الفصل الثالث

وفي النفس شيء من حتى

هؤلاء يا سيدي هم مربط الأزمة وأساس البلاء.

هم الورم السرطاني الذي نشأ وتضخم في جسَد أمتنا في غفلة منها.

سرطان لم تُجْدِ معه كل جرعات الكيماوي، والمسكنات وانتظار فرج الله.

***

١

اندلعت الانتفاضة الشعبية في قلب الخرطوم.

كان الكل يتوقع الأمر، لكن كمية المتظاهرين التي خرجت للشوارع فاقت التوقعات، كنت أرى سيولًا من الشباب تتدفق في الشوارع الرئيسية في الخرطوم، طلاب جامعات، طالبات من المراحل الثانوية، عمالًا، موظفين، مختلف الطبقات الاجتماعية، والسحنات والخلفيات القبلية، لكن ما يميزهم أنهم كانوا جميعًا شبابًا، رجالًا ونساء.

كانت الشوارع تغلي حرفيًّا.

الإطارات المحترقة في الشوارع. اللافتات التي تحتوي عبارات تندد بالنظام الحاكم، والهتاف المدوي الذي تصرخ به مئات الحناجر في نفس الوقت «حرية سلام وعدالة، الثورة خيار الشعب.»

أرى الغضب، أرى الانفعال، أرى نظرة من نفِدَ صبره في الوجوه النحيلة الكالحة الغاضبة.

وشعرَتِ الحكومة بالذعر، لا بد أنها شعرت بالذعر؛ لأن ردها كان عنيفًا.

وفوجئ المتظاهرون العُزْل بالقوات الحكومية تواجههم بالرصاص الحي.

عندما تُحاصر القطَّ في ركن الغرفة بلا بابٍ خلفي للهروب، فسينشب مخالبه في وجهك.

وقد أنشبت مخالبها في وجه الجميع.

شمشون يهدم المعبد صارخًا «عليَّ وعلى أعدائي». يبدو أنه دائمًا ما يكرر التاريخ نفسه، فكل قصص الطغاة نجدها تتكرر نفسها في أساطير التراث الإنساني بتفاصيلها المأساوية.

وراح الشباب يتساقطون.

وإن بدَا أن الدم يزيد فقط من حماس وغضب المتظاهرين، يسقط أحدهم مضرَّجًا بدمائه فتتلقَّفُه الأيدي، ويحملونه فوق رءُوسهم ويواصلون الهتاف، واستمرت الجموع في التدفق والخروج للشوارع، وفي خلال أيام توسعت دائرة المظاهرات، حتى شملت كل أحياء الخرطوم تقريبًا.

كانت أوقاتًا حرجة للغاية.

لذا قررت أن ألازم المنزل في هذه الأيام؛ لصعوبة الوصول للمكتب في ظل الظروف الراهنة حتى تهدأ الأمور، وتقدَّمت بطلب إجازة حتى نهاية العام، تمت الموافقة عليها سريعًا من صديقي الدكتور «حمزة» مدير المستشفى. أريد أن أظل بجانب زوجتي في هذه الفترة.

أفتح التلفاز لمتابعة الأخبار؛ لأرى المذيعة الحسناء مع ضيفها الملول يتحدثان عن أيام الفن الجميل، قناة أخرى تستعرض بعض الفواصل الغنائية لمطرب متعرِّق متحمس. لا أخبار عن الخرطوم في العالم الموازي الآخر، حيث كانت الشوارع تضج بالهتافات، وأزيز الرصاص وقنابل الغاز.

أفتح الصحيفة فأرى ذلك الوزير، يتحدث عن «عملاء الغرب أصحاب الأجندات الخاصة الذين يحاولون تخريب صفونا وسلامنا»، مع الكثير من الشتائم للشباب الرقيع الذي جرُؤ على الخروج على حاكمه، وبعض فواصل المديح للحكومة الرشيدة. صحيفة أخرى تتَّهمهم بأنهم مجموعة من الشواذ والعاهرات، صفحة أخرى بنفس الصَّحيفة تتحدث عن المخربين المدعومين خارجيًّا من قوى الماسونية والظلام.

وتذكرت «عمار».

كان جالسًا على الكرسي مقابلي في إحدى الجلسات الأولى، ويقول لي في انفعال بأسلوبه الخطابي المميز كحاله دائمًا، كلما كان الحديث سياسيًّا: «أساس أزمتنا، يا سيدي، ليس في رموز الحكومة فقط، هؤلاء ما كانوا ليستمروا في حياتنا لولا تلك الكائنات الطفيلية، المنتفعون الذين لا يملكون ضميرًا ولا دينًا ولا ذمة، كلهم متملقون مداهنون، كلهم يملكون عشرات المنازل الفخمة والسيارات الحديثة، ويتزوجون ثُلاثًا ورُباعًا من فتيات في عمر بناتهم، كلهم يلبسون البذلات الاشتراكية والجلباب، ولهم ذات علامة الصلاة في الجباه الخاشعة، يحملون المسابح يتظاهرون بذكر الله، وفي عيونهم المسبلة المتراخية ترى نظرةَ مَن شَبِع بعد جوع.

لا عمل لهم سوى إراحة مؤخراتهم المترهلة على كراسي المكاتب، وإذا اضطروا للنهوض فإنهم يتراصُّون خلف الزعيم المفدَّى يَهتفون له في حماس، ويبرِّرون له سوءَ إدارته وفشله في كل شيء.

عملهم تقديم الولاء ولا شيء سواه. ترى في عيونهم قبح الفساد والتدين المزيَّف. ترى المرضى الذين يموتون من أجل جرعة دواء أو أكسجين في المستشفيات الحكومية معدومة الإمكانيات. ترى الأمهات اللواتي يتسوَّلْن في محطات الوقود وإشارات المرور من أجل توفير لقمة لكل تلك الأفواه التي تعوي في المنزل. ترى المدارس الخربة، والإعلام المنافق، والجنيه المعدوم القيمة، وندرة كل شيء.

سترى فيهم فقرك، وعذابك، ومعاناتك، وقلة حِيلتك، وهوانك بين الشعوب، وخيارك الأزلي بين أن تجوع في وسط زوجتك وأطفالك، أو تتشرد عنهم في بلاد العالم متغربًا ولاجئًا.

تريد حلولًا؟ سيرفعون لك أصبع السبابة إياه، ويقولون لك إن «هي لله».

«هي لله»، لكنها المؤامرة فاصبروا.

«هي لله»، لكنه الاستهداف الخارجي فتحمَّلوا.

«هي لله»، وبسم الله تحمل قهرك وارضَ بفقرك واربط حجرًا على بطن أولادك. لا ذنب لنا فيما تمرون به، هذا ابتلاء إلهي؛ لأنكم ابتعدتم عن دينكم يا حمقى.

يعدونك بالسماء، بينما يعيثون هم في الأرض فسادًا.

هؤلاء يا سيدي هم مربط الأزمة وأساس البلاء، هم الورم السرطاني الذي نشأ وتضخَّم في جسد أمتنا في غفلة منها، سرطان لم تجدِ معه كل جرعات الكيماوي والمسكنات وانتظار فرج الله، إن هو إلا الاستئصال ولا شيء سواه، وللأسف فكلنا نطمح أن نكون مثلهم ونتفاخر بأنهم أقاربنا، إن الفقر يدمر الأخلاق كما تعلم.»

ومرت الأيام.

حتى كان الثلث الأول من شهر أكتوبر، وقد بدأت وتيرة الاحتجاجات تخف نوعًا، لكن كانت هناك دعوات لمظاهرات حاشدة يوم غد الجمعة، سميت «جمعة الحرية».

كانت زوجتي قد نامت منذ ساعات، جلست في تلك الغرفة الخارجية التي حولتها لمكتب متواضعٍ أضع عليه مراجعي وأوراقي التي أجلبها من المكتب أحيانًا، أشغل بعض الموسيقى الخفيفة التي تساعدني على التركيز، وأحتسي الشاي وأدوِّن بعض الملاحظات عن بعض المرضى، إن العمل في الليل يناسبني أكثر، فهو يجعلني أكثر تركيزًا وهدوءًا.

هكذا استغرقت في مراجعة بيانات إحدى الحالات التي تزورني في العيادة، عندما رن جرس الهاتف المحمول، من الذي يتصل في الرابعة صباحًا؟

كان الرقم غريبًا، فتجاهلت المكالمة، وعدت لأوراقي، مرت ثوان ثم عاد الهاتف يرن مرة أخرى.

هذه المرة رددت على المكالمة.

– «ألو.»

سمعت صوت تنفس ثقيل من الطرف الثاني، ولم يرد.

– «ألو، من معي؟»

لا ردَّ مجددًا، فقط المزيد من صوت التنفس الثقيل.

«هذه مزحة سخيفة» قلت لنفسي. وهممت أن أغلق الخط، عندما سمعت الصوت المتحشرج المخنوق: «كانوا أنبل ما فينا.»

كان الصوت متحشرجًا مكتومًا كأن صاحبه كان يبكي، وإن بدا لي مألوفًا للغاية. لقد سمعت هذا الصوت من قبل!

صحت في دهشة: «عمار!»

سمعت صوت جلبة من عنده، صوتًا معدنيًّا قويًّا، وصريرًا ما بدا لي أنه باب قديم يفتح، شخص ما يصرخ بكلمات لم أستطعْ تبينها، أصوات مختلطة.

صوت بكاء مكتوم، رافق صوته المتحشرج: «قل لها إنني قد أحببتها.»

صوت الضوضاء في الخلفية يتعالى، ثم انقطع الاتصال.

ظللت مشدوهًا لبرهة، لقد اختلف صوته جدًّا، لكنه كان «عمار»، أين كان كل هذه الفترة؟ وما معنى هذا الذي قاله؟

أعدت الاتصال بنفس الرقم مجددًا، صوت الرنين الطويل، ثم انفتح الخط، اختفت الضوضاء، لكن لم يكن هناك ردٌّ من جانبه. صمت مطبق من الطرف الآخر، ولسبب خفي لم أتحدث، أصخت سمعي منتظرًا رده.

لا أدري لماذا، لكن خطر لي ذلك الشعور الغامض بأن هناك شخصًا آخر غيره على الجانب الآخر من الهاتِف.

شخص يسمعني، لكنه لا يرد، فقط يُرهف السمع.

ظللت صامتًا لحوالي دقيقة، قبل أن ينقطع الاتصال من عنده. وضعت الهاتف في توجُّس، ورحت في شرود أتحسَّس السوار الأبيض الذي يحيط بمعصمي كالساعة، وقد نقشت عليه كلمات باللغتين العربية والإنجليزية بخط منمق دقيق يصعب قراءته.

ما معنى حديثه؟ من هم الذين «كانوا أنبل ما فينا»؟ ومن تلك التي أحبَّها وعليَّ إخبارها بذلك؟

أين كان طيلة هذه الفترة؟

كعادته لا يزال يلفه الغموض، وها هو ذا يظهر مجددًا؛ فقط ليرمي لي مزيدًا من الألغاز، لكن هذه المرة يُداهمني شعور ممض بأن شيئًا ما ليس على ما يرام. ولكن لماذا أهتم؟

لا أخفي عليك يا سيدتي أنني طيلة سنوات عملي العشرين في عيادتي بالمستشفى لم أقابلْ شخصية مثله، لقد بدأ يشغل تفكيري ويأخذ حيزًا حتى من حياتي الشخصية، كنت دومًا أفكر في مقولاته، والأحاديث التي جرت بيننا.

ربما جذبني غموضه وحماسُه وصدق مبادئه وبساطته. ربما كنت أتعاطف معه للمأساة التي مر بها؛ لشعوري غير المبرر بالذنب كوني أنتمي عرقيًّا لأولئك الذين دمروا حياته، وأجرموا في حق أسرته. ربما كل هذه الأسباب مجتمعة، لا أدري حقًّا.

لكنه ظل يحتلُّ مساحة متعاظمة من خريطة حياتي.

استغرقني التفكير قليلًا؛ حتى سمعت الأذان ينادي لصلاة الفجر، لملمت أوراقي، سأصلي في المسجد وأذهب للنوم. ربما فيما بعد سأتقصَّى الأمر.

في الصباح. قالت لي زوجتي، وهي تضع أواني الإفطار على الطاولة: «يقولون إنه ستكون هناك مسيرةٌ ضخمة غدًا.»

قلت لها وأنا أحمل المنشفة على كتفي وأتثاءَبُ: «شباب أرعن. لقد مات الكثير منهم في الأيام السابقة، وما زالوا يصرون على الاستمرار.»

– «قبل أن أنسى، لقد اتَّصل بك صديقُك الدكتور «أحمد الماحي»، وطلب أن تعيد الاتصال به عندما تستيقظ، يقول إن الأمر مهم.»

قبَّلتها على جبينها، وغمغمت بما معناه أنني سأفعل واتجهت للحمام. وعلى مائدة الإفطار جلسنا نتجاذب أطراف الحديث، كان وجهها قد استعاد حيويته نوعًا، وإن ظل الشحوب يسيطر عليها.

بدأت حالتها النفسية تتحسن نوعًا ما بعد أن تقدمت بإجازتي، وأقمت في المنزل. وقلَّتْ نوعَّا ما نوبات الشرود التي تصيبها.

كانت تجلس لفترات طويلة أمام النافذة ترمُق الخارج في شرود ذاهل. أحيانًا تمر عليها ساعات دون أن تتحرَّك، وعندما تعود لوعيها فهي تبكي بحرقةٍ طوال الوقت.

لم يكن التحسُّن كبيرًا، لكنه على الأقل كان خطوة في الطريق الصحيح.

قلت لها: «سنسافر في الشهر القادم، إن تغيير المكان سيفيدك وسيكون تغييرًا نحتاجه نحن الاثنان.»

– «أين سنذهب؟»

– «أي مكان، اختاري.»

شبح ابتسامة باهتٌ تلاعَبَ على ثغرها لثانيةٍ، ثم اختفى. وراح قناع الشحوب اللعين ينسج شباكَه بسرعة على وجهها الناحل.

لشدَّ ما افتقدت ابتسامتها.

بلا مبالغة كانت ابتسامتها هي سببَ زواجي منها. لها ابتسامة ساحرة تضيء المكان، وتشعرني دومًا أن كل شيء على ما يرام، أمام إشراقة وجهها كنت أغسل درَني متوضئًا من همومي وأشغالي.

وأغدو في حضرتها طفلًا صغيرًا يحتاج إلى من يربت على ظهره بحنان، ويخبره ألا تقلق ولا تهتم يا صغيري، فكل شيء بخير.

بالنسبة لي هي الأم الفاضلة، والأخت الحكيمة، والصديقة المتفهِّمة، والزوجة المصونة، الأنثى الكاملة الخام التي خلَق الله من رحمها الرجل ناقصًا بدونها، خائفًا مرتبكًا يتخبط.

«جلاتيا» كما في الأساطير الإغريقية التي هام بها «بيجالمون»، وألقى بنفسه عند قدميها يقبِّلها، ويشعل البخور عند محرابها.

وكأنما قرأت أفكاري، وضعت راحة يدها على يدي فوق الطاولة، وقالت وهي تتأملني: «سنتخطى هذه المحنة، سنكون بخير.»

وضعت راحة يدي الأخرى فوق يدها، وابتسمت بما معناه «سنفعل»، لكن رنين الهاتف قاطع شرودي، فتنحنحَتْ في خجل وراحت تلمُّ الأطباق. ونظرت على المتصل، كان الدكتور أحمد الماحي، زميلي في المستشفى مجدَّدًا، رددت على المكالمة، وقلت بلهجة معتذرة: «دكتور أحمد كنت سأتصلُ عليك بعد قليل.»

رد عليَّ ضاحكًا: «بعد أن حصلت على إجازتك، وظللت مع المدام لم يعد لديك وقت للرد علينا.»

قلت ممازحًا: «الشغلة أولويات.»

– «لا بأس. أعتذر عن إزعاجك، فقط أريد أن أتأكد من شيء، هناك طالب بجامعة الخرطوم اقتصاد المستوى الأول، اسمه «عمار سليمان»، هل كان أحد مرضاك؟»

– «نعم، ولكن لماذا؟»

– «اتصل بي زميل من مشرَحة مستشفى الخرطوم صباحًا، يريدون أن يَعرفوا إذا كنت تعرف أحدًا من أسرته أو أقربائه، لقد توفي صباح اليوم!»

٢

«يقولون إنك ألقيت بنفسك في النيل. لماذا فعلتَها، ومثلك لا ينتحر؟»

أردد العبارة فيما يشبه الذهول، ثم أحملق في الظل المنبجس أمامي من العدم، فأراه واقفًا يشد قامته إزائي، ينظر لي بهدوء بوجهه الصلب البارد الخالي من التعابير، ويقول لي، وهو يصافحني ويشدُّ على يدي: «برغم كل شيء؛ فقد ساعدتني كثيرًا يا دكتور، وإني لك من الشاكرين.»

أقول له مدافعًا عن نفسي: «لكنك أنت من طلبت الإجابات. طلبت الحقيقة، ولم تعلم أن الحقيقة ستزلزل كيانك وإيمانك. لقد سممت روحك، ودفعتك إلى التخلُّص من جحيم المعرفة بالانتحار. إن المعرفة تقتل، الضباب هو ما يجعل الأشياء تبدو ساحرة.

قالها أوسكار وايلد من قبل وأراه محقًّا.»

يتجول في العيادة بلا اكتراثٍ، ويداه معقودتان خلف ظهره، ويقول دون أن يلتفت لي: «ظننت أنه يوم القيامة. كانت النيران هائلة، والصراخ رهيبًا، ورائحة الموت تعبق في المكان وتزكم أنفاسي.»

ثم بالتفاتةٍ حادة إليَّ يضيف: «كانوا يكبِّرون ويهلِّلون، وهم يتناوبون على اغتصاب النساء، هل تعلم هذا؟»

«عمار» الطفل يحمل أخته على كتفه، وهو يجري هربًا من الموت المتربص في كل خطوة. يجري ويبكي عبر الدخان والنار، ووسط شهقات الاحتضار.

ببراعة يقهر الموت ويُفلت من قبضته المستبدة.

ثم تموت أخته موتًا بطيئًا مؤلمًا، ويرتمي هو في أحضان الموت فيما بعد طائعًا مختارًا آسفًا، متأثرًا بجراح ذكراه.

يمد الموت لسانه ساخرًا، ويضحك في عبثية.

تختفي العيادة. وأرى جسده ممددًا على المحفة، وقد أُغلقت عيناه الذكيتان للأبد.

في تلك اللحظة تلاشتْ مبادئُه وأفكاره وأحلامه، وعقده النفسية. انتصروا واستسلم، توالتْ عليه صفعات الحياة، حتى لم يعد يستطيع الوقوف أكثر.

وأقول لطبيب المشرحة إنه بلا أهل ولا أقارب، لا أحدَ له في هذه البلاد الظالم أهلها.

– «إن الأهم من معرفة المشكلة هو كيفية التعامل معها، فالأصعب هو القادم، ستمر بالكثير من التقلبات ولا بدَّ من إشراف مختصٍّ، لن تتوقف نوبات الذعر التي تصيبك لمجرد أنك عرفت مسبباتها، أنصحك بأن تواظب على الجلسات.»

قلت لك أن تعود لزيارتي، كنت أعرف أن القادم هو الأسوأ، وأن مشاعرك المضطربة ستضلِّلُك، وستتآكل معها روحُك ذاتها.

لكنك فضلت أن تلعق جراحك منزويًا. جعلك غرورك واعتدادك بنفسك تظن أنك أقوى منها، حتى قادتك للانتحار هربًا من نفسك.

أن يكون ما يُشقِيك هو نفسك التي بين جنبيك، تلك أعظمُ الفواجع.

ينظر لي باسمًا إذ وقف على الباب، وتلمع عيناه الذكيتان، وهو يقول بصوت هادئ:

أترى حين أفقأ عينيك،
ثم أثبت جوهرتين مكانَهما.
هل ترى؟
هي أشياء لا تشترى.
إنها الحربُ!
قد تثقل القلبَ،
لكنَّ خلفك عار العرب.
لا تُصالحْ،
ولا تتوخَّ الهرب!

– «لكنك أمعنْتَ الهربَ يا صاحبي. تمكن منك الاكتئاب، حتى قررت أن تهرب من جحيم نفسِك بالتخلص منها. ظننتُ أن ذكاءَك سيساعدك على تخطي مأساتِك، كنت مخطئًا مجددًا.

أشقاك ذاتُ العقل الذي كنت أعوِّل عليه، لماذا لم تكن مثل أي شخص آخر وتتقبل قدر الله كما هو؟»

– «الله لا يقبل الظلم. هذا الإله الذي يدافع عن الطغاة، ويطالبكم بالصبر هو إله من صنيعتكم، هو الأفيون الذي تتعاطونه لتغيبوا عن واقعٍ لا تستطيعون دفعه وتغييره، فقط تبررون به لأنفسكم حقيقة أنكم أجبن من اللازم.»

يقولون يا سيدتي: إن بعض عُمَّال الكمائن على ضفاف النيل سحبوا جثتَه من النهر عند ساعاتِ الشروق الأولى، ثم اتصلوا بالشرطة.

يقولون إنه مات منتحرًا، لقد رآه بعض الشهود، وهو يلقي بنفسه من على جسر المنشية في الثالثة صباحًا، ما يطابق الزمن التقديري لوقت الوفاة بحسب تقرير الطبيب الشرعي.

– «ولماذا لم يحاولوا إنقاذَه، يا حضرة الشرطي، أو يتصلوا بالشرطة وقتها؟»

– «لم يشك أحد، ظنوا أنه مجرد متسكِّع آخر.»

هو أكثر ذكاء من أن ينتحر. لماذا فعلتها بعد مرور شهرين كاملين؟

ظللت تقاوم طيلة هذه الفترة، حتى وصلت للحدِّ الذي ليس بعده منزع؟

لماذا اتصلت بي قبل موتك بلحظات؟ لماذا تصرُّ على سحبي إلى عالمك، حتى بعد أن قررت أن تنهيه بنفسك؟

ما كل هذه الأنانية؟

وأفيق من شرودي فأجدني جالسًا في صالة المنزل أشاهد التلفزيون المغلق بعينين لا تريان، وقد بدَأَ الليل يرخي عباءَته على الموجودات، لقد قضيت اليوم متنقلًا بين مشرحة المستشفى، وقسم الشرطة أخضع للاستجواب لأفسِّر لهم، ربما، سبب انتحاره.

يقول لي الشرطي، وهو ينظر لي من أعلى النظارة بعينَيْن مرهقتين: «هل بدر منه في جلسات العلاج النفسي ما يدل على سببِ انتحاره؟ ولماذا انتحر؟»

كلا يا سيدي لم يبدر منه شيءٌ من ذلك، كان ثائرًا متمردًا حانقًا لكنه لم يكن انتحاريًّا، على الأقل هذا ما ظننته، فكما يتضح كنت مخطئًا.

تحقيقات الشرطة الأولية تقول إنه قد خاضَ مشاجرة مع أحد أصدقائه في الداخلية التي يسكنُها؛ مما يفسر الرضوض في وجهِه وجسده.

لقد رآه بعض الشهود، وهو يلقي بنفسه من على جسرِ المنشية في الثالثة صباحًا، ما يطابق الزمن التقديري لوقت الوفاة.

– «متى رأيته أو تحدثت معه آخر مرة؟»

ويقول لي نفس الحافز الخفيِّ الذي شعرته أثناء مكالمتي معه الأخيرة ألا أتحدث عن مكالمتي الأخيرة معه.

لم أحدِّثه منذ قرابة الشهرين، يا سيدي. لقد اختفي، وبدون سابق إنذار.

تتواصل الأسئلة الرتيبة، ثم يطلبون مني العودة للمنزل على وعدِ الاتصال بي مجددًا إذا ما جدَّ جديد، لا بد من أن يكون له أقارب في مكانٍ ما؛ حتى يقوموا بترتيبات إجراءات الدفن.

سأزور الجامعة في الأيام القادمة، وأبحث عن أصدقائه في الدفعة، ربما أستطيع التوصُّل إلى شيء ما.

النعاس يغلبني الآن، أحتاج لمعجزة؛ كي أنهض وأصل إلى السرير، ربما سأنام حيث أنا.

لقد رآه بعض الشهود، وهو يلقي بنفسه من على جسر المنشية في الثالثة صباحًا، ما يطابق الزمن التقديري لوقت الوفاة.

لا بد أنني أُصبت بالوسواس أخيرًا؛ فعقلي يكرِّر ما سمعته من الطبيب في المشرحة صباحَ اليوم كدُميةٍ عَطِب مفتاحُها.

هل كان اليوم فعلًا؟! لماذا يبدو لي وكأنه كان بالأمس؟

أعتقد أن ساعتي البيولوجية قد اختلَّت اليوم، ربما تحتاج لبعض الصيانة.

وابتسمت وأنا أتخيل نفسي أتجول في السوق؛ بحثًا عمن يعيد صيانة ساعتي البيولوجية.

«ساعاتي شاطر يا إخوانا.»

هل تبدو كساعات اليدِ يا ترى؟!

كم أحتاج لصيانةِ شيء كهذا!

أفكاري تتطاير بعشوائيةٍ، وعقلي يهدر كجهازِ بروجكتور قديم يرمي الضوء على سطح شاشة التلفزيون المظلمة أمامي، أشاهد انعكاس أفكاري على سطحها اللامع، كأنني جالس في إحدى دور السينما الريفية، فلا ينقصني إلا بعض الجمهور الذي يصرخ محتجًّا، ويسب والدة عامل العرض عند حذف اللقطات الإباحية.

الإطارات المحترقة، لافتات تندد بالوضع الاقتصادي وتدعو للثورة، دخان القنابل المسيلة للدموع.

«حرية سلام وعدالة، الثورة خيار الشعب.»

«حرية سلام وعدالة، الثورة خيار الشعب.»

يدوِّي صوت الرصاصة، فيسقط ذلك الشاب اليافع، والدماء تقطُر من شعره، أحدهم يتوقف عن الجري، وينحني في لهفة ليحمله، فتصيبُه رصاصة أخرى ليسقط ميتًا فوق صديقه.

«إنها ثورة الشواذ والعاهرات.»

«عمار!»

«عمار!»

هل ما زالوا يتحدَّثون عن الرخاء والناس جوعَى؟

عن الأمن والناس في ذُعر؟

وعن صلاح الأحوال والبلد خرابٌ؟

«حرية سلام وعدالة، الثورة خيار الشعب.»

«حرية سلام وعدالة، الثورة خيار الشعب.»

ينتشر دخان قنبلة الغاز في ضاحية بري، ومن لا مكان تظهر مدرعات الأمن فجأة أمامهم، ثم يدوِّي الرصاص بكثافة في اتجاههم، تتفرق الحشود في الحي المجاور، يحاول أن يركض في اتجاه ذلك المنزل، يشعر بالوهن ثم تخذله قدماه ويتهاوى على الأرض والدماء تتفجر من صدره وتغمر قميصه، ينحني أحد أصدقائه فوقه بسرعةٍ، ويخلع قميصه، ويكومه على صدره محاولًا وقفَ النزيف، وهو يهتف بطريقة هستيرية طالبًا المساعدة، يرتعش أصبعه للحظات، وترتجفُ شفتاه، وهو يحاول قولَ شيء ما، ثم تهمد حركته بينما الدماء تسيل على الأرض في غزارة.

لا يعرفون أنه سيكون أحدَ أيقونات الثورة فيما بعد.

هل السماء ما تزال صافية فوق أرض السودان، أم أنَّهم حجبوها بالأكاذيب؟

«حرية سلام وعدالة، الثورة خيار الشعب.»

«حرية سلام وعدالة، الثورة خيار الشعب.»

الجثة تخرج من ثلاجة المشرحة وقد غُطِّي جسده بملاءة بيضاء ما عدَا وجهه، لوهله اعتقدت أنه يشعر بالبرد، لكنه لا يستطيع أن ينطق. أريد أن أخبر الطبيب أن يتركه في الخارج قليلًا.

«استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل.»

العينان المغمضتان في سلام، والملامح الباردة الصُّلبة، التي لم تعد باردة وصلبة الآن.

عينه اليسرى متورمة للغاية، وحولها كدمة سوداء قبيحة، وهناك جرح طولي جافٌّ يشق شفته العليا، وآثار جروح متناثرة على وجهه.

يقولون إنه قد خاض مشاجرةً مع أحد أصدقائه في الداخلية التي يسكنُها؛ مما يفسر الرضوض في وجهه وجسده.

لقد رآه بعض الشهود، وهو يُلقي بنفسه من على جسر المنشية في الثالثة صباحًا، ما يطابق الزمنَ التقديري لوقت الوفاة.

هل قابلته فعلًا؟

ربما كنت أحلم، ربما ما زلت أحلم!

سأستيقظ غدًا وأكتشف أنني كنت أحلم بكلِّ هذا.

«نحن فرطنا في سماحة أهل دارفور وسماحة الأعراف، كيف يستجيبُ الله لدعائنا، ونحن نسفك دماء المسلمين ودماء بعضنا؟ كيف نسأل الرحمة وأيدينا ملطخة بالدماء؟!»

«برغم كل شيء فقد ساعدتني كثيرًا يا دكتور، وإني لك من الشاكرين.»

شيء ما خاطئٌ جدًّا.

ولم أدر متى توقف فيضان عقلي العشوائي عن السريان، وغرِقت في نوم عميق.

٣

برغم مرور أكثر من أسبوعين على انطلاق الانتفاضة الشبابية، لم تتوقف المظاهرات اليومية في الشوارع.

كان أعنفها على الإطلاق ما أُطلق عليها اسم «جمعة الشهداء» قبل عشرة أيام تقريبًا، تقاطرت فيها الجموع من شمبات، وود نوباوي، والعباسية، والفتيحاب، وجبرة، والصحافة، وأمبدة، والثورة، وبري، والكلاكلة، والديم، والشجرة، والسلمة، ومايو، وشارع الستين وامتداد ناصر شارع أوماك، والحاج يوسف، والجريف، كل مناطق الخرطوم تقريبًا بأعداد وصلت للآلاف.

وبرغم أن جموع المشاركين كانت قد بدأت تخفُّ نوعًا ما في أكتوبر بعد «جمعة الحرية» قبل ثلاثة أيام، تناهت إلى مسامعنا بعض الدعوات للخروج مجددًا في مسيرات حاشدة مجددًا.

ما زالت الشوارع تغلي، كما هو واضح، بلا أملٍ في تهدئتها.

أقود سيارتي متجهًا إلى جامعة الخرطوم، وأحاول قدر الإمكان تفادي الشوارع التي تمتلئ بالمسيرات. وبصعوبة أتخطى الشوارع التي تمتلئ بالمتظاهرين أو الإطارات المحترقة مرات، ثم أعود أدراجي؛ لأسلك طرقًا أخرى عوضًا عن الطرق الرئيسية التي تسدُّها مدرعات مكافحة الشغب والشرطة مرات أخرى.

هكذا، وبعد كثير من الجهد والوقت — والوقود للأسف — وصلت إلى مدخل الجامعة التي بدَتْ لي خاويةً على عروشها، إلا من بعض الطلبة المتناثرين هنا وهناك خارج الحرم الجامعي فرادى وأزواجًا وجماعات، يتحلقون حول «ستات الشاي».

أثار انتباهي على نحوٍ خاص وجود عددٍ من مدرعات الشرطة قُربَ الجامعة، وتوقف بعض أفرادها في تحفُّز واضحٍ.

في الداخل أستوقف أحد الطلبة، وأسأله عن طلبة «المستوى الثاني، اقتصاد»، فيشير إلى بعض القاعات في آخر الجامعة، ويقول لي: «لا أعرف منهم أحدًا، لم يبدأ عامهم الدراسي الجديد بعد، والدراسة متوقفة حاليًّا فلا يوجد طلاب، لكن تلك قاعاتهم الدراسيَّة، قد تجد بعضًا منهم هناك.»

أعبر الممر الطويل المؤدِّي إلى الاتجاه الآخر من الجامعة، وجدت طالبًا وطالبة يجلسان أمام إحدى القاعات في وضعية بدت لي حميمة للغاية، كانت الطالبة تضحكُ بصوت خافت، وبتلك الطريقة التي توحي بأنه يقص عليها شيئًا «قليل أدب»، رأياني فتوقَّفَا عن التهامس، وأطرقت الفتاة للأرض بحياء؛ مما أكد لي ما تخيلتُه، بينما رفع لي الشاب عينَيْن متسائلتَيْن منزعجتَيْن؛ لتعكيري صفو خلوته غير الشرعية، سألته عمَّا إذا كان يعرف المدعو «عمار سليمان» أو أحد أصدقائه، فعاد يكرر الاسم مفكرًا، ثم قال: «عمار سليمان، امممم ليس الاسم غريبًا، أحد الطلاب الدارفوريين، أليس كذلك؟»

لم يعجبني وصفه، وبدَا لي تنميطًا في غير محله، فرددت بلهجة يشوبها الانزعاج: «نعم».

– «نعم أعرفه، كنت أراه أحيانًا يخطب في أركان النقاش بالكلية، خطيب مفوَّه لو طلبتَ رأيي، كان يعرف دومًا كيف يثير حماس الحضور بخطابه.»

– «هل تعرف أين أجد أحدًا من أصدقائه؟»

مطَّ شفتيه، وراح يفكر مجددًا، وقال: «لا أعرف شلته جيدًا، لكن لديه ذلك الصديق الذي يلازمه كظلِّه، اسمه «إبراهيم آدم»، إن لم تخني الذاكرة، شخصية معروفة في الكلية. هو أحد أعضاء رابطة الطلاب الاتحاديين في الجامعة.»

كانت المرة الأولى التي أسمع فيها اسم «إبراهيم»، فلم يذكره «عمار» بالاسم من قبل في الجلسات — في الواقع هو لم يذكُر لي صراحة سوى اسم «هبة» — وكان يشير له دائمًا بصفة «صديقي/زميلي». وفيما بعد قمت بعمل مقابلات مع عدةِ شهود، واستطعت تجميع أطراف القصة التي حكيتها لك سابقًا.

فكثير من جوانب حياته الشخصية والسياسية في الجامعة لم يحكِها لي أثناء الجلسات، كان كتومًا للغاية فيما يخص علاقاته الاجتماعية، كذلك؛ فإن كثيرًا من تفاصيل عملية الانتهاك الجنسي والنفسي التي تعرض لها في المعتقل، لم يحكها لي «إبراهيم»؛ لعدم معرفته بها، لكنني اعتمدت تقرير الطبيب الشرعي لاحقًا، وخمنت البقية.

أعتقد يا سيدتي أنهم يطلقون عليه منظور الراوي Narrator’s Point of View في الأدب. فنحن هنا بصدد أقصوصة أرويها لكِ بمنظوري كراوٍ مطلع على الأحداث التي تدور في الخلفية، وشخصية من الشخصيات التي تشترك في السياق، وتتكلم عن غيرها من الشَّخصيات، أملك بعض المعلومات؛ لكنَّني لا أقوم بضخِّها إلا فيما يخدمُ سياق الأحداث.
فلم يمنحني المؤلف — ضيق الأفق — كامل الصلاحية؛ لمعرفة كل شيء عن تفاصيل حياة «عمار» من البداية فأريح وأستريح. لكنه يصر على إرهاقي في ربط الأحداث والاستنتاج ومقابلة الشهود، فقط ليحتفظَ لنفسه بشعور العليم المطلع على شيء، إرضاءً لهواجس امتلاك المعرفة الكاملة، وكل ما يغذِّي نزعات اﻟ (God Comlex) في أعماق ذاته الطفولية المختلة. لكنني أعرف أنه قد فقَدَ السيطرة على شخوص ومجريات روايته، وبدأت أحداثها تُفلِت من يده فعليًّا، وتتخذ مَجراها الخاصَّ ككائن مستقل.

لكن ظلت هناك فترة غامضة من حياة «عمار» بالنسبة لي وللمؤلف نفسه، وهي الفترة ما بين عام ٢٠٠٤م، بعدما تعرضت قريتُه للهجوم من الجنجويد، وحتى عام ٢٠١١م، عندما التحق بجامعة الخرطوم.

في تلك الفترة لا توجد أي معلومات بخصوصه؛ أين كان يقيم؟ ومع من؟ من الشخص الغامض الذي احتواه وأسكنَه في بيته؟ هل كان من أقربائه؟ من هم؟ إجابات أسئلة كهذه كانت ستضيءُ الكثير من جوانب شخصيته الغامضة، فهو لم يحكِ لي أيَّ شيء عنها من قبل، ولم يشر إليها خلال جلساته معي.

ولم أجِدْ لاحقًا ما يشير إلى شيء منها، ما عدا معلومة يتيمة عن مكان صدور شهادته الثانوية من مدرسة، من ولاية أخرى تمامًا، إحدى المناطق الطرفية من مدينة الفولة في غرب كردفان.

ولما كانت تثير من الأسئلة أكثر مما تجيب؛ لذا تجاهلْتُها في السرد.

كان الطالب مفيدًا، قام بإجراء بعضِ الاتصالات مع بعض زملائه، ثم أمَّدني بعنوان سكن «إبراهيم»، وهي إحدى داخليات السكن الطلابي المشتركة في نواحي أم درمان.

وبينما كانت الشمس تتواري في حياءٍ ناحيةَ المغيب، وهي تنثر ضوء الشفق الأحمر القاني على الموجودات، رحت أقود سيارتي في ذلك الشارع الضيق في إحدى حواري أطراف أم درمان، أحاول — بلا نجاح — تفادي اللوحة التشكيلية الجميلة التي تعاون سُكان الشارع على رسمها، توليفة جميلةٌ هي من الحفر والمطبات، وبقع الماء والطين المتناثرة في عشوائية سرمدية، لو رآها الخواجة «دالي» لجنَّ جنونه، ولشد شعر رأسه فرحًا من فرط الإلهام.

أتوقف حتى لا أدهس ذلك الطفل الشبه العاري الذي يَسيل المخاط من أنفه، وهو يقوم بدحرجة إطار سيارة قديم بيدٍ، ويمسك سرواله القصير حتى لا يسقط بيده الأخرى، وخلفه مجموعة من أقرانه يتصايحون في حماسٍ. ثم أتوقف مجددًا للسماح لربة ذلك المنزل من أن ترمي الماء المتخلِّف من غسل «العدة» بواسطة طشت حديدي صَدئ، تنظر لي في كراهية للحظات، ثم تتواري خلف باب المنزل.

كنت غريبًا عن المكان، في منطقة تكره الغرباء، وتتوجَّس منهم.

أتوقف أمام داخلية سكَن الطلاب، وهو مبنًى قديم من طابقَيْن، لا يوجد عليه دهان من أي لون، تم تغطية حوائط الطابق الأرضي بالإسمنت، في حين ظل الطابق الثاني عاريًا إلا من الطوب الأحمر. يقع أمام ميدان كبير تناثرت على أطرافه الأربعة إطارات قديمة لشاحنات، مدفونة طوليَّا حتى نصفها في الأرض، لتشكِّل كراسي بدائية للجلوس والتسامر في الليل، كما تعمل أيضًا كمدرجات لا بأس بها؛ لجلوس المشجعين حالَ وجود مباراة ما تقام في الميدان.

كانت هناك سيارة «بوكس» رابضة في الطرف الآخر للميدان، وإن بدَتْ لي مألوفة نوعًا.

أدلف للداخل وأسأل عن «إبراهيم آدم»، فيقول لي شابُّ، وهو ينشر ملابسه على حبلٍ في الحوش الداخلي الضيِّق: إنه قد خرج مع بعض أصدقائه للإفطار في دكان قريب، لكنهم سيعودون قريبًا، ثم يقترح، في تهذيب، بأن يقودني إلى الغرفة حيث يمكنني انتظاره.

نصعد السلالم الداخلية الضيقة إلى الطابق العلوي، كانت شقتان مفتوحتان كقلب حبيبين، وخطر لي أن المبنى خالٍ من الطلاب تقريبًا، فلم أصادف إلا اثنين أو ثلاثة حتى الآن.

وكأنما قرأ أفكاري، قال لي الطالب، ونحن ندلف إلى إحدى الغرفتين في الشقة: «لقد سافر أغلب الطلاب إلى أسرهم في الولايات بعد أن توقفت الجامعة مع بدء الانتفاضة، فكلنا قادمون من ولايات خارج الخرطوم.»

سألني عما أريد شُربه، فشكرته بحرارة على لطفه واعتذرت، فغادرني بابتسامة لطيفة متعللًا ببعض الأشغال الخاصة.

رحت أقلب بصري في المكان، كانت غرفة كأي غرفة أخرى، ضيقة قليلًا، مع رائحة عطن خانقة كريهة كرائحة الأحذية تفوح في المكان. وبدَا غياب اللمسة الأنثوية واضحًا للعيان، فقد كانت في قمة الفوضى. الملابس الداخلية والقمصان والجلاليب معلقة على مسامير دقت في الحائط كيفما اتَّفق، الأحذية متناثرة في كل مكان، علب الطعام الفارغة، وقوارير الماء والكُولا، وبقايا السجائر، وأكياس التمباك، تزين أرضية المكان، ومجموعة من حقائب السفر كبيرة الحجم تكدست كيفما اتفق تحت الأسرة ذات الطابقين.

هناك رسوم منحوتة على الحائط الإسمنتي، لقلوب تخترقها سهام تنقط دمًا، ووجوه دامعة حزينة لشخص يحاول برهنة موهبتِه في الرسم، مع بعض الأبيات الشعرية عن معاناته وعذابه بعد فقد المحبوبة.

هناك عبارات ركيكة نحويًّا كتبت بالحبر الجاف على الحائط، تعبر عن حالة الكاتب الوجدانية، وتقلب مشاعره في الأزمنة المختلفة.

«زيكراء خالدة مين ود قلبًا، يوم الأحد الموافق …»

«تحياتي لي من دمر حياتي»، «ياء قلبي المعزب بهجر الحبيبة» … إلخ.

وبعض العبارات الرنانة الأخرى التي تستجدي عمقًا لا تحتويه.

برغم ضيقها (الغُرفة) يسكنها ستة أشخاص، بحسب عدد الأسرة المزدوجة، أزحت بعض الأوراق والكتب الدراسية المتناثرة في السرير السفلي وجلست على طرفِه، وأنا أنظر لساعتي.

سألت نفسي: ماذا تفعل يا دكتور جمال؟

لقد مات الفتى، وانتهى ذلك الفصل من حياتي، فما الذي أريد تحقيقه بالضبط؟

والسؤال الأهم: لماذا أفعل هذا؟

لقد كان مجرد مريض من ضمن المئات الذين يزورونني في عيادتي بحثًا عما يريح نفوسهم المضطربة، ويفكُّ لهم طلاسم ذواتهم المعقدة كما شاء لها الله، بحثًا عن علة ما.

فلماذا أهتمُّ به هو بالذات!

لا أعرف، لكن ظل ذلك الدافع الأرعن يقودني للبحث عن المزيد.

قاطع أفكاري دخول ذلك الشاب إلى الغرفة، تقدم نحوي وصافحني بعينين متسائلتين، وهو يقول: «تبحث عني؟»

– «أنت إبراهيم آدم؟»

– «نعم.»

عرفته بنفسي بإيجاز، وقرأنا الفاتحة على روح «عمار»، قال لي وهو يجلس في السرير المقابل: «لم أكن أعرف أن عمار — رحمه الله — كان يقابل طبيبًا نفسيًّا.»

كان قصير القامة نوعًا، أميَل للبدانة، له عينان واسعتان حساستان، ووجه أملس خالٍ من الشعر، ومن أول وهلة يثير انطباعًا أنثويًّا مبهمًا لمن يقابله.

قلت له: «نحن نتفهم المرض العضوي ونحترم الأطباء، ربما لدرجة الانبهار والتقديس أحيانًا، لكننا لا نفهم المرض النفسي. نراه ضربًا من الشعوذة وتلبسًا شيطانيًّا، ينتمي لعوالم الشيوخ والأحجبة والأعمال السحرية المدفونة وكل طقوس كهنة الفودو في الكاريبي، وليس إلى الطب المادي الحديث. لا تزال نظرة مجتمعنا للطب النفسي قاصرة، فكل الذين يترددون على عياداته يُوصفون بالجنون أو البرجوازية أو كلاهما. ربما لم يخبرك لمثل هذه الأسباب.»

هز رأسه في مللٍ واضح مؤمِّنًا على كلامي، وهو يرمقني بنفس العينين المتسائلتين، كانت عيناه الحساستان تعبِّران عما يحتشد في ذهنه من تساؤل، قلت له بسرعة حتى لا يجرفَه خياله: «قالوا لي إنك كنت من أقرب أصدقائه، قدمت لأسألك إذا كنت تعرف أحدًا من أقاربه حتى أستطيع التواصل معه من أجل ترتيب إجراءات الدفن.»

تفكر قليلًا، ثم قال: «كلا في الواقع، لم يكن المرحوم يتحدث عن أهله أو أسرته كثيرًا، وكل ما أعرفه عنه أنه من شمال دارفور.»

– «ألم يكن هناك أحد يزوره هنا أو في الجامعة؟»

– «على قدرِ علمي: لا.»

– «متى قابلت المرحوم آخر مرة؟»

قال: «في اليوم السابق لوفاته، رأيته في الجامعة صباحًا وأفطرنا معًا، ولم أره بعدها؛ لأنه لم يعُدْ للسكن معنا. اعتقدت أنه يقضي الليلة مع صديق ما.»

شكرته على وقته، وتركت عنده رقم هاتفي، وطلبت منه أن يتواصل معي إذا ما استجدَّ شيء ما.

كان مهذبًا كريمًا، أصر على أن أتناول معهم الطعام، لكنني تعللت بمشاغلي على وعدٍ بتلبية الدعوة في وقتٍ ما. وقام بمرافقتي حتى سيارتي برغم إصراري ألا يفعل، قال لي إنه سيبحث في الأمر، وسيعاود الاتصال بي إذا ما توصَّل إلى شيء يُفيدني في الوصول لأحد أفراد أسرته أو أقاربه.

رحت أقود سيارتي عائدًا للمنزل في شرود.

لم يفدني «إبراهيم» كثيرًا، بل أضاف لي المزيد من علامات الاستفهام، لماذا لم يعد «عمار» للسكن الداخلي من الجامعة في اليوم السابق لانتحاره؟

ومَن هذا الصديق الغامض الذي قضَى معه اليوم؟

على قدر معرفتي به، فهو لم يكن من النوع الذي يملك عددًا من الأصدقاء، في الواقع لم يَحْكِ لي سوى عن «إبراهيم» باعتباره صديقه الوحيد.

فمن هذا الصديق الذي لم يحك لي عنه، ولا حتى لصَدِيقه الوحيد؟

ومن هذا الشخص الذي تشاجَرَ معه؟ هل هو ذلك الصديق الغامض؟ ولماذا يتشاجر معه ثم يبيتُ معه الليلة لينتحر في اليوم التالي؟

يبدو لي الأمر برمَّته غير قابل للاستيعاب المنطقي. ثمة حلقة مفقودة في تسلسل الأحداث.

ثم لمعت في رأسي فِكرة.

«هبة.»

لو كان هنالك شخص ما أقرب لعمار من «إبراهيم»؛ فهي «هبة»، ربما تعرف شيئًا عن ذلك اليوم الأخير الذي اختفى فيه من الجامعة والسكن الداخلي.

أذكر أن «عمار» قد ذكر لي مكان إقامتها من قبلُ، أثناءَ حديثه عندما قام بتوصيلها للمنزل، وهو قريب من هنا بجوار السكن الداخلي، لكنني لا أذكر العنوان تحديدًا، فلا بد أن أراجع التسجيلات الصوتية للجلسات حتى أستعيده.

إضافة إلى ذلك فقد حلَّ الليل، والوقت غير صالح للزيارة في كل الأحوال.

سأعود للمنزل الآن، وأحاول مجددًا يومَ غد.

٤

توقفت بالسيارة أمام منزل من طابقَيْن في منطقة الثورة بأم درمان، منزل حديث الطراز تحيط به حديقة جميلة من أشجار الدمس والجهنمية، وزهور صباح الخير، يطوقها سُور حديدي ذو حواف مدببة تتوعد المعتدين بالأذى الجسيم.

رحت أسير وسط روائح الزهور، حتى بلغت الباب الحديدي الخارجي، وضربت الجرس.

مرت لحظات ثم انفتح الباب عن عاملة أثيوبية جميلةِ المحيا، نظرت لي في تساؤل فسألتها: «هل هبة موجودة؟»

أجابتني بلغة عربية ركيكة: «غير موجودة، لا يوجد سوى أختها هادية.»

– «هل يمكنني الحديث معها؟»

– «انتظر لحظة.»

ثم غابت للحظات، ثم انفتح الباب بطريقة مواربة عن وجه «هادية»، فتاة دقيقة القامة، تتلفح بثوب سوداني لا بد أنها ارتدَتْه على عجل من هيئته، قدرت أن عمرها لا يتجاوز الخمسة عشر عامًا، قلت لها: «أنا دكتور جمال، أحد أساتذة «هبة» في الكلية.»

راحت تنظر لي في شك، ورأيت تساؤلَها عن السبب الذي يدفعُ أستاذًا جامعيًّا لزيارة طالبتِه في منزلها في عينيها بوضوح، قلت لها مردفًا:

«فقط أردت أن أسألها بخصوص أحدِ زملائها في الجامعة، يدعى «عمار سليمان»، متغيب عن الجامعة منذ فترة، وودت لو أعرف إذا ما كانت تعرف عنوان سكنِه، أو أي شيء يساعدني للوصول إليه.»

هل كنت أتخيَّل؟ أم أن ملامح وجهها قد تغيَّرت عندما نطقت اسم «عمار»؟ بدا عليها الانزعاجُ للحظات، قالت لي في اقتضاب: «هبة غير موجودة الآن.»

سألتها متودِّدًا: «هل تعرفين متى ستعود؟»

– «لن تعود قريبًا. لقد تزوجت قبل أيام، وسافرت مع زوجها خارج البلاد.»

وقفت مشدوهًا للحظاتٍ من وقع الخبر.

تلك هي إذن الحلقة المفقودة!

لقد تزوجت «هبة» بالتزامُن مع انتحار «عمار».

لا بد أنه قد سمع بخبر زواجها، فقرر الانتحار. وقبل أن ينتحر ترك لي رسالته الأخيرة «قل لها إنني قد أحببتها.»

لا أعرف معنى العبارة الأخرى التي قالها «كانوا أنبلَ ما فينا» ولا هوية ذلك الشخص الغامض الذي تشاجر معه قُبيل انتحاره، لكن — بقليل من التجاوز — يمكنني افتراضُ أنه كان غاضبًا مما عرفه، فتشاجر مع شخص ما في غمرة غضبه، ثم قرَّر الانتحار.

أو ربما تناول مشروبًا كحوليًّا ما.

نعم. يبدو كل شيء منطقيًّا الآن.

شكرت «هادية» على وقتها، واعتذرت لها عن الزيارة بدون موعد مُسبَق، وتركت عندها رقم هاتفي على أملٍ أن تعاود «هبة» الاتصالَ بي في يوم ما.

وطوال طريق عودتي كنت أقود شارد الذهن، حتى كدت أدهس أحد المشاة العابرين للطريق في غمرة شرودي.

«حمااااااااار.»

لوحت له بيدي معتذرًا بينما أنطلق، بينما هو يبحث في الأرض بجنون عن بعض الطوب — على الأرجح — ليَقذِفَني به.

شيء ما خاطئ.

شيء ما خاطئ.

فإذن بلغت به الهشاشة النفسية حدًّا جعله يُنهي حياته من أجل زواج الفتاة التي أحبَّها. يبدو أن النفس البشرية أكثر تعقيدًا مما أظن فعلًا.

لا يوجد ضوابط، ولا يمكنك توقع أي شيء.

لقد رآه بعض الشهود، وهو يرمي بنفسه من على جسر المنشية في الثالثة صباحًا، ما يطابق الزمن التقديري لوقت الوفاة.

منذ أيام تتردد في ذهني بطريقة وسواسية.

يبدو كل شيء منطقيًّا الآن، لكن ظل هناك ذلك الهاجس الملحُّ داخلي يردد بصوت خافت وبإصرار أن هنالك شيئًا ما خاطئًا.

لا يزال في النفس شيءٌ من حتى.

«حتى» التي أرهقت سيبويه، ولم يجد لها موضعًا نحويًّا محترمًا، ومات وفي قلبه شيء منها. حرف لعوب زلق لا يمكن الإمساك به وتصنيفه، فهو مرة للابتداء ومرة للعطف ومرة للنصب ومرة للجر، ويتنقل بين كل المواضع كوزيرٍ فاسد بكشف التنقلات الوزاري الجديد، بحكومة تعشق تدوير نفاياتها، في بلاد تجاوزها العالم، وتخطاها الزمن، فلم يبقَ لها إلا تاريخ غابر. تنكص إليه، وتتمسك به؛ لتبرر به حاضرها البائس.

لقد رآه بعض الشهود وهو يرمي بنفسه من على جسر المنشية في الثالثة صباحًا، ما يطابق الزمن التقديري لوقت الوفاة.

ظلت تلك العبارة هي «حتى» الخاصة بي.

ربما لهذا دلالة ما؟

ما هي؟!

لمع خاطر في ذهني فجأة، فتوقفت بالسيارة إلى جانب الطريق، وبسرعة رحت أبحث عن هاتفي المحمول، ثم رحت أقلب في سجل المكالمات الواردة.

حتى وجدتها.

المكالمة الأخيرة التي وردَتْني من «عمار»، كان وقت المكالمة في الرابعة والنصف صباحًا.

يقول الشهود إنهم رأوه يقفز في الثالثةِ صباحًا.

تقرير الطبيب الشرعي يؤكد أقوال الشهود في أن الوفاة قد حدثت في الثالثة صباحًا.

ظلت تلك الجملة تتردد في ذهني، منذ نطق بها الشرطي، يبدو أنني قد تنبَّهت للمفارقة بطريقة لاواعية، بينما تخطَّاها ذهني المرهق وقتَها.

ما معنى هذا؟

يعني هذا أنه تُوفي، ثم قام شبحُه بالاتصال بي بعد ساعة ونيف.

أو قد يعني — ببساطة — أن أقوال الشهود والتقرير الشرعي كاذبة!

لماذا يكذب الشهود؟!

•••

قال الدكتور «أحمد الماحي»، وهو يرشف الشاي: «أعتقد أنك أصبت بالبارانويا أخيرًا يا صديقي.»

قلت، وأنا أعبث في درج مكتبي بلا داعٍ: «ما زلت أعتقد أنه ليس من عينة الأشخاص الانتحاريين.»

قال: «قلت إنه أحبَّ هذه الفتاة، ما اسمها؟»

– «هبة.»

– «نعم. قلت إنه أحب «هبة» هذه جدًّا، يبدو هذا سببًا قويًّا لانتحاره، لو أردت رأيي. تعرف الطريقة العاطفية الحمقاء التي يفكر بها هؤلاء العشاق، «لقد تزوجت حبيبتي فتبًّا لكم جميعًا». كان لدينا مريض منذ فترة في قسم الكسور رمَى بنفسه من أحد أعمدة الضغط العالي؛ لأن حبيبته لا ترد على اتصالاته.»

– «يا إلهي. وهل هو بخير الآن؟»

– «نعم، قُمنا بتخريجه منذ بضعة أيام، لكننا أبلغنا الشرطة، وقام هؤلاء بفتح بلاغٍ جنائي ضده بتهمة الشروع في الانتحار. سيواجه أوقاتًا عصيبةً عندما يتسلى حضرة الصول بصَفعه على سبيل الملل وتزجية الوقت، قبل أن يحيلوه للسجن العام. ستتبخر كلُّ مشاعره المرهفة وسيلعن اليوم الذي عرفها فيه.»

كنا جالسَيْن في عيادتي، وقد زارني زميلي الدكتور «أحمد» عندما علم بقدومي للمستشفى، جلسنا نرشف الشاي. وحكيت له — باختصارٍ شديد — عن القصة، ونقلت له شكوكي الخاصَّة من قضية الانتحار.

قلت في شرود، وأنا أفتح الدرج وأعيد أغلاقه مرارًا: «لكن ليس هذا الشخص. هذا شخص عرف أنه قد فقد عائلته وكامل عشيرته في لحظات، وبرغم هذا خرَج من مكتبي بخطوات واثقة ووجه هادئ. لماذا يقتل نفسه بسبب زواج الفتاة؟ أعرف أنه أحبها جدًّا، لكن ليس لدرجة تخلِّيه عن حياته.»

– «ربما كان تأثير وفاة أهله عليه قويًّا، وإن لم يبد عليه ذلك، وكان زواج تلك الفتاة هي القشَّة الأخيرة التي جعلته يقرر الانفجار، أنت أعلم مني بهذه الأشياء، وتعرف تراكمات الضغوط النفسية على الشخص.»

قلت بنفس الشرود: «وماذا عن أقوال الشهود وتقرير الطب الشرعي الخاطئ عن وقت الوفاة؟! أليس هذا مُريبًا بما يكفي؟»

– «لا أحبذ نظرية المؤامرة، أعتقد أن القصة أكثر ببساطة مما تعتقد. إن تقرير الطب الشرعي لا يُعطي الوقت الحقيقي للموت، ولكنه وقت ترجيحي. يوجد هامش للخطأ يصل لساعات وأحيانًا عدة أيام، فلا بد إذن أنهم قالوا إن الوفاة حصَلتْ في هذا الوقت استنادًا إلى أقوال الشهود.»

– «حسنًا. ولماذا يكذب الشهود؟»

ابتسم ابتسامة عريضة، وهو يضع قدح الشاي على الطاولة، قال لي، وهو يميل إلى الأمام، كأنه يحادث طفلًا: «لن أسميه كذبًا، لا يوجد أحد سيرى شخصًا يقفز من جسر، فينظر إلى ساعته ويدوِّن الوقت، لا بدَّ أن توتر الموقف جعلهم لا ينتبهون للوقت الحقيقي.»

قلت في إصرار: «سيكون هناك اختلاف في رواياتهم على الأقل، لا أن يكون هناك اتفاق على أنها الثالثة تحديدًا.»

قال في نفاد صبر: «هناك تفسير معقول غير المؤامرة، أنا واثق من هذا.»

ثم نظر في عينيَّ بتركيز، وأضاف في فضول: «لكن دَعْك من هذا، وأخبِرْني: لماذا تهتم بقصة هذا الفتى إلى هذا الحد؟»

قلت له في صدق: «حقًّا لا أدري».

قال ضاحكًا: «حتى أنت يا بروتوس. الدكتور جمال عبد الرحمن شخصيًّا وبخبرته الطويلة في علم النفس لا يستطيع فهمَ نفسه! إذن فليمُت قيصر.»

قلت: «إن النفس البشرية لا تزالُ لغزًا محيرًا بالنسبة لنا، وما زال علم النفس طفلًا يحبو ويُحاول الفهم. تشبه دغلًا متشابكَ الأغصان، كلما أضأنا منه جزءًا واجهَتْنا أجزاء أخرى أكثر تشابكًا وغموضًا، لم نرَ بعدُ إلا الجزء البارز من جبل الجليد. لكن أعتقد أنني ربما أشعر نحوه بالتزامٍ أدبي ما.»

راح الدكتور «أحمد» يتحدث، بينما كنت أتابعه بنصف ذهن، لا بد أن ساعة قد مرَّت قبل أن أسمعه يتمتمُ بعبارات وداعية، ويقول شيئًا عن مرضى نسي عنهم كل شيء وعليه العودة، ودَّعْته ثم عدت للجلوسِ خلف المكتب شاردًا.

رن جرس الهاتف فجأة حتى أجفَلْت، رددتُ على الهاتف متوجِّسًا (لا أدري لماذا).

– «ألو.»

– «هل هذا رقم د. جمال عبد الرحمن؟»

– «نعم.»

– «أنا إبراهيم.»

– «إبراهيم مَن؟»

– «إبراهيم آدم، صديق عمار. لقد زرتني في المنزل قبل يومين.»

– «إبراهيم، اعذرني لوقاحة جَهلي. هل تحصلت على عنوان أيٍّ من أقربائه بعد؟»

صمَتَ للحظات، بدا أنه متردِّد فيما يقول، قال بصوت بدا لي غريبًا: «لا، ليس بعد. أردت الحديث معك بخُصوص شيء آخر. هل يمكننا أن نلتقي؟»

سألتُه بحذر: «تريد الحديث بخُصوص ماذا؟»

– «بخصوص عمار.»

– «ماذا عنه؟»

صمت أطول. ثم قال بنفسِ الصوت الغريب: «عمار لم ينتحر يا دكتور. لقد تم قتله!»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١