رابعًا: الانتحال الأرسطي

(١) أرسطو والإسكندر

ولا يُهم التحقُّق من صحة نسبة النص المنقول إلى صاحبه. فهذه رؤية حديثة نتجَت بعد اكتشاف أنَّ كتُب العهد القديم والجديد لا تُنسَب إلى أصحابها. ثم عمَّم الاستشراق ضرورة إثبات صحَّة النِّسبة خارج حضارته. مع أنَّ النص المعقول في الحضارة الإسلامية مُستقل عن مؤلفه ومُترجِمه، بل وقارئه. لذلك لا يُهم نِسبة هذا النص أو ذاك لأرسطو أو لغيره. ولا يُهم إن كان صحيحًا أم منحولًا. بل إن المنحول أدلُّ على روح الحضارة من الصحيح. الصحيح نقل والمنحول إبداع. الصحيح تاريخ والمنحول حضارة، الصحيح واحد والمنحول مُتعدد، الصحيح قديم والمنحول جديد، الصحيح موت والمنحول حياة.

هل ضاع نص أرسطو؟ هل وُجد ولكن لم يعرفه العرب؟ هل تُرجم ولكن لم يهتم به العرب؟ وبما أنهم قد اهتموا به بدليل ازدهار علم النباتات والأعشاب (ابن البيطار)، فقد حضر النص حضاريًّا بصرْف النظر عن الوجه التاريخي لهذا الحضور. وتقوم دعوى النِّسبة الخاطئة على لا دعي سلبي وهو من قدرة المسلمين على تصوُّر الوثيقة التاريخية من حيث مؤلِّفها واكتمالها مع أن علم الوثائق من أهم العلوم عند المسلمين نظرًا لأهمية الوثائق الشرعية، والمُكاتبات، السجلَّات، وحجج الوقْف. والحقيقة أنه لا يُوجَد خطأ تاريخي، فالتاريخ ليس به خطأ وصواب، ولكن هناك إعادة إنتاج للنصوص ابتداءً من المَنبع الأوَّل وهو النص الأصلي.١ ولا تُهم صحة نِسبة كتُب أرسطو إليه، أيُّها صحيح وأيها مشكوك فيه.٢ ومع ذلك كان المسلمون على وعي بقضية الانتحال وبضرورة النِّسبة الصحيحة للنصوص لمؤلفيها. فإنْ كان هناك شكٌّ فيتمُّ التعبير عن ذلك بعبارة «المنسوب إلى» تنبيهًا للقارئ على الشكِّ في صحَّة النِّسبة.٣
أمَّا قضية الانتحال فلا تُهم من حيث هي تاريخ مُحضَر، إثبات أنَّ أفلاطون أو أرسطو ليس هو صاحب هذا العمل أو ذاك. إنما أهميتها في دلالتها على النقْل، بل الإبداع. فالحُكماء ليسوا مؤرِّخين ولا باحثين نَصيِّين مثل الأصوليين والمُحدثين، بل هم مُفكرون يفهمون النص ويتمثَّلونه ويُعيدون بناءه. ما يُهم هو فكر النص وليس مادة النص، روح النص وليس بدَن النص. وسواء كان «أثولوجيا أرسطوطاليس» من أرسطو أو من أفلوطين، من «ما بعد الطبيعة» أو من التاسوعات، فهذا لا يُغير من الأمر في شيءٍ ما دام كلُّ حكيمٍ عندَه إلهيَّات. وهذه هي إلهيَّات أرسطو بعد أن فُقِدَت إلهيَّاته من مؤلفاته. ليس الحُكماء مؤرِّخو فلسفةٍ أو ناقدو نصوص، بل هم فلاسفة. الغاية من الحِكمة تَمثلُ الثقافات الأجنبية من أين أتت، من أفلوطين أو من أرسطو. والمُستشرقون وأتباعهم من العرب بإثارتهم هذه المسألة يريدون جعْل الحكيم مؤرخًا، والمُفكر ناقدًا نَصيًّا، والأمر ليس كذلك. وإن كثرة الانتحال في الفلسفة اليونانية لا يُمثل عيبًا، بل هو ميزة؛ أي إبداع نصوص تُعبِّر عن روح الفيلسوف أو ما ينقُصه، ثم نِسبتها إليه كعَلَم من الأعلام حتى يسهُل تَمثُّلها وإعادة بنائها مثل إبداع الإنجيل الرابع في البيئة الشرقية الغنوصية حيث تمَّ نِسبته إلى يوحنا، أقرب تلاميذ المسيح إليه، والذي كان يُسنِد رأسَه على كتِف المسيح أثناء العشاء الربَّاني كما عبَّر عن ذلك رافائيل في لوحته المشهورة. بل إنَّ النسبة الخاطئة لأكثَرُ دلالةً على الفكر من النسبة الصحيحة، وذلك مثل وصايا أرسطو إلى الإسكندر، كتاب التفاحة، ووصايا أُمِّ الإسكندر إلى ابنها. لم تكن صُدفةً نسبة المُقتطفات من التاسوعات لأفلوطين لأرسطو. إنما هي روح الحضارة العربية الإسلامية العامة التي وضعَتِ النص في مكانه الصحيح لإكمال بِنية الفلسفة كما وضعها الفيلسوف. ولو كانت حالة شكٍّ عند المسلمين لصحة النسبة لنَسبوها إلى أرسطو لأنَّ الأمم لا يُهمها معرفة أرسطو التاريخي، بل روحها وحضارتها، وعلى أرسطو الاتفاق معها. وكتاب التفاحة لسقراط وأرسطو حوار أرسطو مع تلاميذه قبل وفاته مثل مُحاورة فيدون لأفلاطون، والإحالة إلى مؤلَّفات أرسطو من أجل صحة النسبة وإلحاق المُنتحَل بالصحيح خاصةً كتاب ما بعد الطبيعة.٤ وتلك عادة الشعوب في عمل وصيةٍ أو عهدٍ للميت. إنَّ القصد من الانتحال هو إكمال الناقِص ذهنيًّا وفكريًّا وحضاريًّا أوَّلًا ثم إيداع ذلك تاريخيًّا ونصيًّا وتدوينيًّا ونقلًا. فليس من المعقول أن يكتُب أرسطو في الحيوان دون أن يكتُب في النبات. فهو موضوع واحد الطبيعة، على مُستويَين مُختلفين، النبات أوَّلًا ثم الحيوان على ما هو واضح في تركيب النفس النباتية التي تضمُّ وظائف ثلاثًا: التغذية والنمو والتوليد، والحيوانية التي تضمُّ بالإضافة إلى هذه الوظائف وظيفتَين أُخريين: الحسَّ والحركة.٥ ولماذا لا يكتُب أرسطو كتابًا في النبات وقد ألَّف كتابًا في الحيوان وعدَّة كتُب أخرى استمرارًا لمشروعه في دراسة الكون والفساد؟ فالانتحال إذن يتضمَّن ثلاثة عناصر: الأوَّل إكمال الناقِص عقليًّا، والثاني إكمال الناقص دينيًّا، والثالث الإكمال بنفس رُوح المذهب واتِّباعًا لبِنيته الداخلية. الفيلسوف هو الذي يكتُب سواء كان حيًّا أم ميتًا. والحضارة الجديدة تكتُب نيابة عنه. إن كان قد مات فرُوحُه مُستمرَّة في روح الحضارة والتي تُعيد إنتاج نصوصه كاملة غير منقوحة بصرْف النظر عن مؤلفها الأوَّل الذي مات أو الثاني الذي ما زال حيًّا.
وكلما استقلَّ الفكر وأصبح له صِدقه من داخله يتَّفِق مع العقل والطبيعة أصبح حقيقةً خارج التاريخ ويُنسَب لكلِّ الحكماء من أجل التعظيم والإجلال. ولا ضَير من نِسبة القول الواحد إلى أكثر من حكيمٍ ما دام النصُّ المنسوب على نفس قدْر الحكيم المنسوب إليه. مثال ذلك نصُّ كسرى أنوشروان الشهير في فلسفة السياسة الذي دخل في كلِّ نصوص الفكر السياسي الإسلامي اليوناني والفارسي والمنسوب إلى أرسطو.٦ فليس اليونان بأقلَّ قيمةً من الفُرس. والنص يقوم على بنيةٍ عقلية مُحكمة، ثمانية مقاطع، آخر كلمة في المقطع هي أول كلمة في المقطع التالي على النحو الآتي:
(١) العالم بستان سياجه الدولة
(٢) الدولة سلطان تحجُبُه السُّنة
(٣) السُّنة سياسة يسُوسها الملِك
(٤) الملِك راعٍ يُعضِّده الجيش
(٥) الجيش أعوان يكفله المال
(٦) المال رزق يجمعُه الرعية
(٧) الرعية عبيدٌ يستملِكهم العدل
(٨) العدل أُلفة به صلاح العالم
ومعظم المقاطع رباعية، الكلمات في شطرَين يسهُل حفظه واستيعابه وتكراره ونقله ونِسبته إلى كل عظيم. ولا يُوجَد هنا مجال للنقد بل للتمثيل والاستيعاب والتبنِّي باعتبار أنَّ النص يحتوي على تنظيرٍ مُمكن وعقلانية ظاهرة. في حين أنَّ الفقيهَ هو الناقد الذي يُراجِع الوافد على أساس الموروث كما فعل ابن تميمة في المنطق. فإذا كان العدْل ميزان الله عزَّ وجل فإن باقي المقاطع قد لا يتَّفق مع العقلانية المُعاصرة، فالملك الذي يُعضِّده الجيش انتهى إلى الحُكم العسكري، والجيش أعوان يكفله المال انتهى إلى الارتزاق، والمال رزق يجمعُه الرعية قد يؤدي إلى الرق، والرعية عبيد يستملكهم العدْل واجبات دون حقوق.٧ والكتب المُنتحَلة لأرسطو في السياسة كثيرة. فمن الطبيعي أن يكتب المُعلم لتلميذه كتبًا لتربية القائد أو يوجِّه إليه رسائل أو يعطيه بعض النصائح والمواعظ والوصايا الشفاهية مثل كتاب أرسطو إلى الإسكندر في السياسة أو علم آداب الملوك الذي كتَبَه أرسطو لذي القرنَين.٨ مثال ذلك «مقالة لأرسطاطاليس في التدبير» نقل عيسى بن أبي زرعة.٩ وليس لها أصل يوناني معروف، فهي إمَّا مما فُقد من أعمال أرسطو أو أنها إبداع خالص في الثقافة الإسلامية قام بها مسلمون أو نصارى. قد يكون الدافع على الانتحال هو إكمال أرسطو المنطقي الطبيعي الإلهي بأرسطو الأخلاقي. صحيح أنَّ له الأخلاق إلى نيقوماخوس والأخلاق إلى أوديموس، ولكن تظلُّ الحكمة العملية في مجموع أعماله أقلَّ من الحكمة النظرية. كما أن الحكمة الإلهية أقل بكثيرٍ من الحكمة المنطقية والحكمة الطبيعية. لذلك تمَّت نسبة «أثولوجيا أرسطاطاليس» إليه. وهو تلميذ أفلاطون. ولأفلاطون وصية في تأديب الأحداث. فلماذا لا يستأنِف التلميذ بمقالة في التدبير عمل أستاذه؟ ونظرًا لأن أفلاطون إلهي، فقد تمَّ الانتحال الثاني للوصية على نحوٍ ديني واضح وبمنظورٍ إسلامي ظاهر. أمَّا أرسطو الحكيم فظلَّت مقالته في التدبير أقربَ إلى الأخلاق العقلية اليونانية المثالية التي تتَّفق مع معيارية الأخلاق الإسلامية دون إعادة إنتاجها من منظور إسلامي صريح. إذ يقوم التدبير في الانتحال الأوَّل على جلب المنافع ودفع المضار. وهي رؤية فقهية. وآلة ذلك العلم والعمل، والبداية بتأديب النفس قبل تأديب الغير. ويكون هذا بإعطاء الدين حقَّه وإشعار النفس حظها، ثم تعهُّد الإخوان بإحياء المُلاطفة ثم تأدية الفروض لأهل المُعاشَرة والأعداء والصبر عليهم واتقاء شرِّهم، ثم إعطاء إخوان الإخوان شُعبة من الحفظ والتذكير. ويكون ذلك بإسقاط المنِّ على الناس، وتعهد الملوك والنصحاء والصلحاء والأكفاء والضعفاء، ورعاية المعيشة بالإصلاح وحمايتها من الأعداء والحُسَّاد والمنافِسين وذوي الشبهات، كلُّ ذلك بمعونة الله وحُسن تأييده، فله الشكر دائمًا إلى أبد الآبدين، وهي اللازمة الدينية الوحيدة في المقالة.
وهناك عدَّة رسائل من أرسطو إلى الإسكندر. وإذا كان أرسطو هو المعلم الأوَّل، فليس من المعقول ألا ينشأ في بيتِ علم، وألا يكون أبوه نيقوماخوس رجُلَ علمٍ وتأليف. له كتاب أيضًا من الصعب تَسميته ووضعه في علمٍ مُعين. يكفي فقط أن يكون كتاب نيقوماخوس والد أرسطو.١٠ ومن ثبْت مؤلفات أرسطو يتَّضح أن الكثير منها منحول مثل كتابه في رسم نيل مصر، ويُسَمَّى «فاري طونيل». ومكوَّن من ثلاث مقالات. وليس من المعقول ألا يكتُب أرسطو كتابًا في وصف النيل كما فعل هيرودوتس من قبل في وصف مصر وجعلها هبة النيل.١١
وكتب أرسطو إلى الإسكندر: «إذا أعطاك الله ما تُحب من الظفر فافعل ما أحبَّ من العفو.» وفي حوار مُنتحَل بين أرسطو ورسول الإسكندر بطريقة الحوار الأفلاطوني يظهر أرسطو الصُّوفي الذَّوقي وهو يحاور في العدل والحكمة والشجاعة والعفة، فلسفة أفلاطون في الفضائل الأربعة مُركَّبة على حامل تاريخي وَهْمي.١٢ وفي حوارٍ بين أرسطو وأفلاطون قال له مُعلِّمه أفلاطون: ما الدليل على إثبات الله تعالى؟ وكأنَّ أرسطو إبراهيم الخليل أو أحد المُتكلمين أو الفلاسفة المسلمين. وأجاب أرسطو رمزًا وكأنَّه أحد كبار الصوفية يَستعمل لغة الذوق: «كنتُ أشربُ فازدادُ ظمأً حتى عرفتُ الباري فروِيتُ من غير شُرب. وقد انفرد الله بطبع الخلق، وهو الموفق ولا قوة إلا بالله.»١٣
وفي كتُب التاريخ المُتأخِّرة يكثُر الاستشهاد بالمنتحلات مثل وصايا أرسطو الأستاذ للإسكندر التلميذ طبقًا لعلاقة الشيخ بالمريد. وبطبيعة الحال أن يكون للانتحال سياقُه النفسي والتاريخي. فلما اشتدَّتِ العلَّة على الملك فيليبوس وأوصى بالمُلك إلى الإسكندر، تدخَّل الأستاذ وكتَب وصيَّتَه له تُعينه على مُلكه الجديد.١٤ والوصية «وصية أرسطاطاليس إلى الإسكندر» أقرب إلى الانتحال اليوناني الأوَّل منها إلى الانتحال الإسلامي الثاني، لأنها ما زالت تقوم على الأخلاق العقلية المِثالية دون تدخُّل الدين المُباشر إلا نادرًا. وهي تقوم على النُّصح بالرغم من حدود النصائح. وتبدأ بنصيحة الملك قبل نصيحة الرعية، تغيير الحاكم قبل تغيير المحكومين. والأخلاق طريق السياسة وأسلوب الحُكم مِثل زُهد الحاكم والسيطرة على انفعالاته مثل الغضب والغيظ والرغبة في الانتقام والشهوات. وتُطالب بمجالسة الحاكم للعُلماء واطِّلاعه على كتُب الحكمة. وتُحذِّره من الكذِب، وتدعو إلى سرعة ائتلاف القلوب وإصلاح الوزراء والأعوان قبل إصلاح الأحوال. وتجنُّب العقوبات الرادعة حتى لا يُنفِّر القلوب. فأهمُّ صفة للحاكم هي الرحمة مع العدل، جمعًا بين الأشاعرة والمُعتزلة. وبالرغم من ذِكر هوميروس في النص ممَّا يدلُّ على الجِذر اليوناني في الانتحال، إلا أنَّ الدِّين يظهر مشيرًا إلى البيئة الثقافية الإسلامية للانتحال الثاني. فوَصيَّة أرسطو إلى الإسكندر مثل وصايا الله للبشَر. فإنَّ الله تعالى ذِكره لم يرضَ لنفسه من الناس إلا بمِثل ما رضِيَ لهم به منه، مثل الترحُّم والتصدق والجود. فالأخلاق العقلية هي نفسها الأخلاق الدينية. وما يأمر به العقل يأمر به الوحي. وكلاهما الطريق لاحترام الذات ورضوان الخالق. تقوم الوصية على الجمْع بين الدنيا والدين. فقد تأتي الدُّنيا بلا دِينٍ وهو الخُسران المُبين. تأتي ثُم تُدبِر. ولا يقوم كلاهما إلَّا بالعمل الجادِّ والمثابرة وتأدية الأمانة. فالفعل الإنساني هو الذي يقيم الدنيا والدِّين، الكدْح في الأرض والسعي فيها. لذلك وجبَ الاجتهاد ومشورة العلماء. والعدْل ميزان الله عزَّ وجل في أرضه. وبه يؤخذ حقُّ الضعيف من القوي. فمن مال هذا الميزان في يدِه عمَّ الجهل والظلم، واغترَّ بالله أشدَّ الغرور. وتنتهي الوصية بسؤال الله عزَّ وجل الذي اختار العدْل لنفسه وأمر بالقيام عليه واستعماله في خلقِه أن يهتمَّ الإسكندر ويجعله من أهله والقوام به في عباده وبلاده. ومثال ذلك أيضًا «رسالة أرسطاطاليس للإسكندر في السياسة» في الانتحال اليوناني الأوَّل، المثالية العقلية الأخلاقية، وفي الانتحال الإسلامي الثاني ضمُّها إلى الدِّين فتتَّحِد الحكمة بالشريعة. وهي رسالة في الأخلاق كأساسٍ للسياسة. تُحلِّل انفعالات النفس مثل التعجب والسرور كمدخلٍ لتطبيق السُّنة أي القانون، صبًّا لمعاني الوافد في لغة الموروث. وتعتمد على أمثلة من فارس وملوكها مثل دارا. وتذكر بابل ويُضرب المثل بلوفرغس وتطبيقه السُّنن في مملكته. فإقامة السُّنن صلاح للعالم. وهي أولى من استتباب الدول بالحروب. وتحتاج السُّنن إلى من يُدبرها، إذ لا يكتفي الناس بتطبيقها طواعية، وتلك وظيفة الإمام بتعبير الفقهاء. وشرط الرئيس أن يكون باختيار الناس إجماعًا وليس اغتصابًا للملك. وإلا تنقَّلت الرياسات من ملك إلى ملك، ومن مدينة إلى مدينة، كما هو الحال في بلاد آسيا وبلاد أور. فقد حكم ملك آشور حينًا أهل الشام وسوريا، ثم خلَفَه حاكم من فارس. فالشرق موعظة للغرب، واليونان درسٌ في الديمقراطية للفرس. ولا تصلح المدن إلا بصلاح الرؤساء، فالناس على دين ملوكهم. ومن سِمات الملك الكمال، ليس في الشجاعة والعدْل وأصناف الفضائل فحسْب، بل في القوة والعدَّة أيضًا، جمعًا بين العدل والقوة كما هو الحال في شروط الإمام عند الفقهاء وإلَّا انهار الملك.١٥ كما أنها في مدن لقذيمونة وأثيناس ببلاد اليونان. وللملك أعوان من أهل الصلاح، يَملِكهم بالعدل لا بالمال. يعمل لصالح الناس بالعدل وحُسن السيرة. «إنَّ العدول لا يخافون إلا الله.» وهنا يتمُّ تعشيق الوافد في الموروث، وتبدأ آليات الإبداع في نقطةٍ مُشتركة هي العدل أساس الملك في الوافد، والعدل مخافة الله في الموروث. ويدعو أرسطو للإسكندر بأن يُسعِده الله ويُمكِّن له في الأرض. والعدل محمود عند الحُكماء والأنبياء. وينال الملك طِيبَ الذكر بحُسن السيرة والبلاء في الحروب وعمران المدائن، تلك فضائل اليونانيين. وأفضل ذِكرٍ حميَّة القلوب، وتلك فضيلة المسلمين. ويُنهي أرسطو الرسالة مودِّعًا: «والسلام إليك وعليك.» ويستنكِف الخوارزمي المُتأخِّر أن يذكُر اسم أرسطو ويُسمِّيه «أستاذ الإسكندر». ويذكر هذه النصائح السياسية في باب «في الأسباب المُزيلات للدول في كتاب أسرار الوزارة». فالسلطان على أجساد الرعية وليس على قلوبها. وتطاوُل الملِك على الرعية والجُند يجعله معرَّضًا للهلاك، ويُذكِّره بالموت وأخلاق السِّباع، والفخر بما لا يزول، ويُحذِّره من الإفراط في الشراب، فالسُّكْر على الملك حرام. ويُبين له أنه عند الغضب يُعرف الرجال، وأنَّ الشهوة في خدمة العقل في حالة إقبال الدولة، والعقل في خدمة الشهوة في حالة إدبارها، وكأنَّ الأخلاق تتغيَّر بتغيُّر لحظات قيام الدول وسقوطها؛ أي في وقت ازدهار المُجتمعات وانهيارها، الأحرار يخدُمون الدولة في حالة نهضتها، والسِّفلة في حالة انهيارها، ويبقى الملك طالما حُفظت العمارة أي العمران وقامتِ الشريعة أي النظام. ويتقرَّب الأخيار إلى الملك بالنصيحة. وكل مفاسد العمَّال والأمراء منسوب إلى الملك الذي يتحمَّل مسئولية كل شيء. تنتقل الوصايا من الأخلاق الاجتماعية إلى الأخلاق الفردية. فإصلاح النفس يأتي قبل إصلاح الغَير. وتنتهي الوصايا بحِكمة أنَّ الأيام تهتِكُ الأسرار.١٦ إذا كانت كلها نصائح حسَنة فلماذا تكفير الفلاسفة إذن؟ ولماذا يتمُّ تكفير أفلاطون وهو أشدُّ تديُّنًا من أرسطو؟ يبدو أن روح العصر أحد عوامل الانتحال. فالعصر مُهتمٌّ بالمُلك دون الفِكر، وبالدولة دون الحِكمة، وبالعمل دون النظر.
ومن الطبيعي أن يُحاور الإسكندر قُوَّادَه ويراسِل أصدقاءه، فقد قال له قُوادُه إنَّ الله قد بسط مُلكه وأظهر قدرته. فالإسكندر صورة في أذهان أصحابه، كما أنَّ المسيح صورة في أذهان الحواريين.١٧
ومن آداب الإسكندر قوله لأصحابه: «والله ما أَعدُّ هذا اليوم من أيام عمري في مملكتي.» وكأنه يُعبِّر عن قسَم إسلامي. ويُكثِر من استعمال اللهم، مثل: «اللهم إلا أن يكون العمل قد شمله.» ويدعو معهم إلى أن التمسُّك بطاعة الله أحسن من الوقوف على المعصية.١٨

وقد تم انتحال وصايا أُمِّ الإسكندر إلى ابنها وخوفها وجزعها عليه من أهوال الحرب على نمَط جزع أم موسى على طفلها موسى بعد أن ألقتْه في اليم: وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا، وجزع يعقوب على فقدان ابنه يوسف. وهناك رسالة الإسكندر إلى أُمِّه ورسالة أرسطو أيضًا إليها، تعبيرًا عن البر بالوالدين وحُسن معاملتهما.

وتبرز الألقاب في عملية الإبداع باعتبار أن الألقاب أوصاف مثالية للمُبدِع، مثل وصْف أُمِّ الإسكندر ابنها بالضعيف المُتألِّه بناءً على أنواع الحكماء عن السهروردي أستاذ الشهرزوري المتوغِّل أو المتوسط أو الضعيف في التألُّه والبحث معًا أو في أحدهما دون الآخر على درجاتٍ متفاوتة.١٩ وأُعطي الإسكندر لقَب ذي القرنين حتى يتم توحيده مع ذي القرنين المذكور في القرآن. وعندما يراسِل الإسكندر أُمَّه يكتُب: «من عبد الله الإسكندر.» فليس من المعقول أن نبيَّ الله ذا القرنين لا يكون اسمُه عبد الله. ويدعو في رسالته الله: «ربِّ أنِلني رضاك، فكلُّ ملكٍ باطل سواك.» ويُزينها ببيتِ الشعر الصوفي، ويدعو في النهاية للجميع بالتوفيق.٢٠
وتُشبِه قصة ولادة الإسكندر ولادة إسماعيل بعد عُقم أبيه، وولادة مريم بعد عُقم زكريا، وظهور حيَّة لأبيه في المنام تُخبره بأنه سيكون له ولد: «لقد وهَب الله لك غلامًا يُحيي ذكرك ويقوم به نسلك.» وقد مَنَّ الله تعالى على هذا العصر به. وقد ردَّ أرسطو على فيليبوس والد الإسكندر حامدًا الله الذي جعله أهلًا لما آتاه من العلم. وقد عرف الإسكندر ببعض الإنذارات أنه سيموت في رومية المدائن، ومات فيها كما يتنبَّأ الأنبياء. ولماذا لا يتنبَّأ وهو ذو القرنين. تدور الشائعات حول موته كما يحدُث في مولد ووفاة كل زعيم حول قتل خدَمِه له بالسُّم.٢١
وفتوحات الإسكندر وأقواله وتحدِّياته ومواعِظه لأعدائه وفي مُقدمتهم دارا ملك الفرس الذي فرض الجِزية على اليونانيِّين بعد هزيمتهم، أعطت الفرصة للإبداع الحضاري وتخيُّل رسائله المدوَّنة والشفاهية إلى الملوك. فكتب إلى دارا: «من الإسكندر بن الفيلسوف إلى دارا بن دارا.» فهو ابن الفيلسوف أرسطو، بنوَّةً مجازية وليست حرفية. ويُقرؤه السلام: «سلام الله»، ويحثُّه على طاعة الله والتوحيد، وترك عبادة الأوثان والشمس والنار.٢٢
ولا يكون الانتحال فقط عند اليونان والمسلمين جمعًا للحِكمة والشريعة، بل إنه انتحال يُمثِّل حِكمة الشعوب، لا فرق بين يونان وفرس، مسلمين ونصارى ويهود. فالعقل هو الجامع بين الكل. مثال ذلك «مواعظ الإسكندر».٢٣ وهي مواعظ في صيغة نوادر وحوارات طبقًا للأنواع الأدبية في الشرق القديم. تبدأ بحوار أرسطو والإسكندر، ثم يضم إليهما أفلاطون وسقراط من اليونان، وبزرجمهر وكسرى من فارس، وداود من الأنبياء. ويأتي رسول أرسطو إلى الإسكندر ويصِف حاله بعد سؤال الملك عنه. فهو جدٌّ في الاجتهاد، لا تغمِض عينُه ولا يهدد بلسانه. أنار قلوب الرعية بعد مُغادرة الإسكندر فاتحًا إلى بلاد فارس، وأزاد فيها الحكمة وأمات الجهالة. لباسُه الظاهر يدلُّ على الزهد في الدنيا، ولباسه الباطن الفكر الطويل والتعجُّب الدائم من غرور أهل الدنيا بها، ووثوق أهل التجربة بها. وأشد عجبًا صراعها والعائدون إليها والفرحون بغناها على عكس الحكيم الذي لا يفقد شيئًا لأنه لا يملك إلا ما لا يمكن فقدُه وهو الحِكمة. الرحمة لكل إنسان والإحسان إليه. بعد أن غادر الإسكندر البلاد انقلب الناس من علمٍ إلى جهل، ومن عزَّةٍ إلى ذُل. ضعُفت العقول، وضمرت النفوس. وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ. وقاوم العلماء هذه الحالة من الانهيار، ولكن الناس لا يرغبون فيما يُريد العلماء، والعُلماء لا يقبلون ما يريده الناس. فحزِن الإسكندر على حال الناس. وتنتهي الموعظة بنادرة ثانية. فبعد أن فتح الإسكندر مدينة، سكن أحد أولاد الملوك المقابر، وحاول أن يُميِّز بين عظام الملوك وعظام العبيد فوجدَها سواء. فأراد الإسكندر أن يُكافئه على حِكمته، فطلب الحكيم حياة لا موت بعدَها، وشبابًا لا هرم معه، وغنًى لا فقر فيه، وسرورًا لا مكروه فيه. فاعتذر الإسكندر وأطلق الحكيم ليبحث عن مُراده عند أحدٍ سواه اعترافًا بعجزه. وتنتهي المواعظ بأقوالٍ مُتفرقة لأفلاطون عن الحكمة، ولسقراط عن السيطرة على الشهوات، ولبزرجمهر عن الرذائل. ويظهر البعد الديني على استحياءٍ في قول أفلاطون بأنَّ الظالِم والضعيف لا يجِد نصيرًا له إلا الله، وتعويل بزرجمهر على القضاء والقدَر، ودعوة داود إلى الآخرة.

(٢) سر الأسرار

أمَّا «سر الأسرار»، تأليف يوحنَّا بن البطريق (٢٠٥–٢١٠ﻫ)، المنسوب إلى أرسطو، فإنه نموذج آخر من نماذج الانتحال المُوغِل في التصور الديني للعالم الإسلامي، حتى ولو تمَّت التحتُّمية بأرسطو اليوناني، أرسطو التاريخ. وللكتاب روايتان؛ مغربية ومشرقية. الأولى شائعة عند يهود إسبانيا، والثانية بها إضافات سحرية وعلمية وطبيعية. شرحه روجر بيكون بتوسُّع الغرب في التصرُّف في ترجمته حذفًا وإضافةً.٢٤ وتختلف مخطوطات الكتاب طبقًا لقوانين الرواية من حيث تطورها ابتداءً من نواة النص الأولى، وكلها تكشف عن الانتحال كإبداعٍ حضاري يُنسب إلى أرسطو ويوجَّه إلى أحد ملوك اليمن وبعضٌ إلى كسرى أنوشروان ووزيره بزرجمهر في السياسة. بل إن صاحبه المزعوم وهو أرسطو قد اختُلف في موتِه بين ميتة طبيعية وبين رفعِه إلى السماء في عمودٍ من نور. ولقد اهتمَّ أرسطو بالحلال كنِسبة والسياسات المرضية والعلوم الإلهية. ولهذا عدَّه العديد في عِداد الأنبياء. وفي كثيرٍ من تاريخ اليونانيين. ولقد أوحى الله إليه: «أن أُسمِّيك ملكًا أقرب منك إلى أن أُسمِّيك إنسانًا.» فقد يكون أرسطو نبيًّا بعثَه الله إلى يونان: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ، مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ. وله غرائب وعجائب يطُول ذِكرها.٢٥ أمَّا المؤلف الحقيقي يحيى بن البطريق فقد أرسله الخليفة المأمون في بعثةٍ إلى السريان لتعلُّم السريانية كما فعل محمد علي في مصر في القرن الماضي، ويوصف البطريق بأنه المُتطبِّب. وله كتُب مُعتبرة في فن المفردات وعلم الطب وغيرها، وكان مسيحيًّا.
ولمزيدٍ من التشويق والإخراج المسرحي تُبين المُقدِّمة كيف تم العثور على الكتاب بعد التنقيب وإعمال الحيلة في هيكل الشمس، وكيف تمَّت ترجمته من اليوناني إلى اللاتيني ثم إلى العربي لبيان مدى الجهد في الحصول عليه. لم يدَع هيكلًا من الهياكل التي أودع فيها الفلاسفة أسرارها إلَّا وذهب إليه، ولا عظيمًا من عظماء الرهبان الذين عرفوها وظنَّ أن مطلبه عندهم إلا قصده، حتى وصل إلى هيكل أسقليبيوس الذي بناه لنفسه، فظفر به بناسكٍ مُتعبد مُترهِّب ذي علمٍ بارع وفَهم ثاقب. فتلطف معه وأعمل الحيلة حتى أباح له الاطلاع على مصاحف الهيكل المُودعة فيه، فوجَدَ المطلوب، وكأنَّ الغاية تُبرر الوسيلة. وهو السر الذي عرفه الحكماء الثمانية الذين عرفوا العلوم الخفية التي عرفها أخنوخ بالوحي، وهو هرمس الأكبر الذي يُسمِّيه الروح أبهجمير وهو إدريس عليه السلام. وإليه تُنسَب كل حكمةٍ علوية. وهرمس المثلث العظمة وهو صاحب الحِكمة اللدُنِّية. ولمزيدٍ من إضفاء الجو السحري تُوضَع حروف أبجدية مُرتبة ترتيبًا عموديًّا توحي بسرِّ الأسرار. وأحيانًا تعطى بعض العبارات السحرية مثل ثمانية وتسعة، والتسعة تغلِب الثمانية، الثمانية والثمانية، والمطلوب يغلِب الطالب، باب تسعة، تسعة وتسعة الطالب يغلب المطلوب. وأحيانًا تُضاف حروف سُريانية مسيحية لإضفاء جوٍّ مسيحي عام على المخطوط. وقد ترجمه من اللسان اليوناني إلى اللسان العربي يحيى بن البطريق الترجمان رحمه الله تعالى. وأحيانًا يُذكَر من اللسان اليوناني إلى اللسان الرومي ثم من اللسان الرومي إلى اللسان العربي، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ويبدأ الانتحال باليونان كتاريخ، والقصد الإسلام كحضارة. اليونان وسيلة والحضارة الإسلامية غاية.٢٦ وأحيانًا يُختصَر الكتاب كمقدِّمة لإضافة كتُبٍ أخرى من نفس النوع. فالمهم تيار العجائب الذي تُمثله النصوص وليس نصًّا بعَينه، مثل إضافة عجائب المخلوقات للقزويني، ونصوص أخرى مُشابهة من الطبيعيات والتصوُّف والأدب والفلك. وأحيانًا يُضاف الشعر في البداية وفي النهاية في حضارةٍ ثقافتها الشِّعر قبل الوحي وبعدَه. ويَضمُّ مخطوط آخر رسائلَ لاهوتية ومسيحية. وليس الحذف والإضافة قاصرَين على الترجمة العربية، بل في الترجمة اللاتينية أيضًا.

وتظهر ثقافات الشعوب السياسية. فعند الروم، لا عَيب على الملك إذا كان لئيمًا على نفسه سخيًّا على رعِيَّته. وفي الهند، اللؤم على النفس وعلى الرعية صواب. وعند الفرس، الملك السخيُّ على نفسه وعلى رعيته مُصيب. ويُجمِع الكل على أن السخاء مع النفس مع اللؤم على الرعية فساد. وتظهر صِلة الدين بالسياسة. فالملِك الذي يجعل الدين خادمًا للمُلك فإنه لا يستحقُّ المُلك، والملِك الذي يجعل المُلك خادمًا للدين فهو يستحقُّ المُلك. «ومن استخفَّ بالناموس قتله الناموس.» وأول واجبٍ على الملك رعاية حدود الله، واتفاق قوله وعمله، والزُّهد في الدنيا. ومثله يكون القضاة والصالحون والعاملون والفقهاء والمُتديِّنون والأئمة. ولا تكون طاعة السلطان إلا بأربعة: الدِّيانة والمحبَّة والرغبة والرهبة. والسلطان مثل الغَيث يُسقي به الله الأرض، فيجِب له الشكر على النبات وعلى الشتاء والصيف.

وتُضاف الزيادات الدينية كلما استمرَّ الانتحال وزاد مؤلِّفٌ أو ناسخ أو قارئ أو مالك. فمن الذي لا يودُّ أن يكون له شرَف الزيادة في العمل الجماعي؟ ويساهم في ذلك الحكماء الصوفية والأولياء ما دام الكتاب يتعلق بسِرٍّ من الأسرار. وتُضاف الصلوات وأدعية الشفاء وعلاج الأمراض وأيام السُّعود والنحوس وأشعار يُنسَب بعضها إلى الشافعي وأسماء عقاقير وفائدة تحسين الصوت لقراءة القرآن علاجًا للنفوس والأبدان. وأحيانًا يسبِق الكتاب فوائد طبية تنفع المكسَّح مما يدل على أنه تحوَّل إلى بركة كالبخاري. وتُضاف نقراتٌ من كتاب «الإرشاد»، وفيه دواء نافع إن شاء الله تعالى لعلاج النسيان وقلَّة الحفظ ووكة الأشياء والحمق والرُّعونة ومُداراة العِشق. ويظهر القصاص منسوبًا إلى هرمس. فإذا قتل المخلوق مخلوقًا مثله بغير حق ضجَّت الملائكة إلى بارئها. فإذا قُتل المظلوم لا تزال الملائكة تدعو على الظالم حتى يؤخَذ بدَمِه إلا أن يتوب. يعتمد على ما يُشبه قصص الأنبياء، ممالك أيناخ وسعور وهنانخ الذين هلكوا بنكثهم أيمانهم مثل عاد وثمود.٢٧

وتُبيِّن بداية المخطوطات ونهاياتها القصد من الانتحال وكيفية إخراجه وتكوينه. فالانتحال مُستمر زيادةً ونقصانًا. وكلها تدلُّ على أنَّ الانتحال إبداع حضاري. فمن سبعة عشر مخطوطًا يمكن تلمُّس العناصر الآتية ودون حاجةٍ إلى عرض مخطوط مخطوط. اسم الكتاب «كتاب السياسة في تدبير الرياسة المعروف بسر الأسرار»، فله اسمان؛ اسم ظاهري واسم باطني. ومؤلِّفه أرسطاطاليس تلميذ الفاضل أفلاطون دون تفضيلٍ لأحدهما على الآخر لتلميذه الملك المُعظَّم الإسكندر بن فيلبس المعروف بذي القرنَين. فأرسطو هو مُعلم الإسكندر؛ ومن ثمَّ فالكتاب وصية من الشيخ إلى المريد. ويظهر التوجُّه الإسلامي في استعمال اللقب القرآني «ذي القرنين». وقد صنعه الأستاذ للتلميذ حين كبُرت سِنُّه وضعُفت قوته عن الغزو معه والتصرُّف له. وكان الإسكندر قد استوزره وارتضاه واستخلصه واصطفاه. وتُذكَر عبارات مباشرة لأرسطو مثل: «يا إسكندر، كتابي هذا كافٍ فيما سألتَه، وهو يقوم لك مقامي إذا تصفَّحته وفهِمْتَه، فاجعله تجاه فكرك … وتعلو على جميع ملوك الدنيا والله صنيعتي عليك وهو حسبنا ونعم الوكيل.» وفي آخره: «أكملتُ لك يا إسكندر ما رغبتَ حسبما شرحتُ ووفيتُ لك بكل ما حُقَّ لك الوفاء فكن به سعيدًا، موفقًا إن شاء الله تعالى.» وبلغ الإسكندر حُسن رأيه واتِّباع أمره بعد أن ظهر على مُدن الأرض حتى دانَتْ له الأمم عربًا وعجمًا وكتَب له أرسطو عدة رسائل. هذا بالإضافة إلى بعض التطهُّر مثل: «يا إسكندر لا تَمِل إلى النكاح فإنه من خواصِّ الخنازير!» يا إسكندر احفظ هذه النفس الشريفة العُلوية. وينافس المسيحيون، وهم أهل السِّرِّ ومبدعو الأسرار، المؤلِّف المزعوم، ويجعلون مؤلِّف الكتاب الأب المُعظم مار إيليا مطران نصيبين، نشرَه قسطنطين باشا في القاهرة!

وتجتمع العلوم كلها؛ الطب والجغرافيا والسياسة والأخلاق، في النفس في فلسفةٍ إشراقية واحدة تظهر فيها قُدرة الله على الشفاء من الأمراض عن طريق الأعشاب الطبيعية والفصْد والحجامة. وهناك ارتباط بين الطب والفلك؛ بين الطب الجِسمي والطب الرُّوحاني، الدواء للبدن والموسيقى للنفس. ويتجلَّى ذلك في علم الفراسة، التقابُل بين الصفات الجسمية والصفات النفسية. ويصبُّ ذلك كله في علم الأخلاق والتربية والسياسة للملوك والعوام على التقشُّف وعدَم الإفراط في الجماع أو نكاح المُسنَّات، وأهمية العسَل للشفاء. وهي نصائح أقرَبُ إلى الملوك منها إلى العوام. الفلسفة هي مَلْك الشهوات والسيطرة عليها.

ويتجلَّى الانتحال في الحالة الثالثة في صورة العدل. فالعدل صِفة كريمة من صفات الباري جلَّ اسمُه تعالى ذِكره. العدل صفة إلهية، قامت عليه السماوات والأرض، وبه بُعِث الأنبياء المُطهَّرون. وهو صورة العقل الذي وصفَه الله في أعزِّ الخلق إليه. وهو قِسمان؛ باطن وظاهر. الباطن اعتقاد الحكيم في الصانع وإتقان مصنوعاته. لذلك يتشبَّه الملك بحكمة الباري وانتقاله فيما يَليه من الخاصَّة والعامة مثل عدل الله وحِكمته في النفس. والعدل الظاهر هو ترجمة للعدْل الباطن في الدولة بهذا الشكل الثُّماني.٢٨

ويمكن أيضًا أن يُرسَم على النحو الآتي:

ويمكن أيضًا أن يُترجَم بالمُستطيل الآتي:

وهي عبارات ثمانية وليسَتْ سبعة من الصَّعب معرفة البداية. كل نهاية مقطعٍ بداية المقطع التالي على النحو التالي:
  • (١)

    العالم بستان سياجُه الدولة.

  • (٢)

    الدولة سلطان تحجُبه السنَّة.

  • (٣)

    السُّنة سياسة يسوسُها الملك.

  • (٤)

    الملك راع يعضده الجيش.

  • (٥)

    الجيش أعوان يكفلهم المال.

  • (٦)

    المال رزق تجمعه الرعية.

  • (٧)

    الرعية عبيد يتعبَّدهم العدل.

  • (٨)

    العدل مألوف وهو صلاح العالم.

وقد أصبح كالأحجِبة للتبرُّك وليس نصائح للاعتبار. نقل عن الإمام علي مثلها: لا ملك إلا الرجال، ولا رجال إلا بالمال، ولا مال إلا من رعية، ولا رعية إلا بالعدل، لا عدْل إلا بالسياسة الشرعية، وبهذا يدوم المُلك.٢٩
ويُصبح النصُّ المنتقِل حاملًا حضاريًّا لكل الهموم المُمكنة للمُنتحِلين طبقًا لمِلَلهم. فإذا كان مسيحيًّا تُذكَر أيام الراعي، ومقارنة الأشهُر العربية بالأشهر الرومية والشهور القبطية بالإضافة إلى فصلٍ فيه حكايات حِكَمية في السياسة الملوكية ما دام الكتاب في السياسة، بالإضافة إلى بعض العلوم الفلكية، مثل علامات القوس المشهور بقوس قزَح. فالفلَك ميدان خصب لخيال المُبدِع والذي يجمَع بين العِلم والفلسفة والدين. به بعض الدَّهاء وحُسن التقدير والحِكَم الدنيوية ومعرفة بالطبيعة الإنسانية.٣٠ يعرض لاحترام الناموس، من استخفَّ بالناموس قتَلَه الناموس. والعدل صِفة كريمة من صفات الباري جلَّ اسمُه. به قامت السموات والأرض. وهو صورة العقل الذي وضعَه الله عز وجل في أحبِّ خلقه إليه. السياسة أخلاق يضمنها الله.
والدعوة إلى السلطان هَمٌّ غالب على الجميع، فلا عِلم إلَّا بتشجيع سُلطان وتأييدٍ منه، نثرًا وشعرًا. ويتوجَّه نفس المدح شعرًا لناسِخ الكتاب. فبِنية المدح واحدة، لله والسلطان والناسخ، من إحساسٍ بالخطورة على الدولة والدعوة لها بطول العمر والبقاء.٣١
وتختلف الملل في تصوُّر العدل. ويصور النص ذلك في حكاية المجوسي واليهودي؛ الأوَّل راكب والثاني راجل، يعتقد اليهودي أنَّ في السماء إلهًا مُستحق العبادة ويطلب منه الخير له ولمِثله. ومن يُخالفه في دِينه ومِلته حلال دمُه وماله وعرضه وأهله وولده، وحرام نُصرته ومذهبه ونصيحته ومُعاونته والرحمة له والشفقة عليه.٣٢ ويريد المجوسي الخير لنفسه ولأبناء جِنسه ولا يريد شرًّا لأحدٍ من خلق الله سواء كان على دِينه أو على دينٍ آخر، ويرفق بالحيوان، وينأى عن الجُور على الإنسان والحيوان بالآلام، ويودُّ الخير للجميع. ثم يخُون اليهوديُّ المجوسيَّ عمليًّا بطلَبِ ركوب راحلة المجوسي تطبيقًا لحُبِّه للناس. ولمَّا طالبه المجوسي بإعادتها رفض اليهودي تطبيقًا لدِينِه حتى هلكَ المجوسي ونجا اليهودي! مما يدلُّ على تفضيل المجوسية على اليهودية. وانتقم الله من اليهودي وكافأ المجوسي بالمُلك مُحققًا لقانون العدل الشامل. ففي السماء إله عادل لا تخفى عليه خافية من أمر خلقه، وقد بدأتِ البشرية بقتْل قابيل أخيه هابيل مما يدلُّ على الغدر بالأصحاب، وكأنَّ الشر مغروز في طبائع البشر. فهل كان أرسطو على اطلاع بالحضارة الفارسية؟

وتبدو خصائص الشعوب، فارس والهند والروم واليونان. ففي كتاب الهند: «ليس بين أن يملك الملِك رعيَّتَه أو تملِكُه إلا حزْم أو توانٍ.» أي الأولوية للمَلِك على الرعية. وأيضًا: «لتكن الدِّية في النفوس أمضى من السلاح في النهج.» مما يدل على أهمية القوة المعنوية على القوة العضلية، وأنَّ عدل السلطان أنفع للرعية من خصيب الزمان. وسلطان عادل خير من وطيء وابل. وقد حاولت أمٌّ هندية تَسميم الإسكندر لمُعاداته المرأة، والأفاعي الهندية تقتُل بالنظر. وقد نُسِبت السيوف القاطعة إلى الهند. أمَّا الروم والسريان فعندهم أنَّ المُلك والعدل لا غِنى لأحدهما عن الآخر. ولأسقليبيوس اليوناني فصلٍ في السلطان. فخير السلاطين من أشبَهَ النسر؛ حوله الجيفة لا من أشبَهَ الجيفة حولها النسور. وكانت الفُرس تُدبِّر أمرها بالنَّغَم والأشعار.

وفي مقارنة عامة لخصائص الشعوب، تختلف فيما بينها في الدولة لنفس المرَض. فمذكور في الكتُب القديمة أنَّ ملكًا جمع أطباء الهنود والروم والفُرس. فاختار الرومي جرعةَ ماء حار عند كلِّ غذاء، واختار الفارسي حبَّ الرشاد، واختار الهندي الإهليلج. الهنود أصحاب خدائع وتهاويل ولا بأس لهم، والروم أصحاب أذهاب ورهَج ولا ثبات لهم، والصقالبة أصحاب عزائم ولا قوَّة لهم، والديلم أصحاب صدمات وفيهم ضجَر ولا بأس لهم، والترك أصحاب بأسٍ عظيم وجهلٍ كثير ولكن لهم في الحروب هَيبة ومَوقع، فالكثرة منهم في الجند أفضل.

ويجمع النصُّ بين نظرية في الخلق أو الفيض ونظرية في السياسة. تتضمَّن أسرارًا إلهية لمعرفة حقيقة العقل وكيف وضعَه الله في العباد. وهو أول شيءٍ اخترعه الباري جلَّ جلاله، جوهر بسيط، روحاني في غاية التمام والكمال والفضل. فيه صُوَر جميع الأشياء. ومن هذا الجوهر خرجَتِ النفس الكلية. وتظلُّ في الرحِم مدَّة قدَّرها الله بتسعة أشهر، وهي النفس الجسمانية أو الحيوانية. فخلق الإنسان بإذن الله تعالى. ولم يخلق الله أشرَفَ من بني آدم، ولا جمع في حيوانٍ ما جمع فيه صفات الإنسان. والقمر أعظم دليلٍ في الأسفار. وهناك تقابُل بين البدن والدولة، فالحواسُّ الخمس في الدولة. ولكل حواس خصال مثل خصال الوزير. ولا يَستوزِر الملك غير الإلهيِّين المُعتقدين بالربوبية. ولا يثِق إلا بالإلهيِّين الذين يَدينون بالناموس ويُنفذون الشريعة. أمَّا الملك فإنه يقتدي بالله في جميع الأمور، ويستخير الله فيما يُقرِّر. ولا مُلك إلا لمن لا يَغنى، ولا سلطان إلا لمن انفرد بالحكمة العظمى.

ويبدو الغطاء الدِّيني في عبارات البسملات والحمدلات والصلوات في البداية والنهاية والترحُّم على ذي القرنين ومن الله ذي الجلال على كلِّ الأحوال، والصلاة والاستغفار والتوبة والإنابة والصوم والصلاة والقرابين. ولا تزال الملائكة تدعو عليه عند كلِّ تسبيحٍ واستغفار. وتُذكَر كثير من العبارات الدينية والدعوات مثل: إن شاء الله، وفَّقكم الله. فالله هو العالم الذي ينقل الأسرار ويعصِم الناس برحمته ويرتضي من يشاء. يلجأ الناس إليه ويستغيثون به فيكفيهم الله. بل ويتحدَّث عن الصحف الإلهية. وكل شيءٍ يتم في هذا العلم في الفلَك وفي جسم الإنسان بإذن الله، والرياح بين السماء والأرض بمشيئة الله. لم يخلق الله شيئًا في الأرض عبثًا. وإذا علِم الناس بالحوادث قبل وقوعها فذلك من الله بالدعاء والتفرُّغ له والاستغفار والتوبة والإنابة والصوم وسؤال الله عز وجل. الله هو الذي وضع المزاج في العناصر الأربعة، وأعلمها للأنبياء المُصطفين ثم استنبطها الناس بالتجربة في حكمة الهنود والفرس والروم ويونان، وأعلم الناس بها اليونانيون. والله هو الذي يُرقِّق الأخلاق. ولأرسطو مُنتحَل آخر في الأغذية والأدوية للخواص والعوام.٣٣
وينتهي الكتاب كما ابتدأ بعون الملك الوهَّاب والحمد له وحدَه والصلاة على من لا شيء بعدَه وآله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين. ويظهر القرآن السحر مثل: «هذا وفق سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ» لإبطال السِّحر من قراءة سورة الصمد والمعوذتين كل منها سبع مرَّاتٍ دون سؤال عن كيفية اتِّفاق ذلك مع أرسطو المنطقي الطبيعي، العقلي التجريبي، وتُضاف قوائم بأسماء الأفلاك والسَّحَرة والبخور.٣٤
بل إنَّ الناسخ أيضًا يُضيف البسملات والحملات والصلوات من عنده، ذاكرًا مذهبه الفقهي ونسَبَه طالبًا المغفرة له من الله ولمشايخه ولجميع المسلمين والمُسلمات مع ذكر تاريخ النسْخ ثُمَّ التوكُّل على الله. وبقدر ما يتم تعظيم السلطان، يتم تحقير الناسِخ «أفقر عباد الله وأحوجهم إلى لُطف ربه الخفي. هو العبد الفقير الذليل المعروف بالعجْز والتقصير راجي عفو ربه القدير مع ما ليس المغفرة له ولوالديه وللمُسلمين آمين.» وقد يُضاف الموطن والمذهب الفقهي والطريقة الصوفية. كما يُضيف المالك من عنده أحواله واسمه ولقبَه وإيمانه طالب رضا الله ومغفرته. ويُحقِّر نفسه كالناسخ «الحقير شنودة»، ومكانه في مصر المحروسة، طالب العفو عن سيئاته مُستشفعًا بالسِّتِّ مريم العذراء البتول وكافة الشهداء والقديسين، آمين آمين.٣٥
وكتاب «الطلسمات» لأرسطاطاليس الفيلسوف وهو الموسوم بكتاب الأسرار، ترجمة إسحاق بن حُنين، كتاب منحول، صغير الحجم (لا يتجاوز صفحتَين)، والدليل عليه الموضوع نفسه الذي يكشف عن بيئة الانتحال وليس بيئة أرسطو، بالإضافة إلى الحديث عن الله عزَّ وجل ونهايته الإيمانية، «والله جلَّ وعزَّ واهبُ منحتِه ووليُّ حكمتِه، لا إله إلا هو الكبير المُتعال.»٣٦
١  كتاب النبات المنسوب لأرسطو وتفسير نيقولاس، ترجمة إسحاق بن حنين وإصلاح ثابت بن قرَّة. وكذلك في الآراء الطبيعية التي ترخص بها الفلاسفة المنسوب إلى خلوِّ طرفَي ترجمة قسطا بن لوقا.
٢  يرى الشُّرَّاح والمؤرخون والأقدمون وجمهرة المُحدثين صحَّة نسبة كتاب المقولات لأرسطو، بينما يُنكره النُقَّاد نظرًا لاختلاف الكتاب من حيث المذهب والأسلوب عن مذهب أرسطو. أمَّا لواحق المقولات فإنها في الغالب ليست من عمل أرسطو، بل من عمل أحد تلاميذه الأولين، ثادفؤسطس وأوديموس تعبيرًا عن مذهب أرسطو (منطق، ج١، ص١١).
٣  هذه المقالات المنسوبة إلى الإسكندر الآخَر وديس … (أرسطو عند العرب، ص٢٩٤).
٤  مُختصر كتاب التفَّاحة لسقراط.
٥  هذه قضية كتاب النبات المنسوب إلى أرسطو، النبات، تصدير، ص٤٧–٥٣.
٦  وهو النص الآتي: «العالم بستان سياجُه الدولة، والدولة سلطان تَحجُبه السُّنة، والسُّنة سياسة يسُوسها الملك، والملك راع يُعضِّدُه الجيش، والجيش أعوان يكفلُه المال، والمال رِزق يجمعُه الرعية، والرعية عبيد يستملِكُهم العدل، والعدل أُلفةٌ به صلاح العالم» (ابن أبي أصيبعة، ص١٠٤؛ المُبشر بن فاتك، ص١٢٢).
٧  السهروردي، ص٣٠١.
٨  طاش كبري زاده، ص٤٠٨-٤٠٩؛ المبشر بن فاتك، ص٢٠٨.
٩  لويس شيخو: مقالات فلسفية، ص٥٠–٥٢. وابن زرعة (٣٣١–٣٩٧ﻫ) من حكماء بغداد المتقدمين في علوم الحكمة والمُترجمين عن اليونانية والسريانية، وكان ملازمًا ليحيى بن عدي. ويقول ابن زرعة أنه ترجمها على علَّاتها كمترجِم وربما أعاد إنتاجها هو أو غيره كفيلسوف.
١٠  طاش كبري زاده، ج١، ص٣٧٤.
١١  المبشر بن فاتك، ص٤٤.
١٢  مثال ذلك وصايا الإسكندر لأُمِّه ووصايا أرسطو إلى الإسكندر.
١٣  السجستاني، ص١٤٢–١٥٠.
١٤  لويس شيخو: مقالات فلسفية، ص٣٦–٤٠. ذكر هوميروس (٣)، الإسكندر (٤).
١٥  السابق، ص٤٠–٤٩.
١٦  قال أستاذ الإسكندر: اعلم أنَّ سلطانك على أجساد الرعية ولا سلطان لك على القلوب … يا إسكندر، أي ملك يتطاول على عسكره ورعيته فلا يأمن الهلاك في أيديهم … يا إسكندر، اذكُر اليوم الذي يتهيَّب بك داعي الموت، وأعدَّ زادًا في أيامك، فإنك لا تدري متى الرحيل. يا إسكندر … أصل المذمومات يا إسكندر البُخل، يُنتج حبَّ الدنيا فإنه من أخلاق السباع. يا إسكندر كم عساك تعيش فتيقَّظ. يا إسكندر … أنت مَوضع مَدْحي … قصُر لساني في ذكر مدحك يا إسكندر … يا إسكندر لا فخر فيما يزول … يا إسكندر من أسرف في الشراب فهو من السِّفلة … يا إسكندر عند الغضب تُعرَف الرجال. يا إسكندر اعلم أنَّ الدولة إذا أقبلت إلى الملك فتخدُم شهوتُه عقله، وإذا أدبرت الدولة فيخدُم عقل الملك شهوتَه. يا إسكندر من علامات الدولة اقتناء المناقب واصطناع الأحرار، وإذا أدبرَتْ فاصطناع السِّفلة. يا إسكندر من لم يُصلح نفسه كيف يُصلح غيره؟ يا إسكندر السُّكْر على الملك حرام … يا إسكندر إنَّ الظالم يبقى ما حفظ العمارة وحدود الشريعة … يا إسكندر الأخيار يتقرَّبون إلى الملك بالمُناصحة والدعاء إلى الخير. يا إسكندر اعلم أن عيب عُمالك وأمرائك منسوب إليك … يا إسكندر اعلم أن الأيام تهتك الأسرار (الخوارزمي المُتأخِّر، ص٢٦٥-٢٦٦).
١٧  السجستاني، ص١٥٩.
١٨  السابق، ص١٦١-١٦٢.
١٩  الشهرزوري، ص٣٧٧–٤٣١. انظر دراستنا: «حكمة الإشراق والفينومينولوجيا»، دراسات إسلامية، الأنجلو المصرية، القاهرة ١٩٨٢م. «من روفيا أُمِّ الإسكندر إلى ابنها الضعيف المُتألِّه الذي بقوَّة الباري قوي، وبقُدرته قهَر، وبعزِّه استعلى وقدر» (المُبشر بن فاتك، ص٢٣٣، ٣٠٢؛ السجستاني، ص١٦٢-١٦٣).
٢٠  السجستاني، ص١٦٦.
٢١  السابق، ص١٢٥، ١٦٦-١٦٧.
٢٢  الخوارزمي المتأخر، ص٣٠١؛ الإسكندر: ص٢٦٥، ٢٦٦، ٢٩٠.
٢٣  «مواعظ الإسكندر»، مُلحق بكتاب ما بعد الطبيعة، طبعة حيدر آباد الدكن، الجامعة العثمانية، حيدر أباد، ١٩٤، ص١٧٢–١٧٧. الإسكندر (٦)، أفلاطون، بزرجمهر (٢)، أرسطو، سقراط، كسرى، داود (١).
٢٤  سر الأسرار: بدوي، ص٣٢–٧٥. وليحيى البطريق مؤلفات أخرى مثل الآثار العلوية، السماء العالم، كتاب الحيوان، جوامع النفس لأرسطو، رسالة أبقراط، كتاب الأربعة. ويضع بدوي عنوان الكتاب «والأصول اليونانية للنظرات السياسية في الإسلام» باللاتينية على الغلاف الأيسَر.
٢٥  السابق، ص٥٢–٧٥.
٢٦  الحكماء الثمانية هم: أسقليبيوس، هرمس الأوسط، برس بالي، داوسطيوس، باشورش، أيليق، زيوريس، فاطروس.
٢٧  مُمثل استغاثة سيدي عبد الرحمن البرعي: يا رب يا خالق البرايا.
٢٨  سِرُّ الأسرار: عبد الرحمن بدوي، ص١٢٥–١٢٨.
٢٩  المقالة العاشرة، في علوم خاصَّة من عِلم الظلمات وأسرار النجوم، ص١٥٦–١٧١.
٣٠  سِرُّ الأسرار: بدوي، مقدمة ٢٥، ٧٢–٧٥.
٣١  تمَّ برَسْم الخزانة الشريفة العالمية المنيفة الميمونة السعيدة المانحة المُفيدة، الهادية الرشيدة، العادلة الحميدة، الظافرة اليمانية، المنصورية النظارية لسيدِنا ومولانا المخدوم العادل، والملك الفاضل، أمير المؤمنين، وأحد الخلفاء الهادين، المدعو له في كل مشهدٍ ومقام، شجاع الدين عمر بن سيدِنا ومولانا الكبير الشهير، وحيد الدين عبد الرحمن بن محمود بن محمد بن معان النظاري، أدام الله تعالى عزَّه، وأهلك ضدَّه، محمد وآله ومن مشى على مِنواله، آمين آمين، لا أرضى بواحدة حتى أضيف إليها ألفَ آمينا. أمَّا بعد أصلح الله أمير المؤمنين، وأيدَّه على حماية الدين، وأبقاه لرعاية أحوال المسلمين فإنَّ عبْدَه امتثل أمرَه والتزَمَ ما حدَّه عن البحث على كتاب السياسة، الحمد لله الذي عقد في أعلام الملك رعاية الرعية ودوَّن بأحكامه مصالح الطاقة من إصلاح البريَّة. ثم الدعوة إلى السلطان. برسْم الخزانة الكريمة المَولوية الأميرة الأجلية العالمية المجاهدية الشهابية عمَّرها الله بدائم العزِّ والبقاء. وقد اكتملتُ لك جميع ما رغبتَ على حسب ما شرطتَ، وقمتُ لك بحقِّ الخدمة، وذلك بعض ما يجِب لك عليَّ فأكون به مؤيدًا موفَّقًا سعيدًا إن شاء الله. نصرت إلى الحضرة المنصورة ظافرًا بالمطلوب والمراد وشرعتُ بعون الله وتأييده وسعد أمير المؤمنين وجَدِّه في ترجمته.
٣٢  وهو التفسير الصهيوني لليهودية.
٣٣  أرشدك الله إلى سبيل الهُدى، وعصمَك عن الزيغ والهوى، ووفَّقك لحيازة الآخرة والأرض، إن شاء الله تعالى (ص٧٠).
٣٤  هو Peri Diaitetes.
٣٥  تمَّ الكتاب بعَون الملك الوهاب على يدِ العبد الفاني إسماعيل الحسَّاني بلَّغَه الله نَيل الأماني، الحلبي مولدًا والإسلامبولي موطنًا، القادري طريقةً الخفي مذهبًا، غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين، آمين يا رب العالمين.
٣٦  شروح على أرسطو مفقودة في اليونانية ورسائل أخرى حقَّقها وقدَّم لها د. عبد الرحمن بدوي، دار المشرق، بيروت ١٩٨٦م، حتى ١٩١-١٩٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١