أولًا: مقدمة

بعد التاريخ العام الذي يظهر في النبوة وفي المعاد؛ أي في ماضي الإنسانية وفي مستقبلها، يظهر التاريخ الخاص أو التاريخ المُتعين في النظر والعمل أولًا، وهو ما سمَّاه القدماء «الأسماء والأحكام»، ثم في الحكم والدولة ثانيًا، وهو ما سمَّاه القدماء «الإمامة»؛ فإذا كان التاريخ العام من صُنْع الله، إذ إنه هو الذي يرسل الأنبياء، وهو الذي يبعث الناس إليه في اليوم الآخر، فإن التاريخ المُتعين من صُنْع الإنسان؛ فالنظر والعمل مقولتان إنسانيتان فرديتان، كما أن الحكم والدولة نظامان إنسانيان اجتماعيان من اختيار الإنسان؛ فالتاريخ العام لا يتحقق إلا في التاريخ الخاص، وكأن المشروع الإلهي كما تم عرضه في الوحي كعلمٍ إلهي لا يتحقق إلا بنظر الإنسان وعمله، وحكم الجماعة ونظامها. وفي التاريخ المُتعين ينتهي علم أصول الدين، ويتحقق القصد الإلهي من الوحي، وتتأسَّس العقائد، ويكتمل النسق.

(١) وضع المشكلة وأهميتها

تدخل مسألة النظر والعمل في باب «الأسماء والأحكام»، أي في تحديد معاني الألفاظ؛ فهي ليست مسألةً نظرية بقدرِ ما هي مسألةٌ لغوية. ليست قضية تفتيش في ضمائر البشر أيُّهم المؤمن وأيُّهم الكافر كما يحدث في هذه الأيام، بل هي مسألة البحث عن معاني الكلمات، وكأن النظر والعمل مجرد أسماء وألفاظ وتحديد مَعانٍ، وليسا منطق سلوك وأفعال وممارسة النظر والتحقيق.١ وهل يمكن معرفة النظر والعمل لغويًّا فحسب؟ وعلى فرض أنها مبحثٌ لغوي، فهل هي أسماءٌ شرعية فحسب ليس للعقل فيها دور في الفهم أو التحليل؟ لذلك نشأ رد الفعل على هذا الوضع الهامشي للمشكلة، وأصبحت أصلًا من أصول الدين، الأصل الرابع منه «المنزلة بين المنزلتين» بعد الأصول الثلاثة؛ التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد.٢ وتعني مسألة الأسماء والأحكام أن مسألة النظر والعمل من حيث التطابق أو عدمه مجرد أسماء لغوية تُشير إلى أحكامٍ شرعية، وليس لها أي مدلول نظري أو واقعي؛ فمحلُّ بحثها هو قواميس اللغة وكتب الفقه؛ وبالتالي إخراج موضوع النظر والعمل من نطاق تحليل العقل والواقع. وإذا كان الأمر سهلًا في حالة التطابق، فإن الأمر يكون صعبًا في حالة الاختلاف؛ فالإتيان بالكبيرة إنما يُشكك في مدى فاعلية النظر، ويُسبِّب أضرارًا بالغة في الواقع الاجتماعي. وإذا استطاع الإنسان التوقف في تحديد بعض المسائل النظرية مثل الإيمان والكفر والشرك، أو تحديد بعض الأحكام الفقهية حول الفسق والنفاق والعِصيان، فإنه لا يستطيع أن يتوقف أمام الإتيان بالكبائر؛ لأنها أفعالٌ عامة يقوم بها الفرد في المجتمع، وتدخل تحت طائلة القانون.
وقد يُشار إلى مسألة النظر والعمل كجزء من المقدمات العامة في علم أصول الدين، فيما يجب على المكلَّف الإيمان به، مثل نظرية العلم ونظرية التكليف، وكأنها مدخل وليست موضوعًا نظريًّا مستقلًّا،٣ وكأنها مقدماتٌ نظرية خالصة، مقدمات في مفاهيم العلم. وقد ظهر أيضًا في الشروح المتأخرة عندما انهار بناء العلم وتحوَّل إلى منظومةٍ عقائدية نثرًا أو شعرًا، وبالتالي ضاع موضوع النظر والعمل من المستوى البرهاني إلى المقدمة الخطابية العامة، وكأنه مبحثٌ فقهي أو صوفي. وقد تبدو مسألة النظر والعمل في نهاية العقائد المتأخرة كمقدمة للأخلاقيات التي ينتهي بها التوحيد كنوع من الخطابة العامة في الدين بعد انهيار البناء العقلي للعلم.٤ وقبل أن توضع كخواتم خطابية للعلم تظهر أحيانًا كملحَق لموضوعاته الأخيرة كالمعاد والنبوة؛ فتدخل في مسألة الوعد والوعيد باعتبارها تتحدث عن الإيمان والكفر والفسوق والمعصية من خلال قانون الاستحقاق.٥ كما قد تظهر في باب النبوات في آخر مرحلة من مراحل النبوة؛٦ لذلك ارتبطت بموضوعات الوعد والوعيد، ولكن على مستوى الدنيا وليس تطبيقًا للاستحقاق في الآخرة. وقد يضطرب مكانها ويتردد بين الموضوعات السمعية بعد المعاد والوعد والوعيد وقبل النبوة والإمامة؛ مما يدل على بداية اهتزازها في بناء العلم.٧
وقد تغيب مسألة النظر والعمل من بعض المؤلَّفات الكلامية ورسائل التوحيد نظرًا لعدم ظهور الجانب الإلهي فيها. ولا تظهر إلا بمقدار ظهورها كجزء من التوحيد في الإرادة المطلَقة؛ ومن ثَم تلحق بمسألة الجبر في الأفعال على أساس أنها تتناول الإيمان والكفر والفسوق؛ أي موضوع الأفعال.٨ وقد تغيب مسألة النظر والعمل بتاتًا من العقائد المتأخرة بعدما طغت الإلهيات على باقي الموضوعات، وبعدما أصبحت كل المسائل ما عدا التوحيد جزءًا من التوحيد. ولا تظهر إلا كقضية في نهاية العقائد بعد الوعد والوعيد والمعاد والنبوة والإمامة في تحديد معنى الكفر ومن هم الكافرون لتحديد علاقاتهم الاجتماعية بسائر المؤمنين في الأمة. وهو الجانب التاريخي الذي فيه تحوَّل موضوع الفِرق إلى ملحَق للإمامة أو ذيل لها فيما يجب تكفيره من الفِرق.٩ وتغيب المسألة كليةً وكأنها لا تدخل في علم التوحيد خاصةً في كتب العقائد المتأخرة والمتوسطة في عصر بناء العلم،١٠ كما تختفي من العقائد المتأخرة.١١ والعجيب أن تغيب عن بعض الحركات الإصلاحية الحديثة.١٢
وبالرغم من هذا الغياب للموضوع إلا أن له أهميةً قصوى، لأنه موضوعٌ عملي يمسُّ الحياة اليومية للجماعة، وعلى أساسه تتحدد العلاقات الاجتماعية،١٣ بل إنه هو الموضوع الأول من حيث النشأة، موضوع مرتكب الكبيرة وحكمه بين المؤمن والكافر. دارت حوله أهم الفِرق الكلامية بين طرفَي نقيض كحلٍّ وسط بين الاثنين.١٤ ويتصل بموضوع التوحيد، بالذات والصفات؛ فكلاهما يُصاغان بالطريقة نفسها لتصوُّر العلاقة بين الطرفين، الذات والصفات، أو الإيمان والعمل، علاقة زيادة أو مساواة، والاختلاف في تصور هذه العلاقة بين أهل العدل وأهل الرحمة.
وقضية النظر والعمل قضيةٌ إنسانيةٌ خالصة، تتناول موضوع العمل والسلوك طبقًا للتصورات والدوافع وحسب البواعث والغايات، وهي أبعد الموضوعات عن الجوانب الإلهية؛ لذلك تكون قسمة الإيمان إلى قديم ومحدَث قسمةً في البداية تجعل الموضوع يتناول الإيمان المحدَث، أي إيمان الإنسان، وليس الإيمان القديم.١٥ صحيحٌ أن المؤمن أحد أسماء الذات، إلا أن الإيمان هو هذه الطاقة الإنسانية الخالصة وتصورات الإنسان لنفسه وللعالم، دوافع سلوكه وبواعثها؛ فإذا كان التوحيد مِحوره الله، والعدل مِحوره الإنسان، فإن الوعد والوعيد التقاء بين المحورَين، والإيمان والعمل هما الجانب الدنيوي في موضوع الوعد والوعيد؛ فطالما يتعلق الإيمان بالنظر والعمل والتصديق والإقرار، وكلها أبعاد للشعور الإنساني، فإن المشكلة تكون إنسانية في جوهرها.

(٢) أبعاد الشعور

ويمكن تحليل مسألة الإيمان والعمل بتحليل جوانب الشعور الثلاثة؛ صورته ومضمونه وموضوعيته.١٦ فصورة الشعور تظهر في الوحدة أو الاختلاف بين أبعاد الشعور الأربعة، الفكر والقول والوجدان والعمل، بينما يظهر مضمون الشعور في الفكر المُتمثل الذي يتحول إلى قول وعمل في مضمون التصديق (الله، والكتب، والرسل، واليوم الآخر …)١٧ وأخيرًا يتموضع الشعور عندما يتحول الإيمان من طاقة في الشعور إلى نظامٍ مثالي للعالم.
فعندما يصبح الإيمان موضوعًا للشعور تظهر له أبعادٌ أربعة؛ الفكر والقول والوجدان والعمل.١٨ يظهر الإيمان من خلال هذه الأبعاد، إما في واحد منها أو في اثنين أو في ثلاث أو في جميعها؛ فالفكر هو ما يُسميه القدماء المعرفة أو النظر أو الاستدلال، والقول هو الإقرار أو الشهادة، والوجدان هو التصديق بالقلب أو التحول، والعمل لفظٌ قديم ومعاصر على السواء. كان الخلاف القديم بين النظر، أي الإيمان، والعمل في قضية مُرتكِب الكبيرة، وكأن النظر أو الإيمان يشمل الإقرار والتصديق؛ أي القول والوجدان. هناك إذن أربعة موضوعات وإحدى عشرة علاقة مُمكنة، ستة منها ثنائية، وأربعة منها ثلاثية، وواحدة منها رباعية.١٩ ولما كان يمكن اعتبار المعرفة والوجدان بُعدًا واحدًا، فالمعرفة نظر، والوجدان تصديق، كلاهما نظر إما عقلي أو قلبي، استدلالي أو وجداني، تكون أبعاد الشعور ثلاثة؛ المعرفة أو النظر، والقول أو الإقرار، ثم العمل. وتكون المعرفة حينئذٍ هي معرفة الشعور، وعلى هذا النحو تكون الاحتمالات سبعة؛ ثلاثة فردية، المعرفة والقول والعمل؛ وثلاثة ثنائية، المعرفة والقول، والمعرفة والعمل، والقول والعمل؛ وواحدة ثلاثية، المعرفة والقول والعمل.٢٠ وإن كان الفكر هو النظر، والنظر أساس العمل، إلا أن الفكر عندما يتمثل يصبح وجدانًا، وعندما يعبِّر عن نفسه يصبح قولًا، وعندما يتحول إلى عملٍ يصبح فعلًا؛ فهو طاقةٌ واحدة تظهر في مخارج مُتعددة. ويظهر ذلك منذ البداية في محاولات تحديد حقيقة الإيمان والكفر وتفاوت كل التعريفات بين هذه الأبعاد؛ المعرفة التي تشمل النظر والتصديق، والإقرار، والعمل؛ فالإيمان معرفة تقوم بالله، وما جاءت به الرسل، والكفر جهل به؛ كما أن التصديق بالقلب؛ فالإيمان لغةً هو التصديق، التصديق بالرسل فيما عُلِم مجيئه ضرورةً وتفصيلًا،٢١ وهو أيضًا كلمتا الشهادة أو التصديق مع الكلمتين، وهو ثالثًا أعمال الجوارح، إما الطاعات فرضًا ونفلًا أو الطاعات المفروضة دون النوافل.٢٢ الإيمان إما فعل القلب فقط، وهو المعرفة أو التصديق، وإما فعل الجوارح فقط، وهو إما باللسان وهو الكلمتان، أو غيره وهو العمل بالطاعات، وهو إما فعل القلب والجوارح معًا، والجارحة إما باللسان أو الجوارح؛ فالإيمان نظر، معرفة وتصديق، أو عمل باللسان أو بالجوارح. الإيمان إذن هو مجموع هذه الأبعاد الثلاثة؛ تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان.٢٣ وتُعرَف أبعاد الشعور بتحليل العقل، وقد تُعرَف أيضًا بالنص؛ فالإسلام هو القول، والإيمان هو القول المُضاف إلى المعرفة والوجدان، والإحسان هو العمل المُضاف إلى القول والمعرفة والوجدان.٢٤ وقد تكون هناك قسمةٌ أكمل للشعور بناءً على الكيف والكم والجهة والإضافة؛ فالشعور الكيفي هو الذي له أبعاده الأربعة، المعرفة والتصديق والإقرار والعمل، أو الثلاثة إذا ما ضُم التصديق إلى المعرفة في النظر. والشعور الكمي هو الذي يزيد وينقص لاحتواء مسألة «هل يزيد الإيمان وينقص؟» أما الشعور كجهة فهو مضمون الإيمان الذي عُرض من قبل في المضمون النظري للرسالة.٢٥ أما الشعور كإضافة فهو ما تناوله الحكماء من حيث قسمة الإيمان إلى إيمان العوام وإيمان الخواص.
١  هذا هو موقف الأشاعرة، باب في الأسماء والأحكام، فصل في معنى الإيمان (الإرشاد، ص٣٦٩). اعلم أن غرضنا في هذا الفصل يستدعي تقديم ذكر حقيقة الإيمان، وهذا مما اختلفت فيه مذاهب الإسلاميين. والكلام في هذا الفصل يتعلق بالتسميات ولبابه الوعيد والخلود (الإرشاد، ص٣٩٨). القسم الثالث في الأسماء والأحكام (المحصل، ص١٧٤). «الثامن من النبوة» في الأسماء الشرعية (الطوالع، ص٢٢٨). في الأسماء والأحكام (المواقف، ص٣٨٤–٣٩٥).
٢  هذا هو موقف المعتزلة. ويشرح القاضي عبد الجبار المنزلة بين المنزلتين بقوله إن الأصل في ذلك أن هذه العبارة تُستعمل في شيء بين شيئين، ينجذب كل واحد منهما بشبه هذا في أصل اللغة. وأما في اصطلاح المُتكلمين فهو العلم بأن لصاحب الكبيرة اسمًا بين الاسمين وحكمًا بين الحكمين. وهذه المسألة تُلقَّب بمسألة الأسماء والأحكام (الشرح، ص٦٩٧، ص١٣٧-١٣٨).
٣  الجوهرة، ص٣٨–٤٦؛ الوسيلة، ص١٤–١٦؛ الحصون، ص٥-٦. مبحث الإيمان والإسلام وما يتعلق بهما. الإيمان والإسلام باعتبار متعلق مفهومَيهما، وهو ما عُلِم من الدين ضرورةً من مباحث علم الكلام كما يُعلَم من قوله فيما يأتي. ومن المعلوم ضرورة جحد ذكرهما المتكلمون في علم الكلام، لكن اختلفوا في وضعهما؛ فأخَّرهما قوم من الإلهيات والنبوات والسمعيات، وقدَّمهما آخرون لاحتياج الخائضين في تلك المباحث إليهما (التحفة، ص٣٨). ولما كان الإيمان والإسلام باعتبار متعلق مفهومَيهما، وهو ما يجب الإيمان به، من مباحث علم الكلام، ذكرهما مقدمًا، الإيمان لأصالته لتعلُّقه بالقلب، وتبعية الإسلام له لتعلُّقه بالجوارح (الإتحاف، ص٤٥).
٤  الخريدة، ص٦٧.
٥  المعالم، الغاية، الوسيلة.
٦  النهاية، ص٤٧٠–٤٤٨.
٧  النسفية، ص١٢٤–١٣٢.
٨  هذا هو موقف الرازي في المسائل الخمسين.
٩  العضدية، ج، ص٢٨٥–٢٩٣.
١٠  هذا هو الحال في «اللُّمع»، «الأساس»، «التحقيق»، «الانتصار»، «المحيط»، «المُغْني».
١١  «أم البراهين»، «الجامع».
١٢  «رسالة التوحيد»، «عقيدة الدردير».
١٣  من ضِمن أصول أركان الدين عند جمهور أهل السنة: (١٣) في أحكام الإيمان والإسلام في الجملة. (١٤) في معرفة أحكام الأولياء ومراتب الأئمة الأتقياء. (١٥) في معرفة أحكام الأعداء من الكفر وأهل الأهواء (الفرق، ص٣٢٣).
١٤  تغلب هذه الموضوعات على فِرق الخوارج والمرجئة وخاصةً المرجئة؛ فأما المرجئة فعمدتهم التي يتمسَّكون بها الكلام في الإيمان والكفر ما هما، والتسمية بهما، والوعيد، واختلفوا فيما عدا ذلك كما اختلف غيرهم. وأما المعتزلة فعمدتهم التي يتمسَّكون بها في التوحيد وما يوصَف به الله، ثم يزيد بعضهم الكلام في القدر والتسمية بالفسق أو الإيمان والوعيد. وأما الخوارج فعمدة مذهبهم الكلام في الإيمان والكفر ما هما، والتسمية بهما، والوعد (الفصل، ج٢، ص١٠٧). الخوارج والمرجئة والوعيدية؛ فالمرجئة صنفٌ تكلَّموا في الإيمان والعمل، والوعيدية داخلة في الخوارج، وهم القائلون بتفكير صاحب الكبيرة وتخليده في النار (المِلل، ج٢، ص٢٣).
١٥  الإيمان على ضربين؛ إيمان قديم وإيمان محدَث؛ فالقديم إيمان الحق لأنه سمَّى نفسه مؤمنًا، وإيمانه تصديق لنفسه وتصديقه لأنبيائه بكلامه، وكلامه قديم، صفة من صفات ذاته. والإيمان المحدث إيمان الخلق، وصفة للعبد مخلوقة (الإنصاف، ص٥٤-٥٥). الإيمان مخلوق لأنه إما التصديق بالجَنان أو مع الإقرار باللسان، وكلٌّ منهما مخلوق، وما يُقال عن أنه قديم باعتبار الهداية خروج عن حقيقة الإيمان. على أن الهداية حادثة إن التفت للقضاء الأزلي صح (التحفة، ص٤٢).
١٦  انظر تحليلنا لهذه الجوانب الثلاثة في رسالتنا: Les Méthodes d’Exégèse.
١٧  انظر الفصل التاسع: تطور الوحي (النبوة)، مضمون الرسالة، المضمون النظري.
١٨  وتظهر هذه الأبعاد الأربعة في الحديث المشهور: «من رأى منكم منكَرًا فليُغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وهذا أضعف الإيمان.» الرؤية هنا هي المعرفة أو الفكر أو النظر، يتلوها العمل المباشر؛ فإن صعُب يتلوها العمل باللسان وهو القول؛ فإن صعُب يتلوها العمل بالقلب، وهو الاعتقاد أو التصديق أو الوجدان.
١٩  تكون الاحتمالات الخمسة عشرة كالآتي ابتداءً من الثنائي فالثلاثي فالرباعي:
وابتداءً من العلاقات التي تكون فيها المعرفة طرفًا دائمًا ثم التصديق ثم الإقرار ثم العمل كالآتي:
٢٠  الاحتمالات السبعة هي:
٢١  «الإيمان معرفة» تعريف جهم. وهو تصديق، رأي القاضي والأستاذ والصالحي وابن الراوندي وأكثر الأئمة (مقالات، ج١، ص٢٠٥).
٢٢  الإيمان كتصديق مع الكلمتين هو موقف أبي حنيفة، وكأعمال الجوارح رأي الخوارج والعلَّاف والقاضي عبد الجبار، والطاعات المفروضة دون النوافل هو رأي الجبائي وابنه وأكثر المعتزلة البصرية (مقالات، ج١، ص٢٠٥).
٢٣  هذا هو موقف أهل السلف وأصحاب الأثر (المواقف، ٣٨٤–٣٨٨).
٢٤  هذا هو الحديث القدسي المشهور عن التدرج من الإسلام إلى الإحسان. معنى الإسلام والفرق بينه وبين الإيمان والإحسان، وما المبدأ والوسط والكمال، والخبر المعروف في دعوة جبريل حيث جاء على صورة أعرابي، وجلس حتى التصقت ركبته بركبة النبي، وقال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ فقال: أن تشهد أن لا إله إلى الله وأني رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم شهر رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا. قال: صدقت. ثم قال: ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. ثم قال: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: صدقت. مفترق في التفسير بين الإسلام والإيمان؛ إذ الإسلام قد يرد بمعنى الاستسلام ظاهرًا، ويشترك فيه المؤمن والمنافق: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا، ففرَّق بينهما؛ فكان الإسلام بمعنى التسليم والانقياد ظاهرًا موضع الاشتراك، فهو المبدأ؛ ثم إذا كان الإخلاص معه بأن يُصدق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويُقر عقدًا بأن القدر خيره وشره من الله، بمعنى أن ما أصابه لم يكن ليُخطِئه، وما أخطأه لم يكن ليُصيبه، كان مؤمنًا حقًّا؛ ثم إذا جمع بين الإسلام والتصديق، وقرن المجاهدة، وصار غيبه شهادة، فهو الكمال؛ فكان الإسلام مبدأً، والإيمان وسطًا، والإحسان كمالًا. وعلى هذا شمل لفظ المسلمين الناجي والهالك. وقد يرد الإسلام وقرينه الإحسان؛ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا، إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ، إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. وعلى هذا خُص الإسلام بالفِرقة الناجية (المِلل، ج١، ص٥٩–٦١؛ الإنصاف، ص٥٩-٦٠).
٢٥  الفصل التاسع: تطور الوحي (النبوة)، مضمون الرسالة، الموضوعات النظرية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١