السيد زخاريوس

(١) ليلة شتاء

تقع مدينة جنيف في الطرف الغربي للبُحَيرة التي تَحمل اسم المدينة. يمر نهر الرون عبر المدينة، عند منفذ البحيرة، ويَقسمها قسمَين، كما أن النهر نفسه يَنشطِر عند مركز المدينة إلى قسمَين بفعل جزيرة تقع في منتصف المجرى. مثل هذه السمة الطبوغرافية توجد غالبًا في المراكز التجارية والصناعية الكبرى، ولا شك أن السكان الأوائل تأثَّروا بوسائل النقل السهلة التي وفَّرتها لهم تيارات الأنهار السريعة؛ تلك «الطرق التي تَسير من تلقاء نفسها» حسب تعبير باسكال. وفي حالة نهر الرون، كان الطريق يجري من تلقاء نفسه.

قبل بناء المباني الجديدة والمُنظمة على هذه الجزيرة المحصورة في منتصف النهر وكأنها سفينة هولندية جانحة، كانت مجموعة المنازل الغريبة، المُصطفَّة كلٌّ وراء الآخر على دعامات طويلة، تُمثِّل منظرًا مختلطًا على نحوٍ بديع. جعل صِغَر مساحة الجزيرة بعضَ المنازل تبدو كما لو كانت جاثمة على الدعامات التي تتخلَّلها تيارات النهر العنيفة. أما العوارض الضخمة التي أصبحت سوداء بفعل الزمن ومتآكلة بفعل الماء، فبدت مثل مخالب سلطعون عملاق، وكان منظرها رائعًا. بينما كانت الجداول الصفراء الصغيرة — التي امتدَّت مثل خيوط العنكبوت وسط هذا الأساس القديم — تترقرَق في الظلام كما لو كانت أوراق غابة بلوط قديمة، في حين كان النهر المَحصور بين غابة المنازل هذه يتدفَّق في عنف مُصدرًا خريرًا، وسطحه عامرًا بالزَّبَد.

أحد هذه المنازل كان يتميَّز بمظهره القديم على نحوٍ غريب. وكان هذا المنزل يسكنه صانع الساعات العجوز السيد زخاريوس، الذي كان منزله يضم ابنته جيراند، وأوبير تون المُتدرِّب لديه، وخادمته العجوز سكولاستيك.

لم يكن يوجد رجل في جنيف يُضاهي زخاريوس في إثارة الانتباه. كان من المستحيل معرفة عمره، ولا يستطيع أكبر سكان البلدة سنًّا معرفة متى اهتز رأسه الرفيع المدبَّب فوق كتفيه، ولا اليوم الذي سارَ فيه في الشوارع لأول مرة وشَعره الأبيض الطويل يطير في الهواء. كان جسمه النحيل والهزيل متَّشحًا دائمًا بألوان قاتمة. لقد كان مرسومًا بالأسود مثل صُوَر ليوناردو دافنشي.

كانت جيراند تَسكُن أجمل غرفة في المنزل، وكانت ترى عبر نافذتها الضيقة منظر قِمَم جبال جورا الثلجية الباعث على الحياة؛ أما غرفة نوم العجوز وورشته فكانت مثل كهف قريب من الماء، وكانت أرضيتها ترتكز على الدعامات.

لم يخرج السيد زخاريوس من غرفته منذ وقت طويل يستحيل تذكُّره، ولا يخرج إلا حين يذهب لضبط ساعات البلدة المختلفة. كان يقضي وقته على مقعده المُغطَّى بالعديد من آلات التروس التي اخترع معظمها. ونظرًا لأنه كان رجلًا ماهرًا فقد كانت أعماله تحظى بالتقدير في مختلف أنحاء فرنسا وألمانيا. وكان أمهرُ العُمال في جنيف يعترفون حقًّا بتفوقه، وأوضحوا أنه فخر للبلدة قائلين: «إليه يُنسب مجد اختراع ميزان الساعة.» وفي حقيقة الأمر، يعود الميلاد الحقيقي لتروس الساعة إلى الاختراع الذي اكتشفتْه مواهب زخاريوس منذ سنوات عديدة.

كان زخاريوس عندما يَفرغ من عمله المُضني بعد وقت طويل يضع أدواته ببطء، ويُغطي الأجزاء الدقيقة التي كان يَضبطها بالزجاج، ويوقف عجلة المخرطة النشطة؛ ثم يرفع الباب المسحور المُثبَت في أرضية الورشة، ويقف مُنحني الظهر يستنشق كعادته أبخرة الرون الكثيفة وهي تندفع تحت عينيه.

وذات ليلة شتاء قدَّمت الخادمة العجوز سكولاستيك العشاء، وتناولته هي والساعاتي الشاب مع سيِّدهما كما جرت العادة القديمة. إلا أن السيد زخاريوس لم يأكل على الرغم من أن الطعامَ المُعَدَّ له بعناية قُدِّم إليه في طبق أنيق، لونه أزرق وأبيض. ولم يَرُدَّ على كلمات جيراند العذبة التي لاحظت صمتَ أبيها بوضوح، حتى ثرثرة سكولاستيك نفسها لم يكن وقعُها على أذنه أكبر من وقع هدير النهر الذي لم يكن يُعيره انتباهًا.

وبعد هذه الوجبة الصامتة غادَر الساعاتي العجوز المائدة دون أن يُعانق ابنته أو يقول «طاب مساؤكم» للجميع كعادته. غادر من الباب الضيِّق المُفضي إلى مُعتكَفه، وكان السُّلَّم يئزُّ من خطواته الثقيلة وهو يَنزل على الدَّرَج.

جلست جيراند وأوبير وسكولاستيك بضع دقائق دون أن يَنطقوا بكلمة. كان طقس هذا المساء كئيبًا، وكانت السُّحُب تزحف بتثاقُل فوق جبال الألب وتُهدِّد بسقوط الأمطار؛ وكان مُناخ سويسرا القاسي يُشعِر المرء بالحزن، وأخذت الرياح الجنوبية تضرب أرجاء المنزل، وتُصفِّر على نحوٍ منذر بالشؤم.

وأخيرًا قالت سكولاستيك: «أتعلمين يا آنستي العزيزة أن السيد ليس على ما يُرام منذ عدة أيام؟ بحق العذراء المقدسة! أعلم أنه فاقد للشهية وأن كلماته محبوسة داخله، وأن سَحْب كلمة واحدة منه قد يَتطلَّب الاستعانة بشيطان ماهر.»

فأجابتها جيراند وقد ارتسم القلق والحزن على وجهها: «لدى والدي سبب سرِّي يُزعجه لا أستطيع تخمينه.»

«آنستي، لا تدَعي هذا الحزن يملأ قلبك. أنت تعرفين عادات السيد زخاريوس الغريبة. مَن يستطيع قراءة أفكاره السرِّية مِن وجهه؟ لا شك أن التعب قد نال منه، لكنه في الغد سيكون قد نسيَه، وسيكون آسفًا للغاية على ما سبَّبه لابنته من ألم.»

كانت تلك كلمات أوبير التي قالها وهو ينظر إلى عينَي جيراند الجميلتين. كان أوبير أول مساعد يَسمح له السيد زخاريوس بالاقتراب من معمله، حيث كان يُقدِّر ذكاءه وتحفُّظه وطيبة قلبه؛ وتعلَّق هذا الشاب بجيراند بإخلاص صادق تُحتمه الطبيعة النبيلة.

كانت جيراند في الثامنة عشرة من عمرها، وكان وجهُها البيضاويُّ يُشبه صور العذراء غير المبهرجة التي ما يزال تبجيلُها ظاهرًا في أركان شوارع بلدات بريتاني العتيقة. كانت عيناها تكشفان عن بساطة مُطلَقة. قد يحبها المرء لأنها تمثل حُلم شاعر قد تحوَّل إلى واقع جميل. كانت ملابسها ذات ألوان مُحتشمة، وكان الكتان الأبيض المطوي حول كتفَيها يحمل لون ورائحة كتان الكنائس. كانت تحيا في جنيف حياةً صوفية لم تُهجَر بعدُ لصالح جفاف الكالفينية.

وبينما كانت جيراند تقرأ مساءً وصباحًا صلواتها اللاتينية من كتاب القداس ذي المِشبَك الحديد، اكتشفت أيضًا شعورًا خفيًّا في قلب أوبير تون، وأدركت مدى العشق العميق الذي يُكنُّه لها هذا العامل الشاب. في الواقع، كان العالَم في عينيه مُختزَلًا في منزل الساعاتي العجوز، وكان يقضي كل وقته بالقرب من الفتاة، عندما يُغادر ورشة والدها بعد انتهاء العمل.

رأت العجوز سكولاستيك كل ذلك لكنها لم تقل شيئًا؛ فقد فضَّلت أن تُكرِّس ثرثرتها للحديث عن شرور الزمان ومشاكل البيت الصغيرة. لم يُحاول أحد إيقاف ثرثرتها؛ فلقد كانت مثل صناديق النشوق الموسيقية المصنوعة في جنيف، بمجرَّد تشغيلها لا بد من كسرها حتى تَمنعها من إذاعة كل ما لديها من موسيقى.

ولما رأتِ السيدة سكولاستيك أن جيراند مُستغرِقة في صمتها الكئيب، تركت كرسيَّها الخشبي القديم، وثبَّتت شمعة على الشَّمعدان وأشعلَتها، ووضعَتها بالقرب من تمثالٍ شمعي صغير للعذراء موضوع في مشكاة حجرية. كان من عادة الأسرة الركوع أمام تمثال العذراء الذي يَحفظ المنزل، وطلب حراسة العذراء الحانية أثناء الليل القادم، إلا أن جيراند ظلَّت صامتة في مقعدها في هذا المساء.

فقالت سكولاستيك وهي مُتعجِّبة: «حسنًا حسنًا يا آنستي، لقد انتهى العشاء، وحان وقت الخلود للنوم. لماذا تُجهِدين عينَيك بالسهر؟ آه يا عذراء! من الأفضل أن تَخلُدي للنوم وتحصلي على قسط من الراحة والأحلام السعيدة! ففي هذه الأيام البغيضة التي نعيشها مَن يُمكنها أن تَعِد نفسها بيوم ميمون؟»

فسألتها جيراند: «ألا يجب أن نُرسل في طلب الطبيب من أجل أبي؟»

صاحت الخادمة العجوز: «طبيب! هل حدَث أن استمع السيد زخاريوس إلى تخيُّلاتهم وأقوالهم الجوفاء؟ من المُمكن أن يَقبل بوجود أدوية تعالج الساعات لكن ليس الجسم!»

فتمتمَت جيراند: «وماذا نفعل الآن؟ هل ذهَب إلى العمل أم إلى الراحة؟»

فقال أوبير برقة: «جيراند، ثمَّة مشكلة ذهنية تؤرق والدك، هذا كل ما في الأمر.»

«أتعرف ما تلك المشكلة؟»

«ربما يا جيراند.»

صاحت سكولاستيك في حماس، وهي تُطفئ الشمعة بحرص: «أخبرنا إذًا.»

قال المُتدرِّب الشاب: «منذ عدة أيام يا جيراند حدَث شيء لا يُمكن فهمه على الإطلاق. لقد توقَّفَت فجأة كل الساعات التي صنَعها والدك وباعها على مدار سنوات، وكثيرٌ من هذه الساعات أُعيدَت إليه. لقد فكَّكها بعناية، وكل الزنبركات في حالة جيدة، وكل التروس في مواضِعها السليمة. لقد جمَعها بمزيد من الدقة لكن رغم موهبته لم تَعمل الساعات.»

فصاحت سكولاستيك: «لا بد أن الشيطان تلبَّسها!»

فسألتها جيراند: «لماذا تقولين ذلك؟ يبدو هذا طبيعيًّا جدًّا بالنسبة لي؛ فلا شيء يَبقى للأبد في هذا العالم، فيَستحيل على البشر أن يصنعوا شيئًا خالدًا.»

أجابها أوبير: «رغم ذلك، فالأمر حقيقي. ثمَّة أمر غاية في الغموض والغرابة. لقد ساعدتُ السيد زخاريوس بنفسي في البحث عن سبب عطل الساعات، لكني لم أتمكَّن من إيجاده، وأكثر من مرة ألقَيتُ أدواتي من يدي من فرط اليأس.»

استأنفت سكولاستيك حديثها قائلة: «لكن لماذا تقوم بهذه المَهمَّة العبثية؟ هل من الطبيعي أن تتحرَّك أداة نُحاسية صغيرة من تلقاء نفسها وتُحدِّد الساعات؟ كان يجب أن نكتفي بالمِزْولة الشمسية!»

فقال أوبير: «لن تقولي ذلك عندما تَعلمين أن قابيل هو من اخترع المِزْولة الشمسية.»

«يا إلهي! ما هذا الذي تقوله لي؟»

سألت جيراند ببساطة: «هل تَعتقِد أننا من المُمكن أن نُصلي للرب كي يَبعث الحياة في ساعات أبي؟»

فأجابها أوبير: «بلا شك.»

تمتمَت الخادمة العجوز قائلة: «حسنًا! ستكون صلوات بلا فائدة، لكن الرب سيُسامِحكم لأجل نيتكم الطيبة.»

أُشعلت الشمعة مرة أخرى. وجثا كلٌّ من سكولاستيك وجيراند وأوبير على بلاط الغرفة. صلَّت الفتاة الشابة من أجل رُوح والدتها، وللحصول على ليلة مباركة، وصلَّت لأجل المُسافِرين والمسجونين، ولأجل الصالحين والطالحين، وكان أصدق ما صلَّت من أجله هو المصائب غير المعروفة التي لحقت بوالدها.

ثم نهض الثلاثة أصحاب الأَرواح المُخلِصة والثِّقة تملأ قلوبهم؛ لأنهم بثوا حزنهم إلى الله.

عاد أوبير إلى غرفته، وجلست جيراند مُستغرِقة في التفكير بجوار النافذة بينما كانت آخر الأضواء تَختفي من شوارع المدينة، أما سكولاستيك فبعد أن صبَّت القليل من الماء على الجمر المُرتعش، وأغلقت مزلاجَي الباب الضخمَين، ألقت نفسها على السرير، وسرعان ما حلمت أنها تموت من الخوف.

في الوقت نفسه تزايَدت أهوال تلك الليلة الشتوية؛ ففي بعض الأحيان، بسبب دوامات النهر، كانت الرياح تُحيط بالأعمدة، ويرتعش المنزل كله ويَهتز، إلا أن الشابة التي كانت مستغرقة في حزنها لم تفكر إلا في والدها؛ فبعد أن سمعت ما قاله لها أوبير اتَّخذ مرض السيد زخاريوس أبعادًا غير واقعية في مخيَّلتها، وبدا لها أن وجوده، الغالي جدًّا عليها والمسلَّم به في حياتها، صار يتطلَّب جهدًا.

وفجأة، من أثر العاصفة، ارتطم مِصراع العُلِّيَّة بنافذة الغرفة. ارتجفَت جيراند ونهضت دون أن تفهم سبب الضوضاء التي أزعجت تخيُّلاتها. وعندما أصبحت أكثر هدوءًا فتحت النافذة الزجاجية. كان وابلٌ من المطر ينهمر من السُّحُب، وكانت القطرات تُطقطِق على الأسقُف المجاورة. مالت الشابة من النافذة لتُغلق المصراع الذي كان يهتز من الرياح، لكنها خافت مِن فعل ذلك. بدا لها أن ماء المطر والنهر المُضطرب المُمتزجَين كانا يُغرقان المنزل المتهالك الذي تطقطق ألواحه من كل اتجاه. كانت ستَخرج من غرفتها لكنها رأت ضوءًا مرتعشًا بدا قادمًا من معتزَل السيد زخاريوس، وفي لحظة من اللحظات الهادئة الوجيزة التي تَصمُت فيها الأشياء فجأةً، سمعت أصوات نحيب. حاولت أن تُغلق النافذة، لكنها لم تَستطِع؛ فقد منعتها الرياح كما لو كانت لصًّا يُحاول اقتحام أحد المنازل.

اعتقدت جيراند أن الخوف سيُفقدها صوابها. تُرى ماذا كان يفعل والدها؟ فتحت الباب، ثم انفلَت الباب من يدَيها وانغلق بقوة العاصفة مُصدرًا دويًّا. ثم وجدت جيراند نفسها في غرفة المائدة المُظلِمة، ونجحَت في الوصول إلى السُّلَّم المؤدِّي إلى ورشة والدها مُتسلِّلةً على أطراف أصابعها، ثم نزلت وهي شاحبة وواهنة.

كان الساعاتي العجوز واقفًا في مُنتصف الغرفة، وكان صوت هدير النهر يُدوِّي بها. منحَه شعرُه الأشعث شكلًا مخيفًا. كان يتحدَّث ويُومئ دون أن يرى أو يسمع شيئًا. ووقفَت جيراند ثابتة على العتبة.

فقال السيد زخاريوس بصوت أجوف: «إنه الموت! إنه الموت! لماذا أعيش مدةً أطول إذا كنتُ قد وزَّعتُ وجودي على هذه الأرض؟ فأنا حقًّا، السيد زخاريوس، صانع كل الساعات التي صمَّمتُها! لقد حبَستُ جزءًا من روحي داخل كل إطار من هذه الإطارات الحديدية أو الفضية أو الذهبية! في كل مرة تتوقَّف فيها إحدى هذه الساعات المَلعونة أشعُر أن قلبي يتوقَّف عن الخفقان، لقد ضبَطتها على نبضاته!»

وأثناء حديث العجوز الغريب وقعَت عيناه على طاولته، وكانت توجد عليها قطع إحدى الساعات التي فكَّكها بدقة. تناول شيئًا يُشبه الأسطوانة المجوَّفة، اسمه البرميل، ويُوضع فيه الزنبرك، ثم أزال الزنبرك الفولاذي، لكن بدلًا من أن يَرتخي الزنبرك وفقًا لقوانين المرونة ظل مُلتفًّا حول نفسه مثل الأفعى النائمة. كان يبدو متصلبًا مثل المُسنِّين العجَزة الذين تخشَّبت أطرافهم. حاول السيد زخاريوس سُدًى أن يَفكَّه بأصابعه الرفيعة، التي كان انعكاسها مضخَّمًا على الحائط، لكن محاولته باءت بالفشل، وسرعان ما صاح صَيحة ألم وغضب فظيعة، وألقاه من الباب المسحور إلى نهر الرون المُضطرب.

وقفت جيراند وقدماها مُثبتتان على الأرضية دون نفَسٍ وبلا حَراك. تمنَّت أن تقترب من أبيها، لكنها لم تستطع. واستحوذت عليها الهلوسات المُسبِّبة للدوار. وفجأة سمعت من الظلام صوتًا يَهمس في أذنَيها …

«جيراند، عزيزتي جيراند! أما زال الحزنُ يُبقيك مستيقظة. عودي ثانيةً أرجوك؛ فالليلة باردة.»

فهمست الشابة: «أوبير! أنت!»

«ألا يجب أن أَنزعِجَ مما يُزعجك؟»

بعثت هذه الكلمات الرقيقة الدم مرةً أخرى في قلب الفتاة، ومالت على ذراع أوبير وقالت له:

«والدي مريض جدًّا يا أوبير! أنت وحدك يُمكنك أن تشفيَه؛ فهو لن يرضخ لتوسُّلات ابنته بسبب اضطرابه الذهني. لقد هاجَم عقلَه وهمٌ طبيعي جدًّا، وأنت تعمل معه في تصليح الساعات وسوف تُعيده إلى رشده.» ثم استطردت: «أوبير، ليس صحيحًا أن حياته مُختلِطة بحياة ساعاته، أليس كذلك؟»

فلم يردَّ أوبير.

سألته جيراند وهي تَرتعش: «لكن هل يُبغض الرب تجارة والدي؟»

فأجاب المُتدرِّب وهو يُدْفئ يدَي الشابة الباردتَين بيدَيه: «لا أعلم، لكن عودي إلى غرفتك أيتها المسكينة جيراند، فمع النوم يتجدَّد الأمل!»

عادت جيراند بتمهُّل إلى غرفتها، وظلَّت هناك حتى مطلع الفجر، دون أن يُغمض النوم جفنَيها. وفي الوقت نفسه، ظلَّ السيد زخاريوس صامتًا وبلا حَراك يُحدِّق في النهر وهو يتقلَّب في اضطراب تحت قدميه.

(٢) غرور العلم

أصبحت صرامة تاجر جنيف في أمور العمل مَضرب المثل. لقد كان شريفًا على نحوٍ صارم وعادلًا للغاية؛ فأيُّ عار سيَلحق بالسيد زخاريوس عندما يرى كلَّ الساعات التي صنَعها بدقة بالغة تعود إليه من كل مكان؟

كان من المؤكَّد أن هذه الساعات توقَّفت فجأة، ومن دون أيِّ سبب واضح. لقد كانت التروس في حالة جيدة ومُثبتة جيدًا، لكن الزنبركات فقَدت كل مرونتها. حاول الساعاتي سُدًى أن يستبدل بها غيرها، لكن التروس ظلَّت بلا حَراك. وأدَّت هذه الأعطال غير المعروفة الأسباب إلى تشويه سُمعته بشدة. إن اختراعاته الفخمة أثارت شكوكًا عديدة حول عمله بالسِّحر، وبدَت هذه الشكوك مؤكَّدةً الآن. وصلَت هذه الشائعات إلى جيراند، التي كانت تَرتجِف نيابة عن والدها في أحيان كثيرة عندما كانت ترى النَّظرات الشريرة الموجَّهة صوبه.

ومع ذلك ففي صباح هذه الليلة التي شعر فيها السيد زخاريوس بالكرب، استأنَف عمله ببعض الثقة. لقد أمدَّته شمس الصباح ببعض الشجاعة. أسرع أوبير للحاق به في الورشة، وحيَّاه زخاريوس بلُطف قائلًا: «يوم سعيد.»

ثم أردَف العجوز: «أنا أفضل. لا أعرف هذه الآلام الغريبة التي هاجمَت رأسي بالأمس، لكن الشمس بدَّدتها تمامًا كما بدَّدَت غيوم الليل.»

فأجاب أوبير: «في الحقيقة يا سيدي، أنا لا أُحب الليل مثلك تمامًا!»

«أنت مُحق يا أوبير. وإذا أصبحتَ رجلًا عظيمًا فسوف تَفهم أن النهار مُهم لك مثل الطعام؛ فالعالِم الجليل يجب أن يكون مُستعدًّا دومًا لتلقي التقدير من رفاقه.»

«سيدي، يبدو لي أن غرور العلم قد تملَّكك.»

«الغرور يا أوبير! دمَّر ماضيَّ وانقضَّ على حاضري، وبدَّد مستقبلي، وعندها سيكون مسموحًا لي أن أعيش في طي النسيان! يا لك مِن فتًى مسكين لا يفهم الأمور السامية التي أُكرِّس لها فنِّي بالكامل! ألستَ سوى أداة في يدي؟»

فاستطرد أوبير: «ليس بعد. سيد زخاريوس، لقد اعتززتُ أكثر من مرة بثنائك على طريقة ضبطي للأجزاء البالغة الدقة في ساعات اليد وساعات الحائط.»

«بلا شك يا أوبير؛ فأنتَ عامل ماهر من النوع الذي أُحبه؛ لكنَّك عندما تعمل تَعتقِد أن ما في يدك ليس سوى نُحاس وفِضة وذهب، ولا تفهم هذه المعادن التي تبثُّ فيها عبقريتي الحياة، وتَجعلها تَنبض مثل اللحم الحي! بحيث لا تموت بموت أعمالك!»

ظل السيد زخاريوس صامتًا بعد هذه الكلمات، لكن أُوبير حاول الاستمرار في المحادثة.

فقال: «حقًّا يا سيدي، أنا أُحب أن أراك تعمل بلا توقُّف! ستكون مُستعدًّا لمهرجان مؤسَّستنا؛ لأنني أرى أن العمل على هذه الساعة البلورية يتقدَّم على نحوٍ ممتاز.»

صاح الساعاتي العجوز: «بلا شك يا أوبير، وسيكون شرفًا عظيمًا لي أن أتمكَّن من قَطعِ وتشكيل البلور على نحوٍ يُضاهي متانة الألماس! آه لقد أبلى لويس بيرجيم بلاءً حسنًا في إتقان فنِّ قَطعِ الألماس، وهذا ما مكَّنني من صقل وثقب أصعب الأحجار!»

كان السيد زخاريوس يَحمل في يدَيه كثيرًا من أجزاء الساعات الصغيرة المصنوعة من البلور المقطوع، وكانت مُتقَنة الصنع. كانت التروس ومَحاور الارتكاز وإطارات الساعات كلها من المادة نفسها، وأظهر السيد زخاريوس مهارةً مُدهشة في أداء هذه المهمَّة البالغة الصعوبة.

ثم قال وقد احمرَّ وجهه: «ألن يكون جيدًا رؤية هذه الساعة تَنبض أسفل غطائها الشفاف، وأن نستطيع عد نبضات قلبها؟»

فأجاب المتدرِّب الشاب: «أنا مُتأكِّد يا سيدي من أن دقاتها لن تتغيَّر ولو بمقدار ثانية واحدة في السنة.»

«لك أن تُراهن على هذا اليقين! ألم أضع فيها أصفى ما في قلبي؟ هل تتغيَّر دقات قلبي؟ قلبي أنا؟»

لم يجرؤ أوبير على أن يرفع عينيه في وجه معلمه.

فقال العجوز بحزن: «أخبرني بصراحة، ألم تَعتبرني رجلًا مجنونًا؟ ألا تعتقد أنني ينتابني أحيانًا حماقةٌ خطيرة؟ بلى، أليس كذلك؟ لقد رأيتُ نظرات الاستِهجان مرات عديدة في عينَي ابنتي وعينَيك.» ثم صاح كما لو كان يتألم: «آهٍ! كم هو مؤلم أن يُسيء فهمَك أكثرُ مَن تحب في هذا العالم! لكنني سوف أُثبت لك بنجاح يا أوبير أنني مُحِق! لا تهزَّ رأسك، فلسوف يُفاجئك كلامي. في اليوم الذي ستُدرك فيه كيف تَسمعني وتفهمني، سوف ترى أنني اكتشفتُ أسرار الوجود، أسرار الاتحاد الغامض بين الروح والجسد!»

في أثناء الحديث بهذه الطريقة بدا السيد زخاريوس مهيبًا في غروره؛ فقد لمعَت عيناه ببريق غير طبيعي، وأضاء الغرور كل ملامحه. وفي حقيقة الأمر، لو كان من المُمكن أن يكون الغرور مُبَرَّرًا لأحد، فسيكون ذلك الشخص هو السيد زخاريوس!

في الواقع، كان فن صناعة الساعات حتى وقت زخاريوس ما يزال في مَهدِه؛ فمنذ أن اخترع أفلاطون، قبل أربعة قرون من الميلاد، الساعةَ الليلية التي تُشبه الساعة المائية، والتي تُوضِّح ساعات الليل بصوت وعزف الناي، ظلَّ العلم ثابتًا تقريبًا. فلقد أَولى المُعلمون الفنَّ اهتمامًا أكبر من اهتمامهم بالميكانيكا، وكانت هذه الفترة فترة الساعات الجميلة المصنوعة من الحديد والنُّحاس والخشب والفِضة، والتي كانت كثيرة النقوش مثل إبريقَي تشيلليني. لقد صنعوا تُحفًا من الحَفر على المعادن كانت تَقيس الزمن على نحوٍ غير مضبوط، لكنها كانت تُحَفًا رغم ذلك. وعندما كان خيال الفنان غير موجَّه نحو إجادة التشكيل، كان يَنطلِق نحو صناعة ساعات ذات أشكال مُتحرِّكة وأصوات عذبة جذَب مظهرُها كلَّ الانتباه. بالإضافة إلى ذلك، من كان سيَشغل نفسه في تلك الأيام بضبط انقضاء الزمن؟ إن التأجيلات القانونية لم تكن قد اختُرعت بعد، والعلوم الفيزيائية والفلكية لم تكن بعدُ قد أسَّست حساباتها على قياسات مضبوطة بدقة، ولم تكن توجد مؤسسات تُغلِق في ساعة معينة، ولم يكن يوجد قطارات تُغادر في لحظة معيَّنة. وفي المساء كان يدقُّ جرس الحظر، بينما يُعلَن عن انقضاء الساعات في الليل وسط الصمت التام. من المؤكَّد أن الناس لم يعيشوا وقتًا طويلًا، هذا لو قِسنا الوجود بكمِّ العمل المُنجَز؛ لكنهم عاشوا أفضل. لقد أثرَوا عقولهم بالأفكار النبيلة التي نشأت عن تأمُّل التُّحَف الفنية. كانوا يَبنون الكنيسة خلال قرنَين، وكان الرسام يَرسم صورًا قليلة على مدار حياته، وكان الشاعر يؤلِّف عملًا عظيمًا وحيدًا فحسب؛ لكنها كلها كانت تُحَفًا فنية كثيرة تُقدِّرها الأجيال القادمة.

وأخيرًا، عندما بدأت العلوم الدقيقة تُحرِز بعض التقدُّم، بدأت صناعة ساعات اليد وساعات الحائط تَحذو حذوها، على الرغم من أنها كان يُعرقِلها دائمًا صعوبة لا يمكن التغلُّب عليها؛ ألا وهي القياس المنتظم والمُستمر للوقت.

ووسط هذا الركود اخترع السيد زخاريوس ميزان الساعة الذي مكَّنه من الحصول على انتظامٍ حسابيٍّ من خلال إخضاع حركة البندول لقوة مُستديمة. لقد قلب هذا الاختراع رأس العجوز. إن الغرور الذي ملأ قلبه مثلما يَملأ الزئبق الترمومتر، بلغ منزلة بالغة الحماقة. وبالمِثل فقد سمحَ لنفسه بالانجذاب إلى استنتاجات مادية، وأثناء صُنعِ الساعات تخيَّل أنه اكتشف أسرار الاتحاد بين الروح والجسد.

لذلك، عندما أدرك السيد زخاريوس في ذلك اليوم أن أوبير يَستمع له بانتباه، حدَّثه بنبرة اقتناع محض قائلًا:

«أتعلم يا بُني ما هي الحياة؟ هل فهمت عمل تلك الزنبركات التي تُنتج الوجود؟ هل فحصت نفسك؟ لا. ورغم ذلك لا بد أنك لاحظتَ، بعُيون العلم، العلاقة الوثيقة الموجودة بين عمل الرب وعملي؛ لأنني حاكَيتُ ما خلَق كي أصنع تركيبات التروس الموجودة في ساعاتي.»

فأجاب أوبير في اهتمام: «سيدي، هل تستطيع أن تُقارن آلة نحاسية أو فولاذية بنَفَس الرب، المُسمى الرُّوح، التي تُحرِّك أجسادنا مثلما يُحرِّك النسيم الأزهار؟ أي آلية يُمكن أن تكون مضبوطة بدقة لدرجة أنها تلهمنا التفكير؟»

فأجاب السيد زخاريوس برفق، وبكل عنادِ الرجل الأعمى الذي يسير نحو الهاوية: «ليس هذا هو السؤال، ومن أجل أن تَفهمني يجب أن تتذكَّر السبب الذي اخترعتُ من أجله ميزان الساعة. عندما رأيتُ عدم انتظام عمل الساعات، فهمتُ أن الحركة الكامنة داخلها ليست كافية، وأن من الضروري إخضاعها لنظام قوة مُستقلة. ثم فكَّرت أنَّ ترس الميزان قد يقوم بذلك، ونجحتُ في تنظيم الحركة! والآن، ألم تكن هذه الفكرة التي خطَرت لي فكرةً سامية، فكرة أن أعيد لترس الميزان قوته المَفقودة من خلال عمل الساعة نفسها التي زُوِّدت بالتنظيم؟»

فأومأ أوبير بالموافقة.

استطرد العجوز، وقد زاد حماسه، فقال: «انظر الآن يا أوبير إلى نفسك! ألا تدرك أن بداخلنا قوَّتين مميَّزتين، إحداهما الرُّوح والأخرى الجسد — أي إنهما الحركة والمُنظِّم؟ الرُّوح هي أساس الحياة؛ أي إنها الحركة. وسواء أكانت ناتجة عن وزن أم عن زنبرك أم عن مؤثر غير مادي، فإنها تَكمُن في القلب. إلا أنه بدون الجسد ستكون هذه الحركة غير مُتساوية وغير منتظمة ومستحيلة! ولذلك، فالجسم يُنظِّم الروح، وكما هو الحال مع ترس الميزان، فهو خاضع لتذبذبات منتظمة. وهذا صحيحٌ للغاية لدرجة أن المرء يمرض عندما يكون شرابه وطعامه ونومه ووظائف جسمه باختصارٍ غير منظَّمين على نحوٍ صحيح، تمامًا كما هو الحال في الساعات عندما تمنح الرُّوحُ للجسد القوة التي فقَدها بسبب تذبذُباته. حسنًا، ما الذي ينتج هذا الاتحاد الوثيق بين الروح والجسد غير ميزان رائع تتداخَل من خلاله تروس أحدهما بالآخر؟ هذا ما اكتشفتُه وطبَّقتُه، ولم تعد توجد أيُّ أسرار محجوبة عني في هذه الحياة، وهذه آلية عبقرية على أيِّ حال.»

بدا السيد زخاريوس مُنتشيًا بهذه الهلوسة التي أوصلته إلى أكبر ألغاز المُطلَق. إلا أن ابنته جيراند التي كانت واقفة عند عتبة الباب سمعَت كل شيء. فاندفعت إلى ذراعَي والدها، وضمَّها بقوة إلى صدره، وسألها: «ما خطبُك يا بنيتي؟»

فقالت وهي تَضع يدها على قلبها: «لو كان لديَّ زنبركٌ هنا، لما أحببتُك كما أُحبُّك يا أبي.»

فنظر السيد زخاريوس إلى جيراند في تركيز ولم يُجب. وأطلق صيحة فجأة، ووضع يده بقوَّة على قلبه، وسقط مغشيًّا عليه على كرسيِّه الجلدي القديم.

«أبي ما الخطب؟»

فصاح أوبير: «النجدة! يا سكولاستيك!»

لكن سكولاستيك لم تَحضُر على الفور؛ فقد كان أحد الأشخاص يَطرق على الباب الأمامي وذهبَت كي تفتحه، وعندما عادت إلى الورشة، وقبل أن تتمكَّن من أن تفتح فمها كان الساعاتي العجوز قد استعاد وعيه، وقال:

«أظنُّ أيتها العجوز سكولاستيك أنكِ أحضرتِ لي ساعة أخرى من هذه الساعات اللعينة التي توقَّفت.»

فأجابتْه سكولاستيك وهي تناول الساعة إلى أوبير: «سيدي، هذا حقيقي!»

فتنهَّد العجوز وقال: «قلبي لا يُمكن أن يخطئ!»

في هذه الأثناء أخَذ أوبير يلفُّ الساعة بحرص لكنها لم تتحرك.

(٣) زيارة غريبة

كان مِن المُمكن أن تفقد جيراند المسكينة حياتها مع حياة والدها، لولا تفكيرها في أوبير الذي ما يزال يربطها بالعالم.

لقد كان الساعاتي العجوز يُحتضَر شيئًا فشيئًا. ازداد ضعف ملَكاته على نحوٍ واضح بسبب تركيزها على فكرة واحدة. ومن خلال مجموعة أفكار حزينة ربط كل شيء بهوَسِه الأُحادي، وبدا أن وجودَه البشري قد رحل عنه، وحل محله وجود القوى الوسيطة فوق الطبيعي. علاوة على ذلك، أحيا بعضُ المنافسين الأشرار الشائعات المشئومة التي كانت قد انتشَرت بخصوص أعماله.

كان للأخبار التي انتشَرت عن الأعطال الغريبة التي طرأت على ساعاته تأثير هائل على كبار صُناع الساعات في جنيف. ما دلالة هذا الشلل المُفاجئ الذي أصاب التروس؟ وما سبب هذه العلاقات الغريبة التي بدا أنها تربط التروس بحياة العجوز؟ كان ذلك من أنواع الألغاز التي لا يتأمَّلها الناس مُطلَقًا دون رعبٍ سري. وفي مختلف طبقات البلدة، من المتدرِّب إلى اللورد العظيم الذي يَستخدِم ساعات الساعاتي العجوز، لم يَستطِع أحدٌ منع نفسه من رؤية أن هذا الأمر فريد من نوعه. أراد المُواطِنون أن يذهبوا لرؤية السيد زخاريوس، لكن دون جدوى؛ فلقد اشتد المرض عليه، وفرض هذا على ابنته حَجبَه عن الزيارات التي لا تتوقف والتي انحدرت لمستوى التوبيخ والاتهامات المضادة.

لم يَستطع الأطباء، وأدويتهم، مواجهة ذلك الإجهاد العضوي الذي لا يمكن اكتشاف سببه؛ ففي بعض الأحيان كان يبدو قلب الرجل العجوز كما لو أنه قد توقَّف عن النبض، ثم تعود النبضات على نحوٍ غير مُنتظِم منذر بالخطر.

جرت العادة في تلك الأيام على عرض أعمال كبار الصانعين عرضًا عامًّا. وكان رؤساء مختلف المؤسَّسات يسعَون إلى تمييز أنفسهم من خلال تقديم أعمال مبتكَرة أو مثالية، ووسط كل ذلك أثارت حالة السيد زخاريوس تعاطُفًا قويًّا لأنها حالة مثيرة للاهتمام، وأظهر المُنافِسون الشفقة بحماس بالغ لقلة خوفهم منه؛ فهم لم يَنسوا قطُّ نجاح الرجل العجوز عندما عرض ساعاته المُدهشة ذات الأشكال المتحرِّكة، تلك الساعات التي تدقُّ معلنةً عن الوقت، والتي أثارت الإعجاب العام وبيعت بأسعار باهظة في مدن فرنسا وسويسرا وألمانيا.

في الوقت نفسه، بفضل رعاية جيراند وأوبير المستمرة والحانية بدأ السيد زخاريوس يَستعيد قوته قليلًا، وفي ظل السكينة التي وفَّرتها له فترة النقاهة، نجح في عزل نفسه عن الأفكار التي كانت قد استحوَذَت عليه. وبمجرد أن استطاع السير، أغرَتْه ابنتُه بالخروج من المنزل الذي ظلَّ مُحاصَرًا بالعملاء الساخِطين. مكَث أوبير في الورشة يُحاول سدًى ضبط وتعديل الساعات المتمرِّدة؛ وفي بعض الأحيان كان الفتى المسكين الحائر تمامًا يُغطي وجهَه بيدَيه خشية أن يُصيبه الجنون مثل معلمه.

اصطحبت جيراند والدها إلى أجمل أماكن التنزُّه في البلدة. في بعض الأحيان كانت تصحبه وهو متأبِّط ذراعها إلى حي سان أنطوان حيث يمتد المشهد من هذا الحي حتى تل كولوني، ثم حتى البحيرة؛ وفي صبيحة أحد الأيام الصافية لمحا في الأفق قِمَم جبل بويه العملاقة. أوضحت جيراند هذه الأماكن لأبيها، الذي كاد ينسى حتى أسماءها. شرَد ذهنه، وأصبح مُهتمًّا كالأطفال بتعلُّم ما نسيَه عقله من جديد. مال السيد زخاريوس على ابنته، وتقابلَ رأسُه الأبيض كالثلج ورأس ابنته ذو الخصلات الذهبية الغنية، في اتجاه شعاع الشمس نفسه.

وهكذا يبدو أن الساعاتي العجوز أدرك أخيرًا أنه ليس وحيدًا في هذا العالم. وعندما نظَر إلى ابنته الشابة الجميلة ونظر إلى نفسه، وهو عجوز مكسور، فكَّر في أنه بعد موته سيتركها وحيدة دون مُعين. لقد حاول كثير من الصناع اليدويين الشباب في جنيف خطبَ ودِّ جيراند، لكن لم يَنجح أيٌّ منهم في الدخول إلى مُعتزَل الساعاتي العجوز الحصين الموجود في بيته؛ ومن ثم كان طبيعيًّا أن يقع اختيار العجوز، في هذه الاستراحة العقلانية، على أوبير تون. وبمجرد أن خطرت على باله هذه الفكرة قال في نفسه إن هذَين الشابين قد نشآ معًا على الأفكار والمُعتقَدات نفسها، وبدا له أن ذبذبات قلبَيهما «متَّسقة زمنيًّا» كما قال ذات يوم لسكولاستيك.

كانت الخادمة العجوز مُبتهجَة تمامًا بالكلمة، رغم عدم فهمها لها، وأقسمت بقدِّيسها الشفيع أن تَسمع البلدةُ كلُّها بهذا الخبر خلال ربع ساعة. وجد السيد زخاريوس صعوبةً في تهدئتها، لكنه جعلها تعدُه بأن تُبقي الأمر في طيِّ الكتمان، وهو أمر لم يُعرَف عنها مُطلقًا التزامها به.

ولذلك، على الرغم من أن جيراند وأوبير كانا لا يَعلمان شيئًا عن الأمر، فإنه سرعان ما كانت جنيف كلها تتحدَّث عن ارتباطهما السريع. إلا أنه حدَث أمر آخر، فأثناء ثرثرة عِلية القوم حول هذا الأمر، كثيرًا ما كانوا يَسمعون ضحكةً غريبةً وصوتًا يقول: «جيراند لن تتزوَّج أوبير.»

وكان المُتحدِّثون إذا التفَتوا وجدوا أنفسهم أمام رجل عجوز ضئيل الحجم، بدا غريبًا تمامًا بالنسبة لهم.

كم من العمر كان يَبلغ ذلك الكائن الفريد؟ لم يَستطِع أحد معرفة ذلك. وخمَّن الناس أنه حتمًا كان موجودًا منذ عدة قرون، وكان هذا كلُّ ما في الأمر. كان رأسه الكبير المسطَّح يرتكز على كتفَيه اللذَين يُضاهي عرضهما ارتفاع جسمه، ذلك الارتفاع الذي كان لا يَزيد عن ثلاث أقدام. كان هذا الشخص مناسبًا لأن يكون مجسَّمًا يَرتكز عليه بندول الساعة؛ إذ كان من الممكن وضع قرص الساعة على وجهه بصورة طبيعية، وأن تتذبذَب عجلة التوازن بسلاسة على صدره. كانت أنفه تُشبه بالفعل المِزوَلة من حيث إنها كانت مدبَّبة وحادة، وكانت أسنانه المُتباعِدة تُشبه تروس العجلة، وكانت مغروسة بين شفتَيه؛ وكان صوته يشبه قرع الجرس المعدِني، وكان بإمكانك سماع نبضات قلبه كدقات الساعة. وكان هذا الرجل الضئيل الحجم، الذي تتحرَّك يداه مثل عقارب الساعة، يسير في حركات تشنُّجية دون أن يَلتفِت مطلقًا. وكان إذا تبعه أحد الأشخاص يجد أنه سار فَرْسخًا في ساعة، وأن مسارَه كان دائريًّا تقريبًا.

لم يمرَّ وقت طويل على رؤية هذا الكائن الغريب وهو يتجوَّل، أو بالأحرى يدور، في أرجاء البلدة، لكن لوحظ أنه في كل يوم في لحظةِ تجاوُز الشمس الظهيرة يقف أمام كاتدرائية سان بيير، ثم يستأنف مسيرته بعدما تدقُّ الساعة الثانية عشرة ظهرًا. وباستثناء هذه اللحظة بالتحديد، بدا أنه أصبح جزءًا من كل الأحاديث التي تَتناول الساعاتي العجوز. وتساءل الناس في رعبٍ عن العلاقة التي يُمكن أن تكون بينه وبين السيد زخاريوس، ولاحظ الناس أيضًا أنه لم يَكُن يشيح ببصره عن الرجل العجوز وابنته مطلقًا عندما يَخرجان للتنزُّه.

وذات يوم لاحظت جيراند أن هذا الوحش يَنظر لها بابتسامة مخيفة؛ فتشبَّثَت بوالدها في ذعر.

سألها السيد زخاريوس: «ما الخَطب يا جيراند؟»

فأجابت الشابة: «لا أعرف.»

«لكنَّكِ تغيَّرتِ يا صغيرتي. هل ستَمرضين أنت أيضًا؟» واستطرد قائلًا بابتسامة حزينة: «آه، حسنًا، لا بد أن أعتني بك، وسوف أعتني بكِ برِفق.»

«آه، يا أبي، لا يوجد شيء. أنا أشعُر بالبرد، وأتخيل أنه …»

«ماذا تتخيَّلين يا جيراند؟»

فأجابت بصوت خفيض: «وجود ذلك الرجل الذي يلاحقنا دائمًا.»

فالتفت السيد زخاريوس نحو الرجل العجوز الضئيل الحجم.

وقال في ارتياح: «حسنًا، إنه يسير جيدًا؛ فالساعة الرابعة بالضبط. لا تخافي يا بنيتي، فهو ليس رجلًا، إنه ساعة!»

فنظَرت جيراند إلى أبيها في فزع. كيف استطاع السيد زخاريوس أن يقرأ الساعة في شكل هذا المخلوق الغريب؟

واستطرَد الساعاتي العجوز دون أن يُعير اهتمامًا للأمر قائلًا: «بالمناسبة، أنا لم أرَ أوبير منذ عدة أيام.»

فقالت جيراند وقد انصرَف ذهنها إلى موضوع أكثر لطفًا: «لكنه لم يتركنا يا أبي.»

«فماذا يفعل إذًا؟»

«إنه يعمل.»

فصاح العجوز: «آه، إنه يُصلح ساعاتي، أليس كذلك؟ لكنه لن يَنجح أبدًا؛ لأنها لا تحتاج إصلاحًا، بل تحتاج بعثًا!»

فالتزمت جيراند الصمت.

واستطرد العجوز: «يَجب أن أعرف إذا ما كانوا قد أعادوا المزيد من تلك الساعات الملعونة التي أصابَها الشيطان بالوباء!»

وبعد هذه الكلمات التزم السيد زخاريوس الصمتَ التامَّ إلى أن قرَع على باب منزله، ونزَل إلى ورشته لأول مرة منذ فترة النقاهة، بينما عادت جيراند حزينة إلى غرفتها.

وبمجرَّد أن عبَر السيد زخاريوس عتبة الورشة، دقَّت إحدى الساعات الكثيرة المعلَّقة على الحائط تمام الخامسة. في المعتاد، كانت أجراس هذه الساعات — المضبوطة على نحوٍ يُثير الإعجاب — تدقُّ في الوقت نفسه، وكان هذا يُبهج قلب الرجل العجوز؛ لكن في هذا اليوم دقَّت الأجراس واحدًا تلو الآخر، حيث ظلَّت الضوضاء المتعاقبة تصمُّ الآذان لمدة ربع ساعة. وعانى السيد زخاريوس معاناةً شديدة، ولم يَستطِع أن يظل ساكنًا؛ فانطلق من ساعة إلى أخرى يُوحِّد توقيتها مثل مايسترو فقد السيطرة على الموسيقيين.

وعندما توقَّفت آخر ساعة عن الدق، انفتح باب الورشة، وارتجف السيد زخاريوس من رأسه حتى قدمَيه عندما رأى أمامه الرجل الضئيل الحجم ينظر له بثبات وقال:

«سيدي، أيُمكنني التحدُّث معك للحظات؟»

فسأله الساعاتي على الفور: «من أنت؟»

«زميل. مهمتي أن أضبط الشمس.»

فأجاب السيد زخاريوس بحماسٍ دون أن يَجفل: «لا يُمكنني أن أجاملك على ذلك. إن شمسك تسير على نحو سيئ، ولكي نتَّفق معها يجب أن نُقدِّم الساعات كثيرًا أو نؤخِّرها كثيرًا.»

فصاح المخلوق الغريب: «قسمًا بالشيطان أنت مُحقٌّ يا سيدي! شمسي لا تحدِّد الظُّهر في الوقت نفسه دائمًا مثل ساعاتك؛ لكن في يومٍ من الأيام سيكون معروفًا أن سبب ذلك هو عدم تَساوي حركة الأرض، وسوف يُخترَع ظهرٌ وسيط من شأنه أن يَضبط هذا الانحراف!»

سأله السيد زخاريوس وقد لمعَت عيناه: «هل سأعيش حتى ذلك اليوم؟»

فأجاب الرجل الضئيل الحجم وهو يضحك: «بلا شك. هل يمكن أن تُصدِّق أنك ستموت في يوم من الأيام؟»

«للأسف! أنا مريض جدًّا الآن.»

«آه، دعنا نتحدَّث عن ذلك. قسمًا بإبليس! هذا سوف يقود إلى ما أتمنَّى أن أُحدِّثك عنه.»

وما إن قال الكائن الغريب ذلك حتى قفَز على الكرسيِّ القديم المكسو بالجلد، ووضَع رِجلًا تحت الأخرى على غرار العظمتَين المرسومتين بشكل متعامد خلف جمجمة في اللوحات الجنائزية التي يَرسمها الرسامون. ثم استأنف حديثه في نبرة ساخرة قائلًا:

«دعنا نرى يا سيد زخاريوس ما الذي يَدور في بلدة جنيف الطيبة؟ إنهم يقولون إن صحَّتك مُتدهوِرة، وإن ساعاتك في حاجة إلى طبيب!»

فصاح السيد زخاريوس: «آهٍ، هل تُصدق أنه ثمَّة علاقة وثيقة بين وجودها ووجودي؟»

«حسنًا، أتخيَّل أن هذه الساعات بها أخطاء، بل عيوب. إذا كانت هذه الساعات العابثة لا تَلتزم بسلوك منتظم، فمن الضروري حقًّا أن تتحمَّل عواقب عدم انضباطها. يبدو لي أنها في حاجة إلى بعض الإصلاح!»

فسأله السيد زخاريوس — وقد احمرَّ وجهه من نبرة السخرية التي قيلت بها تلك الكلمات: «ما الذي تُطلِق عليه أخطاء؟ ألا يَحق لها أن تفخر بأصلها؟»

فأجاب العجوز الضئيل الحجم: «يجب ألا تُبالغ في الفخر، يجب ألا تبالغ في الفخر. إنها تحمل اسمًا شهيرًا، ومحفورٌ على إطارها توقيع مرموق، وتقديمها إلى أنبل العائلات يَمنحها تشريفًا حصريًّا، لكنها في بعض الأوقات تتعطَّل ولا يُمكنك فعل شيء حيال ذلك يا سيد زخاريوس؛ وأغبى متدرِّب في جنيف يُمكن أن يثبت لك ذلك!»

فصاح السيد العجوز في كبرياء غاضبة: «يُثبِت لي، لي أنا السيد زخاريوس!»

«يُثبِت لك يا سيد زخاريوس، يُثبِت لك أنت الذي لا تَستطيع استعادة الحياة لساعاتك!»

فأجاب العجوز وهو يتصبَّب عرقًا باردًا: «لكنها كذلك لأنني محموم، وهي أيضًا!»

«حسن جدًّا، فهي سوف تموت معك؛ لأنك لا تستطيع بث بعض المرونة في زنبركاتها.»

«أموت! كلا، لقد قلتَها بنفسك! أنا لا يُمكن أن أموت؛ أنا، الساعاتي الأول في العالم، الذي تمكَّن من تنظيم الحركة بدقة مُطلَقة من خلال هذه القِطَع والتروس المتعدِّدة! ألم أُخضِع الزمن لقوانين دقيقة، ألم يُمكنني الإطاحة به كما لو كان طاغية؟ وقبل أن يُرتِّب العبقري المتسامي هذه الساعات الهائمة ترتيبًا نظاميًّا، ألم يكن المَصير البشري غارقًا في شكٍّ هائل؟ في أي لحظة معيَّنة يُمكن ربط أفعال الحياة بعضها ببعض؟ لكنك أيها الرجل أو الشيطان أو أيًّا ما تكون، لم تتأمَّل مطلقًا روعة فني الذي يستعين بكل العلوم! لا، لا! أنا السيد زخاريوس لا يُمكن أن أموت، لقد ضبطتُ حركة الزمن، وسينتهي الزمن معي! سأعود إلى المطلَق الذي أنقذتُ الوقت منه، وسوف أَفقد نفسي بلا رجعة في هوة العدم! أنا لا يمكن أن أموت مثلما لا يموت خالق الكون، ذلك الكون الخاضع لقوانينه! لقد أصبحت مُساويًا له، وشاركتُه في قوَّته! إذا كان الرب قد خلَق الأبدية، فالسيد زخاريوس خلق الزمن!»

الآن، أصبح الساعاتي العجوز يُشبه الملاك الساقط المُتمرِّد في حضور الخالق. كان العجوز الضئيل الحجم يحدِّق فيه، بل بدا أنه يَنفث فيه هذا الشعور العاق.

أجابه قائلًا: «أحسنتَ القول يا سيدي، إبليس أقل حقًّا منك في مقارنة نفسه بالرب! يَجب ألا يَخبو مجدك! لذلك يَرغب خادمُك هنا في منحك طريقة للسيطرة على هذه الساعات المتمرِّدة.»

فصاح السيد زخاريوس: «ما هي؟ ما هي؟»

«ستعرف في اليوم التالي لليوم الذي ستَمنحُني فيه يدَ ابنتك.»

«جيراند؟»

«نفسها!»

فأجاب السيد زخاريوس الذي لم يَبدُ مذهولًا أو مصدومًا من هذا الطلب الغريب قائلًا: «قلب ابنتي ليس خاليًا.»

«لا! إنها ليست أقل الساعات جمالًا، لكنها ستنتهي بالتعطُّل أيضًا …»

«ابنتي … جيراند! كلا!»

«حسنًا، عُد إلى ساعاتك يا سيد زخاريوس، واضبطها مرارًا وتكرارًا، وجهِّز زواج ابنتك ومُتدرِّبك، وعالج الزنبركات بأفضل أنواع الصلب، وبارك أوبير والجميلة جيراند، لكن تذكَّر أن ساعاتك لن تعمل أبدًا، وأن جيراند لن تتزوَّج من أوبير!»

بعد ذلك اختفى العجوز الضئيل الحجم، لكن ليس بسرعةٍ تحول دون سماع السيد زخاريوس لدقات السادسة في صدره.

(٤) كنيسة سان بيير

في هذه الأثناء، كان السيد زخاريوس يَزداد ضعفًا، ذهنيًّا وبدنيًّا، كلَّ يوم. ودفعه شعور غير مُعتاد بالحماس إلى الاستمرار في العمل بشغف أكبر من ذي قبل، ولم تَستطِع ابنته استدراجه بعيدًا عنه.

استشاط غرورُه أكثر من ذي قبل بعد الأزمة التي جرَّه إليها ذلك الزائر الغريب على نحوٍ خادع، وعزَم على التغلُّب بقوة عبقريته على ذلك المُؤثِّر الخبيث الذي أثَّر على عمله وعليه. توجه أولًا إلى ساعات البلدة العديدة التي كان يتولى رعايتها، وحرص من خلال الفحص الدقيق على التأكُّد من أن التروس في حالة جيدة، وأن المَحاور ثابتة، وأن المَوازين مُتوازنة بدقة. فحص كل الأجزاء، حتى الأجراس، باهتمامٍ بالغ يُشبه فحص الطبيب لصدر المريض؛ ولم يُظهِر شيءٌ أن هذه الساعات على وشك أن يصيبها العطل.

في أحيان كثيرة كانت جيراند وأوبير يرافقان العجوز في تلك الزيارات. ولا شك في أنه كان مسرورًا برؤية حماسهما للذهاب معه، ومن المؤكَّد أنه لم يكن ليَنشغِل كثيرًا بالتفكير في نهايته الوشيكة لو أنه اعتقد أن وجوده سوف يطول بطول بقاء الأعزاء، ولو أنه فهم أن شيئًا من حياته كأبٍ سوف يظلُّ دائمًا في أبنائه.

وبعد أن يعود الساعاتي العجوز إلى المنزل، كان يستأنف أعماله بحماسٍ محموم. وعلى الرغم مما قيلَ له من أنه لن يَنجح؛ فقد بدا له من المستحيل أن يكون الأمر كذلك، وأخذ — بلا توقُّف — يُفكِّك الساعات التي أُعيدت إلى ورشته، ويركبها ثانيةً.

أضنى أوبير ذهنَه هباءً في محاولة اكتشاف أسباب المشكلة.

فقال: «سيدي، لا يمكن أن يحدث ذلك إلا بسبب تآكُل المَحاور والتروس.»

فأجاب المعلم في غضب: «إذًا هل تُريد أن تَقتلني رويدًا رويدًا؟ هل هذه الساعات من صنع طفل؟ ألم أُمرِّر سطح هذه القِطَع النُّحاسية على المخرطة خشية جرح أصابعي؟ ألم أُشكِّل هذه القِطَع النُّحاسية بنفسي كي أحصل على قوة أكبر؟ ألم أجعل هذه الزنبركات صلدة بمثالية نادرة؟ هل يستطيع أحد أن يستخدم زيوتًا أنقى من التي أستخدمها؟ أنت نفسك يَجب أن تُوافق على استحالة ذلك وأن تَعترف، باختصار، أن الشيطان قد حل بها!»

حاصر المُشترون الساخِطون المنزل منذ الصباح حتى الليل، ودخلوا إلى الساعاتي العجوز بأنفسهم، ولم يَكن يعرف إلى أيِّهم يستمع.

قال أحدهم: «هذه الساعة متأخِّرة، ولا يمكنني ضبطها.»

وقال آخر: «إنها ساعة عنيدة للغاية، وتقف مثلما وقفَت شمس يوشع.»

وقال معظمهم: «إذا كان حقيقيًّا أن صحَّتك تؤثر على صحة الساعات، فتَعافَ سريعًا قدر الإمكان يا سيد زخاريوس.»

حدَّق العجوز إلى هؤلاء الأشخاص بعينَين مُنهَكتَين، ولم يُجِبهم إلا بهزِّ رأسه أو بكلمات قليلة حزينة، فقال:

«انتظروا حتى حلول الطقس الجيِّد يا أصدقائي؛ فالموسم الذي يُجدِّد الحياة في الأجساد المنهَكة قادم. إننا نريد أن تُدْفئنا الشمس جميعًا!»

فقال أحد العملاء المُستشيطين غضبًا: «يا له من أمر جميل أن تتعطَّل ساعاتي طوال الشتاء! أتعلم يا سيد زخاريوس أن اسمَك محفور بالكامل على سطح هذه الساعات؟ قسمًا بالعذراء إنك لا تحترم توقيعك!»

وفي النهاية عندما شعر العجوز بالحرَج من هذه التوبيخات، أخذ بعض القطع الذهبية من صندوقه القديم وبدأ يشتري الساعات المعطَّلة. وعندما ذاع الخبر أتت جموع العملاء، وسرعان ما تبدَّد مال الساعاتي المسكين؛ لكن نزاهته ظلَّت مَصونة. امتدحَت جيراند بحرارةٍ حساسية أبيها التي كانت تقودُه نحو الخراب مباشرةً، وسرعان ما عرَض أوبير مدخَّراته على سيده.

وبين الحين والآخر كان السيد زخاريوس يتعلَّق في خِضَمِّ هذه الخسارة بمَشاعر الحب الأبوي فيتساءل: «ماذا سيَحلُّ بابنتي؟»

أما أوبير فلم يَجرؤ على أن يُجيبه بأن الأمل كان يغمره في المستقبل، وأنه يَحمل عميق الحب لجيراند. كان من الممكن أن يُعلن السيد زخاريوس أوبير صهرًا له في ذلك اليوم؛ ومن ثم يدحض النبوءة السيئة التي كان صداها لا يزال يتردَّد في أذنَيه:

«جيراند لن تتزوج أوبير.»

وبهذه الخُطة نجح الساعاتي في النهاية في إفلاس نفسه بالكامل. انتقلت مزهرياته العتيقة إلى أيدي الغرباء، وحرَم نفسه من اللوحات الكثيرة النقوش التي كانت تُزيِّن جدران منزله، وما عادت الصور البُدائية التي رسَمها الرسامون الفلمنكيون الأوائل تُسعِد عينَي ابنته، وبِيع كل شيء، حتى الأدوات النفيسة التي اخترعها لتعويض العملاء الصاخبين.

كانت سكولاستيك هي الوحيدة التي رفضَت الاستماع لصوت العقل في هذا الموضوع، لكن جهودها فشلَت في منع الزوَّار غير المرغوب فيهم من الوصول إلى السيد والمغادرة سريعًا بمنقولات قيمة. ثم أصبحَت ثرثرتُها مسموعة في كل شوارع الحي الذي لطالَما اشتَهَرت فيه، ونفَت بقوَّةٍ الشائعات الرائجة التي تَزعُم ممارسة السيد زخاريوس الشعوذة والسحر، لكن نظرًا لاقتناعها في قرارة نفسها بحقيقة تلك الشائعات؛ فقد ردَّدت صلواتها مرارًا وتكرارًا تكفيرًا عن أكاذيبها النبيلة.

لوحظ أن الساعاتي العجوز أهمل واجباته الدينية لبعض الوقت. كان فيما سبق يَصطحِب ابنته جيراند إلى الكنيسة، وكان يجد في الصلاة الجاذبية الفكرية التي تُسبغها على العقول المُتفكِّرة؛ إذ إنها أعلى تمارين الخيال سموًّا. وأدى هذا الإهمال الطوعي للمُمارسات الدينية، بالإضافة إلى عادات حياته السرية، إلى تأكيد الاتهامات الموجَّهة إلى أعماله إلى حدٍّ ما. ولما كان لجيراند غرض مزدوَج يتمثَّل في إعادة والدها إلى الدِّين وإلى العالَم، فقد قرَّرت الاستعانة بالدين. رأت أن ذلك قد يَمنح بعض الحيوية لرُوحه المُحتضَرة؛ إلا أنه كان لا بد من أن تُصارِع عقيدة الإيمان وعقيدة التواضُع الغرورَ الذي لا يُقهَر في رُوح السيد زخاريوس، وأن تصطدما بغرور العلم الذي يربط كل شيء بنفسه، دون أن يَرفعه إلى المصدر المطلق الذي تدفَّقت منه المبادئ الأولى.

وفي ظل هذه الظروف أخذَت الشابة على عاتقها تغيير التوجه الديني لأبيها، وكان تأثيرها فعالًا لدرجة أن الساعاتي العجوز وعَدها بحضور القداس في الكاتدرائية يوم الأحد القادم. كانت جيراند في حالة نشوة كما لو كانت السماء قد فُتحَت أمام ناظرَيها. ولم تَستطِع سكولاستيك العجوز أن تَكتم سعادتها، ووجدت أخيرًا حُججًا مفحمة تُواجه بها ألسنة النميمة التي تتَّهم سيدها بالزندقة. وتحدثت عن الأمر مع الجيران والأصدقاء والأعداء ومع من تعرفه ومن لا تعرفه.

قالوا لها: «في الحقيقة إننا لا نكاد نُصدِّق ما تقولين يا سيدة سكولاستيك؛ فالسيد زخاريوس لطالَما كان يتصرَّف بالتعاون مع الشيطان!»

فردَّت الخادمة العجوز قائلة: «أنتم لم تَعدُّوا إذًا الأجراس الرائعة التي تدقُّ في ساعات سيدي؟ كم مرة دقت الأجراس مُعلِنة ساعات الصلاة والقداس؟!»

فقالوا: «بلا شك، لكن ألم يَخترع آلات تعمل من تلقاء نفسها، وتقوم بالفعل بعمل الإنسان الحقيقي؟»

فتساءلت السيدة سكولاستيك في غضب: «هل يُمكن لابن الشيطان أن يَصنع الساعة الحديدية الجميلة في قلعة أندرمات، تلك الساعة التي لم تَمتلك بلدة جنيف مالًا كافيًا لشرائها؟ لقد ظهر شعارٌ ورعٌ في كل ساعة، والمسيحي الذي يُطيعها سيَذهب مباشرةً إلى الجنة! هل هذا عمل الشيطان؟»

إن هذه التحفة الفنية المصنوعة قبل عشرين عامًا رفعَت اسم السيد زخاريوس إلى القمة، إلا أنه حتى في ذلك الوقت طالتْه اتهامات بالشعوذة. وعلى أيِّ حال، فإن زيارة الرجل العجوز للكاتدرائية سوف تُخرِس الألسنة الخبيثة.

عاد السيد زخاريوس إلى ورشته بعد أن نسيَ بلا شكٍّ وعده لابنته. وبعد أن اقتنع بعجزه عن بثِّ الحياة في ساعاته، قرَّر أن يُحاول معرفة ما إذا كان قادرًا على صناعة ساعات جديدة أم لا؛ فترَك كل هذه الأعمال العديمة الفائدة، وكرس نفسه لإكمال الساعة البلورية التي عزَم على أن تكون تحفته؛ إلا أن استخدامه لأدواته المثالية واستعانته بالياقوت والألماس لمُقاوَمة الاحتكاك ذهَبا سدًى؛ فلقد سقطت الساعة من يده عندما حاول ملْأها للمرة الأولى!

أخفى العجوز هذا الحادث عن الجميع، حتى عن ابنته، ومنذ ذلك الوقت أصبحت صحَّته تتراجع بمعدَّل سريع. ولم يتبقَّ منه سوى آخر ذبذبات البندول التي تزداد بطئًا عندما لا يُعيد لها أي شيء قوتها الأصلية. وبدا أن قوانين الجاذبية تؤثِّر مباشرةً عليه، وتجرُّه بلا مقاومة إلى القبر.

وأخيرًا جاء يوم الأحد الذي انتظرته جيراند بحماس بالغ، وكان الطقس رائعًا والحرارة مُنعشة. كان سكان جنيف يمرُّون في الشوارع بهدوء، ويُثرثرون بمرح عن عودة الربيع. أمسكت جيراند بيد والدها العجوز في رفق، وتوجَّهت صوب الكاتدرائية، في حين تبعتهما سكولاستيك ومعها كتُب الصلوات. نظر الناس إليهم في فضول في أثناء مرورهم، وترَكَ الساعاتي العجوز ابنته تقودُه كطفلٍ صغير، بل كرجل أعمى. وتقريبًا ارتعب أتباع كنيسة سان بيير عندما رأَوْه عند العتبة، وتراجَعوا عندما اقترب.

كانت التراتيل يَتردَّد صداها بالفعل في أرجاء الكنيسة. وذهبَت جيراند إلى مقعدها المُعتاد، وجثَت على ركبتَيها في تبجيل عميق وصادق. أما السيد زخاريوس فقد ظلَّ واقفًا إلى جوارها.

استمرَّت الطقوس بتلك الهيبة الجليلة التي ميَّزت هذا العصر الذي يعجُّ بالإيمان، لكن ذلك الرجل العجوز كان مُفتقِرًا إلى الإيمان؛ فهو لم يتوسَّل لشفقة السماء بصيحات الأسى في صلاة «كرياليسون»، ولم يُنشد جماليات الأعالي السماوية في ترنيمة «المجد لله في العُلى»؛ ولم تَسحبه قراءة الكتاب المقدس من خياله المادي، ونسيَ الانضمام إلى تبجيل «العقيدة». ظل هذا العجوز المغرور بلا حَراك، وبلا إحساس، صامتًا مثل تمثال حجري، حتى في اللحظة المهيبة التي أعلن فيها الجرس عن مُعجزة استحالة الشكلَين لم يخفض رأسه، بل نظر مباشرةً إلى القُربان المقدس الذي رفَعه الكاهن فوق رءوس الأتباع. نظرت جيراند إلى أبيها وانهمرَت الدموع من عينَيها مبللة كتاب القداس. في هذه اللحظة دقت ساعة كنيسة سان بيير معلنة تمام الحادية عشرة والنصف؛ فالتفت السيد زخاريوس سريعًا صوب الساعة القديمة التي انطلقَت للتو، وبدا له أن وجهها يُحدِّق فيه بثبات، ولمعت أرقام الساعة كما لو كانت محفورةً في خطوط من النار، وكان عقربا الساعة يُطلقان شرارات كهربية من أطرافهما الحادة.

انتهى القداس. وكان من المعتاد قول «صلاة التبشير الملائكي» في الظهيرة، وقبل مغادرة المذبح انتظر الكهنة أن تدقَّ الساعة تمام الثانية عشرة. وفي غضون لحظات قليلة كانت هذه الصلاة سَتصعد إلى قدمَي العذراء.

إلا أنه فجأة سُمِعَت ضوضاء عنيفة، وأطلق السيد زخاريوس صيحة مُدوية.

لقد توقَّف فجأة عقرب الساعة الكبير بعد أن غادر الثانية عشرة، ولم تدقَّ الساعة.

أسرعَت جيراند إلى مساعدة أبيها الذي سقط بلا حَراك، وحمَلوه إلى خارج الكنيسة.

وهمست جيراند وهي تَنتحِب: «إنها الضربة القاضية!»

بعد أن حملوا السيد زخاريوس إلى منزله رقَد في فراشه محطَّمًا تمامًا. وكان وجود الحياة في جسده يُشبه وجود آخر نفحات الدخان التي تحوم حول مصباحٍ انطفأ للتو. وعندما استعاد وعيَه كان أوبير وجيراند إلى جواره. وفي هذه اللحظات الأخيرة، اتخذ المستقبل في عينَيه شكل الحاضر، ورأى ابنته وحيدة بلا أحد يَحميها.

فقال: «يا بني، إني أُعطيك ابنتي.»

وبعد أن قال ذلك مدَّ يدَيه نحو طفليه، اللذَين توحَّدا للتو على فراش موته.

إلا أن السيد زخاريوس سرعان ما نهض في نوبة غضب؛ فلقد خطر على ذهنه كلمات العجوز الضئيل الحجم؛ فصاح قائلًا:

«لا أتمنى أن أموت! لا يُمكن أن أموت! أنا السيد زخاريوس يجب ألا أموت! كتبي … حساباتي! …»

وبهذه الكلمات قفز من سريره صوبَ كتاب دوَّن فيه أسماء العملاء والأشياء التي باعَها لهم؛ فأخذ الكتاب وأخذ يُقلِّب صفحاته سريعًا، وثبَّت إصبعه النحيل على إحدى صفحاته، وصاح:

«هنا! هنا! هذه الساعة الحديدية القديمة التي بعتُها لبيتوناتشو! إنها الساعة الوحيدة التي لم تَعُد لي! إنها ما زالت موجودة، إنها حية! آه، أنا أريدها، يجب أن أجدَها! سوف أعتني بها عناية فائقة تجعل الموت لا يُلاحقني بعد الآن!»

وسقط مغشيًّا عليه.

فجَثا أوبير وجيراند بجانب سرير العجوز، وأخذا يدعوان معًا.

(٥) ساعة الموت

مرَّت عدة أيام، وكان السيد زخاريوس، رغم مُشارفته على الموت، ينهض من سريره ويعود إلى الحياة المفعمة بالنشاط بفضل إثارة خارقة للطبيعة. لقد عاش بفضل غروره. إلا أن جيراند لم تخدَع نفسها؛ فجسد والدها وروحه قد فُقدا إلى الأبد.

جمَع العجوز كلَّ ما تبقى له من أموال غير مكترث بأولئك الذين يَعُولهم، وأظهر طاقة هائلة في السير والبحث والتمتمة بكلمات غريبة غير مفهومة.

وذات صباح نزلت جيراند إلى ورشة السيد زخاريوس، فلم تجده هناك، وانتظرته طوال اليوم، لكنه لم يعد.

بكت جيراند بشدة، لكن والدها لم يُعاود الظهور.

بحَث أوبير في كل مكان في البلدة، وسرعان ما عاد مُقتنعًا بحزنٍ أن العجوز قد ترك البلدة.

بكت جيراند عندما حمل لها المُتدرِّب هذا النبأ الحزين، وقالت: «دعنا نبحث عن أبي!»

فسأل أوبير نفسه: «أين يُمكن أن يكون موجودًا؟»

خطر على باله إلهامٌ فجأة. وتذكر آخر الكلمات التي تفوَّه بها السيد زخاريوس. لا بد أن العجوز يَعيش الآن في الساعة الحديدية القديمة التي لم تَرجع إليه حتى الآن! لا بد أن السيد زخاريوس ذهَب بحثًا عنها.

كان هذا ما قاله أوبير لجيراند.

فأجابت جيراند: «لنَنظُر في كتاب أبي.»

ونزلا إلى الورشة. كان الكتاب مفتوحًا على المقعد، وكانت كل ساعات اليد وساعات الحائط التي صنعها العجوز، وتلك التي أُعيدت إليه بسبب عدم انتظامها، مشطوبًا عليها ما عدا واحدة:

«بيعت للسيد بيتوناتشو، ساعة حديدية ذات جرس وأشكال متحركة، أُرسلَت إلى قلعته في أندرمات.»

لقد كانت تلك هي الساعة «المعنوية» التي تحدَّثَت عنها سكولاستيك بحماس بالغ.

فصاحت جيراند: «والدي هناك!»

فأجاب أوبير: «لنُسرع إلى هناك، فربما نتمكن من إنقاذه!»

فتمتمَت جيراند: «ربما ليس لهذه الحياة، بل للحياة الأخرى على أقل تقدير.»

«أسترحمكِ بالله يا جيراند! قلعة أندرمات تقع عند وادي جبل «دينتس دو ميدي» الذي يَبعُد عن جنيف مسافة عشرين ساعة. هيا بنا!»

في ذلك المساء سار كل من أوبير وجيراند ووراءهما الخادمة العجوز على الطريق المحيط ببحيرة ليمان. قطعوا خمسة فراسخ أثناء الليل، ولم يتوقَّفوا في بيسانج ولا في إيرمونس حيث توجد قلعة آل مايور الشهيرة. عبروا بصعوبة نهر درانس، وسألوا عن السيد زخاريوس في كل مكانٍ ذهبوا إليه، وسرعان ما اقتنعوا أنهم يسيرون على دربه.

وفي الصباح التالي بعد أن مرُّوا على تونو، وصَلوا عند بزوغ الفجر إلى إيفيان حيث يمكن رؤية الأراضي السويسرية ممتدة على ما يزيد عن اثني عشر فرسخًا. إلا أن الخطيبَين لم يُلاحظا المناظر الخلابة؛ بل تقدَّما إلى الأمام مباشرةً بدافع قوة خارقة للطبيعة. كان أوبير يتكئ على عصًا غليظة ويمدُّ يده تارة لجيراند وتارة لسكولاستيك، وبذل جهودًا هائلة ليَدعم رفيقتَي دربه. تحدَّث ثلاثتهم عن أحزانهم وآمالهم، وفي النهاية اجتازوا الطريق الجميل المُجاوِر للماء، وعبروا الهضْبة التي تربط حدود البحيرة بمرتفعات شاليه. وسرعان ما وصلوا إلى بوفريه حيث يصبُّ نهر الرون في بحيرة جنيف.

بعد مغادرة تلك البلدة انحرفوا عن البحيرة، وزاد شعورهم بالتعب وسط هذه المناطق الجبلية. وخلال وقتٍ قصير تركوا خلفَهم قرى فيونا وشيسيه وكولومبيه شبه الخالية. كانت رُكَبهم ترتعش، وكانت أقدامهم تَنجرح من الحواف الحادة التي تغطي الأرض كدغل من الجرانيت؛ لكنهم لم يجدوا أثرًا للسيد زخاريوس!

ورغم ذلك، فقد صمَّم الخطيبان على العثور عليه ولم يَركنا إلى الراحة لا في القرى المنعزلة ولا في قلعة مونتيه التي تُشكِّل مع الأراضي التابعة لها إقطاعية مارجريت دوقة سافوي. وأخيرًا، وصلوا في وقت متأخِّر من اليوم وقد أضناهم التعب إلى دَيْر نوتردام دوسيكس الذي يقع عند سفح دينتس دو ميدي، على ارتفاع ستمِائة قدم فوق سطح نهر الرون.

استقبل الناسك الرحَّالة الثلاثة مع حلول الليل؛ ولم يكن باستطاعتهم أن يخطوا خطوةً أخرى، وهنا كان من الضروري أن ينالوا قسطًا من الراحة.

لم يَستطِع الناسك أن يُبلغهم أيَّ خبر عن السيد زخاريوس. ولم يكن أمامَهم سوى الأمل في العثور عليه حيًّا وسط هذه الأماكن الموحشة الحزينة. كانت الليلة مظلمة، وكان صوت الرياح يَضرب بقوة بين الجبال، وكان صوت الكتل الجليدية يُدوِّي عاليًا وهي تنزلق من فوق قمم المنحدرات المتكسرة.

جلس أوبير وجيراند أمام مِدفأة الناسك، وقصَّا عليه قصتهما الحزينة. كانت المعاطف المغطاة بالثلوج تجف في إحدى الزوايا، بينما كان كلب الناسك ينبح في الخارج في أسًى، واختلط صوته بصوت العاصفة.

قال الناسك لضيوفه: «لقد دمَّر الغرور ملاكًا خُلق للصلاح. إنه حَجَر العَثْرة الذي تَصطدِم به مصائر الإنسان. لا يمكن مواجهة الغرور بالعقل؛ فالغرور أصل كل الشرور، والإنسان المغرور بطبيعة الحال يرفض الاستماع للعقل. ولا يَسعنا إذًا سوى الدعاء لوالدك!»

كان الأربعة جالسين على رُكَبهم عندما اشتدَّ نباحُ الكلب؛ إذ أخَذ أحد الأشخاص يَطرق على باب الدَّيْر.

«افتح باسم الشيطان!»

انفتح الباب تحت ضغط الطَّرْقات، وظهَر رجل غير مهندم ومُنهَك ورَثُّ الثياب.

فصاحت جيراند: «أبي!»

لقد كان السيد زخاريوس.

قال: «أين أنا؟ في الأبدية! لقد انتهى الزمن؛ فالساعات لم تَعُد تدق، والعقارب توقفت!»

فأجابت جيراند: «أبي!» بشفقة شديدة جعلت العجوز يبدو كما لو كان قد عاد إلى عالم الأحياء.

صاح قائلًا: «أنت هنا يا جيراند؟ وأنت يا أوبير؟ آهٍ أيها الخطيبان الأعزاء، سوف تتزوَّجان في كنيستنا القديمة!»

فقالت جيراند وهي تَحتضنه بذراعيها: «أبي، عُد إلى جنيف، تعالَ معنا!»

فانتزع العجوز نفسه من حضن ابنته وأسرع إلى الباب، ووقَف على العتبة التي كان الثلج يتساقط عليها في هيئة رقائق كبيرة.

صاح أوبير: «لا تَهجُر أبناءك!»

فردَّ العجوز في حزن: «لماذا أعود إلى تلك الأماكن التي هجرَتْها حياتي بالفعل، والتي دُفن فيها جزء من نفسي إلى الأبد؟»

فقال الناسك في جدية: «رُوحك ليسَت ميتة.»

«رُوحي؟ آهٍ، كلا … إن عجلاتها جيدة! أنا أراها تدقُّ بانتظام …»

فأجاب الناسك بصرامة: «رُوحك غير مادِّية … رُوحك غير فانية!»

«نعم، مثل مجدي! لكنها محبوسة في قلعة أندرمات، وأُريد أن أراها ثانيةً!»

فرسم الناسكُ الصليبَ على نفسه؛ ووقَفت سكولاستيك تقريبًا بلا حَراك. وأمسك أوبير جيراند بين ذراعيه.

قال الناسك: «قلعة أندرمات يَسكنها شخص ملعون، شخص لا يُحَيِّي صليب الدَّيْر.»

«أبي، لا تذهب إلى هناك!»

«أُريد رُوحي! رُوحي ملكي …»

وصاحت جيراند: «أمسِكوه! أمسِكوا أبي!»

لكن العجوز قفز فوق العتبة، وانطلق في الليل يَصيح: «رُوحي ملكي … ملكي!»

أسرعت جيراند وأوبير وسكولاستيك خلفه. خاضوا الطرق الوعرة التي انطلق فيها السيد زخاريوس كالعاصفة، مدفوعًا بقوةٍ لا تُقاوَم. تناثر الجليد حولَهم، واختلطَت رقائقه البيضاء بزَبَد الأنهار الفائضة.

وأثناء مرورهم على الكنيسة المشيَّدة تخليدًا لذكرى مذبحة الكتيبة الطيبية، رسموا الصليب على أنفسهم بسرعة. أما السيد زخاريوس فلم يرَهُ أحد.

وفي النهاية ظهَرت قرية إيفيونا وسط هذه المنطقة المُجدِبة. إن أشد القلوب قساوة كان ليتأثَّر عند رؤية هذه القرية الصغيرة المنعزلة وسط هذه الأماكن المقفرة الرهيبة. أسرع العجوز وغاصَ في وادي جبل دينتس دو ميدي، الذي تشقُّ قِمَمه الحادة عَنان السماء.

وسرعان ما ظهَرت أمامه أطلال قديمة وكئيبة، تشبه الصخور الموجودة عند القاعدة.

صاح قائلًا: «إنها هناك … هناك!» وأسرع في خطاه بمزيد من الاندفاع.

كانت قلعة أندرمات أطلالًا حتى في ذلك الحين، وكان يعلوها برجٌ سميك مُتداعٍ، كانت جملوناته مهدَّدة بالانهيار في أيِّ لحظة. كانت أكوام الأحجار المسنَّنة كئيبة المنظر. وظهر وسط هذا الحُطام العديد من الغُرَف المُظلِمة ذات الأسقف المجوَّفة التي أصبحت الآن أوكارًا للأفاعي.

كان مدخل القلعة بوابة ضيِّقة خفيضة، تُطل على حفرة مكتظَّة بالقُمامة. لم يكن أحدٌ على علم بهُوية ساكن تلك القلعة. ولا شك أن أحد الحُكام العسكريين، الذي كان نصف سيد ونصف قاطع طريق قد أقام فيها؛ حيث سكَنها بعدَ قُطَّاع الطريق أو مُزوِّري العملات الذين شُنقوا في مسرح الجريمة. وتذهَب الأسطورة إلى أنه في ليالي الشتاء يأتي الشيطان ليقود الرقصات الشيطانية على هذه الأَودية العميقة المُنحدِرة المَحصور بينها ظل هذه الأطلال.

إلا أن السيد زخاريوس لم يَفزع من منظرها المخيف، ووصَل إلى البوابة، ولم يَمنعه أحد من اجتيازها. ظهر أمام عينَيه بهوٌ واسع وكئيب، ولم يَمنعه أحدٌ من عبوره. اجتاز ساحة مائلة تُفضي إلى ممرٍّ طويل، بدا أن أقواسه الحجرية تَحجب ضوء الشمس عن أحجاره السُّفلية الثقيلة. لم يلقَ تقدُّمه أيَّ مقاومة، وتبعتْه جيراند وأوبير وسكولاستيك عن كَثَب.

كان السيد زخاريوس واثقًا من طريقه كما لو كانت تقودُه يدٌ لا تُقاوَم، وكان يسير بخطًى سريعة. ووصَل إلى بابٍ قديم مُتهالِك سقط أمام ضرباته، في حين شكَّلت الوطاويط دوائر مائلة حول رأسه.

سرعان ما وصَل إلى قاعة فسيحة محفوظة على نحوٍ أفضل من القاعات الأخرى، وكان يُغطي جدرانها ألواح عالية مرسوم عليها ثعابين وغِيلان وأشكال غريبة أخرى على نحوٍ مُختلط. كان العديد من النوافذ الطويلة والضيقة التي تشبه المنافذ ترتعش تحت وطأة ضربات العاصفة.

ولما وصل السيد زخاريوس إلى منتصف هذه القاعة صاح فرحًا.

فعلى حاملٍ حديديٍّ متصل بالحائط كانت توجد الساعة التي تَكمن فيها حياته بالكامل. وكانت هذه التحفة التي لا نظير لها تُمثِّل كنيسة رومانية قديمة، وكان لها دعائمُ من حديد مُطاوِع، وبرجُ جرسٍ ثقيل يدقُّ مجموعة أجراس كاملة لترانيم اليوم؛ «صلاة التبشير» والقداس وصلاة الغروب وصلاة الليل والتبريك. وفوق باب الكنيسة، الذي يُفتَح في ساعة كل قداس، وُضعَت «قطعة زخرفية على شكل وردة» كان يتحرَّك في مركزها عقربان، وكان القوس الزخرفي المحيط بها يُشبه وجه الساعة ويُظهِر الساعات الاثنتَي عشرة بنقشٍ بارز. وكما قالت سكولاستيك، فإنه بين الباب والقطعة الزخرفية المنقوشة على شكل وردة كان يوجد قولٌ مأثور على لوح نُحاسي متعلِّق باستغلال كل دقيقة في اليوم. وكان السيد زخاريوس قد ضبَط تعاقُب هذه الشعارات الزخرفية باهتمام مسيحي حقيقي؛ فقد كانت ساعات الصلاة، وساعات العمل، وساعات الوجبات، وساعات الاستجمام، وساعات الراحة مُتعاقِبة وفقًا للنظام الديني، وكانت تضمَن بالتأكيد الخلاص للشخص الذي يلتزم بالأوامر بدقة.

تقدَّم السيد زخاريوس مُنتشيًا من الفرحة ليُمسك بالساعة؛ فدوَّى من ورائه صوتُ ضحكٍ مُخيف.

استدار، ومن خلال ضوء مصباح يَغشاه الدخان أبصر الرجل العجوز الضئيل الحجم الذي كان يتجوَّل في جنيف.

فقال: «أنت هنا؟»

فخافت جيراند واقتربت أكثر من أوبير.

فقال الوحش: «طاب يومُك يا سيد زخاريوس.»

«من أنت؟»

«السنيور بيتوناتشو في خدمتك! لقد جئتَ لتُعطيني ابنتك! لقد تذكَّرتَ كلماتي القائلة: «جيراند لن تتزوَّج أوبير».»

فاندفع المُتدرِّب الشاب صوب بيتوناتشو الذي هرَب منه مثل الشبح.

فصاح السيد زخاريوس: «توقَّف يا أوبير!»

فقال بيتوناتشو: «طابت ليلتُك.» واختفى.

صاحت جيراند: «أبي، دعنا نَخرج من هذا المكان البغيض! أبي!»

إلا أن السيد زخاريوس لم يَعُد موجودًا؛ فقد أخَذ يُطارد طَيْف بيتوناتشو عبر الممرات المتداعية. وظلت سكولاستيك وجيراند وأوبير في القاعة الكبيرة الكئيبة دون أن يَنْبِسوا ببِنْت شَفَة وتملَّكهم اليأس. جلست الشابة على مقعدٍ حجَري، وجثَت الخادمة العجوز بجوارها، وأخذت تُصلي؛ أما أوبير فظلَّ واقفًا يُراقب خطيبته. تجوَّلت أضواء خافتة في الظلام، ولم يَكسِر صمتَ المكان سوى تحرُّكات الحيوانات الصغيرة التي تعيش في الخشب القديم، والضوضاء التي تُحدِّد ساعات «ساعة الموت».

وعندما بزَغ ضوء النهار انطلقوا على السلالم التي لا تَنتهي والمُلتفَّة أسفل هذه الكتل المتحطِّمة؛ وتجوَّلوا على مدار ساعتين دون أن يُقابلوا أيَّ كائن حي، ولم يسمعوا سوى صدًى بعيد يردُّ على صيحاتهم. وفي بعض الأحيان كانوا يَجدون أنفسهم مدفونين على بُعدِ مائة قدم تحت الأرض، وفي أحيان أخرى يَصِلون إلى أماكن يُمكن أن يُطلُّوا منها على الجبال المُقفِرة.

وفي النهاية قادَتهم الصدفة مرة أخرى إلى القاعة الفسيحة التي آوتهم أثناء تلك الليلة الموجعة. لم تَعُد تلك القاعة خالية؛ بل كان يوجد بها السيد زخاريوس وبيتوناتشو يتحدَّثان، وكان أحدهما واقفًا ومتصلِّبًا كالجثة في حين كان الآخر جاثمًا على طاولة من رخام.

عندما رأى السيد زخاريوس جيراند تقدَّم نحوها وأخَذها من يدها صوب بيتوناتشو قائلًا: «انظري إلى مولاكِ وسيِّدكِ يا ابنتي. انظري إلى زوجك يا جيراند!»

فارتجفت جيراند من رأسها إلى قدمَيها.

وصاح أوبير: «كلا! إنها خطيبتي.»

أجابت جيراند كصدًى حزين: «كلا!»

وبدأ بيتوناتشو يضحك.

فصاح العجوز: «إذًا أنت تتمنَّيْن موتي! إن حياتي محبوسة في تلك الساعة، إنها الساعة الأخيرة التي ما تزال تعمل من بين كل الساعات التي صنعتُها بيدي، وهذا الرجل يقول لي: «عندما أحصُل على ابنتك ستُصبح هذه الساعة ملكًا لك.» هذا الرجل لن يُعيد ملء الساعة، ومن المُمكن أن يَكسرها ويُلقيَني في هُوة الضياع. آهٍ يا بنيتي، أنتِ لم تعودي تُحبِّينني!»

فهمسَت جيراند وهي تستعيد وعيَها: «أبي!»

«آهٍ لو تعلمين كم عانيتُ وأنا بعيد عن هذه الساعة؛ سبب وجودي!» واستطرَد قائلًا: «على الأرجح لم يكن يَعتني بها أحد. وربما تُركَت زنبركاتها للتآكُل، وتروسها عالقة. أما الآن، عندما تُصبح بين يديَّ؛ فإنني أستطيع أن أُنعش هذه الصحة باهتمام بالغ؛ لأنني يجب ألا أموت؛ فأنا أعظَم ساعاتي في جنيف. انظري يا بُنيتي كيف يتقدَّم العقربان بخطوة واثقة. انظري، الساعة الخامسة على وشك أن تدق. استمعي جيدًا، وانظري إلى القول المأثور الذي سوف يَنكشف.»

دقَّت الساعة الخامسة بضوضاء دوَّت دوِيًّا حزينًا في رُوح جيراند، وظهرت الكلمات التالية بحروف حمراء:

يجب أن تأكُل من ثمار شجرة العلم.

نظَر أوبير وجيراند أحدهما إلى الآخر في ذهول؛ فهذه الكلمات لم تَعُد تلك الأقوال التقيَّة التي حفرها الساعاتي الكاثوليكي. لا بد أن الشيطان قد نفَث فيها. ورغم ذلك، فلم يُعِر زخاريوس الأمر بالًا، واستطرد قائلًا:

«أتسمَعين يا جيراند؟ أنا حي، أنا ما أزال حيًّا! اسمعي أنفاسي، انظري إلى الدم يَسري في عروقي! لا، لن تَقتُلي والدك، وسوف تَقبلين هذا الرجل زوجًا لك؛ كي أصبح خالدًا وأحصُل على قوة الرب في النهاية!»

وعند سماع هذا التجديف رسمت سكولاستيك العجوز علامة الصليب بينما ضحك بيتوناتشو عاليًا من الفرح.

«وعندها يا جيراند ستكونين سعيدة معه. انظري إلى هذا الرجل، إنه الزمن! وجودك سيكون مُنظَّمًا بدقة مُطلَقة. جيراند، لقد منحتُك الحياة؛ فامنحي الحياة لوالدك!»

فهمس أوبير: «جيراند، أنا خطيبك.»

فأجابت جيراند في وهَن: «إنه والدي!»

فقال السيد زخاريوس: «إنها ملكُك يا بيتوناتشو، برَّ أنت بوعدك لي!»

فأجاب الرجل الفظيع: «ها هو مِفتاح الساعة.»

فالتقط السيد زخاريوس المِفتاح الطويل الذي يُشبه حيَّةً ملفوفة، واندفع نحو الساعة ثم أخذ يَملؤها بسرعة مذهلة. كان صوت صرير الزنبرك يضغط على الأعصاب، وأخذ الساعاتي العجوز يلفُّ المِفتاح مرارًا وتكرارًا دون أن يتوقف لحظةً، وبدا كما لو كانت الحركة خارجة عن سيطرته. وأخذ يلفُّ بسرعة مُتزايدة وبالتواءات غريبة إلى أن سقط من الإعياء التام.

وصاح قائلًا: «هذه اللفَّة تكفيها لقرن!»

خرَج أوبير من القاعدة كما لو كان مجنونًا. وبعد فترة طويلة من التجوُّل وجَد مخرَج القلعة البغيضة، وانطلق نحو الهواء الطَّلق، وعاد إلى دَيْر نوتردام دوسيكس، وتحدَّث في يأس بالغ إلى الناسك المقدس إلى أن وافَق على العودة معه إلى قلعة أندرمات.

إن كانت جيراند لم تَبكِ طوالَ هذه الساعات المضنية؛ فذلك لأن دموعها قد نفدت.

لم يَبرح السيد زخاريوس القاعة، وكان يَجري كل لحظة كي يَسمع دقات الساعة القديمة المُنتظمة.

وفي هذه الأثناء دقَّت الساعة، وظهَر على وجهها الفضي كلمات أثارت الرعب الشديد في قلب سكولاستيك، كانت كالتالي:

يجب أن يَصير الإنسان نظيرًا للرب.

لم تظهَر على العجوز أيُّ صدمة من هذا الشِّعار الفاسق، بل قرأه بسعادة بالغة، واستغرق في أفكاره المَغرورة، بينما ظلَّ بيتوناتشو قريبًا منه.

كان مُنتصَف الليل موعد توقيع عقد الزواج. أما جيراند التي كانت شبه فاقدة للوعي فلم ترَ أو تسمع شيئًا. ولم يَكسر صمت المكان إلا كلمات الرجل العجوز وضحكات بيتوناتشو.

دقت الحادية عشرة، وارتجف السيد زخاريوس وقرأ بصوت عالٍ:

يجب أن يكون الإنسان عبدًا للعلم، وأن يُضحيَ في سبيله بالأقارب وبالعائلة.

وصاح: «نعم! لا يوجد في هذا العالم سوى العلم!»

كان صوت انزلاق العقارب على وجه الساعة يُشبه صوت فحيح الثعبان، وكان البندول يدقُّ دقات متسارعة.

لم يَعُد السيد زخاريوس يتحدَّث؛ فقد سقَط على الأرض، وأصبحت حنجرته مُتحشرِجة، ولم يَخرج من صدره المُثقَل سوى هذه الكلمات شبه المتقطِّعة: «الحياة، العلم!»

انضمَّ شاهدان جديدان إلى هذا المشهد هما الناسك وأوبير. كان السيد زخاريوس ممدَّدًا على الأرض، وكانت جيراند تُصلي بجواره وهي ميتة أكثر منها حية.

وفجأة سُمعت ضوضاء قوية سبقَت دقة الساعة.

فنهض السيد زخاريوس.

قال: «منتصف الليل!»

فمدَّ الناسك يده صوب الساعة القديمة، ولم تدقَّ ساعة منتصف الليل.

أطلق السيد زخاريوس صيحة رهيبة لا بدَّ أنها سُمعت في الجحيم عندما ظهرت هذه الكلمات:

مَن يُحاول أن يجعل نفسه نظيرًا للرب سيكون ملعونًا للأبد!

وانفجَرت الساعة القديمة بدويٍّ يُشبه الرعد، وانفلت الزنبرك عبر القاعة مُحدثًا آلاف الالتواءات المُذهِلة؛ وهبَّ الرجل العجوز يجري خلفه محاولًا هباءً الإمساك به وهو يَصيح: «روحي، روحي!»

قفَز الزنبرك أمامه على جانب ثم على الجانب الآخر، ولم يَستطع الوصول إليه.

وفي النهاية أمسكه بيتوناتشو، وتفوَّه ببعض الهرطقات البَشِعة، ثم غاص في الأرض.

سقط السيد زخاريوس إلى الوراء، ومات.

ودُفن الرجل العجوز وسط قِمَم جبال أندرمات.

ثم عاد أوبير وجيراند إلى جنيف، وخلال الحياة الطويلة التي وهَبها الرب لهما ألزَما نفسَيهما بالصلاة من أجل خلاص رُوح طريد العلم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١