الفصل الثاني

الكواكب الصخرية

جدول ٢-١: بيانات أساسية عن الكواكب الأرضية.
الكتلة (١٠٢٤كجم) القطر القطبي (كم) الكثافة (١٠٣كجم متر−٣) جاذبية السطح (متر ثانية−٢) الضغط الجوي (بار) متوسط درجة حرارة السطح
عطارد ٠٫٣٣٠ ٤٨٨٠ ٥٫٤٣ ٣٫٧ ١٠−١٥ ١٧٠ درجة مئوية
الزهرة ٤٫٨٧ ١٢١٠٤ ٥٫٢٠ ٨٫٩ ٩٢ ٤٨٠ درجة مئوية
الأرض ٥٫٩٧ ١٢٧١٤ ٥٫٥١ ٩٫٨ ١ ١٥ درجة مئوية
القمر ٠٫٠٧٤ ٣٤٧٦ ٣٫٣٤ ١٫٦ ٢ × ١٠−١٤ ١ درجة مئوية
المريخ ٠٫٦٤٢ ٦٧٥٠ ٣٫٩٣ ٣٫٧ ٠٫٠٠٦٣ −٥٠ درجة مئوية
سوف أتناول في هذا الفصل الكوكب الذي نعيش على ظهره وغيره من الأجرام المشابهة له، وهي تحديدًا الكواكب الأرضية الثلاثة؛ عطارد والزهرة والمريخ، وذلك إضافة إلى القمر الأرضي. بالنسبة لعلماء الفلك التابعين للاتحاد الفلكي الدولي، القمر الأرضي ليس إلَّا قمرًا تابعًا، لكن بِنْيَته وتركيبه الداخلي يضعانه ضمن الكواكب الأرضية من وجهة نظر الجيولوجيين والجيوفيزيائيين. يبين الشكل رقم ٢-١ هذه الأجرام الخمسة بنفس مقياس الرسم، ويتضمن الجدول رقم ٢-١ بعض البيانات الخاصة بها. ومن بين هذه المجموعة، لا يمتلك عطارد والقمر غلافًا جويًّا. وكوكب الزهرة له حجم وكتلة وكثافة أقل على نحوٍ طفيف مقارنةً بكوكب الأرض؛ ومن ثم فإن الجاذبية على سطحه أقل من الجاذبية على سطح الأرض على نحو طفيف، لكن غلافه الجوي أكثر كثافة بكثير. وكوكب المريخ أكبر من كوكب عطارد، لكنه أقل كثافة منه. وهذان التأثيران يعادل كلٌّ منهما الآخر؛ بحيث إن جاذبيتَي سطحيهما تكُونان متشابهتين جدًّا، لكن نظرًا لكون المريخ أكثر برودة؛ فقد استطاع الاحتفاظ بغلاف جوي رقيق لكنه ذو حجم مناسب. وسطح القمر الأرضي أقل جاذبية مقارنة ببقية الأجرام التي نتحدث عنها هنا — ما يعادل نحو سدس جاذبية كوكب الأرض — وهذا هو سبب أننا نلاحظ أن السائرين على سطح القمر يَثِبُون على نحو غريب جدًّا. ومتوسطات درجات الحرارة على أسطح تلك الأجرام تضفي غموضًا على التباينات الكبيرة مع دائرة العرض، وبين النهار والليل في بعض الأحيان. على سبيل المثال، أعلى درجة حرارة خلال النهار على سطح كوكب عطارد تزيد عن ٤٠٠ درجة مئوية، في حين أن درجة الحرارة وقت الفجر بعد ليلة طويلة على سطح نفس الكوكب تكون أقل من ١٨٠ درجة تحت الصفر.
fig3
شكل ٢-١: الجزء العلوي من الصورة: من اليسار إلى اليمين عطارد، الزهرة، الأرض، القمر، المريخ مُبيَّنة بنفس مقياس الرسم. الجزء السفلي: الكواكب العملاقة الأكبر حجمًا بكثير؛ وهي: المشتري، زحل، أورانوس، نبتون، مع الكواكب الأرضية موضوعة بنفس مقياس الرسم.

(١) اللب

تتميز الكواكب الأرضية عن غيرها بامتلاكها أجزاءً خارجية صخرية تتكون في أغلبها من معادن السليكات. لكن كثافاتها كبيرة جدًّا بحيث لا تسمح لها بأن تكون صخرية بالكامل، ويُعتقد أن كلًّا منها يحتوي على لب غني بالحديد في مركزه. ولا يمكن رؤية لب أي كوكب أو أخذ عينة مباشرة منه، لكن يوجد العديد من الأدلة المستقلة. والكثافة أحد هذه الأدلة؛ إذ تشير إلى أن الجزء الداخلي لا بد أن يكون أكثر كثافة من الصخر بما يسمح حتى بانضغاط داخلي في ظروف الضغط المرتفع. وتشير تحليلات مسارات مركبات الفضاء التي تدور حول تلك الكواكب إلى أن الكثافة تزداد باتساق حول مركز كل كوكب. وتشير النماذج الكيميائية المتعلقة بما يحدث — على الأرجح — داخل الكواكب الصخرية إلى أن هناك قدرًا غير كافٍ من الأكسجين بحيث يمكن لكل الحديد الموجود أن يتأكسد ويتَّحد مكوِّنًا معادن السليكات؛ لذا، لو أن الجزء الداخلي من الكوكب قد انصهر، فإن هذا كان من شأنه أن يسمح للحديد المعدني الذي هو أكثر كثافة من الصخر، أن يغوص نحو المركز. وهذا مثال على عملية يُطلق عليها: التمايز الكوكبي.

والأجزاء الخارجية من اللب الغني بالحديد لكلٍّ من الأرض وعطارد لا بد أنها منصهرة اليوم؛ لأن كلا هذين الكوكبين لديهما مجال مغناطيسي قوي، تولَّد — على الأرجح — من حركة ديناميكية في مائع موصِّل للكهرباء. وبالنسبة لكوكب صغير مثل عطارد، فإن كثافته عالية جدًّا، ومن ثم فإنه لا بد أن يكون لبُّه ضخمًا على نحو استثنائي، يشغل نحو ٤٠٪ من حجمه، ويمثل نحو ٧٥٪ من كتلته. ولا تتولد مجالات مغناطيسية داخل كوكبَي الزهرة والمريخ والقمر الأرضي؛ ومن ثم فمن المرجح أن يكون لب كلٍّ من هذه الأجرام الثلاثة صلبًا بأكمله.

في حالة كوكب الأرض، حصلنا على المزيد من الأدلة المتعلقة باللب من دراسة الكيفية التي تنتقل بها الموجات الزلزالية — وهي اهتزازات تطلقها الزلازل (أو اختبارات نووية تتم تحت الأرض!) — في أرجاء الكوكب. وهذا يؤكد وجود لب داخلي صلب يبلغ نصف قطره ١٢١٥ كيلومترًا، ولب خارجي مائع يبلغ نصف قطره ٣٤٧٠ كيلومترًا. ويبدو أن كليهما في الأساس عبارة عن حديد ممزوج بنيكل بنسبة تتراوح بين ٥٪ و١٠٪، لكن افتراضات الكثافة تتطلب شيئًا أقل كثافة من الحديد أيضًا، يشكل من ٦٪ إلى ١٠٪ من اللب الخارجي، ومن ٢٪ إلى ٥٪ من اللب الداخلي. وأكثر التفسيرات ترجيحًا هو مزيج من نوعٍ ما من الأكسجين والسليكون والكبريت.

إجمالًا، يشغل لب كوكب الأرض نحو ١٦٪ من حجم الكوكب. وبالنسبة لكوكبَي الزهرة والمريخ، فإن اللب يشغل نحو ١٢٪ و٩٪ على الترتيب، وهذه التقديرات تعتمد في الأساس على متوسط كثافتهما. وهناك بعض البيانات الزلزالية المحدودة جدًّا التي أتت من القمر (من بعثة «أبوللو»)، والتي تلمِّح إلى وجود لب صغير نسبيًّا يتراوح نصف قطره بين نحو ٢٢٠ و٤٥٠ كيلومترًا (أقل من ٤٪ من الحجم الكلي للقمر). ويتكون نحو ١ في كل ٢٠ نيزكًا من مزيج من الحديد، ونسبة تتراوح بين ٤٫٥٪ و١٨٪ من النيكل، وهو ما يتوافق مع ألباب الكواكب المصغرة التي تنتمي لحزام الكويكبات، والتي تباينت داخليًّا قبل أن تفتتها التصادمات.

(٢) الدثار والقشرة

يُطلق على الجزء السليكي الذي يحيط بلب الكواكب الأرضية اسم الدثار، وهو يشكل أغلب الحجم الإجمالي لكل كوكب أرضي، ومعظم كتلته باستثناء كوكب عطارد. والقشرة هي وحدة ثانوية نسبيًّا تعلو الدثار، وهي أيضًا مكوَّنة من السليكات بالرغم من أنها تختلف اختلافًا طفيفًا في تكوينها عن الدثار.

وقد تطور الدثار الحالي للكواكب من الصخر المنصهر الذي من المحتمل أن يكون قد غطى هذه الكواكب بعد آخر عملية تصادُم ضمن الاصطدام العملاق، والمعروف للجيولوجيين باسم «محيط الماجما». وبينما يبرد محيط الماجما، فإن سطحه ينشر الحرارة في الفضاء، وتتكون مِن ثَمَّ قشرة صلبة. ومع ذلك، فإن هذه القشرة تتكسر وتتقلقل باستمرار بفعل الاضطراب الحادث تحتها والتصادمات من فوقها. وتستمر درجات حرارة محيط الماجما في الانخفاض، لكن على العكس من تجمُّد كرة من الماء، ليس هناك درجة حرارة محددة يصبح عندها المحيط بأكمله صلبًا؛ فطبيعة المادة السليكية المنصهرة تتَّسم بأن ما فيها من معادن ذات تراكيب متنوعة تتبلور في درجات حرارة وضغوط مختلفة. وعلماء الكواكب لا يعلمون على سبيل اليقين إلى أي مدًى تبلورت محيطات الماجما لتشكل طبقات، أو ما إذا كانت المعادن الأكثر كثافة من المعادن المنصهرة قادرة على الهبوط لأسفل، في حين أن تلك الأقل كثافة منها كانت قادرة على أن ترتفع لأعلى، وأن تلتصق معًا لتكوين «جبال صخرية» ضخمة تستطيع أن تشق طريقها بقوة لأعلى بمزيد من الفاعلية.

وتجمعات هذه المادة العائمة التي تختلف كيميائيًّا عن محيط الماجما تحتها قد شكلت أول قشرة حقيقية على سطح القمر، وهي لا تزال باقية إلى يومنا هذا هناك، وتعرف باسم «مرتفعات القمر» (المناطق التي تظهر في لون فاتح على وجه القمر). وعلى سطح الكواكب الأرضية الأكبر حجمًا، لم تتحدد طبيعة أقدم قشرة فيها بعدُ، ويرجع ذلك في جانب منه إلى أن هذه القشرة في الأساس حلَّت محلها (أو على الأقل غطَّتها) أنواع لاحقة من القشرة. ولمعرفة الطريقة التي ربما حدَث بها ذلك، يتعين علينا أن نتحول إلى الدثار مرة أخرى. فبينما يبرد كوكب ناشئ، يصبح دثاره في نهاية المطاف صلبًا تمامًا. وهنا تبرز أهمية خاصيتين للمواد السليكية. أما الخاصية الأولى، فتتمثل في أن المواد الصلبة الساخنة بقدر كافٍ لا تكون ساكنة تمامًا ولا ثابتة في شكلها تمامًا؛ فالصخر الساخن في الجزء الداخلي من الكوكب لديه القدرة على التدفق بسرعات تبلغ بضعة سنتيمترات في كل عام (وهو المعدل الذي تنمو به أظافرك)، بطريقة تشبه كثيرًا الطريقة التي يتغير بها شكل كتلة من القار بمرور الوقت. وفي داخل الدثار الصلب، سوف تحدث الحركة بمعدل بطيء لكنه مؤثر من الناحية الجيولوجية إذا كانت هناك قوًى قادرة على دفعه. وبداخل الكوكب، تمثل الحرارة القوة الدافعة المطلوبة. والدثار الأكثر سخونة الذي يأتي من العمق يكون أقل كثافة على نحو طفيف من الدثار الأبرد فوقه؛ ومن ثم فإن هناك احتمالًا كبيرًا لتبادُل الأماكن فيما بينهما. ويُطلق على الحركة من هذا النوع اسم الحمل الحراري، وهو ما يمكن أن نلاحظه في طبق من الحساء يتم تسخينه على شعلة موقد، غير أن «الحمل الحراري في الحالة الصلبة» داخل الكوكب يكون أبطأ كثيرًا.

تخيَّلْ أن عمودًا من الدثار الساخن يتدفق لأعلى مُزيحًا الدثار الأبرد لأسفل. وبينما يقترب من السطح، يقل الضغط الواقع تحته، وهنا تبرز أهمية الخاصية الثانية؛ فبينما يهبط الضغط، تبدأ السليكات في الانصهار. ويُطلق على هذه العملية اسم «الانصهار الجزئي»؛ لأن جزءًا فقط من المادة الصلبة ينصهر، والماجما التي تتشكل تكون أغنى بالسليكا بقدر طفيف من المادة الصلبة التي استُخرجت منها. وتكون الماجما الناتجة أقل كثافة أيضًا من المادة الصلبة؛ ومن ثم فإن قوى الطفو سوف تسحبها لأعلى نحو السطح، خصوصًا إذا كانت هناك مسارات يكون فيها الصخر الذي يعلوها تحت ضغط أو متفتتًا. وما لم تستقر الماجما في العمق كاسترساب، فإنها تثور من خلال البراكين.

والصخر الذي يتكون بهذه الطريقة يوصف بأنه صخر ناري، ويمكن أن تحل القشرة الناتجة عن نشاط الصخر الناري محل القشرة الأصلية للكوكب عن طريق التسريب أو الطمر. والبقع الداكنة على سطح القمر، المعروفة باسم «بحار القمر»، هي مناطق منخفضة طُمرت فيها القشرة الأولية الأشحب لونًا بواسطة تدفُّقات الحُمم البركانية التي أُنتجت بهذه الطريقة. ونتجت القشرة الحالية لكوكب الأرض من الانصهار الجزئي للدثار من أجل تشكيل قشرة محيطية، ومن انصهار وإعادة تدوير أجيال عدة من القشرة المحيطية من أجل تشكيل قشرة قارية. والقشرة المحيطية لكوكب الأرض تبلغ سُمكًا يتراوح بين ٦ و١١ كيلومترًا، في حين أن القشرة القارية تتباين بدءًا من نحو ٢٥ كيلومترًا في المناطق الرقيقة المنبسطة إلى ٩٠ كيلومترًا تحت سلاسل الجبال الكبرى. وإجمالًا، تشغل القشرة نحو ١٪ فقط من إجمالي حجم الأرض. ويبلغ متوسط سمك قشرة القمر الأرضي نحو ٧٠ كيلومترًا (أي ١٣٪ من حجم القمر)، ويتراوح هذا السُّمك بين أقل من ١٠٠ كيلومتر في بعض المناطق المرتفعة وأكثر من ٢٠ كيلومترًا تحت بعض الأحواض الصدمية الكبرى.

وإيجازًا، ترتبط القشرة كيميائيًّا بالدثار الواقع تحتها، لكنها تختلف بناءً على الكيفية التي استُخرجت بها منه؛ فالقشرة أقل في الكثافة، ويكون تركيبها — في المعتاد — أغنى بالسليكا من الدثار. وتتنوع القشرة أكثر من تنوُّع الدثار، وهي تشمل الصخر الذي تفاعل كيميائيًّا مع أي غلاف جوي أو ماء سائل، والذي تَفتَّت أو ذاب أو نُقل (بفعل الجاذبية أو الريح أو الماء أو الجليد) وتَرسَّب في مكان آخر. وتُشكِّل مثل هذه الرواسب صخرًا رسوبيًّا. ويمكن أن يؤدي الطمر والتشويه والتسخين إلى إعادة بلورة الصخر الرسوبي أو الناري، وفي كلتا الحالتين يُعرف بالصخر المتحول.

(٣) الحرارة الداخلية

ترجع سخونة الكواكب من داخلها جزئيًّا إلى الحرارة المتخلفة عن تكوُّنها. وبالنسبة للكواكب الأكبر حجمًا، الجزء المتبقي إلى يومنا هذا من هذه «الحرارة البدائية» أكبر حجمًا، ويرجع ذلك إلى أن المحتوى الحراري يرتبط بحجم الكوكب الذي يعتمد على مكعب نصف القطر، في حين أنَّ تسرُّب الحرارة يعتمد في مقداره على مساحة السطح التي تعتمد فقط على مربع نصف القطر.

وتتولد الحرارة أيضًا داخل الكوكب عن طريق تحلُّل النظائر المشعة. هناك العديد من تلك النظائر، لكن أربعة منها فقط هي التي تُصدر قدرًا كبيرًا من الحرارة؛ وهي: البوتاسيوم-٤٠، واليورانيوم-٢٣٨، واليورانيوم-٢٣٥، والثوريوم-٢٣٢. وبسبب الألفة الجيوكيميائية لتلك العناصر، فإنها أكثر وفرة في صخور القشرة منها في الدثار. وفي كوكب الأرض، يتولَّد نحو نفس المقدار من الحرارة الإشعاعية المنشأ (أي الناتجة عن طريق التحلل الإشعاعي) في القشرة، كما هو الحال في كل الدثار الأكبر حجمًا بكثير.

ويتوقف المحتوى الإجمالي من العناصر المنتجة للحرارة في الكوكب الأرضي على كتلة هذا الكوكب (ومِن ثَمَّ على حجمه). ومثلما هو الحال بالنسبة للحرارة البدائية، فإن الحرارة الإشعاعية المنشأ يتم الاحتفاظ بها بطريقة أكثر فاعلية في الكواكب الأكبر حجمًا. وبالنسبة للأرض، فإن نحو نصف الحرارة التي تتسرب إلى السطح اليوم هي حرارة بدائية، وبقية الحرارة بأكملها تقريبًا حرارة إشعاعية المنشأ.

(٤) الغلاف الصخري

يحدث التحول في الخواص من البارد والجامد إلى الدافئ والحملي (أي المتعلق بالحمل الحراري) عمومًا عند عمق معين تحت الحاجز الفاصل بين القشرة والدثار؛ ومن ثم فإن القشرة والجزء العلوي من الدثار يشكلان طبقة ميكانيكية، ما يشكل هيكلًا خارجيًّا جامدًا. وهذا الهيكل يُطلق عليه «الغلاف الصخري» أو الليثوسفير، ويوصف بأنه صخري للدلالة على أن الطبقة التي يشكلها تتمتع بالخواص الميكانيكية للصخر العادي. وأسفل الغلاف الصخري، يكون الدثار — رغم كونه صخريًّا في تركيبه — ساخنًا وضعيفًا بالقدر الذي يكفي لانتقاله بالحمل الحراري. ويُطلق على هذا النطاق أحيانًا اسم الغلاف المَوري أو الأسثينوسفير (المقطع الأول «أسثينوس» تمثيل صوتي لكلمة إغريقية تعني «بلا قوة» أي ضعيف).

ويبلغ سمك الغلاف الصخري لكوكب الأرض نحو ١٠٠ كيلومتر، وهو منقسم إلى عدد من الصفائح التي يمكن أن تُحرك بفضل هشاشة الغلاف الموري الذي تحتها. وكجزء من عملية تُعرف باسم «تشكل الصفائح التكتونية»، يتشكَّل غلاف صخري جديد حيثما تختفي الصفائح (غالبًا ما تتوارى عن الأنظار أسفل المحيط)، ويتدمر حيثما تسحب صفيحة تحت أخرى، في مناطق انغراز تتميز بوجود خنادق في قاع المحيط. وانزلاق إحدى الصفائح التكتونية بموازاة أخرى مجاورة لها هو سبب معظم الزلازل. فإذا أخبرك أحد بأن صفائح الأرض هي «قشرة تنزلق على الدثار»، فإنهم مخطئون؛ إذ يكررون مغالطة لا تزال تظهر في الكثير من الكتب والمناهج الدراسية. والحقيقة هي أن الصفيحةَ تتكون من قشرةٍ والجزءِ العلوي الصلب من الدثار، اللذين ينزلقان معًا عبر دثار الغلاف الموري الأكثر عمقًا والأقل صلابة.

ونظرًا لكون الغلاف الصخري هشًّا، فإنه عبارة عن طبقة يمكن أن تحدث فيها صدوع (فوالق)، كأن تنزلق كتلة صخرية بموازاة أخرى. والصدوع شائعة الوجود على كوكب الأرض، لا سيما في المناطق التي تلتقي فيها صفيحتان، ويمكن التعرُّف عليها على الكواكب الأخرى أيضًا (انظر الشكل رقم ٢-٢).

ويبدو أن الأرض تنفرد بالصفائح التكتونية عن غيرها من الكواكب. ويرجع هذا بلا شك إلى السمك الأكبر للغلاف الصخري في الأجرام الأصغر حجمًا، التي تبرد بسهولة أكبر؛ كعطارد والمريخ والقمر، لكن ثمة عاملًا أكثر أهمية؛ وهو أنه كي تكون الصفائح قابلة للحركة، لا بد أن يكون الجزء العلوي من الغلاف الموري ضعيفًا. وفي كوكب الأرض، هذا متحقق بسبب وجود قدر صغير من الماء داخل الصخرة يُضعفها، ويساعد على تكوين قدر صغير من المادة المنصهرة التي تتسرب بين الحدود الحبيبية لمنع الاحتكاك. وقد فقد كوكب الزهرة ماءَه؛ ومن ثم فإن غلافه الموري جاف ولا يمكن أن تنزلق صفائح غلافه الصخري بحُرية خلاله.

fig4
شكل ٢-٢: منظر يغطي ٥٠٠ كيلومتر لجزء من كوكب عطارد، وضوء الشمس يأتي له من جهة اليمين، والظل يغطي جرفًا ارتفاعُه كيلومتر واحد، ويتخذ شكل حرف M مفتوح على جانبه. وهذا صدع دسر قديم يطلق عليه «بيجل روبيس»، يميز المكان الذي زُحزحت فيه المنطقة الموجودة على يمين الصورة (الشرق) نحو الغرب فوق المنطقة الموجودة على اليسار (الغرب). وبعض الفوهات أقدم والبعض الآخر أحدثُ عمرًا من هذا الصدع.

يظهر الغلاف الموري الكوكبيُّ الذي يتَّسم بالجفاف أو العمق الشديد بفعل تأثيرين على السطح. أما التأثير الأول، فهو ارتفاع الجبال وعمق الأحواض. فإذا كانت الأحواض والجبال ضخمة للغاية، فسوف يتدفق الغلاف الموري ويثني الغلاف الصخري الموجود أعلاه، وبذلك يقلل التباين الطبوغرافي إلى أن يصبح صغيرًا بالقدر الكافي لأن تتحمله قوة الغلاف الصخري وحدها. وأما التأثير الثاني، فيتمثل في نمط التفتت الذي تتسبب فيه الاصطدامات الكبيرة. ويصل الجسم الصادم الذي يبلغ قطره عدة عشرات من الكيلومترات بقوة تكفي الموجات الصدمية الناتجة التي تشكل الفوهات كي تشق الغلاف الصخري، وتأخذ الفوهة شكل حوض يميزه حلقات من الصدوع التراكزية. وفي الأغلفة الصخرية الأقل سمكًا، غالبًا ما تكون الحلقات أقرب بعضها لبعض؛ ومن ثم يمكن استخدام الأحواض الصدمية المتعددة الحلقات من أجل تقدير العمق وصولًا إلى الغلاف الموري وقت تكوينها. وبينما يبرد الكوكب ببطء، يصبح غلافه الصخري أكثر سمكًا على نحو تدريجي.

(٥) النشاط البركاني

الماجما أو العصارة هو الاسم الذي يُطلق على الصخر المنصهر قبل أن يثور، ويمكن أن تتولد الماجما داخل الكواكب، ويرجع ذلك في الأساس إلى ثلاثة أسباب مختلفة. وليس التأثير المباشر للحرارة سوى واحد فقط من تلك الأسباب، وهو في الغالب أقلها أهمية؛ فالتراكم البطيء للحرارة المحتجزة أسفل الغلاف الصخري للكوكب يمكن أن يفسر بعض الحوادث البركانية الواسعة الانتشار، والضغوط المدية القوية والمتنوعة داخل جرم كوكبيٍّ تعمل للحيلولة دون حدوث احتكاك داخلي؛ ما يؤدي إلى «التسخين المدي». على الجانب الآخر، يمكن أن يؤدي تناقُص الضغط في منطقة التدفق لأعلى في الدثار إلى حدوث انصهار جزئي (قد يؤدي مثلًا إلى تشكيل قشرة محيطية لكوكب الأرض). إضافة إلى ذلك، من الممكن أن يؤدي الانخفاض «المفاجئ» في الضغط — كما يحدث للدثار الذي يتشكل تحته حوض صدمي كبير — إلى حدوث عملية انصهار. والآلية الثالثة تتمثل في إدخال الماء إلى الدثار أو القشرة السفلى. ويقلل الماء من درجة الحرارة التي عندها تبدأ السليكات في الانصهار. وكوكب الأرض به سلاسل من البراكين فوق مناطق الانغراز (الهبوط)؛ لأن الماء الذي يكون قد تم سحبه لأسفل داخل صخور الصفيحة الهابطة يهرب لأعلى نحو قاعدة الصفيحة العلوية. وهنا، لا تكون الأجواء ساخنة بما يكفي للانصهار الجاف، ولكن يبدأ الانصهار الجزئي بمجرد أن يتم إدخال الماء حتى وإن لم يحدث ارتفاع في درجة الحرارة.

(٥-١) القمر الأرضي

بدأ الناس يتكهنون بشأن حدوث أنشطة بركانية على سطح القمر بمجرد أن رصدت التليسكوبات فوهات على سطحه. وقد جانبهم الصواب؛ إذ إننا متأكدون — إلى حدٍّ بعيد — الآن أن كل الفوهات الموجودة على سطح القمر، تقريبًا، سببُها حدوث اصطدامات. في الواقع، مناطق النشاط البركاني المهمة على سطح القمر هي تلك البقع الداكنة التي اعتُقد في وقت من الأوقات أنها قيعان بحار جفَّت. هذا ليس هو الحال بالرغم من أنها لا تزال يُطلق عليها اسم «بحار». وهي تغطي نحو ١٧٪ من سطح القمر، وأغلبها في الجانب القريب؛ وهو نصف القمر المواجه باستمرار لكوكب الأرض. وهنا الحمم المشابهة في تركيبها البازلت الموجود على سطح الأرض تدفقت لتغمر الأحواض الصدمية الكبيرة المتعددة الحلقات.

بعض الفوهات التي ثارت منها حُممُ البازلت الموجودة في بحار القمر يصعب التعرُّف عليها (انظر الشكل رقم ٢-٣). من الواضح أنها لم تتخذ شكل فوهات مخروطية. والأرجح أنها صدوع دُفعت من خلالها الحمم المنصهرة والمتوهجة بفعل قوة الغاز البركاني المتسع نطاقًا؛ لتصل إلى ارتفاعات تزيد على كيلومتر واحد. وعند سقوطها على السطح، ظلت الحمم على حالها من السخونة بما يكفي لانتشارها على السطح، وتدفقت في انحدار لمئات الكيلومترات. ومعظم الفوهات الصدعية اختفت لأن معدل ثورة براكينها انخفض، أو لأنها طُمرت بفعل ثورات بركانية لاحقة.
fig5
شكل ٢-٣: منظر يغطي ٢٠٠ كيلومتر للحافة الجنوبية الشرقية من بحر الأمطار القمري، والمنطقة الوعرة على اليمين هي جزء مرتفع من القشرة تبرز في جزء من حافة الحوض، والمنطقة الملساء الأكثر قتامة في الجانب الأيسر العلوي تمثِّل بازلت بحار القمر التي غمرت السطح المنخفض. وهناك وادٍ بعرض كيلومتر واحد يُطلَق عليه هادلي ريل، ويمتد من الجنوب إلى الشمال وسط المنظر، ويُعتقد أنه مسار تدفقت خلاله الحمم البركانية من مصدر يخفيه الظل إلى حد كبير. وقد هبطت الرحلة «أبوللو ١٥» بالقرب من وادي هادلي ريل، الذي يوجد في وسط الصورة تقريبًا.

أربع من رحلات «أبوللو» الست التي هُبط فيها على سطح القمر (التي تمت فيما بين عامي ١٩٦٩ و١٩٧٢) كانت في بحار القمر، التي هي أماكن أكثر تسطحًا وأكثر أمنًا للهبوط عليها مقارَنةً بمرتفعات القمر. ويمكن تحديد أعمار عينات من بازلت بحار القمر، التي جلبتها هذه الرحلات، من أجل تحليلها على سطح الأرض، بدقة عالية، عن طريق قياس نواتج التحلل الإشعاعي المصاحبة لها (تقنية تحديد الأعمار بالإشعاع). وتشير عينات رحلات «أبوللو» إلى نطاق لأعمار بحار القمر يتراوح بين ٣٫٩ و٣٫١ مليارات سنة. وهذه المدة الطويلة للنشاط البركاني تضع نهاية لأبسط تفسير بركاني لبحار القمر، والذي كان يشير إلى أن النشاط البركاني حدث كنتيجة مباشرة للاصطدامات التي أدَّت إلى تكوُّن أحواض. وعلاوة على ذلك، أدَّت الجهود المبذولة منذ عام ٢٠٠٠ إلى التعرُّف على بعض بقع من بحار القمر تحمل عددًا كافيًا من الفوهات الصدمية الموجودة عليها؛ مما يعني أن عمرها يجب أن يكون أقل من نحو ١٫٢ مليار سنة. من ناحية أخرى، في عام ٢٠٠٧، وُجد أن شظية نيزكية من مادة قمرية عُثر عليها على سطح الأرض (بعد أن قُذفت في السابق من سطح القمر على هيئة مقذوف من فوهة صدمية) تحتوي على شظايا من البازلت يُقدر عمرها بنحو ٤٫٣٥ مليارات سنة؛ أي قبل انتهاء القصف الكثيف المتأخر بنحو نصف مليار سنة. ولم يَعُد ممكنًا رؤية بحار بهذا العمر الهائل؛ إذ إنها طُمرت بفعل مقذوف من اصطدامات لاحقة شكلت أحواضًا؛ لذا، نحن الآن نعلم أن النشاط البركاني القمري بدأ مبكرًا وانتهى متأخرًا.

(٥-٢) عطارد

المعلومات التي لدينا عن عطارد أقل كثيرًا من المعلومات التي لدينا عن القمر الأرضي؛ إذ لم يتم تصوير سوى أقل من نصفه بواسطة بعثة مركبة الفضاء «مارينر١٠»، التابعة لوكالة ناسا، فيما بين عامي ١٩٧٤ و١٩٧٥. ومنذ ذلك الحين، لم تتجه أي رحلات فضائية إلى هذا الكوكب إلى أن بدأ مسبار «مسنجر»، التابع لوكالة ناسا، مجموعة من الرحلات التي قامت بالمرور بجوار الكوكب في عام ٢٠٠٨. وقد كشف هذا تفاصيل تكفي للتغلب على تشكك معظم الناس بشأن مقدار النشاط البركاني في الكوكب. على سبيل المثال، في الشكل رقم ٢-٢، المنطقة الملساء الموجودة في الجانب الأيمن السفلي التي تملأ حوضًا قطره ١٢٠ كيلومترًا، ويعلو مباشرة الجزء الأيمن من الوسط؛ اتُّفق على أنها بركان. ومما زاد الشكوك السابقة حقيقةُ أنَّ كوكب عطارد يعوزه التباين في الوضاءة (وهي قدرة الجِرم غير المنير على عكس الضوء) بين المرتفعات الأكثر سطوعًا والحمم البركانية الأكثر قتامة، والذي جعل بحار القمر بهذه الدرجة من الوضوح على سطح القمر. ويرجع هذا — على ما يبدو — إلى أن المعادن التي تتشكَّل منها الحمم البركانية على سطح كوكب عطارد تحتوي على مقدار من الحديد يقل كثيرًا عن مقداره في البازلت القمري (والأرضي). والأرجح أن السهول التي كوَّنتها الحمم البركانية تشكِّل أغلب سطح كوكب عطارد. وبعض هذه السهول قديمة جدًّا بحيث يعود تاريخها إلى حقبة القصف الكثيف المتأخر، وقد تشكَّلت فيها فوهات بكثافة، وبعضها الآخر أحدثُ عمرًا وبه عدد أقل من الفوهات المتكوِّنة فوقها.

وقد صوَّرت مركبة الفضاء «مسنجر» عددًا من الفوهات البركانية وبقعًا غريبة يبلغ حجمها ١٠ كيلومترات — بعضها ساطع وبعضها داكن — ربما تكون مواقع لثورات بركانية أحدث عمرًا. والأرجح أنه سيبقى الغموض يكتنف المدة التي ظل خلالها النشاط البركاني على كوكب عطارد قائمًا، إلى أن تتمكن مركبة فضائية من الدوران في مدار حول الكوكب، وتسجيل صور بانتظامٍ وبتفاصيلَ أفضل. وسوف تحين الفرصة الأولى عندما تبدأ مركبة الفضاء «مسنجر» المرحلة المدارية من بعثتها الفضائية في عام ٢٠١١، وإذا لم تَحسِم هذه المسألة، فإن بعثة «بيبي كولومبو» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، التي من المفترض أن تصل إلى كوكب عطارد في عام ٢٠٢٠، سوف تحسمها. في الوقت الحالي، يمكن أن نقول إن مناطق الحمم الممتدة تشكلت خلال فترة امتدت — على الأقل — نحو ٣ إلى ٤ مليارات سنة، ومن الوارد أن تكون قد امتدت هذه الفترة لتشمل المليار سنة الماضية. وهذه الفترة الطويلة من النشاط البركاني على كوكب عطارد لم تكن متوقعة، وربما نشأت من نفس المصدر الحراري الغامض الذي يُبقي على جزء من لبِّه منصهرًا.

(٥-٣) الزهرة

كوكب الزهرة أكبر حجمًا بكثير من كوكب عطارد، وحجمه وكتلته يشيران إلى أن الحرارة الإشعاعية المنشأ المتولدة فيه تكاد تكون مساوية لتلك المتولدة في كوكب الأرض؛ ومن ثم فإن ذلك يرجح مستوًى مماثلًا من النشاط البركاني، لكن نظرًا لأن كوكب الزهرة يفتقر إلى الصفائح التكتونية، فإن نشاطه البركاني يتم بآلية مختلفة.

الغلاف الجوي لكوكب الزهرة غلاف كثيف ملبَّد بالغيوم على نحو دائم؛ ما جعل سطحه بمنزلة لغز كبير إلى أن أصبح ممكنًا دراسته باستخدام الرادار. يبين الشكل رقم ٢-٤ صورة رادارية لجزء من كوكب الزهرة التقطها مسبار «ماجلان»، التابع لوكالة ناسا؛ حيث رسم المسبار صورة شبه كاملة للكوكب بين عامي ١٩٩٠ و١٩٩٤. الصور الملتقطة عن طريق الرادار تم تجميعها بتحليل معقد للأصداء التي ارتدَّت استجابةً لمجموعة متصلة من النبضات الرادارية الموجهة إلى سطحه. ويمكنك التعامل مع الصور الرادارية كما تتعامل مع الصور البصرية الأبيض والأسود التي تشبهها، بالرغم من أن وضوح كل سمة يخضع في الأساس لمدى وعورة سطح المنطقة، وليس لمدى وضاءتها في الضوء المرئي.
يصور الشكل رقم ٢-٤ جزءًا كبيرًا من كوكب الزهرة، وهو يبين العديد من تدفقات الحمم البركانية — بعضها أكثر وعورة (أفتح لونًا) وبعضها أكثر ملاسة (أكثر دكانة) — التي تتحرك من الغرب إلى الشرق بعرض الصورة. والشكل المفصص لكل تدفق يشبه — إلى حد كبير — الشكل المفصص لتدفقات الحمم البركانية على كلٍّ من كوكبَي الأرض والمريخ، لكن يصعب تمييزه على سطحَي القمر وعطارد؛ حيث إن حوافَّ التدفقات انخفضت بفعل الاصطدامات.
وإضافة إلى كون تدفقات الحمم البركانية تغطي نحو نصف سطح كوكب الزهرة، يمتلك الكوكب العديد من البراكين التي يمكن التعرف عليها بوضوح. يبين الشكل رقم ٢-٥ مثالًا لذلك؛ ففي الخلفية يوجد بركان يبلغ ارتفاعه ٥ كيلومترات بحوافَّ منحدرة — على نحو طفيف — من النوع المعروف على كوكب الأرض باسم «البركان الدرعي»، الذي ينشأ من ثورة متكررة للبازلت من خلال فوهة واحدة. ويمكن ملاحظة بعض تدفقات الحمم البركانية على الحوافِّ. ولا يعلم أحد على سبيل اليقين منذ متى كانت آخر مرة ثار فيها هذا البركان وبراكين أخرى مثله. كانت هناك دلائل مثيرة للاهتمام، لكن ليس هناك دليل على نشاط حالي أو حدث مؤخرًا بشأن براكين كهذه. وهذه البراكين تكون بالغة الصغر بحيث لا يمكن الاعتماد عليها في إعداد إحصاء دقيق لعدد الفوهات. وهذا البركان تحديدًا يوجد في منطقة أقدم عمرًا وأكثر ملاسة باستثناء وجود بعض الشقوق على سطحها. والفوهة الصدمية في صدر الصورة ليس لها علاقة — على الأرجح — بتدفقات الحمم الزاهية الموجودة على اليسار منها مباشرة.
fig6
شكل ٢-٤: صورة تغطي ٥٠٠ كيلومترًا لجزء من كوكب الزهرة؛ التقطها مسبار «ماجلان». وأغلب المنطقة حمم بركانية يغذِّيها مصدر يقع على بُعد ٣٠٠ كيلومتر في غرب الصورة، ولكن يوجد في الركن الجنوبي الشرقي منطقة وعرة تمثِّل أقدم قشرة باقية على سطح كوكب الزهرة. ويمتد من الشمال إلى الجنوب في غرب الصورة حزام جبلي يتَّسم بتضاريس أخدودية وصدعية، وتقطعه تدفقات حمم بركانية.

يطلق على الأنماط الدائرية أو البيضاوية للصدوع التراكزية اسم «الأكاليل»، وهناك أكثر من ٣٠٠ إكليل تم التعرف عليه على سطح كوكب الزهرة، ولا يُعتقد أن هذه الأكاليل يجمعها منشأ مشترك مع الأحواض الصدمية المتعددة الحلقات الموجودة على سطح كلٍّ من القمر وكوكب عطارد. ويتراوح قطر هذه الأكاليل ما بين ٢٠٠ متر وأكثر من ٢٠٠٠ كيلومتر، وهي تقترن عادةً بصورة من صور النشاط البركاني. والأرجح أن كل إكليل يميز موقعًا تصادم فيه عمود صاعد في دثار الغلاف الموري مع قاعدة الغلاف الصخري. وتبرز الأكاليل التي لا يزال هذا العمود موجودًا بها على هيئة قباب عريضة جدًّا، في حين هبطت الأكاليل الأقدم التي لم يعد يحملها عمود دثاري. وهذا الهبوط على نحو خاص يفسِّر الصدوع التراكزية.

fig7
شكل ٢-٥: رسم منظوري ثلاثي الأبعاد مصمم عن طريق الكمبيوتر يبين بركان «ماعت مونس» على سطح كوكب الزهرة. وقد صُمِّم هذا الشكل عن طريق الجمع بين صورة رادارية ونموذج للطبوغرافية الذي تم الحصول عليه بواسطة مقياس الارتفاع الراداري. ومقياس الرسم الرأسي تم تكبيره عشر مرات. وقد جُمعت مجموعتا البيانات بواسطة المركبة الفضائية «ماجلان». ويبلغ قطر الفوهة الصدمية في صدر الصورة جهة اليمين ٢٣ كيلومترًا.
والفوهات الصدمية أكثر شيوعًا على كوكب الزهرة منها على كوكب الأرض، لكنها أقل عددًا بكثير منها على سطحَي القمر وكوكب عطارد (لن تجد أيًّا منها في الشكل رقم ٢-٤). وهنا يظهر تأثير عاملين: لا توجد على كوكب الزهرة مطلقًا فوهات يقل قطرها عن ٣ كيلومترات؛ لأن غلافه الجوي الكثيف يشكل درعًا حول السطح يحميه من الأجرام الصادمة الصغيرة، بيد أن الفوهات الأكبر حجمًا تتشكل بفعل أجرام تحمل قدرًا هائلًا من الطاقة لا يجعلها تتأثر بالغلاف الجوي. وترجع قلة عددها إلى حداثة عمر السطح الذي يقدَّر في المتوسط بين نحو ٥٠٠ و٧٠٠ مليون سنة. وليس هناك — على ما يبدو — مناطق شاسعة أكبر أو أقل عمرًا بكثير من المتوسط العام.

وكان التفسير القياسي لهذا الأمر خلال فترة التسعينيات من القرن العشرين هو: أن الكوكب بأكمله، تقريبًا، قد تشكَّل له سطح جديد بفعل نشاط بركاني جامح بدأ من ٥٠٠ إلى ٧٠٠ مليون سنة، ولم يستمر أكثر من بضع عشرات الملايين من السنين. وهذا يمكن أن يتوافق مع عدم وجود الصفائح التكتونية على كوكب الزهرة؛ ما يؤدي إلى احتجاز معظم الحرارة المنبعثة من الدثار الأعمق أسفل غطاء الغلاف الصخري، إلى أن ينصهر جانب كبير من الجزء العلوي من الغلاف الموري. وفي النهاية، يمكن أن يتداعى الغلاف الصخري البارد الكثيف وتثور الماجما الطافية من أسفل، ويمكن أن يكون قد حدث شيء مُشابهٌ ستَّ مرات منذ تكون كوكب الزهرة، وربما يحدث مرة أخرى خلال المائة مليون سنة القادمة.

تم الاعتراض مؤخرًا على هذا النموذج الذي يتوقع حدوث نشاط بركاني كارثي على سطح هذا الكوكب. وبُني هذا الاعتراض على أساس أن إحصاء الفوهات لا يستبعد أن تتم العملية بالتدريج. وعلى نحو تدريجي، يمكن أن يكون قد تشكَّل لدى المناطق الأصغر سطح جديد بفعل الحمم البركانية، وذلك في فترات عشوائية خلال النصف مليار سنة الماضية.

(٥-٤) الأرض

على كوكب الأرض، يعمل النشاط البركاني جنبًا إلى جنب مع الصفائح التكتونية على تنظيم توازن الحرارة الداخلية (التوازن المثالي بين الحرارة التي تمتصها الأرض من الشمس والحرارة التي تفقدها الأرض في صورة إشعاع)؛ ومن ثم يمنعان حدوث انحرافات كبيرة في درجات حرارة الغلاف الموري من نوعية ما يُفترض أن يكون قد حدث على سطح كوكب الزهرة. ولا يتسرب إلا نحو ثلث الحرارة المتولدة أسفل الغلاف الصخري بفعل التوصيل الحراري. وتنتقل معظم الحرارة إلى قمة الغلاف الصخري بفعل الاندفاع عند النتوءات الموجودة وسط المحيط (حيث تضاف مادة جديدة للصفائح المتباعدة)، وعلى نطاق أضيق بفعل الاندفاع في براكين تثور فوق مناطق الانغراز وفي «بقع ساخنة» فوق أعمدة الدثار. ويبرد الغلاف الموري بأن تُدمج فيه من جديد الأجزاء القديمة الباردة من صفائح الغلاف الصخري في مناطق الانغراز.

fig8
شكل ٢-٦: منظر من الفضاء يغطي ٧٠ كيلومترًا يوضِّح حَقْل الحمم البركانية المعروف باسم «كريترز أوف ذا مون» في ولاية أيداهو في الولايات المتحدة الأمريكية. كان مصدر التدفقات مجموعة من الصدوع بالقرب من حافة المرتفعات الوعرة في المنطقة الشمالية الغربية. قارنْ بين الشكل المفصص لتدفقات الحمم البركانية والتدفقات الموجودة على سطح كوكب الزهرة في الشكل رقم ٢-٤.
ويكون أقرب موضع نصل فيه إلى كارثة بركانية أشبه بما حدث في كوكب الزهرة، عندما تُطمر — كل بضع عشرات من ملايين السنين — منطقة ربما يبلغ قطرها ألف كيلومتر بفعل اندفاع ما يصل إلى عشرة كيلومترات مكعبة من حمم البازلت. وهذا يُعرف باسم «بازلت الفيضان». ومن بين أبرز الأمثلة على ذلك بازلت فيضان ديكان ترابس الواقعة شمال غرب الهند (الذي عمره ٦٦ مليون سنة)، وبازلت فيضان منطقة جرينلاند والجزر البريطانية الشمالية الغربية (الذي عمره ٥٧ مليون سنة)، وبازلت فيضان نهر كولومبيا (شمال غرب الولايات المتحدة الأمريكية، الذي عمره ١٦ مليون سنة). وهذه الأحداث المهمة والنادرة في نفس الوقت يمكن أن تكون قادرة على ضخِّ قدْر كبير جدًّا من الغاز البركاني، لا سيما ثاني أكسيد الكبريت، إضافة إلى بقايا دقيقة من الصخر البركاني تعرف باسم «الرماد البركاني» إلى الغلاف الجوي؛ ومن ثم يمكن أن يتأثر مناخ الأرض تأثرًا شديدًا. يبين الشكل رقم ٢-٦ مثالًا على تدفقات الحمم البركانية على سطح الأرض، لمقارنتها بصور ملتقطة من كواكب أخرى.

ويُرجَّح أن تتمثل الطريقة التي يختلف بها النشاط البركاني على سطح كوكب الأرض عن غيره من الكواكب، في أن اتساع نطاق الغاز في الماجما الصاعدة غالبًا ما يُمثِّل نسبةً كبيرة من الاندفاعات ذات الطبيعة الانفجارية. ويَرجِع هذا لسببين: أما السبب الأول، فهو أنَّ ما يتسرب إلى مناطق الانغراز من الماء المعاد تدويره وثاني أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت يزيد كثيرًا من التسرب الذي يحدث من الجزء الداخلي الأعمق من الغازات البدائية؛ ومن ثم يكون لدى كوكب الأرض مزيد من الغاز اللازم لجعل الاندفاعات انفجارية في طبيعتها. وأما السبب الثاني، فيتمثل في أن وجود قشرة قارية يعمل على تسهيل تشكيل الماجما بمحتوى سليكا أعلى من البازلت. وهذه الماجما الغنية بالسليكا أكثر لُزُوجةً من البازلت؛ ومن ثم فإنها تتفتت بسهولة أكبر. والبراكين المخروطية شديدة الانحدار التي نراها عادةً في الكتب المصورة، مثل بركان جبل فوجي في اليابان، نادرة الوجود على الكواكب الأخرى باستثناء كوكب الأرض؛ لأنها مظهر من مظاهر الاندفاعات الغنية نسبيًّا بالسليكا وذات الطبيعة الانفجارية جزئيًّا.

(٥-٥) المريخ

مقارنةً بكلٍّ من كوكبَي الأرض والزهرة، يوجد عدد قليل نسبيًّا من البراكين على سطح كوكب المريخ، لكن حجمها الكبير يعوِّض عددها القليل. والتجمعات الرئيسية للبراكين الدرعية البازلتية الضخمة تظهر في منطقة ثارسيس (يشتمل الشكل رقم ٢-٧ على جزء كبير منها) ومنطقة إيليزيم. ويعد بركان أوليمبس مونس أكبر براكين منطقة ثارسيس؛ إذ يقدَّر قُطر قاعدته بنحو ٦٠٠ كيلومتر، وارتفاعه من قمته إلى قاعه ﺑ ٢٤ كيلومترًا؛ ما يجعله أكبر بركان في المجموعة الشمسية بأكملها. وهناك سببان وراء وجود مثل هذه البراكين الكبيرة على سطح كوكب المريخ: أما السبب الأول، فهو أن كوكب المريخ يشتمل على صفيحة تكتونية واحدة؛ فغلافه الصخري عبارة عن هيكل غير منقوص (أي عبارة عن صفيحة تكتونية مفردة) يتَّسم بالسكون مقارنة بالغلاف الموري للدثار الذي يقع أسفل منه. وعلى العكس من كوكب الأرض الذي تنجرف فيه الصفائح مقارنةً بأعمدة الدثار، بحيث إن البراكين التي تغذيها أعمدة الدثار تُجرف وتُفصل عن مصدر حممها بعد بضعة ملايين السنين فقط؛ يضخ عمود الدثار على كوكب المريخ الماجما إلى نفس البقعة من الغلاف الصخري طالما ظل العمود نشطًا. وربما يكون قد بدأ بركان أوليمبس مونس في التشكُّل قبل أكثر من مليار سنة. ليس هناك وسيلة للتأكد من ذلك؛ لأننا نستطيع فقط تحديد أعمار الأشياء المكشوفة على السطح اليوم (عن طريق إحصاء عدد الفوهات)، ولا يمكننا رؤية الجزء الداخلي المطمور والأقدم عمرًا من البركان. وهناك العديد من الفوهات المتداخلة في قمته يُقدَّر عمر أرضياتها بنحو ١٠٠ إلى ٢٠٠ مليون سنة، لكن أحدث تدفقات الحمم البركانية على الحواف يقدَّر عمرها — على ما يبدو — بنحو مليوني سنة فقط، ومن المحتمل أن يثور بركان أوليمبس مونس مرة أخرى مستقبلًا. أما البراكين الأخرى في منطقة ثارسيس، فهي أقدم عمرًا بالتأكيد، والأرجح أنها أصبحت خامدة الآن.
fig9
شكل ٢-٧: فسيفساء من الصور تغطي ٣ آلاف كيلومتر، وتوضح عدة براكين درعية ضخمة على كوكب المريخ. وعلى يسار الصورة، يوجد بركان أوليمبس مونس، وهو أكبر بركان في المجموعة الشمسية. وعلى الحافة اليمنى يوجد بركان ثارسيس ثولس، ومن وسط الحافة الجنوبية باتجاه الشمال الشرقي توجد ثلاثة براكين هي بافونيس مونس، وأسكريوس مونس وسيرانيوس ثولس.

السبب الثاني وراء وجود براكين كبيرة على سطح كوكب المريخ هو أن الظروف عليه مهيَّأة لذلك؛ فالكوكب يمتلك غلافًا صخريًّا باردًا وقويًّا يبلغ سمكه نحو ضعف سمك الغلاف الصخري لكوكب الأرض. وإذا نقلت بركان أوليمبس مونس إلى كوكب الأرض أو كوكب الزهرة، فإن غلافيهما الصخريان الرقيقان نسبيًّا سوف ينخفضان تحت وطأة الحِمْل، ويقل ارتفاع البركان.

تُظهر الصورُ ذات درجة الوضوح العالية تفاصيلَ تدفقات حمم بركانية على السهول الفاصلة بين البراكين الكبيرة، وفي العديد من المناطق الأخرى من كوكب المريخ. ومع ذلك، فهناك بعض الخصائص التي يراها البعضُ بركانية، وقد أثارت جدلًا كبيرًا. ويبين الشكل رقم ٢-٨ مثالًا مهمًّا على ذلك.
fig10
شكل ٢-٨: صورة تغطي ٥٠ كيلومترًا لمنطقة مثيرة للجدل من كوكب المريخ تم الحصول عليها بواسطة بعثة الفضاء «مارس إكسبرس»، التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية. يقول البعض إن السطح الصفيحي عبارة عن تدفُّق حُمَم بركانية به قشرة تبريد متحطمة. ويرى آخرون هذا باعتباره سربًا جليديًّا (الآن مُغطًّى بالغبار) على سطح بحر متجمد. والفوهتان الصدميتان أقدم عمرًا من السطح الصفيحي، وحوافُّهما كانت مرتفعة بما يكفي لحماية الأجزاء الداخلية من الفيضان. والفوهات في الحقيقة دائرية، لكنها في هذا المنظر المائل مختلفة بعض الشيء.

وما يزيد على ٣٠ شظية من المقذوفات الصدمية التي تنطلق من كوكب المريخ جُمعت على كوكب الأرض باعتبارها نيازك، وهي إما حمم بركانية بازلتية وإما حمم بركانية بلورية خشنة تشكَّلت عن طريق الاسترساب، ويمتد نطاق تبلورها العمري من ٤٫٥ مليارات سنة إلى ١٦٠ مليون سنة. ويمكننا أن نستنتج أن الصخور النارية تشكل جزءًا كبيرًا من قشرة كوكب المريخ في العمق، حتى بالرغم من أن بقعًا كبيرة من السطح بها طبقة خارجية من الرواسب المتنوعة.

(٦) عمليات السطح

(٦-١) الحطام الصخري والتجوية الفضائية

يحدث النشاط البركاني بفعل عوامل في باطن الكوكب، لكن سمات الكوكب يمكن أن تتحدد كذلك بفعل عمليات تحدث في الأساس على سطحه؛ فعلى سطح جرم ينعدم فيه الهواء، ومن ثَمَّ يكون غير محميٍّ من الفضاء الخارجي، تكون العملية المهيمنة التي تؤثر مباشرة على السطح هي القصف بالنيازك والنيازك الشديدة الصغر. وتغطي المادة المُتَشظِّية (المقذوفات) التي تُلقى من الفوهاتِ السطحَ حتى عمق عدة أمتار، ونادرًا ما توجد مواقع يكون فيها صخر الأديم الصلب مرئيًّا (انظر الشكل رقم ٢-٩). والتربة القمرية المعروفة باسم «الحطام الصخري» التي ترك فيها رُوَّادُ فضاء مركبة «أبوللو» آثارَ أقدامهم تتكون من حبيبات لا يتجاوز معظمها في حجمه جزءًا من الملِّيمتر، وهي تشتمل على شظايا بلورية، وأجزاء صغيرة جدًّا من الصخر، وكريات شفافة عبارة عن قطيرات متجمدة من المادة المنصهرة الناتجة عن الحرارة المتولدة من الاصطدام. والحطام الصخري عادة ما يتم إعادة ترتيبه باستمرار بحيث يتخذ أشكالًا متنوعة، وذلك عن طريق حفر الفوهات وتشتيت المقذوفات في عملية يُطلق عليها «التنسيق الصدمي». وعلى كوكب عطارد، حيث السرعات الصدمية أكبر، يُتوقع أن يكون حجم حبيبة الحطام الصخري نحو ثلث حجم حبيبة الحطام الصخري القمري.
fig11
شكل ٢-٩: منظر مقرب لوادي هادلي ريل؛ التقطه رائد الفضاء ديف سكوت خلال رحلة «أبوللو». الطبقة الأفقية التي يبلغ سُمكُها مترين، والتي تمتد من اليسار؛ هي مثال نادر على صخر أديم (يُرجَّح أن يكون تدفقًا لحمم بركانية) مكشوف هنا على منحدر شديد الانحدار. وجميع الأماكن الأخرى مُغطاة بحطام صخري يتراوح في حجمه بين الجلمود والغبار.

في حال عدم وجود غلاف جوي، فإن الضوء الشمسي فوق البنفسجي يمكن أن يصل السطح؛ حيث يمكن أن يكسر الروابط الكيميائية بمرور الوقت. والاصطدامات التي تحدث مع النيازك الشديدة الصغر، والجسيمات المشحونة التي تأتي من الرياح الشمسية (وذلك في حال عدم وجود مجال مغناطيسي) يمكن أن تؤثِّرا أيضًا على كيمياء السطح، بحيث تخوض الأجرام المنعدمة الهواء مجموعة من العمليات التي توصف مجتمعةً باسم «التجوية الفضائية»، والتي تغير ببطء تركيب السطح. على سبيل المثال، يمكن أن تُكسر الروابط التي تربط بين ذرات الحديد والأكسجين، وهذا يسمح للأكسجين بالهروب، ويترك حُبَيْبِات دون مجهريةٍ من المعدن الخالص يُطلق عليه «الحديد في المرحلة النانويَّة».

عندما يمتلك الكوكب غلافًا جويًّا، لا يمكن أن يصل إلى سطحه بسرعة كبيرة سوى أكبر الأجرام الصادمة، وعلى نحو نادر. على سبيل المثال، في الغلاف الجوي لكوكب الأرض، يُحتمل أن تتحول الكويكبات الصخرية التي يقل حجمها عن ١٥٠ مترًا إلى شظايا، وهذه الشظايا الناتجة تكون صغيرة بما يكفي لأن يعمل الاحتكاك على الإبطاء من سرعتها؛ ومن ثَمَّ بحلول الوقت الذي تصل فيه إلى السطح تكون قد فقدت كل سرعتها الأولية تقريبًا، ولا تشكِّل فوهات. والغبار النيزكي الذي يتألف في أغلبه من النيازك الشديدة الصغر، وأيضًا من الشظايا المفصولة بالاحتكاك من النيازك الأكبر حجمًا، يستقر على السطح بمتوسط معدل تراكم يتراوح بين ٠٫١ و١ ملِّيمتر لكل مليون سنة. ويشكل هذا الغبار إسهامًا ضئيلًا في المعدل الإجمالي للترسيب؛ حيث يتم غمره كليًّا بمادة رسوبية أخرى، باستثناء أن يكون على قاع محيط عميق بعيدًا عن السطح.

(٦-٢) التعرية والنقل

بخلاف التنسيق الصدمي، تشملُ العملياتُ التي يمكن أن تبلي الصخور وتنقل الشظايا الناتجة الريحَ، والماء المتدفق، والجليد المتحرك (الأنهار الجليدية). ويمكن أن يذيب الماء الصخر أيضًا من خلال عملية التجوية الكيميائية. والعناصر التي يحملها الماء خلال عملية الإذابة يمكن أن تظهر في مكان آخر مرة أخرى حيث تترسب في معادن جديدة. وهذا ينطبق — بوجه خاص — على الرواسب الملحية، وأيضًا على العديد من أنواع الصخور الكربونية. لكنْ على كوكب الأرض يتشكل معظم الحجر الجيري (كربونات الكالسيوم) من شظايا تأتي من هياكل كائنات بحرية؛ مما يسلط الضوء على مرحلة بيولوجية مهمة في تحويل الكربونات المذابة (أو غاز ثاني أكسيد الكربون المذاب) إلى مادة صلبة يمكن أن تصير صخورًا.

ويشتهر كوكب المريخ بالعواصف الغبارية التي رصدها التليسكوب للمرة الأولى في عام ١٨٠٩. وفي الحضيض، عندما يستقبل كوكب المريخ طاقة شمسية تزيد بنسبة ٤٠٪ على الطاقة التي يستقبلها في الأوج، يمكن أن ترفع الرياح التي تزيد سرعتها على ٢٠ مترًا في الثانية كمًّا هائلًا من الغبار في السماء بحيث يُحجب السطح عدة أسابيع. وأحيانًا قلما يُرى شيء سوى قمة بركان أوليمبس مونس. وبسبب السحب التي كثيرًا ما تتجمع هناك، غالبًا ما تبدو هذه القمة بيضاء، وهذا هو السبب الذي كانت من أجله تحمل هذه القمة في السابق اسم «نيكس أوليمبيكا» (ثلوج أوليمبس)، الذي عُدِّل لاحقًا عندما أظهرت صور من مركبة الفضاء حقيقة الأمر.

fig12
شكل ٢-١٠: صورة لبعض الكثبان الرملية الضخمة. في الواقع، الْتُقطت هذه الصورة عن طريق مركبة الفضاء «أوبورتيونيتي» التابعة لوكالة ناسا، وذلك على سطح المريخ. وقد الْتُقطت الصورة بميل من حافة فوهة على حقل من الكثبان الرملية في قاعدة الفوهة. ويبلغ قطر المساحة المرئية نحو ١٠٠ متر.
يمكن رؤية العديد من دلائل حركة الريح على سطح كوكب المريخ من المدار، أو من على السطح (انظر الشكل رقم ٢-١٠) في صورة كثبان رملية وتموجات على قشرة السطح أحدثتها هذه الريح. وبعض الكثبان الموجودة على كوكب المريخ حفرتها الريح، لكن بعضها الآخر لم يغير — على الأرجح — من شكله على مدار ملايين السنين. والرمل الذي تعصف به الريح يعد بمنزلة عامل قوي من عوامل التعرية على سطح المريخ. وتعني الكثافة المنخفضة للغلاف الجوي أن ريحًا قادرة على نقل حبيبات رمل لا بد أنها تهب أسرع بكثير من الريح التي على سطح كوكب الأرض، وقد نُحتت بعض طبقات الصخر المكشوفة بطريقة عجيبة عن طريق التآكل.

الغلاف الجوي لكوكب الزهرة أكبر كثافة بكثير من الغلاف الجوي لكوكب الأرض؛ إذ يمتلك ضغطًا جويًّا سطحيًّا أكبر بنحو ٩٢ ضعفًا من الضغط الجوي السطحي لكوكب الأرض. حتى الرياح البطيئة يمكن أن تحرك ذرات الرمل، ويمتلك كوكب الزهرة العديد من حقول الكثبان الرملية. لكنْ عندما تضرب حُبَيْبَةٌ حرَّكتْها الريحُ صخرَ أديمٍ مكشوفًا، تكون قدرتها على التعرية محدودة، ويرجع ذلك في جانب منه إلى قيام الهواء الكثيف بتقليل سرعة الضربة وتخفيفها، ويرجع في جانب آخر إلى أن درجة حرارة السطح المرتفعة التي تبلغ ٤٨٠ درجة مئوية تجعل المادة تتشوَّه تشوهًا لدنًا بدلًا من أن تبلى عن طريق التفتت.

بالنسبة لساكني كوكب الأرض، عادةً ما يكون الماء المتدفق هو أكثر عامل مألوف لنقل الرواسب، سواء كان في نهر أو في صورة أمواج على شاطئٍ ما. ولا يوجد في المجموعة الشمسية سوى كوكب الأرض حاليًّا الذي يتمتع بظروف سطحية تجعل الماء يحتفظ بصورته السائلة؛ فكوكب الزهرة شديد الحرارة، وبالرغم من أن درجة حرارة الظهيرة على كوكب المريخ يمكن أن تزيد قليلًا على درجة الصفر المئوية، فإن غلافه الجوي يكون رقيقًا جدًّا لدرجة أن الجليد الموجود على سطحه يتحول مباشرة إلى بخار بدلًا من أن ينصهر. ومع ذلك، فهناك كم كبير من الأدلة على أن الماء كان يتدفق في وقت من الأوقات بكميات هائلة على سطح المريخ (انظر شكل ٢-١١). وقد عانى كوكب المريخ عددًا من حالات التطرف المناخي مساويًا — على الأقل — لعدد حالات حدوث تطرف مناخي على كوكب الأرض، وكان غلافه الجوي منذ مليارات السنين كثيفًا ورطبًا بما يكفي لهطول الأمطار وحدوث فيضانات كارثية. وأكبر نظام أودية ضيقة أو أخاديد في المجموعة الشمسية، ويُطلق عليه «أودية مارينر» — نظرًا لأن هذا النظام اكتُشف بواسطة صور التقطها المسبار «مارينر ٩» عام ١٩٧١ — هو نظام صدعي يبلغ طوله ٤ آلاف كيلومتر بدأ بانشقاق القشرة، لكنه اتسع عن طريق التعرية عندما تدفق الماء خلالها. وفي أعمق نقطة منه، تكون القاعدة أسفل الحافة بنحو ٧ كيلومترات (الأخدود الكبير على كوكب الأرض في أريزونا يبلغ عمقه كيلومترين فقط)، وهو واسع جدًّا لدرجة أنك إذا وقفت على إحدى حوافه، فلن تتمكن من رؤية الجانب المقابل وراء الأفق.
fig13
شكل ٢-١١: مجموعة من الشقوق المتجهة من الشرق إلى الغرب تدل على المنشأ التكتوني لمجموعة أودية مارينر الخاصة بكوكب المريخ، والتي لم يغطِّ المنظر — الذي بعرض ٨٠٠ كيلومتر — سوى جزءٍ بسيط منها. لاحِظ القنوات المتعرجة المشقوقة بعمقٍ التي تغذي هذه الأودية من جهة الجنوب، وهو ما يُبيِّن الدور الذي لعبته المياه المتدفقة في توسيع الوادي الرئيسي.
وبالرغم من اتساع نطاق مجموعة أودية مارينر، لم يتعرف عليها الراصدون باستخدام تليسكوباتهم قبل عصر الفضاء. وقنوات المريخ — التي رسم خريطةً بها الإيطاليُّ جيوفاني سكيابارلي عام ١٨٧٧، ودعمه فيها لاحقًا الأمريكيُّ بيرسيفال لويل، الذي ظلَّ يعتقد حتى مماته عام ١٩١٦ أنها أعمال هندسية عملاقة قام بها ساكنو المريخ الأذكياء — قنوات وهمية، وهي لا تمُتُّ بِصِلة لأيٍّ من القنوات الحقيقية العديدة الموجودة على كوكب المريخ. وبعض هذه القنوات التي تغذيها شبكة متفرعة من الروافد (بما يشمل عدة قنوات أطول بكثير من تلك المبينة في الشكل رقم ٢-١١) من المحتمل أن تكون قد نتجت عن هطول الأمطار. والماء الذي تدفق في القنوات الأخرى من المحتمل أن يكون قد تسرب من الأرض، وربما يكون قد حدث ذلك عندما انصهرت الأرض دائمة التجمد. والأشكال الانسيابية «للجزر» التي تدفقت فيها القنوات عبر السهول تُبيِّن أن مصدرها كان فيضانات كارثية. المركبات الفضائية («فايكنج ١» عام ١٩٧٦ و«مارس باثفايندر» عام ١٩٩٧) التي هبطت على هذه الأماكن وجدت كمًّا وافرًا من الصخور التي غمرتها مياه الفيضانات.
يوجد على سطح جميع الأودية الكبرى على كوكب المريخ العديد من الفوهات الصدمية؛ لذا من الواضح أن هذه الأودية لا بد أن تكون قديمة؛ حيث كانت آخر مرة تدفقت فيها منذ نحو أكثر من مليار سنة. ومنذ ذلك الحين، عانى الكثير من تلك الأودية انهياراتٍ من جوانبها، ويوجد بقواعدها حاليًّا سلاسل من الكثبان الرملية تشكَّلت بفعل الرياح الباردة التي تهبُّ على امتدادها. وفي فترتي السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، كان معظم العلماء يعتقدون أنه بالرغم من أن كوكب المريخ مرَّ بحِقْبة رطبة واحدة على الأقل خلال ماضيه البعيد، فإنه الآن شديد الجفاف باستثناء قطبيه؛ حيث توجد بهما أغطية صغيرة من الجليد المائي. تخيل مدى الدهشة التي أصابت الجميع عندما بدأت آلة تصوير عالية الوضوح، أُطلق عليها «كاميرا مسبار مارس»، في إظهار أودية لا يتجاوز عرضها بضعة أمتار، ولا يتجاوز طولها بضع مئات الأمتار، وذلك على منحدرات شديدة الانحدار في العديد من الأماكن على سطح كوكب المريخ. ويشير عدمُ وجودِ فوهاتٍ متراكبةٍ وملاحَظةٍ إلى أنه في كثير من الأحيان بدأت مراوح الحطام حول تلك الفوهات في طمر الكثبان الرملية، إلَّا أن تلك الفوهات لا بد أن تكون حديثة النشأة، لكنْ كم يبلغ عمرها؟ لم يتأخر الدليل كثيرًا على أن بعضها لا يزال نشطًا اليوم، عندما بدأت صور متكررة في إظهار تغييرات (انظر شكل ٢-١٢).
تحول الجدل من مسألة عمر أحدث الأودية، وتركَّز حاليًّا على الكيفية التي شُقت بها. إحدى هذه النظريات تقول إن الماء هو المسئول عن ذلك؛ فمن الوارد أن تكون هناك مستودعات من المياه الجوفية السائلة تحت ضغط في التربة التحتية لكوكب المريخ. وحيثما ينشق منحدر — مثل جدار الفوهة في الشكل رقم ٢-١٢ — أسفل سطح الماء الجوفي، يمكن أن يمنع حاجز من الجليد داخل التربة هروب هذا الماء. ومع ذلك، إذا انفتح الحاجز مؤقتًا، فمن الممكن أن ينبثق الماء منه. والسائل قد لا يكون في حالة ثابتة — فربما يغلي ويتجمد أثناء تدفقه — لكنه يستطيع أن يشق طريقه بطول أحد هذه الأودية قبل أن يتبخر تمامًا. ويعتقد المتشككون أن التدفق السائل ليس بالضرورة هو المسئول عن حفر الأودية، ويمكن أن يُعزى وجود تلك الأودية إلى انهيارات صخرية جافة.
fig14
شكل ٢-١٢: منظران لمساحة واحدة يبلغ عرضها ١٫٥ كيلومتر، وتغطي الجدار الداخلي لفوهة قطرها ٦ كيلومترات على كوكب المريخ. وقد سُجِّلا في: أغسطس عام ١٩٩٩ (المنظر الأيسر)، وسبتمبر ٢٠٠٥ (المنظر الأيمن). وتظهر الحافة في الجزء العلوي الأيسر، والقاعدة في الجزء السفلي الأيمن. يوجد العديد من الأودية المحفورة في منحدر الجدار الداخلي، ويبدو أن أحدها قد تدفق بين هذين التاريخين حاملًا بعض الحطام الفاتح على المنحدر السفلي.
يرى بعض العلماء العاكفين على دراسة كوكب المريخ أدلة على وجود أنهار جليدية، لا سيما عند الحواف المتآكلة من الهضاب المرتفعة. ليس هناك جليد مكشوف على السطح اليوم (باستثناء الجليد الموجود عند القطبين)، لكن السطح المغطى بكتل صخرية مبعثرة، الذي ظهر في صور عالية الوضوح الْتُقطت من المدار، يمكن أن يكون حطامًا يغطي (ويعزل) الجليد الذي يوجد أسفل منه. وقد دعَّمت هذا التصور بيانات الرادار المخترق للسطح التي تم الحصول عليها من مدار كوكب المريخ. وهذا هو أحد أسباب تفضيلي قبول المنطقة المبينة في الشكل رقم ٢-٨ على أنها بحر متجمد مغطًّى بالغبار بدلًا من اعتبارها تدفقًا لحمم بركانية.
القنوات الموجودة على سطح القمر مثل وادي هادلي ريل (انظر الشكل رقم ٢-٣) كانت مسارات لحمم بركانية، ومن المؤكد أنها لم تُشقَّ بالماء، ولا يوجد ماء على سطح القمر سوى ذلك الذي في صورة كميات صغيرة من الجليد في الحطام الصخري الموجود بالقرب من القطبين. وقد تم تحديد مكان أكثر من ٢٠٠ قناة متعرجة على سطح كوكب الزهرة، ويبلغ طول إحداها ٦٨٠٠ كيلومتر. ومن المستبعد أن يكون كوكب الزهرة قد مرَّ بتغير مناخي متطرف بما يكفي لتواجد ماء سائل حديث العهد، بما يسمح بتآكل هذه القنوات؛ ومن ثم فإنها قد شُقت هي الأخرى — على الأرجح — بواسطة الحمم البركانية.

(٧) تسمية سمات سطح الكواكب

لقد استخدمت بالفعل أسماء لسماتٍ في سطح الكواكب الأخرى عدة مراتٍ حتى الآن: بركان أوليمبس مونس، وأودية مارينر، ووادي هادلي ريل، وغير ذلك. ومن دون هذه الأسماء، كنت سأضطر إلى الإشارة إليها على النحو التالي: «أكبر بركان على كوكب المريخ.» و«نظام الأودية العملاق على كوكب المريخ.» و«الوادي الكبير الذي هبطت بالقرب منه مركبة الفضاء «أبوللو ١٥».» بل سيكون حتى من الأصعب وصف السمات الأقل بروزًا ما لم يتم ذلك عن طريق استخدام نظام إحداثي يصعُب تذكره.

لكن لا أحد يعيش هناك، فمن إذن يحدد الأسماء؟ وإلى أي مدًى تكون هذه الأسماء رسميةً ومتفقًا عليها؟ عندما بدأ علماء الفلك للمرة الأولى في رسم خرائط عن طريق تليسكوباتهم، بعضهم كان يميل لابتكار أسماء بأنفسهم، بغض النظر عن أي أبحاث سابقة. وكانت إحدى المهام الأولى للاتحاد الفلكي الدولي (الذي تأسس عام ١٩١٩) هو وضع حدٍّ لفوضى الأسماء، والوصول إلى أسماء رسمية موحدة للسمات التي تحمل أكثر من اسم، ووضع معايير وأسس لتحديد الأسماء المستقبلية. انطبق هذا على أسماء الأجرام المكتشفة حديثًا، وأيضًا أسماء السمات الموجودة على أسطح الأجرام الكوكبية التي يمكن أن يصبح من المرغوب فيه تسميتها، أو تصبح مرئية بفضل التطور الحادث في تقنيات التصوير. في الأساس، عُنِي التطوُّر في تقنيات التصوير التي يتم بها استكشاف سمات أسطح الأجرام الكوكبية باستخدام تليسكوبات أكبر حجمًا وأفضل من حيث الإمكانيات، ويمكن أن يكون قد أدرك بعض مؤسسي الاتحاد الفلكي الدولي أنهم وضعوا وسيلة للإشراف على طريقة تسمية السمات التي تكشف عنها رحلات مركبات الفضاء.

انتقد البعض طريقة تعامل الاتحاد الفلكي الدولي لعملية إعادة تصنيف كوكب بلوتو، لكنني لا أعرف أحدًا يستاء من الطريقة التي تتم على أساسها عملية التسمية من جانب هذا الاتحاد؛ فهي عملية منصفة وغير مُسَيَّسة تسعى لتمثيل كافة ثقافات العالم؛ ليس بالضرورة على كوكب واحد، ولكنها تكون متوازنة عبر كواكب المجموعة الشمسية بأكملها.

وبناءً على ما أصبح بالفعل إجراءً شائعًا فيما يتعلق بالسمات القمرية، يخصص الاتحاد الفلكي الدولي لكل فوهة من الفوهات اسمًا دون إضافة أي وصف له، في حين يُعطي معظم السمات الأخرى اسمًا، إضافةً إلى مصطلح لاتيني توضيحي يدل على نوعية هذه السمة؛ ومن ثم تستطيع أن تفهم على الفور من مصطلح أوليمبس مونس (مونس باللاتينية تعني جبلًا) أن السمة المذكورة هنا جبل يُطلق عليه أوليمبس. لاحظ أنه بالرغم من أنه لا أحد يشك في أن أوليمبس مونس هو بركان، فإن الكلمة التوضيحية المضافة (مونس أي جبل) لا تُبيِّن ذلك؛ فالمصطلحات التوضيحية تتجنب عن قصد «التفسير» (الذي ربما يتبين خطؤه فيما بعدُ) وتلتزم «بالوصف».

المصطلحات الوصفية الشائعة التي يمكن أن تقابلها هي: تشاسما (منخفض عميق مستطال ومنحدر الجوانب)، فلاكتس (منطقة مغطاة بتدفق بركاني)، فوسا (منخفض طويل ضيق قليل العمق)، منسا (بروز مسطح من أعلاه له حواف أشبه بحواف المنحدر)، بلانيشيا (سهل منخفض)، بلانوم (سهل مرتفع أو هضبة)، روبيس (منحدر)، وفاليس (وادٍ متفرع). على القمر الأرضي هناك أيضًا مير (والجمع ماريا) وترجمتها «بحر» ولكن هذا المصطلح أضحى شديد الرسوخ بحيث لا يمكن استبداله بآخر أكثر ملاءمة للوصف.

توجد أيضًا سمات للأسماء في كل كوكب؛ فتُسمَّى الفوهات القمرية على أسماء علماء وباحثين وفنانين مشهورين راحلين، في حين اتخذت بِحار القمر أسماءً لاتينية تصف ظروفًا مناخية متنوعة. وبخلاف القمر، المريخُ هو المكان الوحيد الذي لديه ميراث لا بأس به من الأسماء قبل أن يصبح الاتحاد الفلكي الدولي معنيًّا بالأمر. وهذه الأسماء، المضاف إليها المصطلحات الوصفية الحديثة، مصدرها الخرائط التليسكوبية التي وضعها كلٌّ من جيوفاني سكياباريللي ويجنيوس أنطونيادي في أواخر القرن التاسع عشر، وتشير في الأغلب إلى مناطق واسعة مثل ثارسيس وإيليزيم. وكل وادٍ كبير يحمل اسم كوكب المريخ بلغة مختلفة، في حين تُسمى الأودية الصغيرة على أسماء أنهار كوكب الأرض. وعلى كوكب الزهرة، تكاد تكون جميع الأسماء مؤنثة؛ فالفوهات تُسمى على أسماء نساء شهيرات في التاريخ، ومعظم السمات الأخرى تسمى على أسماء إلَهاتٍ. وعلى كوكب عطارد، تحمل الفوهات أسماء رسامين وموسيقيين وفنانين ومؤلفين راحلين، في حين تُسمى المنحدرات على أسماء البعثات العلمية أو السفن التي حملت المشاركين فيها؛ فجرف بيجل روبيس (انظر الشكل رقم ٢-٢) سُمي على اسم سفينة بيجل التي كان على متنها تشارلز داروين، وهو يجمع الملاحظات التي ألهمته نظريته الخاصة بالتطور.

تنطبق أسس مشابهة على أسماء الكويكبات والأقمار التابعة للكواكب الأخرى. فعلى سبيل المثال، القمر التابع لكوكب المشتري، والمعروف باسم أوروبا، به فوهات تحمل أسماء أبطال وآلهة سلتية، ومعظم السمات الأخرى تحمل أسماءً مأخوذة من الأسطورة الكلاسيكية التي دارت أحداثها حول شخصية أوروبا ابنة أجينور؛ مَلك فينيقيا.

(٨) الأغلفة الجوية

بعد نشأة كل كوكب أرضي، لا بد أن يكون قد تشكَّل لديه غلاف جوي عندما تسربت الغازات الداخلية من محيط الماجما. وهذه الأغلفة الجوية البدائية ليست موجودة اليوم، بالرغم من أن الغازات التي تنبعث من البراكين تبين الخصائص التي ربما كانت تتَّسم بها تلك الأغلفة. وجاذبية كلٍّ من القمر وعطارد ضئيلة بدرجة لا تمكنهما من الاحتفاظ بغلاف غازي حولهما، و«الغلاف الجوي» الذي قد يشار أحيانًا لوجوده في كلٍّ منهما، والذي يكون ضغطه أقل بكثير من ١ على مليار من ضغط الغلاف الجوي لكوكب الأرض؛ يتكون في الأساس من ذرات شاردة طُردت من السطح بفعل اصطدام النيازك الشديدة الصغر والأشعة الكونية. وهذه الذرات شحيحة جدًّا لدرجة أن كل واحدة منها تشرد — على الأرجح — في الفضاء بدلًا من أن تصطدم بذرة أخرى. وهذه الحالة توضح ما يُعرف باسم الإكسوسفير (الغلاف الخارجي) للكوكب. وهذا الغلاف يمثل النطاق الخارجي الرقيق من معظم الأغلفة الجوية، لكن القمر وعطارد لا يستطيعان الاحتفاظ بسواه.

والجاذبية الأشد قوةً للكواكب الأرضية الأكبر حجمًا تمكِّنها من الاحتفاظ بالغاز بمزيد من الفاعلية، بالرغم من أن الكثافة والتركيب الكيميائي خضعا لتغيرات هائلة نتيجة لعمليات عديدة؛ ففي مرحلة مبكرة من نشأة هذه الكواكب، ربما تكون الرياح الشمسية الأكثر نشاطًا قد نزعت معظم الغلاف الجوي الأصلي لكلٍّ منها، لكن عُوض هذا الغلاف الجوي بالنشاط البركاني. وهناك عملية مهمة متواصلة تتمثل في أن الضوء فوق البنفسجي ذا الطول الموجي القصير يُمكن أن يشطر جزيئات بخار الماء إلى هيدروجين وأكسجين. والهيدروجين خفيف جدًّا ويمكن أن يهرب إلى الفضاء؛ مما يجعل عملية «التفكك الضوئي» هذه للماء عملية لا رجعة فيها. وقد فقد كلٌّ من كوكبَي الزهرة والمريخ الكثير من مائهما الأصلي بهذه الطريقة. الجدول رقم ٢-٢ يوضح ملخصًا للأغلفة الجوية الحالية لكلٍّ من الزهرة والأرض والمريخ.
جدول ٢-٢: الأغلفة الجوية الحالية للكواكب الأرضية، ويتم التعبير عن كمية الغازات الستة الأكثر شيوعًا على هيئة نسبة مئوية من العدد الكلي للجزيئات (الماء متقلب جدًّا في الغلاف الجوي لكوكب الأرض)، كما يبين الجدول ضغط السطح لكلٍّ منها مقارنةً بالأرض.
كوكب الزهرة كوكب الأرض كوكب المريخ
ثاني أكسيد الكربون ٩٦٫٥ النيتروجين ٧٨٫١ ثاني أكسيد الكربون ٩٥٫٣
النيتروجين ٣٫٥ الأكسجين ٢٠٫٩ النيتروجين ٢٫٧
ثاني أكسيد الكبريت ٠٫٠١٥ الماء حتى ٤ الأرجون ١٫٦
الماء ٠٫٠١ الأرجون ٠٫٩٣ الأكسجين ٠٫١٣
الأرجون ٠٫٠٠٧ ثاني أكسيد الكربون ٠٫٠٣٤ أول أكسيد الكربون ٠٫٠٧
الهيدروجين أقل من ٠٫٠٠٢٥ النيون ٠٫٠٠١٨ الماء ٠٫٠٣
ضغط السطح ٩٢ ضغط السطح ١ ضغط السطح ٠٫٠٠٦٣

وبانشطار جزيئات الغلاف الجوي بفعل الضوء فوق البنفسجي، يمكن أن تتحد هذه الجزيئات مع جزيئات أخرى عن طريق سلسلة من التفاعلات تندرج تحت «الكيمياء الضوئية». وهذا يحدث على وجه الخصوص في «الثرموسفير» (الغلاف الحراري) الذي يبدأ أعلى السطح بنحو ١٠٠ كيلومتر، والذي سُمي بهذا الاسم لأن هذه الطبقة يتم تسخينها بواسطة طاقة الضوء فوق البنفسجي الشمسي المستخدمة إما في شطر الجزيئات، وإما في نزع بعض من إلكتروناتها. وعملية نزع الإلكترونات هذه يُطلق عليها «التأيُّن»، والأيونات (التي هي أساسًا أيونات الأكسجين في حالة كوكب الأرض، وأيونات ثاني أكسيد الكربون في حالتَي كوكبَي الزهرة والمريخ) يمكن أن تكون أكثر وفرة في الأجزاء الخارجية من الغلاف الحراري، وتكون كافية لتكوين طبقة موصلة للكهرباء يُطلق عليها «الأيونوسفير» (الغلاف المتأين). وعندما تجلب عاصفة شمسية البلازما (الهيولي) من الشمس إلى كوكب الأرض، يؤدي هذا إلى تشويه المجال المغناطيسي، وإلى تدفق تيارات غير معتادة في طبقة الأيونوسفير؛ مما قد يؤثر سلبًا على الاتصالات اللاسلكية، بل حتى يؤدي إلى انقطاع التيار الكهربائي.

والطبقات الأعمق من الغلاف الجوي التي لا يخترقها الضوء فوق البنفسجي ذو الطول الموجي القصير؛ تكون منيعة على تفاعلات الكيمياء الضوئية. ويحدث هنا تسخين للهواء عن طريق الاحتكاك بالسطح في أغلب الأحيان (يحدث للسطح تسخين مباشر عن طريق الشمس)؛ ومن ثم فإنه في الطبقة الدنيا التي يُطلق عليها التروبوسفير تتناقص درجة حرارة الغلاف الجوي مع الارتفاع. كذلك يتناقص الضغط الجوي والكثافة مع الارتفاع؛ وهو ما يعني أن طبقة التروبوسفير تشتمل على معظم كتلة الغلاف الجوي. وفي طبقة التروبوسفير، يمكن أن يتغير التركيب بسبب التفاعلات الكيميائية بين الهواء والصخر (وهذا يعد نتيجة مباشرة للتجوية الكيميائية)، خصوصًا (وربما فقط) في حالة كوكب الأرض بسبب وجود حياة عليه. فهنا تستخدم النباتات والكائنات البدائية الأحادية الخلية الطاقة الشمسية وثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي من أجل بناء أجسامها، وتُطلِق غاز الأكسجين الذي كان نادرًا جدًّا في الغلاف الجوي الأصلي. ومن دون النباتات، لا يمكن أن تتواجد الحيوانات التي تتنفس الأكسجين (مثلنا نحن البشر). ودرجة الحرارة يمكن أن تكون مختلفة أيضًا كما سأُبيِّن بعد قليل.

عندما يسخن الهواء الموجود بالقرب من قاعدة طبقة التروبوسفير، فلا بد أنه يتمدد؛ مما يجعله طافيًا. بعد ذلك سوف يرتفع ليحل محله الهواء الأبرد المُزاح من أعلى. هذا مثال آخر على الحمل الحراري (الذي أشرنا إليه عندما تحدثنا عن دثار الكواكب)، وهو ما يحدد حالة الجو على سطح الأرض والزهرة والمريخ. ونمط دوران الغلاف الجوي مختلف في كل حالة؛ لأنه يعتمد على عوامل كثيرة؛ منها: معدل دوران الكوكب حول نفسه (وهو بطيء في حالة كوكب الزهرة)، ومعدل دوران الغلاف الجوي (أسرع كثيرًا من معدل دوران الكوكب حول نفسه في حالة طبقة التروبوسفير العليا في كوكب الزهرة)، والفارق بين درجتَي حرارة الليل والنهار (كبير في حالة المريخ وقليل في حالة الزهرة). ويبين الشكل رقم ٢-١٣ الدوران الذي يحدث فوق القطب الجنوبي لكوكب الزهرة. وعلى النقيض، غالبًا ما تبدأ أنظمة العواصف الدوامية في الغلاف الجوي لكوكب الأرض بالقرب من المنطقة الاستوائية.
ويختلف الغلاف الجوي لكوكب الأرض عن ذلك الخاص بالكوكبين المجاورين له فيما يتعلق بتعقيد طبقاته؛ ففي كوكبَي الزهرة والمريخ تتناقص درجة الحرارة سريعًا مع الارتفاع في طبقة التروبوسفير، ثم تتناقص بمزيد من البطء مع الارتفاع في طبقة (غير ناقلة للحرارة عبر الحمل الحراري) يُطلق عليها الميزوسفير، ثم تزداد مع الارتفاع في طبقة الثرموسفير بسبب امتصاص الضوء فوق البنفسجي. وكوكب الأرض ينفرد بين الكواكب الأرضية بامتلاكه طبقة تمتد من ارتفاع نحو ١٠ إلى ٥٠ كيلومترًا، بين طبقتَي التروبوسفير والميزوسفير؛ حيث تزداد درجة الحرارة مع الارتفاع. وهذه هي طبقة الستراتوسفير التي تسخن عن طريق امتصاص فوتونات ضوء فوق بنفسجي ذي طول موجي يتراوح بين ٢٣٠ و٣٥٠ نانومترًا (التي تنفذ من خلال طبقتي الثرموسفير والميزوسفير) بواسطة جزيئات الأوزون. والأوزون عبارة عن ثلاث ذرات أكسجين متحدة في جزيء واحد O3 في مقابل الذرتين المكونتين لغاز الأكسجين O2، وهو الذي يكون مقصودًا عادة عند الإشارة إلى «الأكسجين»، ويتم جمعه من الأكسجين بواسطة تفاعلات كيميائية ضوئية تتم في مستوًى أعلى من الغلاف الجوي.
fig15
شكل ٢-١٣: «عين» دوامة القطب الجنوبي لكوكب الزهرة التي يبلغ قطرُها ألفي كيلومتر. وقد تم التقاط الصورتين بفارق زمني ٢٤ ساعة. وتشير النقطة إلى القطب الجنوبي. هاتان الصورتان الملتقطتان بالأشعة تحت الحمراء ذات الطول الموجي المتوسط، تُظهران قمم السحب أعلى السطح بنحو ٦٠ كيلومترًا. ومركز العين أكثر سخونة (ويبدو بلون أفتح)، ما يدل على أن السحب هنا مسحوبة لأسفل نحو مستويات أكثر سخونة وعمقًا.

(٨-١) تأثيرات الدفيئة وثقب طبقة الأوزون

كثير من الناس لديهم علم «بثقب طبقة الأوزون» و«تأثير الدفيئة»، لكنهم عادة ما يجمعون بينهما باعتبارهما العاملين المسئولين عن تغير المناخ، لكن هناك اختلافًا كبيرًا بينهما.

لا توجد طبقة الأوزون إلَّا في طبقة الستراتوسفير من كوكب الأرض، وهي المكان الذي يُمتص فيه ٢٣٠ إلى ٣٥٠ نانومترًا من الضوء فوق البنفسجي. ولهذا الأمر أهميته البالغة بالنسبة لنا ولغيرنا من الكائنات الحية التي تعيش على سطح الأرض؛ لأنه إن لم يتم حجب هذا الضوء، فمن الممكن أن يتسبب في سرطانات جلدية وأضرار جينية بالغة. والمثير للدهشة أن الأمر يحتاج لقدر قليل من الأوزون حتى ينجح. فإذا جمعت كل الأوزون المنتشر في طبقة الستراتوسفير في طبقة واحدة عند مستوى سطح البحر، فلن يتجاوز سمكها نحو ٣ ملِّيمترات. هذه طبقة هشة؛ لذا عندما أصبح من الواضح — في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين — أنه فوق القارة القطبية الجنوبية ربما تكون طبقة الستراتوسفير فقد فقدت نصف الأوزون الذي فيها؛ سادت حالة من القلق، وكثُر الحديث عن وجود «ثقب في طبقة الأوزون». وقد عُزِي ذلك — في الأساس — إلى تفاعلات تتضمن مركبات كيميائية صناعية يُطلق عليها «الكلوروفلوروكربونات» التي تم، نتيجة لذلك، حظْرُ استخدامها في بخاخات الأيروسول ومواد التبريد؛ كي لا تتسرب إلى الغلاف الجوي. و«ثقب الأوزون» فوق المنطقة القطبية الجنوبية وثقب أخف فوق القارة القطبية الشمالية أصبحا مستقرين حاليًّا. لم تُستنزف سوى نسبة ضئيلة من الأوزون خارج المناطق القطبية، ولا يمكن معرفة مقدار استنزافه فوق المنطقة الاستوائية.

ليس هناك علاقة واضحة بين تركيز الأوزون ومتوسط درجة حرارة كوكب الأرض؛ فحدوث استنزاف كبير لطبقة الأوزون يمكن أن يؤثر سلبًا على حياتنا، لكن ليس له علاقة كبيرة بتغير المناخ أو الاحترار العالمي؛ إذ تخضع درجة حرارة طبقة التروبوسفير في الكواكب لمدى فاعلية امتصاص الغلاف الجوي السفلي للأشعة تحت الحمراء. ويرجع ذلك إلى أن ضوء الشمس المرئي يعمل على تسخين سطح الكوكب؛ ومن ثم ينطلق من هذا السطح أشعة تحت حمراء. وتعتمد درجة حرارة الغلاف الجوي على عاملين: الحرارة التي يكتسبها الغلاف الجوي من خلال احتكاكه بالسطح، ومقدار الأشعة تحت الحمراء التي بمقدوره امتصاصها.

معظم أنواع الغازات تسمح بنفاذ الأشعة تحت الحمراء، لكن الجزيئات التي تتكون من عنصرين مختلفين أو أكثر تمتص الأشعة تحت الحمراء بقوة؛ ومن ثم لا يمتص النيتروجين N2 والأكسجين O2 والأرجون Ar الأشعةَ تحت الحمراء، لكن بخار الماء H2O وثاني أكسيد الكربون CO2 وثاني أكسيد الكبريت SO2 والميثان CH4 يمتصها.

ونظرًا لأن هذا يشبه احتجاز الحرارة داخل صوبة أو دفيئة، أُطلق على هذا التأثير «تأثير الدفيئة». يوجد تأثير دفيئة طبيعي في الغلاف الجوي لكواكب الزهرة والأرض والمريخ. وفي الأساس، بفضل احتواء الغلاف الجوي لكوكب الزهرة على كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون، يعمل تأثير الدفيئة في هذا الكوكب على رفع درجة حرارة سطحه بنحو ٥٠٠ درجة مئوية فوق ما كانت ستصبح عليه لولا ذلك. ويعمل بخار الماء وثاني أكسيد الكربون على رفع درجة حرارة كوكب الأرض بنحو ٣٠ درجة مئوية، ولا يتجاوز الارتفاع في درجة الحرارة نتيجة تأثير الدفيئة في كوكب المريخ — الذي له غلاف جوي رقيق غني بثاني أكسيد الكربون — إلا نحو ست درجات مئوية.

ويعمل تأثير الدفيئة في كوكب الأرض على احتفاظ الكوكب بدرجة حرارة مناسبة لمظاهر الحياة المختلفة الموجودة على سطحه. وبتأثير مظاهر الحياة نفسها، تغيرت قوة تأثير الدفيئة للإبقاء على درجة الحرارة ضمن معدلاتها المناسبة؛ فمنذ أربعة مليارات سنة، لم تكن تتجاوز درجة سطوع الشمس ٧٠٪ مقارنة بما هي عليه الآن؛ ومن ثم كان سيصبح كوكب الأرض أكثر برودة بكثيرٍ لو أن الغلاف الجوي ظل كما هو إلى يومنا هذا. لكن قبل أربعة مليارات سنة، كان الغلاف الجوي مكوَّنًا في معظمه — على الأرجح — من ثاني أكسيد الكربون، وكانت كثافته أكثر بمائة ضعف من كثافته اليوم؛ ومن ثم كان تأثير الدفيئة أقوى بكثير. وبفضل الطحالب الأولية، تضاءل محتوى ثاني أكسيد الكربون بنحو ١٠ أضعاف مقداره الحالي، وذلك قبل نحو نصف مليار سنة، وبطبيعة الحال، لا بد أن يكون تأثير الدفيئة قد انخفض أيضًا. ظهر الأكسجين الحر O2، للمرة الأولى، منذ فترة تتراوح بين ٢٫٢ إلى ٢٫٧ مليار سنة، وبلغ ذروته ليصل إلى نحو ١٧٠٪ من تركيزه الحالي منذ فترة تتراوح بين ٢٥٠ و٢٠٠ مليون سنة. من الواضح أن الحياة على سطح كوكب الأرض قد أثَّرت على التغييرات الحادثة في تركيب الغلاف الجوي واستفادت منها.

منذ بداية الحقبة الصناعية، أثَّر النشاط البشري على الغلاف الجوي بطرق شتى؛ مثل استنزاف الأوزون والضباب الدخاني الصناعي وغير ذلك. ومع ذلك، أهم ما يجب أن يشغلنا هو إطلاق غاز ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي، أو بالأحرى «عودته» مرة أخرى إلى الغلاف الجوي؛ إذ إن معظمه هو في الأساس ثاني أكسيد كربون استُخلص سابقًا من الغلاف الجوي عن طريق الكائنات الحية واختُزن في صورة فحم أو نفط. ومقدار ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي زاد بنحو ٢٠٪ خلال الخمسين عامًا منذ عام ١٩٦٠ (وذلك بمعدل أسرع من أي عملية طبيعية)، ولا يزال يزداد. وتأثير الدفيئة هذا، الناتجُ عن النشاط البشري، سوف يؤدي حتمًا إلى احترار مناخ الكوكب؛ فارتفاع درجة الحرارة بضع درجات سوف يؤثر على الأنظمة البيئية، وسوف يؤدي في الأغلب إلى جعل الطقس (بما يشمل تقلبات درجات الحرارة قصيرة الأمد) أكثر تطرفًا. ثمة نتيجة أخرى تتمثل في ارتفاع مستوى سطح البحر على ظهر الكوكب. ويرجع هذا — في الأساس — إلى أن الماء يتمدد كلما زادت درجة حرارته؛ لذا بالرغم من أن تأثير الدفيئة الطبيعي في غلافنا الجوي شيء جيد، فيمكن أن تؤدي الزيادات السريعة في حجم التأثير، الناتجة عن النشاط البشري، إلى نتائج كارثية على الحضارة الإنسانية.

وعلى خلفية تناقصٍ تدريجيٍّ عامٍّ في تأثير الدفيئة الطبيعي، الذي يقابل الزيادة البطيئة في سطوع الشمس، حدث العديد من التغيرات الملحوظة في مناخ كوكب الأرض. وتُعد العصور الجليدية التي تَجمَّد فيها جزء كبير من المياه السطحية (في ظروف متطرفة) أوضح وأبرز مثال على ذلك. وهذه التغيرات لا تخضع لتأثير الغلاف الجوي بقدرِ ما تخضع للتغيرات الحادثة في ميل محور الأرض ولاتراكزية المدار. وربما تفسِّر تأثيراتٌ مماثلةٌ التغيراتِ الشديدةَ الحادثةَ في درجة رطوبة سطح كوكب المريخ على مر الزمن.

(٨-٢) السُّحُب

السحب عاكسة بدرجة كبيرة؛ لذا كلما زادت درجة تلبُّد الغلاف الجوي بالسحب زادت كمية الطاقة الشمسية التي تنعكس مباشرة نحو الفضاء، لكن تزيد السماء الملبدة بالسحب قدرة الغلاف الجوي على احتجاز الحرارة من أشعة الشمس التي تصل إلى سطح الكوكب «فعليًّا»؛ ومن ثم فإن تأثير السحب على درجة حرارة الكوكب تأثير معقد؛ فالسحب المتصلة في كوكب الزهرة لم تنجح في حماية سطح الكوكب من الاكتواء بنار تأثير الدفيئة.

تتشكل السحب عندما تعمل درجة الحرارة والضغط معًا على جعل الظروف مواتية لمكوِّنٍ ما من مكونات الغلاف الجوي كي يتكثف على صورة قطيرات سائلة أو جسيمات ثلجية. وفي حالة الكواكب الأرضية، عادة ما يكون الماء هو هذا المكون. وبالرغم من أن الماء لا يمثل سوى جزء ضئيل من الغلاف الجوي لكوكب الزهرة، فيكفي هذا الماء لتشكيل طبقة متصلة من السحب أعلى طبقة التروبوسفير في هذا الكوكب بين نحو ٤٥ و٦٥ كيلومترًا أعلى السطح. في تلك المنطقة، يتكثف بخار الماء في صورة قطيرات يبلغ قُطرُها ميكرومترين. هذه القطيرات تظل معلقة لأنها تكون صغيرة جدًّا بحيث لا يمكن أن تسقط، ويُطلق عليها قطيرات الضبوب (الهباء الجوي)، ويذوب ثاني أكسيد الكبريت الجوي فيها، فتتحول إلى حمض كبريتيك، بيْدَ أنه إذا أخبرك شخص بأن السماء تمطر حمضًا كبريتيًّا في كوكب الزهرة، فاعلم أنه مخطئ؛ فحيثما تُسحب القطيرات إلى أسفل بمقدار ٤٥ كيلومترًا عن طريق دوران الغلاف الجوي، تؤدي الحرارة إلى تبخرها من جديد، ولا تحظى أبدًا بفرصة أن تصبح قطرات مطر كبيرة بما يكفي لسقوطها على سطح الكوكب.

وفوق ارتفاع نحو ٦ كيلومترات، تتكون سحب الأرض في أغلبها من جسيمات ثلجية صغيرة، وتحت هذا الارتفاع، تكون في الغالب عبارة عن قطيرات ماء. والسحب الممطرة ليست رمادية في حقيقة الأمر؛ إنها تبدو كذلك لأنها تكون سميكة بما يكفي لحجب قدر كبير من الضوء. ومن النادر نسبيًّا أن تتشكل السحب في كوكب المريخ؛ ففي أغلب طبقة التروبوسفير من هذا الكوكب، تكون السحب عبارة عن جليد مائي، لكن على مسافة نحو ٨٠ كيلومترًا بالقرب من الحاجز الفاصل بين طبقتَي التروبوسفير والميزوسفير، رُصدت سحب مكونة من ثاني أكسيد الكربون.

(٨-٣) الأغطية الجليدية القطبية والمحيطات

إضافة إلى تكاثف مكونات الغلاف الجوي من أجل تكوين السحب، يمكن أن تتكاثف هذه المكونات لتصبح ثلجًا أو سائلًا عند السطح. والمعروف إلى يومنا هذا أن كوكب الأرض هو الوحيد بين الكواكب الأرضية الذي به محيطات، والتي هي بطبيعة الحال مكوَّنةٌ من ماء. وبالقرب من القطبين، يتجمد الماء من أجل تشكيل أغطية جليدية قطبية. وربما يكون كوكب الزهرة الناشئ قد مرَّ بحقبة قصيرة غطَّت فيها المحيطات سطحه، قبل أن يزيد بخار الماء المتطاير (الذي تَبدَّد بعد ذلك بفعل التفكك الضوئي) من تأثير الدفيئة المتنامي؛ ما أدى إلى موقف الجفاف الحالي.

لكنَّ وضْع كوكب المريخ مختلف. وفكرة وجود محيط «أوقيانوس بورياليس» الشاسع، الذي يُعتقد أنه شغل السهول الشمالية المنخفضة من الكوكب بالكامل منذ نحو ٣٫٨ مليارات سنة؛ شاعت في فترة التسعينيات من القرن العشرين. وبالرغم من أن هذا لا يزال أمرًا محل جدل، فيمكن أن يقبل كثيرون احتمالية تواجُد بحيرات على كوكب المريخ كانت واسعة بما يكفي لأن يُطلق عليها «بحار»، عندما كانت تتدفق قنوات كتلك الموضحة في الشكل رقم ٢-١١، وربما بقيت حتى بعض الآثار المتجمدة التي غطاها التراب (انظر الشكل رقم ٢-٨). ومع ذلك، ليس هناك شك في أن الجليد يتواجد على السطح حاليًّا في الأغطية القطبية للكوكب (انظر الشكل رقم ٢-١٤). وهذه الأغطية القطبية تتكون من جليد مائي «دائم» مع القليل من الصقيع المكوَّن من ثاني أكسيد الكربون، والذي يزيد ويقل موسميًّا.
fig16
شكل ٢-١٤: صورتان تغطيان منطقة بعرض ١٥٠٠ كيلومتر من الغطاء القطبي الشمالي لكوكب المريخ: الأولى للمنطقة في بداية الربيع (الصورة اليسرى)، والثانية وهي في ذروة الصيف (الصورة اليمنى). في الصيف، يتحول معظم صقيع ثاني أكسيد الكربون من ثلج إلى بخار، ولا يترك سوى ما تبقى من غطاء «دائم» من الجليد المائي.

وتتفاعل الأغطية القطبية لكلٍّ من كوكبَي الأرض والمريخ مع الغلاف الجوي. وهذه الأغطية في الواقع عبارة عن رواسب من الغازات التي تنفصل عن الغلاف الجوي؛ إما بالسقوط من السحب على هيئة ثلج، وإما تتكاثف مباشرة على السطح. وعندما ترتفع درجة الحرارة، تعود مادة الأغطية القطبية إلى الغلاف الجوي؛ إما عن طريق الانصهار والتبخر بعد ذلك (فيما يتعلق بالماء على سطح الأرض، أو ربما على سطح المريخ في الماضي)، وإما عن طريق التحول مباشرة من ثلج إلى بخار (بالنسبة لثاني أكسيد الكربون والماء على سطح المريخ اليوم).

لا يمكن أن تحدُث توازنات كهذه على الأجرام السماوية العديمة الهواء مثل القمر وكوكب عطارد؛ ومن ثم لا يُتوقع أن يحتوي هذان الجرمان على مثل هذه الأغطية القطبية، بيد أنه خلال فترة التسعينيات من القرن العشرين، لوحظ أن إشارات الرادار تنعكس بقوة غير معتادة من مناطق ظليلة دائمًا داخل فوهات بالقرب من قطبَي كلا الجرمين. وهذا يتسق مع الجليد المائي المتناثر على شكل حبيبات داخل الحطام الصخري. ثمة تفسير محتمل، وهو أن أسطح هذه الفوهات تكون باردة جدًّا، لدرجة أن أي جزيئات ماء شاردة بالجوار تميل للالتصاق في الغالب بالسطح في «مصائد مبردة». ولا يحتاج هذا الماء لأنْ يكون جزءًا أصيلًا من هذه الأجرام؛ فمن الممكن أن يكون قد تم توريده لاحقًا عن طريق المذنبات الصادمة. والعثور على مصدر ماء على سطح القمر أمر له أهميته البالغة إذا أُريد لمستعمرة بشرية، أو حتى مجرد قاعدة بشرية دائمة، أن تتواجد هناك. واحتمالات وجود ماء في القطبين هي الأقوى. وفي عام ٢٠٠٩، تم التأكد من وجود ماء في عمود مقذوفات تَشكَّل عندما اصطدمت مركبة فضاء بفوهة قطبية ظليلة دائمًا؛ فالأطياف تحت الحمراء التي تم الحصول عليها بواسطة مركبة فضاء أخرى أظهرت وجود ماء وأملاح معدنية مُمَيَّهة على نحو متفرق في الحطام الصخري في مناطق أوسع نطاقًا، وذلك بتركيزات بسيطة، إلا أن هذا يحيي الآمال باحتمال وجود حياة على سطح القمر، وذلك على خلافِ ما كان يُعتقد في السابق.

(٩) الدورات

التفاعل بين لب الكوكب وسطحه وغلافه الجوي ودوران المكونات بينها أمر مهم للغاية. و«الدورة الهيدرولوجية» (دورة الماء) لكوكب الأرض هي أوضح مثال على ذلك. وهي ليست دورة واحدة، لكنها مجموعة من الدورات المترابطة. عمومًا، يتبخر الماء الموجود في المحيطات ليكون سحبًا، ثم يتكثف لاحقًا ليسقط على هيئة مطر أو ثلج؛ ليشق طريقه عائدًا إلى المحيطات مرة أخرى (من خلال الأنهار أو الأغطية القطبية الموسمية). ويمكن أن يُسحب الماء إلى لب الكوكب (إما أن يصل إلى العمق في مناطق الانغراز، وإما أن يكون ضحلًا عندما يتسرب من السطح للداخل) ويخرج من جديد عن طريق البراكين. ويمكن أن يتفاعل كيميائيًّا أيضًا مع الصخر (التجوية الكيميائية) ويُختزن داخل المعادن. هناك أيضًا «دورة كربونية» مهمة ذات مراحل مترابطة تتعلق بثاني أكسيد الكربون الموجود في الغلاف الجوي، والنباتات والحيوانات الحية، وثاني أكسيد الكربون المذاب، والحجر الجيري البحري، والرواسب الهيدروكربونية، والغازات البركانية، وما إلى ذلك.

من المؤكد أن كوكب المريخ تحدُث به دورات مماثلة، بالرغم من أنها تحدث على نحو متقطع أكثر، وعلى نطاقات زمنية مختلفة، وبأهمية نسبية مختلفة لكل مرحلة من مراحل الدورة. الأرجح أنه توجد حتى دورات أبطأ تتعلق بثاني أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت على كوكب الزهرة، وفيها يعمل الغلاف الجوي على تجوية صخور السطح التي تُطمر في نهاية المطاف بتدفقات الحمم البركانية لأعماق تُحرَّر فيها الغازات من جديد، وتعود إلى الغلاف الجوي من خلال الفوهات البركانية. وإلى أن نستكشف ونوثق التعقيدات والنطاقات الزمنية لهذه الدورات المتعددة المراحل والمترابطة، سوف يظل فهمنا لطبيعة كل كوكب قاصرًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١