، فلما كان في أنحاء سوريا وفلسطين ورأى الآثار الإسلامية، صحت عزيمته على التأليف في هذا الموضوع الجليل، فجمع شتات الكتب التي لها مساس بآثار الإسلام والشرق، وقرأ أكثر من مائة وعشرين كتابًا عن آثار العمارة الإسلامية في بلاد الفرس، وكتب أكثر من ألف ومائتي صفحة بأسماء الكتب التي يجب الرجوع إليها، وجمع ١٤٠٠٠ مذكرة بما ينفعه لدى التأليف، وقد عضدته بعض الجهات العليا في خطواته الأولى، ولما كان غاية المؤلف هي وصف الآثار الإسلامية في مصر، لم يكن له بد من التأليف في الفنون الإسلامية عامَّةً ليكون ذلك مقدمة تسهل للقارئ فهم الآثار الإسلامية؛ ولذا قد بدأ بدراسة فن العمارة الإسلامي منذ ظهور الإسلام، فبدأ بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وبالمساجد التي شيدت بعد الفتح الإسلامي في سوريا والعراق وبلاد الفرس.

وقد قضى المؤلف أكثر من عشر سنين في الاستعداد لكتابه وجمع مواده وتصوير مناظره ورسم خططه، وقد لمَّ شتات ألف وخمسمائة كتاب باللغات الأوروبية التي يعرفها وهي الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وتلك الكتب تشمل مباحث في الشرق الأدنى والأقصى، حتى بلاد الهند وشمال أفريقيا.

ويُستنتَج من آراء المؤلف أن الفن الإسلامي فن مزدوج، فإن المسلمين حيث حطوا رحالهم شادوا مباني تشبه المباني القديمة التي يجدونها في البلاد المفتوحة، ففي الشام أبقوا على الطراز الشامي؛ أي المباني التي بعضها روماني وبعضها بيزنطي أو إسرائيلي، وفي العراق أبقوا على الطراز العراقي، وفي بلاد الفرس احتفظوا بالخطوط والمربعات والدوائر الفارسية.

ولأجل أن يضرب لذلك مثلًا روى قصة المسجد الذي بناه في الكوفة زياد ابن أبيه، فقال: إن أول مسجد بُني في الكوفة كان دليلًا على البساطة الفطرية، فقد وقف رجل في وسط قطعة أرض فسيحة ورمى عن قوسه أربعة أسهم أمامه وخلفه وذات اليمن وذات الشمال، وحيثما وقعت تلك السهوم أمر الوالي بحفر خنادق مستطيلة، ثم جعل المحراب في موضعه، وجعل فوق رءوس المصلين سقيفة صغيرة، وكان هذا أول مسجد للمسلمين في الكوفة، قطعة أرض محدودة بأربعة خنادق.

أما المسجد الثاني الذي بناه ابن أبيه فقد جاء من أعظم المساجد وأفخمها، والسر في ذلك أن زيادًا دعا كبار المهندسين والبنائين لزيارته، فلما حضروا أعرب لهم عن رغبته في تشييد مسجد، وكان هؤلاء المهندسون حديثي عهد بتشييد المعابد الكبرى، وعندهم علم عظيم بفنون بناء القصور والقلاع، ولديهم قواعد علمية محفوظة من أسلافهم وأساتذتهم، وهم يكتمونها في صدورهم ويعتبرونها ذات قيمة عظمى ويحرصون عليها فلا تُذاع، فأخذوا يشرحون للحاكم المسلم طريقة بناء المسجد ويظهرون له مهارتهم، وهم يظنون أنه يعلم ما يقصد إليه ويريد الوقوف منهم على قدر معرفتهم، فكانوا كلما قالوا شيئًا أجابهم بقوله: «هذا هو الذي كنت أريده وأنا عاجز عن الإفصاح عنه.» فأخذوا في تشييد المسجد كما أراد فنهم الدقيق وهم يعتقدون أنها رغبة مولاهم، والحقيقة أن عملهم هو الذي أوحى لهم طريقة البناء.

وكلما قلبنا أجفاننا في السبعين صفحة التي نجز طبعها، أدركنا أن المؤلف حاول أن يجعل كتابه أجمعَ الكتب لفن العمارة الإسلامي في الثلاثة القرون الأولى للمدنية العربية.

وغني عن البيان أن العرب لم يكن لهم فن في العمارة، وإن كانت لهم بعض المباني المشهورة قد شُيدت على هيئة الحصون والقلاع والقصور، ولكنها في الواقع كانت مباني فطرية، ولم تُدانِ شيئًا من المباني الفخمة التي قامت بعد ظهور الإسلام، وهذا لا ينقص من قدر العرب مطلقًا؛ لأنهم قوم رحالة ينزلون الوديان ويألفون الخيام، وبلادهم شديدة القيظ قليلة المطر فلا حاجة بهم إلى الجدران، ولكن لما انتشر الإسلام على هيئة مروحة كما يصفه علماء الإفرنج ويمثلونه هكذا:

احتك بفنون للعمارة مختلفة ومتباينة، ففي يساره سوريا بمبانيها الهيلانية ودقة عمائرها المتقنة، وعن يمينه بلاد العراق وبلاد الفرس وهي تمثل دولة آل ساسان القديمة بقبابها وأقواسها وبوائكها المصنوعة من الطوب، ولما كانت سوريا مركز الخلافة ومقر السلطان لعهد بني أمية، كان الطراز السوري هو السائد في المباني، فلما انتقلت الخلافة من دمشق إلى بغداد انتقل معها الذوق والطراز وصارت الغلبة للطريقة الفارسية والعراقية كما حدث في تاريخ الرومان عند انتقال العاصمة من رومة إلى بيزنطة.

وعند ذلك ولدت الفنون العباسية وأخذ الفن الإسلامي للمرة الأولى يتخذ شكلًا قائمًا بذاته وشخصية مستقلة.

وقد انتشر الفن الإسلامي العباسي شرقًا وغربًا، فظهر في فارس، ثم أدخله أحمد بن طولون إلى القطر المصري.

وقد يتناول المؤلف كل أثر من تلك الآثار الإسلامية ويبحثه من ثلاث جهات: فهو يسرد تاريخه معتمدًا على أوثق المصادر العربية والإفرنجية، ثم ينتقل إلى وصفه وصفًا تامًّا وتحليل ما بقي منه، ثم ينتقل إلى الكلام على دواعي الإيحاء والإبداع الفكري التي أخرجت الأثر من حيث التصميم إلى حيز التنفيذ المادي، وهو لا يكتفي بالرسم الهندسي الذي يبين أصول الأثر، بل يزيد عليها الصور الفوتوغرافية المتقنة، فقد أخذ لمسجد الصخرة نحو تسعين صورة شمسية وبعضها خاص بنقوش الفسيفساء التي لا تُجارى، والتي لا تزال محفوظة من العطب حفظًا مدهشًا، وللمرة الأولى يرى القراء صور الفسيفساء للمسجد الأعظم بدمشق.

فبينا القارئ يقرأ فصلًا عن مساجد المدينة والبصرة والكوفة ومبحثًا عن القبلة والمنبر، إذا هو ينتقل إلى الكلام على مساجد أورشليم والفسطاط ومباحث عن المقصورة والمِئذنة، وعن مسجد الصخرة أو قبة الصخرة وجامع دمشق الأعظم، ومئذنة القيروان، وقصر عمر أو حمام الصراخ، ومسجد قصير الحلابات وقصر الطوبة، وتأسيس بغداد وبناء مسجدها وقلاعها، وقصر الأخيضر، وجامع قرطبة الكبير (وهو من عجائبها الأربع) وجامع عمرو بالفسطاط وسمرا (سر من رأى) ومقياس النيل بالروضة، وجامع الثلاثة أبواب (ثلاث بيبان) بالقيروان، وساقيات البساتين بمواسيرها الأكوادوكية، وجامع ابن طولون، وجامع دير السرياني، وجامع حماة وتفسير انقلابه من كنيسة إلى مسجد.

ومما يعجبنا في مباحث المؤلف أنه في كثير من الأمور الأساسية تعمق إلى درجة بعيدة حتى رد الأمور إلى أصولها، فمن ذلك محاولة مراجعة مؤلفات العلماء في هندسة البناء التي يرجع جمال المباني في بعض الممالك إلى الأشكال الهندسية الأساسية التي جُعلت مصدرًا أوليًّا لتلك المباني، فقد قال بعضهم باتخاذ المثلث قاعدة لكثير من الآثار الكبيرة، وأن هذا كان هو السر في ظهور تلك الآثار بمظهر الجمال في عين الرائي، وما ذلك إلا لوجود نسبة معينة بين رأس المثلث وضلعيه وقاعدته، وقد أثبت ذلك ديولافوا في كلامه عن المقبرة التي بناها الشاه محمد خودا بندا في السلطانية في سنة ١٣٠٧ وفي المسجد الكبير الذي بني في رباط ما بين ٥٨٥ و٥٩٥ هجرية، وربما توجد هذه الفكرة في غيرهما من المباني الإسلامية لو تحرينا البحث عنها، وقد أظهر بابان أن نظام المثلث الأساسي في المباني قد استعمل في الهياكل الإغريقية، وأن ارتفاع الوجهة وعمق العتب والفرجة ما بين الأعمدة تؤيد تلك النسبة تأييدًا حسابيًّا، وأثبت ديهيو بأبحاث واسعة النطاق أن تلك الطريقة بنسبتها قد استعملت عند اليونان والرومان والبيزنطيين والقوطيين، وهذه الفكرة قديمة جدًّا وظاهرة في أهرام الجيزة حيث توجد أدلة فنية تثبتها ولا سيما النسبة بين الارتفاع وبين محيط القاعدة، فهي كالنسبة بين الخط الذي يقسم الدائرة إلى قسمين مارًّا بمركزها وبين محيطها.

وهذه الفكرة لم ترد في الكتب، وهذا لا يقلل من قدرها؛ لأنها تعد من أسرار الصناعات التي لم يكن يبوح بها الأساتذة لتلاميذهم إلا بعد الأقسام والأيمان المحرجة.

ولا يخفى أن الاحتفاظ بهذه النسبة الدقيقة في المباني ينقلها من صخريتها الصماء إلى معان موسيقية جميلة تطرب لها النفس بعد انتقال صورتها إلى العقل بواسطة العين كما تطرب لأنغام الموسيقى التي تمر بالأذن.

وإننا ننتظر ظهور الكتاب بفروغ صبر لننقل منه إلى قراء العربية ما ينفعهم عن آثار أجدادهم العظماء.

ومما يزيد في قدر هذا الكتاب أن مؤلفه الأستاذ كريزويل يُعد في نظر العلماء الأخصائيين في الآثار الشرقية أكبر ثقة في العمارة الإسلامية، فقد ندبته شركة طبع دليل بديكر الشهير لوضع الفصل الخاص بالعمارة الإسلامية لطبعة ١٩٢٩ فجاء في ثلاث عشرة صفحة بالحروف الصغيرة حوت كل ما يهم الاطلاع عليه من تاريخ آثارنا الإسلامية المجيدة، كما أنه واضع قائمة الكتب الخاصة بالعمارة الإسلامية في الهند، وقد بلغت مائة صفحة بالقطع الكبير وضمتها معلمة الآثار الهندية The Indian Antiquary في المجلد الواحد بعد الخمسين في الصفحات ٨١–١٠٨ و١٦٥–١٧٩ وطبعت في بومباي سنة ١٩٢٢، وقد ألف رسالة في المسجد الأقصى نشرتها مجلة بيزانطيون في المجلد الرابع (١٩٢٧-١٩٢٨) وقد نقلت تلك الرسالة من الأصل الإنجليزي إلى الفرنسية وطبعت في لياج ببلجيكا سنة ١٩٢٩، وقد انتهى المؤلف إلى نتيجة حاسمة في مسألة المسجد الأقصى فجزم بأن عمر بنى مسجدًا في مكان الهيكل القديم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك· تسجيل الدخول·
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك· التسجيل·

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة·