الست توحة

وقفت مُستندًا لباب المطبخ موجِّهًا نظري للأرض حتَّى تبيَّنت ملامح البلاط الموزاييك المزركش، وأنا أتصبَّب عرقًا، وكلما ركَّزت أكثر أرى تلك المخلوقات الكرتونية المضحكة، وابتسمت عندما تذكَّرت كمَّ الفزع، عُدت لغرفة نومي، الساعة التاسعة والنصف وقد ظننت أنَّني نمت لعدة أيام.

عدت مرَّة أخرى للمطبخ وأشعلت الموقد، وضعت بعض الماء ليغلي بينما جررت كوبًا زجاجيًّا ووضعت فيه ملعقة ممسوحة من الشاي وثلاث ملاعق من السكر البُنِّيِّ، وأخذت أُقلِّب في الأرقام بهاتفي المحمول بحثًا عن رقم الحاج إبراهيم عبد الرحيم، واتصلت به.

– أيوه، سلامُ عليكم يا حاج إبراهيم.

– أهلًا يا كبير.

– الله يخليك يا حاج، طمِّنِّي أخبارنا إيه؟ التصوير النهارده.

– عيب يا كبير، هو أنا عمري قصَّرت رقبتك في أيها شغل قبل كده؟

– قوللي طيب ابعتلك العربية إمتى؟

– هاقولك يا كبير، اديني ساعتين كمان وابعتها، فاضل بس مدَّرعتين ودبابة اترشوا ولسه ماعضَّموش.

– ساعتين وهاكلمك يا حاج، سلامُ عليكم.

صببت الشاي وخرجت من المطبخ لغرفة النوم مرَّة أخرى، لا أعرف متى فتحت الشباك لكن الضوء ضايقني، شعرت بوخزة في عيني من الضوء، وضعت كوب الشاي على طاولة صغيرة لأقفل الشباك، فوجدت جارتي «توتي» بملابسها الثورية المتفجرة، والمتحررة أيضًا، فلملمت الشيش قليلًا كي أراقبها، وكعادتها لمحتني، وابتسمت مُرسِلة نظرة دلال مع كلِّ حركة، أعرف أنَّها تراني، ولم ألملم الشيش كي لا تراني؛ بل لأراقبها دون أن ترى عينيَّ وأنا أتفحَّصها، كانت تُغَيِّر ﻟ «هاني» ملابسه، وهاني هو ابنها الأوسط، كما لديها ثلاثة صِبْية، لديها ثلاثةُ أسماء، وحين أُراقِب أبناءها أشعر أن كلَّ اسمٍ هو الأم الشرعية لهذا الصبي؛ فعبد العزيز هو ابن الحاجة فتحية ومعروف في الشارع ﺑ «زيزو»، وهو مراهق مشاغب دائم العراك، أراه طفلًا كبيرًا «مدهول» لكنه طيب القلب، ومصطفى هو ابن الست «توحة» وما أحبه في هذا المصطفى أنه «عايق» بغضِّ النظر عن ألوان ثيابه والتركيبات القوية التي تختارها الست «توحة»، إلَّا أنه دائمًا نظيف، لامع الشعر، تفوح منه رائحة زيت الزيتون، وهو الوحيد الذي أراه ينام بملابس نوم عكس أخويه، أما الأستاذ هاني أو «ننُّوسة عين أمه» كما تناديه أمه «توتي» فهو نواة جيدة لصبيٍّ مُدلَّلٍ دلال البنات، لكنه الوحيد الذي يحمل ملامح أمه، أما أنا فأراها بشخصياتها الثلاثة أنثى، وأسميتها «نواعم».

لم أقابل زوجها؛ فقد رحل عنها قبل أن أسكن هنا، يقال إنه هجرها منذ ولادة هاني؛ أي منذ أربعة أعوام وعدة أشهر هم عمر هذا الصغير المُدلَّل.

كانت تلتفت كل حين لتمنحني ابتسامة دلال، تذكَّرت أول يوم لي في هذا البيت وكنت و«عم رمضان» نقوم بتوزيع ما حملته معي من قطع أثاث في نهار يوم حار من أيام أغسطس، وكان الشباك مفتوحًا وجميع شبابيك الشقة المقابلة مفتوحة، ولمحت امرأة مكتملة النضج، وأقصد النضج الأنثوي، كانت ترتدي قميص بيت عاري الصدر والظَّهر، وقصيرًا، وضيقًا، ولامعًا، وأحمرَ، وكانت بداخله تُشبِه التينة الغضَّة الناصعة البياض، كان شعرها ثقيلًا وكالح السواد، تُشبِه أو تحاول أن تُشبِه «هنومة» في باب الحديد؛ الأنثى التي لم تستوقفها المدنية ولا تعرف عن أنوثتها سوى إظهار مفاتن جسدها المرمري، لم تكن رفيعة ولا ممتلئة، كانت يونانية القوام مكتملة التفاصيل دون إسراف، منذ اللحظة الأولى امتدت الجسور بيننا، ربما شعرت بنظرة التفحُّص الأولى وأعجبتها النظرة وصاحبها كما أعجبته، حتَّى «عم رمضان»، وكانت بداية علاقتي به والتي حاول جاهدًا فرض سيطرته بها، لاحظ تلك الجسور الممتدة بين الشُّبَّاكين فقال لي وقتها: «لا يا باش امنهدز؛ دي الست «توحة» جارتنا، والبيوت أسرار يا بيه.» ولمَّا سألته عما يعنيه تهرَّب مني، فشعرت أنه فقط يستعرض عضلاته، ومنذ ذلك اليوم ونحن نتبادل النظرات والابتسامات، وتمارسُ هي كل فنون الإغواء عن بُعد، فتفتح كل النوافذ وتمسح بلاط شقتها نصف عارية، أو تبدأ في تغيير ملابسها والنافذة مفتوحة، وتدَّعي أنَّها انتبهت فتأتي شبه عارية لتُغلقها بإغواء يفوق الآفاق، وتمنحني ابتسامتها ونصف الغمزة، أعتقد أنَّها تستمتع بمراقبتي لها وبلعبي الكرة مع زيزو وفض اشتباكاته مع أبناء الشارع كلما صادفته.

اقتربت من النافذة المقابلة لي ووقفت بمواجهتي ودفعت بالشيش لتفتحه على مصراعيه، لم أشعر أنَّها تقوم بما اعتدنا عليه دومًا، شعرت أنَّها تريد المواجهة ففتحت الشيش على مصراعيه بدوري، ورجعت خطوتين للخلف كي لا يراني سواها، وأشعلت سيجارة مُحدِّقًا فيها وكوب الشاي بيدي، كنا نُشبِهُ صنايعي في ورشة يوم القبض يُغازل بنتًا في دبلوم التجارة أثناء مرورها بالورشة التي يعمل بها، ابتسمت حين نظرت لملابسي لأتأكد أنَّني لا أرتدي قميصًا من المربعات الصغيرة، ولست مُشمِّرًا عن ذراعَيَّ فاتحًا أزرار القميص لأريها شعرات صدري الكثيفة، لا أدري لِمَ شعرت أنَّها انتابها نفس الشعور، ولأول مرَّة منذ عرفتها بدأت في الإشارات.

أخذت تُشير على يدِها مكان الساعة، ثم تُشير بسبابتها بحركة نصف دائرية، ثم تُشير بسبابة على نصف السبابة الأخرى، ثم تشير للشارع، حاولت لعب دور من لم يفهم فرمقتني بحدَّة، وأعادت تأكيد الموعد في الشارع بعد نصف ساعة، وتظاهرت بالسعادة والموافَقة، لم أتظاهر في الواقع بل كنت فعلًا سعيدًا بهذا الموعد وغرابته؛ فأخيرًا قد أتمكَّن من معرفة رائحة شعر «نواعم».

ابتسمتْ مرَّة أخرى وأغلقتِ النافذة، أغلقتُ نافذتي بدوري، ونظرت في الساعة، وجلست على السرير أنفث الدخان لأعلى في الهواء مراقبًا تشتُّت خيوطه، تحوَّلت جلستي للتمدُّد وأطفأت السيجارة، بل ألقيتها في كوب الشاي الفارغ، وشبكت يديَّ خلف رأسي مستندًا على ظهر السرير ومُحدِّقًا في سقف الغرفة، وأكاد أكون اخترقته فلم أعدْ أراه.

انتبهت على صوت جلبة عالية في الشارع، فقمت مفزوعًا، وكأنه يوم الفزع بالنسبة لي، نظرت للساعة أثناء ذهابي للشُّرْفَة، فوجدت أنَّني تأخرت بالفعل عن الموعد ربع ساعة، فتحت الشُّرْفَة بسرعة لأجد «توتي» قد تحوَّلت «لفتحية» وهي تصرخ في رجل يُشبه المجذوب بالشارع، وأغلب الجيران يحاولون تهدئتها وهي تستحلفه وتتوعَّده صارخة ومكرِّرة: «ودِيني لَاعرَّفك مقامك …» لا أعرف لماذا شعرت أنَّها توجِّه صريخها لي، وانفلتت من وسط الزحام مكرِّرة جملتها التهديدية، واختفت بسرعة داخل عمارتها.

وبدأت الناس تنفضُّ، والمجذوب يقف مذهولًا مثلي تمامًا، فقد عرفت أنِّي قد ضَيَّعت فرصة ذهبية للاقتراب منها، لم يستمرَّ ذهولي كثيرًا؛ فقد خرجت «فتحية» من شُرفتِها، وهي تُكرر نفس الجملة ولكن تلك المرَّة لي، وعيناها في عينيَّ، وبيدها أنبوبة غاز صغيرة من التي تُسْتعمل في تشغيل المصباح الغازي (الكلوب)، ورفعت يديها بالأنبوبة، وكدت أصرخ من جنونها، فستُحدِث انفجارًا في الشارع، وقد تقتل الرجل، رفعت يديَّ في الهواء في محاولة لا شعورية لإيقافها، لكنها كانت أسرع من حركتي اللاشعورية وألقتها.

تابعتُ الأنبوبة بعيني لكنها لم تكن موجَّهة ناحية الرجل، فحمدت الله، فسوف تسقط في الشارع مدوِّية وينتهي الأمر، ثم فزعت؛ فقد كانت موجَّهة لسيارتي الصغيرة، حطَّمتِ الزجاج وانفجرت داخل السيارة، وأَنا رافع حاجبَيَّ للسماء من الذهول، والتفتُّ إليها بكل الذهول والغضب، فتلاقت أعيننا، واستشاط غضبي حين رأيت نظرة النشوة في عينيها، نشوة المنتصِر، وهي تحاول إخفاء ابتسامتها صارخة: «يا لهوي!» وهرعت مفزوعة من الشُّرْفَة.

لم أتبين ما ارتديته، سحبت هاتفي، ومفاتيح السيارة، نزلت قافزًا بين السلالم، وخرجت للشارع، وكانت السيارة بين العمارتين، خرَجَت هي في اللحظة نفسها، والجيران يحاولون إطفاء الصالون المشتعل، والأستاذ «منير» يصيح بهم أن يبتعدوا مُمسكًا بطفَّاية الحريق الخاصة بسيارته، محاولًا فتحها أثناء صريخه، وفتحها ورشَّ تقريبًا كلَّ المجتمعين حول السيارة حتَّى وصل إليها، وأخمد نيرانها لكنه لم يتمكن من إخماد نيراني.

وصلتُ معها للسيارة، الجميع يحاول تهدئتي، وهي تحوَّلت من قمة الغضب والتوعُّد لقمة التوسل والاعتذار، وأَنا ما زلت مذهولًا من فعْلَتها، أصرَّت أن تذهب معي لتغيير الزجاج، وإصلاح صالون السيارة، وأَنا كنت أريد الابتعاد عن الزحام بأي شكلٍ وسط العبارات المهدئة لي، واللائمة لها، وبدا عليَّ الانصياع لرغبتها تحت ضغط الجمع الغفير، نظرت للأستاذ «منير» شاكرًا دون أن أنطق، وفتحت السيارة وجلستُ وجلستْ هي بجواري، وانطلقتُ دون أن أنطق أيضًا.

خرجتُ من الشارع، وصلت للمترو وانحرفتُ يمينًا، ولم ينطق أيٌّ مِنَّا حتَّى وصلت لجوار سينما نورماندي، وبازليك الكوربة في مواجهتي، لم أنطق أنا بل ازداد ذهولي حين وضعَت يدها على يدي فوق عصا السرعات، فنظرت إليها فوجدتها تنظر إليَّ مائلة بجسدها حتَّى كدت أسمع دقات قلبها، وسمعت صوتًا عذبًا، يختلف عن الصريخ المعتاد في الأطفال، وفي «عم رمضان»، وفي المجذوب، لا أعرف إن كانت تهمس، أم تتأوَّه قائلة: «حقك عليا، ماتزعلش مني، لما ماجيتش خُفت ماتجيش، وكنت ممكن أولع في الشارع كله عشان أقابلك النهارده.»

لا أعرف أين هرب غضبي من سماع تلك الهمهمة، وأين هربت دمائي من لمسة يدها ليدي، وجدت كلمات تتساقط من فمي تُشبه الفحيح.

– إنتي مجنونة؟

– هو انتَ شُفت جنان لسه! (قالتها وهي تعتدل فكدتُ أرى رُكبتها.)

مررت بعيني على جسدها بالكامل، وأَنا أنحرف بالسيارة بعد البازليك، ولمحت مكانًا شاغرًا فتوقفت بالسيارة ونظرت إليها، كانت ترتدي فستانًا من المخمل الأسود والبني، كان ذوقها شعبيًّا إلى حدٍّ كبير، خاصة المشغولات المرسومة على الفستان، الذي كان قبل جلوسها بجواري تحت ركبتها بقليل، وشال أسود منسوج تُغطي به صدرها، وحين وصلت عيناي لرقبتها، رفعَت الشال لتُظهر خصوبة نهديها ببياضهما الرخامي، ببروزهما خارج فتحة الفستان، لم أَرَ هذا الجزء من الفستان شعبيًّا على الإطلاق.

انفرجت شفتاها عن ابتسامة ماكرة، وهي تراني أتفحَّصُها، نزلت بعينَيَّ أكثر، مررت ببطنها ونزلت لطرف الفستان، الذي ارتفع فوق ركبتها بقليل، كان بياض لونها أخَّاذًا، وسيقانها تلمع نعومتها، واستمرت عيناي في النزول، لصندلها الأسود اللامع ذي الكعب العالي، والشريطة الحمراء اللامعة بفراشة برتقالية، لتُظهر أصابع قدميها بأظافرها المطليَّة بلون أحمر قانٍ بعناية شديدة، ومقلَّمة بعناية أشد.

لم تستغرق تلك النظرة أكثر من جزء من الثانية، لكنْ كلُّ التفاصيل قد حفظتها في ذاكرتي، رفعت عيني لوجهها وكأني أراها لأول مرَّةٍ، كان جمالها ريفيًّا؛ العيون الواسعة، السوداء، المُكحَّلة، الأنف الدقيق المرتفع بعض الشيء، والشفتان الممتلئتان قليلًا والملوَّنتان بالأحمر، وذقنها الدقيق، الذي يذكرني بالنقطة في نهاية السطر.

كان شعرها مُنسدِلًا بسواده، وثقله، ويلوح فوقه طيف أحمر، استمرَّت نظرتي مدَّة أطول، لم يُفِقْني من تأملاتي سوى وخز في جسمي كله، فانتبهت أننا جلسنا فوق الزجاج المكسور، والكراسي المحترقة، فنظرت بشكل تلقائي لنفسي، فوجدتني بالجينز، وحذائي الخفيف بلا جوارب، وقميص أبيض مُقلَّم بأقلام رفيعة، أزرق وبُني، شعرت بالبرد؛ فما زلنا في نهاية شهر يناير، ولا يصلُح قميصي أبدًا لمثل هذا الجو، سحبت يدي من أسفل يدها، وشعرت بأنني استرددت عافيتي من تأثير الصدمات المتوالية.

«بقولِك إيه، تعالي ننزل بس ننفض القزاز المكسر ده.» قلتُها ونزلت، وبدأت في تفحُّص السيارة للمرَّة الأولى، أو هكذا كنت أحاول أن أبدو، لكن في الحقيقة كنت أريد رؤيتها واقفة.

– حاضر، أنا آسفة والله (قالتها ونزلت).

حاولت إزالة الزجاج بسرعة بلا فائدة من كرسيَّ، ودُرتُ حول السيارة لأذهب ناحيتها.

وقفتُ فكانت محاصَرة بيني وبين السيارة، ويمنعها من الهرب الباب المفتوح، لم تحاول الهرب في الحقيقة، بل وقفت مبتسمة في توسُّل، وأخذت تُردِّد الاعتذارات، ولم أكن أسمع ما تقول، بل كُنت مستمرًّا في معاينة المجنونة التي أشعلت سيارتي، وأشعلت معها رغبتي.

كانت فارعة الطُّول، وممشوقة بتناسُب مثير، كانت تظهر عليها كلُّ علامات العناية بمظهرها، مِلت بجسدي قليلًا لأنظِّف الزجاج من الداخل، فكدت ألمسها أو بالأحرى أن أسند رأسي على صدرها الذي لفح وجهي لهيبه، اعتدلتُ وانسحبت بعيدًا قائلًا بأننا لن نتمكن من تنظيف الزجاج، فابتسمت لي بخيلاء، ومالت بجسدها للداخل وكأنَّها تقرأ ما يدور بذهني فقد كنت أتشوق لرؤية مؤخرتها في الوضع مائلة، أقلقتني فكرة أنَّها تقرأ ما يدور بذهني، وتذكَّرت الحلم بالأم وابنتها، شعرت بالخوف لوهلة بينما كانت تضرب الكرسيَّ بيدها ذات الأصابع الطويلة المنحوتة بدقة عالية، فيطير الزجاج فتزيحه بعيدًا، امتزجت صورتها برغبتي التي كانت مشتعلة في الحلم، فبدأت بتفحُّص مؤخرتها البيضاوية المشدودة وكان المخمل الداكن يزيدها إثارةً، وكاد التقاء مؤخرتها بردفيها أن يُفلت زمام رغبتي، ومنعتُ نفسي للحظة من ضرب مؤخرتها بيدي، فاكتفيتُ بوضعها على وسطها لتخرج من السيارة، وتقف تقريبًا بين ذراعي ويلامس كلُّ جسمها كلَّ جسمي، كان جسدها مزيجًا غريبًا من القوة والليونة، نظرت في عينها: تعرفي نظرية التوتُّر السطحي؟

– طبعًا، يبان عليك التوتُّر من برَّة وانت راسي وتقيل من جوه، يعني عكس نظرية «من برة هلَّا هلَّا ومن جوَّه يعلم الله» (قالتها وبعينها نظرة انتصار رافعةً حاجبها الأيسر).

– (ضاحكًا بصوت مرتفع) لا مش دي؛ التوتُّر السطحي نظرية على الموائع بيكون سطحها غشاء مرن مشدود يقاوم الاختراق ويعمل على تقليل مساحة السطح.

تحوَّلت نظرتها من الاستنكار، للغضب، للَّوْم، وكادت تصيح وهي تدفعني عنها، «إوعى» وركبت السيارة مرَّة أخرى ودفعتني ثانيةً لتُغلق الباب، وكأنَّها ستنطلق بالسيارة، رجعت لمقعدي ناظرًا لها مبتسمًا؛ فقد أثارتني أكثر بسذاجتها، ومحاولتها التنصُّح بطريقة «الفلاح لما يتنوَّر»، أغلقت بابي.

– مالك بس، حصل إيه؟

– إيه يعني غشاء ومش غشاء؟ انت مش عارف إنِّي كنت متجوزة وعندي تلات عيال؟

لم أضحك هذه المرَّة، بل ابتسمت لها بدفء قائلًا: «لا يا ستي، انتي فهمتيني غلط، أو انا ماعرفتش أقول.»

– هاتقول إيه تاني؟ ما بلاش …

– لا أنا كان قصدي إن جسمك حلو ومشدود وليِّن في نفس الوقت (قلتها ووضعت يدي على فخذها، وشعرت بيدي تحترق وبجسدها يذوب).

– ما تقول لي جسمك حلو يا توحة وخلاص، إيه بقى لازمتها النظريات! ما تخليك دوغري كده واتعلمها من واحدة زيي مش متعلمة.

– إنتي هاتعلِّميني الجنان.

– وهو الجنان وحش يا أستاذ محمد؟

– لا يا ست توحة، لو منك يبقى مش وحش، أعمل فيكي إيه دلوقتي؟ نزلتيني في البرد دا بمنظري كده!

– أدفيك، ووضعت يدها مرَّة أخرى فوق يدي.

– وولَّعتي في عربيتي.

– أطفيها. وأشعلت نيران الجحيم بنظرتها.

– أعمل فيكي إيه؟

– بوسني.

تمنيتُ ألَّا تدرك ما أصابني به طلبها من ذهول، حاولت التظاهر بالثبات والتماسك، حاولت الردَّ أو التعليق، بلا جدوى، كم هي جريئة تلك المرأة! أتراها تعبث بي أو تتلذذ في رؤية تأثير ما تفعله في عينيَّ؟ فهي لم تُفلتهما من شِبَاك عينيها … لم تتركني كثيرًا لحيرتي، وربما تعمَّدت إفهامي أنَّها تقرؤني.

ماتخافش، قالتها وهي تضع يدها فوق يدي المرتاحة المنسيَّة فوق فخذها، شعرت بأنَّها أيقظتها من سُبات عميق لتغطِّيها بلحافٍ وثيرٍ لا يقل نعومة ولا ليونة عن باقي جسدها.

– هو باين عليا أوي إني خايف؟

بابتسامةٍ عذبةٍ ونظرةِ توسُّلٍ: لا يا سي محمد، مش قصدي؛ دانا بتمنَّى اليوم دا من زمان.

– اليوم اللي هنا ولا اللي مش هنا؟ (مبتسمًا بخبث.)

– هانتفق، وهالبسلك اللي عمري ما لبسته، وهاطبخلك اللي عمرك ما أكلته، واسمَّعك اللي عمرك ما سمعته، وأوريك اللي عمرك ما شفته، بس انت مش هاتيجي (قالتها بنفس النظرة المتوسِّلة).

– مين قال مش هاجي؟! (سحبت يدي من مرقدها معترضًا.)

– مش هاتيجي، أنا عارفة، أنا حلمت إنك مش هاتيجي.

– حلمتي؟ خير اللهم اجعله خير (بتهكُّم لم أقصده).

– هاستناك كل يوم تلات الساعة ١١ الضهر لحد آخر تلات في عمري.

– بعيد الشر، بس ليه التلات مش الأربع؟

– عمة «هاني» ابني بتيجي تاخده يشوف سته.

– والنهارده الولاد فين؟ النهارده الجمعة.

– عند ستهم كلهم (مسكت يدي وجذبتها لصدرها).

شعرت أنَّها تغويني بوضعها على نهدها القابل للانفجار بما لذ وطاب من فنون الهوى، لكنها وضعتها أعلى صدرها وركزتها على دقات قلبها هامسة لي: «اسمع، دا اللي مستنيك يا سي محمد».

لا أعرف كيف انتهى ذلك الموقف، أو كيف سحبت يدي، أو كيف تركتها تُقبِّل يدي وتودِّعني خارجة من سيارتي المحترقة وكأنَّها تودع شهيدًا في حرب القناة، وكيف اختفت …

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١