ثامنًا: الأقوال

  • (١)
    هو النوع الأدبي الأخير للتأليف، فالنصُّ هو وحدة التحليل. وكان من أوائل الأنواع ظهورًا تاريخيًّا في «نوادر الفلاسفة والحكماء أو آداب الفلاسفة لحنين بن إسحاق» (٢٦٠ﻫ).١ وقد تتحوَّل الأقوال إلى أمثالٍ شعبية عامَّة متطابقة عند كلِّ شعبٍ تُعبِّر عن حكمة البشر الخالدة.٢ هي حِكَم وأمثال ونوادر يسهل حفظها ونقلها وروايتها والإبداع على منوالها. ولا يُهمُّ نسبة القول إلى صاحبه. فالقول مُستقل عن القائل، والنص على المؤلف ولا ضَير من الخلْط بين ديوجنس المُتجرِّد وديوجنس الكلبي.٣ ولا ضير من نِسبة القول الجميل إلى أكثر من حكيم.
    والنص ليس أصليًّا بل هو مجرَّد مختصر. ويتم تقطيع النص بعبارة «قال أبو زيد حنين بن إسحاق.» سواء كان ذلك من المُترجم أو من الناسخ. وأحيانًا «قال حنين بن إسحاق.» فقط دوَّن الكُنية. والدوافع على التأليف هي معرفة آداب القدماء والاستئناس بها للمساعدة على الوصول إلى الملكوت الأكبر الروحاني. فالوافد وسيلة، والموروث غاية. ويتمُّ ذلك في إخراجٍ مسرحي. إذ وجد حنين مُصحفًا مكتوبًا بالذهب والفضة وفي أوله صورة الفيلسوف على كُرسيِّه والتلاميذ بين يدَيه، صورة خيالية للشيخ والمُريد، كونفوشيوس وتلاميذه، بوذا وأتباعه، الشيخ والحواريون، محمد والصحابة، وهي طريقة تعلُّم أهل الشرق. والأسلوب أدبي يصِل إلى حدِّ الافتِعال في استعمال السَّجْع. وهناك إحساس بالتغايُر بين المؤرِّخ وموضوعه. فيتحدَّث عن اليونان باعتبارهم الآخَر.٤
    وينقسم الكِتاب إلى عدَّة أنواع أدبية مُتداخلة على النحو الآتي:
    • (١)

      فِرَق الفلاسفة وهو مجرَّد تاريخ عن الفلسفة ونشأتها وفِرَقها كما فعل الفارابي في «فيما ينبغي أن يحصل قبل تعلم الفلسفة».

    • (٢)

      ذِكر الفلاسفة أي تعريفهم.

    • (٣)

      نقوش نصوص خواتيم الفلاسفة، وهو ما نُقش على خاتم كلِّ فيلسوف وكأنه خاتم سليمان من حكمةٍ باقية.

    • (٤)

      اجتماعات الفلاسفة في بيوت الحِكمة في الأعياد وتفاوُض الحكمة بينهم وهو إخراج مسرحي لعقد حوارٍ بين الفلاسفة، ثم تصدر حكمة أرسطو خاطبًا أمام الأشهاد، حوار الحكمة الخالدة، الوحدة والتعدُّد، الحقيقة ورؤاها المُتعدِّدة. ومرة يجتمع أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة أو عشرة أو ثلاثة عشر.

    • (٥)

      آداب الفلاسفة المذكورين بالحكمة، وهو الجزء الأكبر من الكتاب والذي تسير عليه كتُب الأقوال التالية. وهم خمسة عشر فيلسوفًا بالإضافة إلى الإسكندر وأُمِّه وحكماء الأمم الذين حملوا تابوت الإسكندر وما قالوا في تعزيتِه.

    • (٦)

      سؤالات الفلاسفة وأجوِبتهم، وهم أقرَب إلى صغار الفلاسفة بأسلوب السؤال والجواب كما هو الحال في المسائل الفقهية.

    • (٧)

      مكاتبات الحُكماء وأجوبتهم، وهو نفس النوع الأدبي السابق، ولكن كتابةً وليس شفاهًا.

    • (٨)
      آداب فلاسفة الجنِّ وما نطقوا به أمام سليمان؛ فالحِكمة ليست فقط على لسان الإنس، بل أيضًا على لسان الجن، كما أنها على لسان الفلاسفة والحكماء على حدٍّ سواء. وهي أيضًا على لسان الآلهة والبشر.٥ وكان حنين على وعيٍ بهذه الأنواع الأدبية التي يؤلِّف فيها، الأخبار والنوادر والآداب السياسية، والسؤال والجواب، وخطاب الحكمة النافعة.٦ وهناك أنواع أدبية فرعية داخل آداب الفلاسفة المذكورين بالحِكَم، تتراوَح بين الآداب وهو الأكثر على الإطلاق، ثم الكتَّاب أو المُكاتبات، والرسائل جمعًا أو مفردًا ثم التسبيح والخبَر والكلام والسؤالات والجواب والكلام والذكر وبعض الأفعال مثل الوفاة والحضور فيما يتعلق بالإسكندر.٧
    وتُبين اجتماعات الفلاسفة الثمانية حوار الحضارات. ففي أحد الاجتماعات حضر أربعة من الفلاسفة، يوناني وهندي ورومي وفارسي؛ اثنان من الغرب واثنان من الشرق في مجلس لوقانيوس الملك للإجابة على ماهية البلاغة. وبطبيعة الحال فضَّل الملوك قول اليوناني، البلاغة تصحيح الأقسام واقتباس الكلام. وعند الملك أنوشروان اجتمع أربعة من الحُكماء وقال كلُّ حكيمٍ كلمته دون تفضيل الملك إحداهما على الأخرى. فالشرق يقبل الجميع في وحدة واحدة شاملة على عكس الملك اليوناني الذي اختار الحكمة اليونانية. ويَعتبِر ذيوجانس نفسَه أغنى من ملك الفرس وأرضى بالًا منه لأنَّ له قليل يُقنِعه وللملك الكثير ولا يُقنعه. ولا يهتمُّ ذيوجانس بأحد، والملك يهتمُّ بالكل، فالفُرس بالنسبة لليونان هم الآخَر المُغايِر، العدو وليس الصديق، يُضرَب بهم المَثل حين التقابُل.٨ ومعظم الحكماء من اليونان المُغاير لثقافة حنين اليونانية وأقلُّهم من خارج اليونان مثل سليمان ولقمان، والصابئة واليهود والنصارى.٩
    وتدخل المُنتَحلات في تدوين التاريخ، سواء في الإخراج أو في التدوين. فقد اجتمعت الفلاسفة في بيوت الحكمة في الأعياد وتفاوضوا بينهم في الحكمة. وفي هذا الإطار تخرُج حكمة أرسطو. وتُنقَش الحكمة على نصوص خواتيم الفلاسفة لِما في ذلك من إغراءٍ وخيال شعبي مثل خاتم سليمان. وتكثُر المُنتَحلات على أرسطو، سواء في آدابه أو تسابيحه أو نصائحه للإسكندر أو جوابه لوالدة الإسكندر لتعزيتِها ودورها عليه. ومن المُنتَحلات أيضًا خبر الإسكندر عند موته، وكتابه إلى أُمِّه لعدَم الجزَع عليه وتعزيتها في نفسه وردِّها ووفاته وحمل تابوته من بابل إلى الإسكندرية، ووصية فيثاغورس الذهبية وآداب هرمس.١٠
    وتبدو التوجُّهات الإسلامية في المنتحَلات مثل تسمية الإسكندر بذي القرنين لتعشيقه على القرآن لبلوغه المشرق والمغرب. ومن أمن شيء من العالم فمن الله عز وجل. وفي رسالته إلى أُمِّه أنَّ كل شيءٍ خلقه الله يكون في أوله صغيرًا ثم يكبُر إلا المصيبة فإنها تكون كبيرةً ثم تصغُر. وفي رسالته إليها يُعزِّيها في نفسه يبدؤها باسم الله، ويُنهيها بالسلام عليها ورحمة الله وبركاته كأحد الكُتَّاب المسلمين. وفي كلام أمِّه لما قرَأتْ كتابه في تعزيتها تدعو أن يُلحقها الله به وتُنهي بالسلام. وعندما حضر جماعة من الفلاسفة وحُكماء الأُمَم حمل تابوت الإسكندر ببابل للتعزية توجَّهت له أمُّ الإسكندر بدعواتٍ إسلامية، مثل: لا سلبك الله فضلًا، سدَّدك الله وسدَّد بك، وأرشدك وأرشد إليك، أحسَنَ الله جزاءك من حُسن الارتياد وأوضح لك سُبل الرشاد، جزاك الله خيرًا. وقال لها بعض المُعزِّين مُستعملًا التعبيرات الإسلامية: وأنت بحمد الله ممَّن زيَّنه الله بالصبر وأعلى ذكره بالسُّلُّو … فذخر الله لك أجره وأحسَنَ عزاءك بعدَه. وقال لها آخَر: أنت المُتعزية بعزاء الله. ودعا الله أن يختم لها أكمل الأجر ويدَّخِرَها لأفضل الذُّخر. وفي كتاب أرسطو إلى أمِّ الإسكندر لتعزيتها أنَّ موته من قضاء الله الجاري في خلقه، ويُنهيه بتحية الإسلام؛ السلام عليكم ورحمة الله. وفي جوابها له تُعبِّر عن شكرها لله، وتُقرئه السلام. وتظهر التوجُّهات الإسلامية في الوصية الذهبية لفيثاغورس. أولها تبجيل الذين لا يحلُّ بهم الموت من الله عز وجل وأوليائه؛ أي ملائكته، وإكرامهم بما تُوجبه الشريعة والوفاء بالإيمان، ويدعو الرب الواهِب للحياة. وفي آداب هرمس لا يستطيع أحدٌ أن يشكر الله عز وجل على نعمةٍ بمِثل الإنعام بها.١١
    ولا تعني أسلَمَة الحِكَم اليونانية أيَّ حكمٍ سلبي، بل تعني مجرَّد إعادة صياغة الوافد في قلب الموروث على غرار حِكَم الأنبياء، لقمان ومحمد. ولم يكن المسلمون بِدعًا في ذلك، بل قام به النصارى أيضًا في المجموعات البيزنطية. ويبدو ذلك في التاريخ. فرَصْد فِرَق الفلاسفة عند اليونان لا يتمُّ بمعزلٍ عن فلاسفة اليهود والنصارى والعرب والمسلمين كنقاط إحالة. فالعرب تُسَمِّي أصحاب المظلة الظلل، وتُشبِّه اليهود بهم، واتَّخذوا مع النصارى الأروقة في المعابد وفي الكنائس والهياكل. وقد بنى المسلمون أيضًا الأساطين والأروقة في المساجد لتعليم الصِّبية القرآن والألحان والأغاني والأنغام. لا فرق في ذلك بين اليهود والنصارى والمسلمين والصابئة والمجوس. يكفي فقط تحليل العبارات الدِّينية حول الله؛ أي العقيدة دون الشريعة؛ أي الأخلاق كنموذج على القراءة الإسلامية للتراث اليوناني. ولولا تدوين الحكمة عند اليونان لَما استطاع المسلمون نقلها. وتظهر العبارات الإيمانية في نقل المسلمين للتراث اليوناني برحمة الله وتوفيقه، بعد أن مَنَّ الله على المُترجمين بتعليم العربية، فقاموا بالترجمة من اليونانية والعبرانية والسريانية والرومية إلى اللسان العربي المُبين. فالحمد لله على النعمة والامتنان، والتوفيق له، وهو حسبنا ونعم الوكيل.١٢ وفي نقوش فصول خواتيم الفلاسفة يظهر الدين من ثنايا الأخلاق عند سقراط؛ فتقوى الله تحفظ من الوقوع في طريق الشر.١٣ وأرسطو فيلسوف أخلاق وإلهيَّات أكثر منه فيلسوف منطق وطبيعيَّات. ولكل عمل كمال. وكمال الدين الورَع عن المحارم ومعرفة الباري عز وجل باليقين به.
    والفلاسفة مسلمون؛ أفلاطون يُصلي، وعند أرسطو العِلم موهبة الباري. وتظهر بعض عبارات الاعتزال على لسان الفلاسفة مثل شُكر المُنعم. بل تظهر بعض الأحاديث النبوية على لسان سقراط مثل خير الأمور أوسطها. ويُعلق حنين بن إسحاق على آداب ذيوجانس أنها مأخوذة من كلام المسيح عليه السلام لأنه كان قبلَه، مع أن ذيوجانس كان قبل المسيح بأربعة قرون. والمقصود التشابُه بين آداب ذيوجانس وأقوال المسيح، فالمسيحية هي ثقافة حنين، مثل تشابُهها مع الإسلام، ولا فرق بين المسيحية والإسلام، فكلاهما ثقافة العرَب.١٤
    وكل الفلاسفة مُوحدُّون بالله، المعروف منهم أو المجهول؛ فقد قال أحد الحكماء: «لو تناهَتْ حكمة الباري في حدِّ العقول لكان ذلك تقصيرًا لحكمته.» وهو ما يُشبِه الآية: لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي، لا فرق بين دين العقل عند اليونان ودين الوحي عند المسلمين، وطبقًا لحلم المأمون. وعند سقراط العشق قوَّة هيَّأها الباري عزَّ وجلَّ ليكون بها الحيوان والخير كله من الله. وعندما تُوفِّي ابنه قال: جعل الله تعالى ذكرُه الدنيا دار بلوى، وجعل الآخرة دار مبقى، وجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سببًا وثواب الآخرة ممَّا لدَينا عوضًا. فيأخُذ ما يأخذ ممَّا يُعطي ويبتلي إذا ابتلى ليجزي.١٥ وعند أفلاطون أن الله جلَّ ثناؤه إنما جعل لنا أذنَين ولسانًا واحدًا لنسمع ضعف ما نتكلَّم. ولكلِّ شخصٍ موهبته من الله عزَّ وجل. وقد لا تظهر التعبيرات والألفاظ الإسلامية عند أرسطوطاليس، ولكن تسبيحه فلسفي؛ يا أزل الأزل، يا قديمًا لم يزل، يا مُبدي قِدَم الأُوَل من نارك. وتظهر العبارات الإيمانية في البداية والنهاية والوسط، سواء كانت من المترجم أو الناسخ، البَسْملات والصلوات والدعوات.١٦ وفي آداب بطليموس، العاقل من عقل نفسه إلا عن ذِكر الله تعالى، والحكمة لا تحلُّ قلبَ المنافق، والموت باب الآخرة، والأعمال في الدنيا تجارة الآخرة، والإحسان إلى المُسيء يُعرِّضه لمقت الله تعالى ذكره. ومن لم يتَّعِظ بالناس وعظ الله به الناس. وما أوطأ راحلة الواثق بالله، ونسى مثوى المُطيع لله. ويُفسر العِشق بأنَّ كل نصفٍ يبحث عن النصف الآخر، لأنَّ الله خلق كلَّ روحٍ مُدوَّرة ثم قطعها نصفَين مثل أسطورة «الأندروجين» عند أفلاطون.
    وفي آداب لقمان الحكيم يُوصي ابنه بأنَّ الاتكال على الله أروح، وألا يخلو فمُه من ذكر الله، فإنَّ فضل ذكر الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه وإرضاء الله بسخط المخلوق، وألَّا يأخُذه في الله لومة لائم، وإصلاح الصلاح، ومجالسة من يذكرون الله، وإعطاء الناس حقوقها. فمن يمنع حقًّا يفتح الله عليه باب الباطل. وفي آداب سولون أمور الدين والدنيا، أحدُها تحتَ الآخر، مثل القلَم والسيف، ولا سيف تحتَ القلم. وهي الرؤية الإسلامية لصِلة الدين بالسياسة، السياسة في خدمة الدين، وليس الدين في خدمة السياسة. وفي آداب إقليدس، من جلالة القلم أنه لم يُكتَب لله عز وجل كتابٌ إلا به، وكما أقسم الله بالقلَم في القرآن وخلق به. والخط هندسة روحانية تظهر بواسطة الجسد. وعند فيلون الحكمة هي اختيار الإنسان ما يفعل لا بإكراه الشريعة. وفي مُكاتبات الحكماء وأجوبتهم طالَبَ أحدهم بالسؤال داعيًا للسائل بالتوفيق من الله، وسأل السائل: بمَ تتلقَّى النعمة من الله عز وجل؟ وكان جواب الحكيم، تتلقى نعمة الله بكثرة شكره، ولزوم طاعته، واجتناب معصيته. كما أنَّ رضا الناس ليس غاية في ذاته وإلا سخط الرب على من أرضى الناس وأغضب الله. فالإنسان لا تأخذه في الله لومة لائم. كما كتبَ حكيم أنَّ الله قد حفَّ الدنيا بالشهوات والآفات، وحلالها بالمُؤذيات، وحرامها بالعقوبات، وحلاوتها بالمرارات طبقًا لجدَل الخير والشر.١٧ وتبدأ آداب الفيلسوف مهاردجيس المعلم بالبسملة، والحمدلة على ما خصَّ الله به من النعم. وفي آداب فلاسفة الجنِّ في حوارهم مع سليمان عليه السلام أن من ضيَّع الأقرب أتاح الله له الأبعد. ثم أثبت سليمان صلى الله عليه جميع ما قاله الجن في حِكمته.١٨
  • (٢)
    واستمرَّ هذا النوع الأدبي من التأليف في «الكلم الروحانية في الحكم اليونانية» لابن هندو (٤٢١ﻫ). وكما يبدو من العنوان أنَّ الغاية ليس مجرَّد تاريخ للفلسفة اليونانية، بل تحويله ونقله من مستوى العقل إلى مستوى الرُّوح، ومن الحكمة إلى النبوَّة. وكان من الإمامية الاثنى عشرية، مما يطرح السؤال المُستمر عن الصِّلة بين الوعي والتاريخ والاضطهاد، أو عن وفرة الثقافة الفلسفية الوافدة فيه كأداةٍ للتحرُّر كما هو الحال في جماعة إخوان الصفا أو الصِّلة العرضية بين تدوين التاريخ والعمل بالوراقة وبخزائن الكتُب.١٩ وربما تكون صِلة ابن هندو بالقاضي عبد الجبار وبالأجيال المتأخرة للمترجمين مثل ابن الخمَّار أحد العوامل المساعدة في بلورة الوعي التاريخي.
    ولا تُذكَر مصادر للحِكَم، فالحكمة مستقلة بذاتها، عِلم بذاته، لا يحتاج حتى إلى قائل أو إلى مصدر. المصدر يربط الحكمة بالتاريخ، بالزمان والمكان والشخص، وهي مستقلة عن ذلك كله، مَتن بلا سَنَد، قول بلا قائل، رسالة بلا رسول، نبوة بلا نبي، خلق دون خالق، كما هو الحال في الأمثلة العامية والآداب الشعبية. ولا يُوجَد ترتيبٌ زماني أو موضوعي للحِكَم، فالحكماء خارج الزمان، وموضوعها واحد وهو حُسن الأخلاق، ويتعاصَر حكيمان ويتحاوران في الخلود وليس في الزمان مثل حوارات الإسكندر مع جَالينُوس. ومرة واحدة يُذكَر المكان في أسطراط مونيقوس الذي صار مرةً إلى مدينة المرياس. ومعظمها كلمات، باستثناء مرة واحدة محاورات دارت بين أرسيجانس وسقراط، ومرة واحدة كلمات في كلمات سيافندس السكيت. وعادة ما تبدأ الأقوال مباشرةً باستثناء كلمات سيافندس السكيت التي تبدأ بتعريف الحكيم.٢٠

    وكما هو واضح من العنوان، أنه في تاريخ الفلسفة اليونانية وحدَها؛ أي في الوافد دون الموروث كما هو الحال في «صوان الحكمة» للسجستاني قبل أن يُكلمه البيهقي. ويذكر واحد وسبعون حكيمًا لهم ٦٣٣ حكمة بالإضافة إلى مجموعة من الأقوال لا تُنسب إلى قائلها (١٥٣ حكمة)، ممَّا يُبين أن وحدة الفكر هو النص وليس المؤلف، القول وليس القائل. فيكون مجموع الحِكَم المُدوَّنة (٧٨٦ حكمة).

    ويأتي في المُقدمة أرسطو ثم أفلاطون ثم ديوجانس ثم سقراط ثم الإسكندر في المراتب الخمس الأولى من ستِّ عشرة مَرتبة. قد تُذكَر بعض أسماء الحكماء داخل عرض الحكيم مثل أرسطو داخل أفلاطون، والإسكندر وأفلاطون داخل أرسطاطاليس، وسقراط مع أرسجانس، وأفلاطون مع هوميروس، وهوميروس داخل الإسكندر، والإسكندر داخل ديمستانس وزينون الفيلسوف والسينوكراتس، وفورس، ملهى الإسكندر، وفلسطين مزاح الإسكندر. وأرسطو داخل طلاماخوس وأطرياس داخل أسطرا طونيوقس، والإسكندر داخل الأقوال غير المنسوبة. ويُلاحَظ تكرار بعض الأسماء مثل الإسكندر، ثامسطيوس، باذريوس. ليست الغاية الاسم بل القول. القول فريد ويتكرَّر الاسم ممَّا يدلُّ على الحِكمة الخالدة الواحدة بالرغم من تعدُّد القائلين. أمَّا الأقوال المُفرَدة غير المنسوبة إلى قائليها، فتتوزَّع في ثلاثة عناوين تدلُّ على نفس الشيء؛ الأوَّل يدلُّ على وعيٍ بعدم نِسبة القول إلى القائل، والثاني يدلُّ على المثل اليوناني المُستقل عن القائل كما هو الحال في الأمثلة الشعبية، والثالث يدلُّ على النقل من اليونانية إلى العربية.٢١
    وقد يُنسب العلم إلى المكان مثل أناخريسس الصقلي، عناين الطفيلي، سيفاندس السكيت. وقد يُنسَب إلى المهنة والوظيفة والصَّنعة مثل هوميروس الشاعر، سيمونيدس الشاعر، لوغاطس الشاعر، الإسكندر الملك، باسيليوس الملك، أبقراط الطبيب، ديجستانس الخطيب، زينون الفيلسوف، أبرقلس الفيلسوف، فلاسطيس الفيلسوف، مولون الطباخ من أهل صقلية جمعًا بين المهنة والمكان، فورس ملهِّي الإسكندر، فلسطين مزاح الإسكندر، خوينقس مُضحك الإسكندر. وقد يُوضَع له لقب من فلسفته مثل ديوجانس الكلبي، أو من رسالته في قومه مثل سولن أحد أنبياء اليونانيين. ويذكر لفظ اليونانيين مع سقراط وديوجينس بالمفرد (يونان)، والأقوال التي لم تُنسَب إلى أصحابها بالإضافة إلى ظهوره في العناوين الثلاثة الأخيرة: «منسوب إلى اليونانيين»، «ومن أمثال اليونانيين»، «مما نقل من أسفار اليونانيين»، وأمثال اليونانيين وأسفار اليونانيين. وتبرُز شخصية الإسكندر المحورية، فله كلماته المُستقلة، وله ذكر مع تلميذه أرسطو، ومع ديوجانس الكلبي، ومع ديمستانس الخطيب، ومع زينون الفيلسوف، ومع أكسينوكراش، ومع دنفيس، ولهخوس مُلهِّيه، وفلسطين مَزَّاحه، وقورنيقوس مُضحكه.٢٢ وفي الحِكَم المنسوبة إلى اليونانيِّين دون قائلها يظهر الإسكندر، فأصبح الإسكندر محاورًا مثاليًّا.

    ولا يظهر الوافد الشرقي إلَّا عرَضًا، كيومرت آدم الفرس في أفلاطون، والفرس ودارا في الإسكندر الملك. أمَّا الموروث فإنه يظهر في قراءة اليونان وإعادة بنائه على الموروث خاصةً الشعر. فلا يُذكر من الموروث إلا خالد بن يزيد والمُتنبي في أفلاطون، وأبو العتاهية في أرسطوطاليس، وابن الرومي في إسكندر الملك، والمُتنبي مرة ثانية في طيمن والخليل ابن أحمد.

    وتختلف الحِكَم فيما بينها طولًا وقِصرًا. وتأخذ الحكمة أحيانًا شكل القول المفرد وأحيانًا شكل الحوار، مثل الحوار بين أرسيجانس وسقراط في صيغة تقابُل بين الحكمتَين، والحوار بين أفلاطون وتلاميذه خاصةً أرسطو، وديموقريطس وتلاميذه. ومعظمها حِكَم إنسانية أخلاقية عملية تَندُر فيها الحِكم الإلهية المباشرة باستثناء بعض التعليقات من ابن هندو، بعضٌ منها لصَبِّ الوافد في الموروث وإلغاء المسافة بينهما على عكس الشهرزوري الذي يصبُّ الوافد العقلي في الموروث الدِّيني. ومن عظمة الحكمة يمكن نِسبتها لأكثر من شخصية. فما يُهمُّ هو القول وليس القائل، والنسبة إلى القائل لتعظيمه وتشريفه بالقول.٢٣ وتظهر المرأة كمُحاوِرة وطرَف مع سقراط والإسكندر.
    ولأول مرة يتعدَّى التاريخ إلى التعليق، ويُصبح التعليق بديلًا عن القراءة من أجل إعطاء تأويلٍ آخَر أو لمُجرَّد تأييده ببيتٍ من الشعر تركيبًا للوافد على الموروث. ولا تكون التعليقات إلَّا على أقوال كبار الحُكماء مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو عندما يتمُّ التقابُل بين الوافد والموروث والاتِّحاد في تجربةٍ إنسانية واحدة. وليست كلُّ الأقوال تعليقات.٢٤ وهي بدايات التعليق كنوع أدبي مستقل.
    وقد يكون التعليق اعتمادًا على العقل الخالص من المؤرخ، مثل تعليق ابن هندو على خدمة الناس بعضهم لبعض، والتعلُّم في الصِّغر، والتعليق على قول أرسطو عن قوة الصدق في تحريك الجبل بأنَّ شرْط ذلك عدَم الخداع أو البلَهَ أو الغباء، وتعليق على سقراط عن الفقر بمعنى القناعة، والتعليق على قول سقراط بأنَّ القبح في النساء وجمال الروح في الرجال، وشرح الناموس عند سقراط يعني الشرع والأوضاع الشرعية شرحًا لألفاظ الموروث، وشرح ضالة الجاهل عند سقراط وسلوك طريق العِلم، وتعليق على سقراط بأنَّ الموت جهل، وأن الموت بالإرادة هي إماتة الشهوة، وأنَّ النفس هي التي تُحشَر إلى الله جلَّ وعز، والتعليق على قول أبقراط عن صناعة الطب، وعن عيوب الإنسان وعيوب الآخرين لديمستانس،٢٥ وعلى رأي ديوجانس أنَّ الذهب لا يزِن الإنسان. وقول ديوجانس، مقابلة المحبة بالطاعة وشرح القمر بأنه من الكواكب تعليقًا على سيافندس، وشرح رأيه في المرأة على أنها مصدر التناسُل. وقد يتحوَّل العقل الخالص إلى إدخال القول في رؤية المُعلق، مثل التعليق على العدل عن أرسطو (الخروج) إلى الله جلَّ وعزَّ الذي هو المعاد والجنة.٢٦ وقد يكون التعليق مقارنة بين فيلسوف وآخر، وربطًا للأقوال في بِنية أقل، مثل مُقارنة قول طيلاماخس عن أنَّ الإنسان هو الذي يضلُّ عن الحكمة وليستِ الحكمة هي التي تضلُّ عن الإنسان مع قول أرسطو.٢٧ وقد لا يكون القول نفسه في حاجةٍ إلى تعليق لأنه من داخله مفتوح على الموروث، مثل قول سقراط إنَّ الحكمة سُلَّم العروج إلى الله، ومَن فعل في هذا العالم فعلًا حسنًا كافأه الله عليه في عالم النور، وتعريف أفلاطون الفلسفة بأنها التشبُّه بالله، وقول الإسكندر عن ضرورة الاستحياء من الله، وبسط الله ملكه. وقول ديوجانس تعليقًا على ذِكر أحدٍ له بسوء «ما علم الله مِنَّا أكثر مما يقول.» والجزع من أمر الله، والإيمان بالله وبرُّ الوالدين والأدب، وقول قراطيس عن التقرُّب إلى الله تلبيةً لحاجات الإنسان وليس لله، وإجابة سيافندس عن الله بأنه معقول مجهول واحد لا نظير له مطلوب غير مُدرَك، ابتداء كل عفَّة مُراقبة الله تبارك وتعالى، الشكر موهبة من الله تبارك وتعالى للعبد، مساعدة الأشرار على أفعالهم كفر بالله تعالى، المغلوب من قاتَلَ الله تعالى والبخْت: إذا أراد الله تبارك وتعالى خلاصَ امرئ عبَرَ البحر على بارية.٢٨
    وقد يكون التعليق بشاعر عربي غير مُحدَّد مثل الاستشهاد ببيت شِعر لشاعرٍ لتأييد قول أفلاطون على الصبر في الأمور الذي يؤدي إمَّا إلى إحراز الحظِّ أو العُذر، أو أنَّ المُصغي إلى الذمِّ شريك لقائله، وإيراد بيتَين من الشعر على أنَّ الحزن لا يكون إلا عند من يمتلك، وعن الجهل المُركَّب أنَّ الجاهل لا يعلم أنه جاهل، وعلى تروُّح المريض بنسيم أرضه لجَالينُوس، وعن نسيان المعروف للغير وتذكُّر المعروف للذات لديمستانس الخطيب، وعن تحذير ديوجانس لطفلٍ يرمي بالحجارة لعلَّه يرمي أباه، والاستشهاد بالشعر على أنَّ الإنسان هو الذي يضلُّ عن الحِكمة وليست الحِكمة هي التي تضلُّ عن الإنسان، وعلى قول بياس لبيت شعرٍ عن الحسد، وعلى حفظ المُدن بآراء الرجال وتدبير الحكماء وليس بالبروج.٢٩ وقد يكون التعليق اعتمادًا على مجرَّد مَثلٍ عربي مثل «مُبكياتك لا أمر مُضحكاتك.» تعليقًا على قول سقراط عن حمد المُعنِّف لا المُتملِّق أو اكتشاف تشابُهٍ بين القول الوافد مثل طلَب العِلم وآدابه وإرجاع ذلك إلى الخليل بن أحمد، فربما أخذ الثاني من الأوَّل، وإلقاء مثل «من نيك الغَير ينك نياكًا.» على التعلُّق بعوسَج يجرَح المتعلق به، أو مثل أهل بغداد «لستُ أرى في وجهك ورد المعرفة.» على من لا يبدو على وجهه السرور حين المعرفة.٣٠
    وتكون مادة التعليق من الشعر العربي مثل قول أفلاطون عن العفو الذي يُفسِد اللئيم، ويُصلح الكريم، وتأييد ذلك ببيتٍ للمُتنبي، وكذلك تشبيه الفقير بالغني مثل الورَم والناس تأخُذه على أنه سِمنة، وشرْح أرسطو بيتًا لأبي العتاهية في أنَّ الخَلْق خير دليل على وجود الخالق، ولابن الرومي استشهادًا على قول الإسكندر ألَّا يشينَ الإنسان أحدًا خشية أن ينقلب الصديق إلى عدو، وتدعيم قول طيلاماخس عن ضلال الإنسان عن الحِكمة وليس ضلال الحكمة عن الإنسان بقول المُتنبي. وقد يكون الاستشهاد بمثَلٍ عربي من أشعب الطمَّاع للاستشهاد على قول أفلاطون في ضرَر الكذب، هو اعتقاد الكاذب بما يكذِب فيه.٣١ وتظهر بعض ألفاظ الشريعة من الموروث مثل الشريعة في أقوال أفلاطون ونصيحة أرسطو بعدَم التكالُب على الدنيا، وأنَّ الدنيا دُوَل، ولن يهلك قوم هلاكهم من أنفسهم، والاقتداء بالبهائم بدلًا من الاقتداء بالله لسقراط، وليكن دعاؤك أن يحرُسك الله من الأصدقاء. وقد يكون التعليق إحالة إلى الرسول مباشرةً بإيجاد حديثٍ نبوي مُطابق مثل قول سقراط «الجاهل من عثر بحجَرٍ مرَّتَين.» وحديث «لا يُلدَغ المؤمن من جُحرٍ مرتَين.» وذكر حديث: «نِعم الختن القبر.» تعليقًا على قول ديوجانس نِعم الصهر حيًّا في حالة دفن أحد الموتى.٣٢
    وقد يكون التعليق إحالة اليونان إلى غيرهم من الحضارات في التواريخ المُتقابلة، مثل إحالة قول أفلاطون عن أنَّ أشقى الناس من اهتمَّ بما يجمَع لغيره، وإحالة ذلك إلى مَثَلٍ مُشابِهٍ عن كيومرت آدم الفرس. وقد يتجاوز التعليق إلى أن يكون مُلحقًا بالقول ويُصبح قولًا مُستقلًّا مَنسوبًا إلى مركزٍ آخَرَ مِثل أخذ الشاعر معنى أفلاطون أنْ لو وجدَ مُستمعًا لتكلَّم وقوله في خالد بن يزيد.٣٣
  • (٣)
    والتدوين الشائع للأقوال هو «مختار الحِكم ومحاسن الكلم» للمُبشر بن فاتك (٤٨٠ﻫ).٣٤ ويضم أقوال عشرين حكيمًا، أربعة عشر من اليونان وستة من الشرقيين مما يدلُّ على أولوية الجناح الغربي على الجناح الشرقي في الحضارة الإسلامية. ويأتي في مقدمة اليونان أفلاطون ثم سقراط وأرسطو ثم الإسكندر ثم فيثاغورس مع لقمان في المرتبة الرابعة من خمس عشرة مرتبة. ثم يأتي باقي فلاسفة الشرق في المراتب الأربعة الأخيرة. ويظلُّ اليونان من البداية إلى النهاية.٣٥ وواضح أولوية الحِكمة العملية على النظرية، والأخلاق على المنطق والطبيعة، وأفلاطون وسقراط على أرسطو. والصعوبة في الأقوال هي تناثُرها، وبالتالي ضرورة تصنيفها في موضوعاتٍ أخلاقية تكون رؤية أخلاقية شاملة.
    ويتكوَّن رسم الشخصية من العُنصرَين الرئيسين، الحياة والسيرة الشخصية والأعمال والأقوال. ففي الحياة يُذكَر الاسم واشتقاقه. فأرييس عطارد، وسقراطيس المُعتصم بالعدل، وأفلاطون العميم الواسع، وأرسطو الكامل الفاضل، ونيقوماخوس أيده العادل القاهر. ويُذكَر النَّسب، فصولون جد لأفلاطون، وأبقراط من نسل أسقليبيوس الأوَّل.٣٦ ويذكُر تاريخ مولده ووفاته أو سنة حاسمة في عمره أو حدَث كبير وقع له أو في حياته أو تحديد عمره دون بداية أو نهاية أو تحديد زمن النُّضج والرجولة وهو في الغالب سِن الأربعين. عاش سولون سبعةً وسبعين عامًا، وبقراط خمسًا وتسعين، وسقراط أكثر من مائة، وأرسطو ثمانية وستِّين عامًا، والإسكندر ستًّا وثلاثين، ومهادرجيس ثمانين، وجَالينُوس سبعًا وثمانين. ويُذكَر تلامذته وأساتذته وأصحابه خاصَّةً لو كان رئيس مدرسة كما يذكر عصره، وعلاقته بالملوك والأمراء مثل ديوجينس والإسكندر، أرسطو والإسكندر. كما تُذكَر بعض نوادره وحكايته وأخباره وربما مِحنته مثل السجن والنفي والتعذيب والقتل.
    والعنصر الثاني مؤلفاته، أعمالًا وأقوالًا، وهي التي يسهل قراءتها بعد ذلك في صورة آدابٍ ومواعظ؛ أقواله وكلامه وحِكَمه ومشوراته. فمؤلفات فيثاغورس تصل إلى مائتين وثمانية كتُب وأرسطو مائة يُصنَّف طبقًا لِما هو شائع.٣٧ كما يُبين أسلوبه ورموزه كما هو الحال عند فيثاغورس وهرمس وسقراط وأفلاطون. ثم يتلو ذلك آدابه، مواعظه، ومشاوراته، وحِكَمه وآدابه. تظلُّ للأخبار الأولوية على الآداب.٣٨ وتختلف النِّسَب بين الأخبار من ناحية والآداب والحكم من ناحيةٍ أخرى من حكيم لآخر. تغلب الأخبار على زينون وبقراط والإسكندر وجَالينُوس بينما تغلب الآداب والحِكَم على سولون وفيثاغورس وديوجانس وسقراطيس وأفلاطون وأرسطو وبطليموس.٣٩ ومعظم حكماء الشرق مع بعض حكماء اليونان أقوال فقط: شيث، أرميس، صاب، أسقليبوس، هوميروس، مها درجيس.٤٠ ويظهر الشعر كأحد وسائل التدوين، فالشعر ثقافة العرب.٤١ ومختار الحكم جزء من مشروعٍ أكبر لتدوين التاريخ.٤٢
  • (٤)
    ولمَّا غاب التاريخ عن هذا النوع من التأليف سهُل التأليف فيه فرديًّا وجماعيًّا، وضعًا وانتحالًا. فالقراءة خطوة متوسطة بين التاريخ والانتحال، بين النقل والإبداع. وهذا هو حال «فقر الحُكماء ونوادر القدماء» لمؤلف مجهول من القرن السابع الهجري،٤٣ وهو طريقة الاقتصار على معرفة المعنى الخالد دون ذِكرٍ للتفاصيل والجزئيَّات في السيرة الذاتية وحياة الأشخاص، واستبعاد الموضوعي لحساب الذاتي، والتاريخ والسرد لحساب القراءة والتأويل، جمعًا بين الأنا والآخَر، وتمثُّلًا لثقافة الآخر في إطار ثقافة الأنا، بطريقة الأنا وأسلوبه، النوادر والحكايات على لسان البشر والحيوانات، والأمثال والحِكَم التي يسهل حفظها واستيعابها وتكرارها ونقلها وتربية أجيال عليها. وقد استمرَّ هذا النوع الأدبي ليس فقط في علوم الحِكمة بل في علوم الأخلاق والسياسة؛ أي في الحكمة العملية.٤٤ ويبدأ بالحِكَم والأقوال ثُم بالنوادر والحكايات، فالنظر يسبِق العمل، والفكر يأتي قبل السيرة، والمبادئ العامَّة تُوضَّح قبل تطبيقها سلوكًا في حياة الناس. وهي نفس العلاقة بين القرآن والحديث، بين القاعدة والتفصيل. والمؤلِّف ليس حكيمًا ولا من أهل التأليف ولا يُعنى بالتصنيف ممَّا يسمح له بالإبداع والاختراع. وربما كان تأليفٌ جماعيٌّ تعبيرًا عن وعيٍ حضاري جماعي. ويبدو أنه من شعراء الدولة، أديب لم يشتغل بعلوم الفلسفة إلا على سبيل الثقافة العامة. تغلب عليه الصنعة اللفظية.
    وقد تمَّ الاقتصار على المشهورين من الفلاسفة، وهم عشرون، كلهم من اليونان باستثناء الأخير بزرجمهر من فارس؛ مما يدلُّ على طغيان الغرب على الشرق. ويتكرَّر اثنان خطأ، زينون وذيبو الشاعر، وربما خلْط بين زينون الأيلي وزينون الرُّواقي، بين زينون الصغير وزينون الأكبر، وأرطبوس وأرطبيق حيرة في رفْع حرف السين باعتباره علامة الرفع في اليونانية مثل أرستب وأرستبوس. ولا يخضعون لترتيبٍ زماني أو تصنيف، فهي مدارس، ولكن طبقًا للأهمية من حيث الكم يأتي بزرجمهر أوَّلًا. فالجناح الشرقي قليل العدد عظيم القدر. ثم يأتي فيثاغورس في مُقدمة اليونان باعتباره مؤسِّس الفلسفة والتي منها سقراط وأفلاطون، وربما أرسطو صاحب المنطق وواضع الأخلاق.٤٥ ويأتي معه في الأهمية بطليموس صاحب المجسطي. الأوَّل للعقل والثاني للكون. ثم يأتي ثالثًا سقراط وأرسطو. فسقراط هو أحكَم البشر، وأرسطو هو المُعلم الأوَّل. ثم يتلو الإسكندر معلم أرسطو، ثم أبقراط وهوميروس الشاعر، ثم أفلاطون، ثم ديوجانس وسولون وديمقراطيس وهرمس وطاليس وأرسطيبوس وأرشميدس، وأخيرًا في المرتبة السابعة يأتي جَالينُوس وريموس.٤٦ والبعض منهم أقل شهرة من الآخرين مثل ذيبو الشاعر أو ريموس. ولا تُهمُّ الشهرة التاريخية بقدر ما يُهمُّ الاسم كحاملٍ لحكمة. ولا فرق في الحِكمة بين الحكماء والأطبَّاء والمُشرِّعين والشعراء.
١  حنين بن إسحاق: آداب الفلاسفة، اختصره محمد بن علي بن إبراهيم بن أحمد بن محمد الأنصاري، حقَّقه وقدَّم له وعلَّق عليه د. عبد الرحمن بدوي، معهد المخطوطات العربية، الكويت، ١٩٨٥م. كانت هناك تواريخ يونانية ولاتينية وعربية سابقة مِثل تواريخ فرفوريوس، وكتاب بتراسلوس لثاون الأفلاطوني، وديوجنس اللايرتي «حياة الفلاسفة»، وتاريخ يحيى النحوي وعلي بن ربن الطبري «كتاب الآداب والأمثال على مذهب الفرس والروم والعرب»، «فردوس الحكمة».
٢  مثل قول أفلاطون: «أنا آكل لأعيش، وأنت تعيش لتأكل.» وله ما يُشبِهه عند موليير.
٣  ابن فاتك، ص٧٢.
٤  حنين بن إسحاق، ص٤٣-٤٤، ٤٩، ٥٥.
٥  أكبر الأقسام آداب الفلاسفة المذكورين بالحكمة (٨٩)، اجتماعات الفلاسفة في بيوت الحكمة (١٧)، آداب فلاسفة الجن (٨)، فرق الفلاسفة (٧)، سؤالات الفلاسفة وأجوبتهم (٤)، نقوش نصوص خواتم الفلاسفة (٣)، مكاتبات الحكماء وأجوبتهم (٢)، ذكر الفلاسفة (١).
٦  «فما نقلتُ من الأخبار عن شعراء اليونانيين وحكمائهم وفلاسفة الروم وعلمائهم من النوادر والآداب والسياسة ما أبتناه في هذا الكتاب من سؤالٍ وجواب وابتداء خطاب من حكمةٍ نافعة وآداب بارعة …» (حنين، ص٤٣).
٧  آداب (١٧)، كتاب (٢)، وباقي الأنواع مرة واحدة.
٨  حنين بن إسحاق، ص٥٦، ٥٩، ١١٤.
٩  اليونان (٤٦) في مقابل سليمان ولقمان.
١٠  حنين بن إسحاق، ص٤٨–٦١، ٨٢–١١٩.
١١  السابق، ص٨٧، ٨٨، ٩٣، ٩٥، ٩٧–١٠٨–١١١، ١١٦، ١١٨، ١٣٤.
١٢  حنين بن إسحاق، ص٤٠–٤٣، ٥١.
١٣  «أيها الإنسان إذا اتَّقَيتَ ربك، وحذرت الطريق المؤدية إلى الشرِّ لم تقع فيه» (ص٤٥، ٥٨).
١٤  حنين بن إسحاق، ص٥٢، ٥٣، ٥٧، ٦٣، ١١٤.
١٥  السابق، ص٥٦، ٦٤–٦٥، ٦٧، ٧٥، ٧٧، ٨٢، ١٢٤–١٢٦، ١٢٨.
١٦  بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد (حنين بن إسحاق، ص٣٧). جعلنا الله منهم ووفقنا لِما وفَّقهم برحمته وجوده وكرمه (ص٤٣). إن شاء الله والقوة لله (ص٤٥). تم الكتاب بحمد الله وحسن عونه، وصلى الله على محمد البشير النذير وعلى آله الطاهرين الطيبين وشرف وكرم … ومن الناسخ تمَّ الكتاب بحمد الله (ص١٦٣).
١٧  حنين بن إسحاق، ص١٣٠–١٣٢، ٣٩، ١٤٣، ١٤٧–١٤٩.
١٨  السابق، ص١٥٠، ١٥٧، ١٦٣.
١٩  ابن هندو: «الكلم الروحانية من الحكم اليونانية» (قيد النشر)، ط١، دمشق ١٩٠٠م. وكان ابن هندو صديقًا لمسكويه الذي كان يعمل أمينًا لخزانة ابن العميد، وهو فيلسوف وطبيب ولغوي.
٢٠  السابق، ص٤٥٥، ٤٦٢.
٢١  طبقًا لعدد الحِكَم والتي تُعادل تقريبًا عدد الصفحات: أرسطو (١٤٢)، أفلاطون (١٣٥)، ديوجانس (٨٤)، سقراط (٧٣)، الإسكندر (١٨)، سيافندس السكيت (١٧)، أرسيجانس، سولون (١٦)، فيثاغورس (١٢)، باسيليوس الملك (١١)، أوميرس الشاعر (١٠)، أسطراطونيقوس (٧)، قراطس الحكيم، سيمونيدس الشاعر، ثامسطيوس (٥)، أبقراط، جالينوس، الإسكندر بذاريوس (٤)، طيمن (٣)، زينون الفيلسوف، دنقوميس، فيلمون أناخرسيس الصقلبي، ميناندر، ثاون، أسطراطونيتس، أناخرسيس، قورينقش مضحك الإسكندر، ثامسطيوس (٢)، تومس، أكسينوكراتس، فورس ملهي الإسكندر، فلسطين مزَّاح الإسكندر، ألكسينوس، بنداريوس، أنكسمانس، ديموقريطس، أبيفانيوس، ثوقوديدس، ذوقاليون، عناين الطفيلي، كودوس، لافن، أوباريس، فيلن، لونماطس الشاعر، طيلاماخوس، بروقليس الفيلسوف، طارس، خاليقون، بيتاكوس، بطولاموس، موشونيوس، ماناديموس، بطليموس، أناقراطس، مولون الطباخ من أهل صقلية، دنيقلس، بياس، أنافيثاغورس، أرسطيبوس، مرسطرس، إقليدس، فلاسطيس الفيلسوف، دنفيس، ثيوفراسطس.
٢٢  كلمات منسوبة إلى اليونانيين لم يُذكر قائلها، أمثال اليونانيِّين، ممَّا نُقل من أسفار اليونانيين إلى العربية، ويذكر الإسكندر (٣). ويُذكَر في كلمات مُستقلة (١٨)، مع أرسطو (١٧)، مع ديوجينس (٦)، مع زينون الفيلسوف (٣)، مع ديستانس (٢)، مع أكسينوكراتس ودنفيس (١).
٢٣  «لا تقسُروا أولادكم على آدابكم، فإنهم مخلوقون لزمانٍ غير زمانكم.» من كلمات أفلاطون، سمعتُها من إمام في جنوب أفريقيا نسبَها إلى الرسول، وهي تُعبِّر عن روح التطوُّر والتغيُّر والاجتهاد (ابن هندو، ص٣١٥، ٣٨٤).
٢٤  الأقوال مع التعليقات، ٤٦ من مجموع ٧٨٦، أي بنسبة (١ : ١٧). انظر: الباب الثاني: النص، الفصل الثالث: التعليق.
٢٥  ابن هندو، ص٣٢٩، ٣٣٠، ٣٤٦، ٣٦٦، ٣٦٨، ٣٦٩، ٣٧٢، ٣٧٣، ٤٠٥، ٤٠٩، ٤٠٨، ٤٢٢، ٤٥٦، ٤٥٧، ٣٤٧-٣٤٨.
٢٦  السابق، ص٣٤٧-٣٤٨.
٢٧  السابق، ص٤١٦، ٤٥٤.
٢٨  السابق، ص٣٧١، ٣٨٦، ٣٩٠، ٣٩٢، ٣٩٣، ٤١٩، ٤٣١، ٤٤٣، ٤٥٥، ٤٩٧، ٤٩٨.
٢٩  السابق، ص٣١٨، ٣٢٢، ٣٧٨، ٣٨١، ٤٠٨، ٤١٨، ٤٥٤، ٤٦٦، ٤٨١.
٣٠  السابق، ص٣٧٩، ٤٧٨، ٤٨٣، ٤٨٥.
٣١  الاعتماد على المُتنبي في شرح قول أفلاطون (ابن هندو، ص٣١٦، ٣٢٣، ٣٦٥، ٣٩٤، ٤٥٣-٤٥٤، ٣٢٤).
٣٢  السابق، ص٣٢٠، ٣٥٤، ٣٥٧، ٣٨٩، ٣٢٦، ٣٨٠، ٤٢١.
٣٣  السابق، ص٣٢٥، ٣٣٧.
٣٤  أبو الوفا المُبشر بن فاتك: مختار الحكم ومحاسن الكلم، حقَّقه وقَدَّم له وعلق عليه د. عبد الرحمن بدوي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط٢، بيروت ١٩٨٠م. وهو ليس أول كتاب في تاريخ الفلسفة بل سبقه حنين بن إسحاق، وابن هندو.
٣٥  للتوزيع الكمِّي (عدد الصفحات) كالآتي: أفلاطون (٥٢)، سقراط، أرسطو (٤٤)، الإسكندر (٢٩)، فيثاغورس، لقمان (٢٠)، هرمس (١٩)، ذيوجانس (١٠)، جالينوس (٩)، بطليموس، أبقراط (٨)، سولون (٦)، زينون (٥)، هوميروس (٤)، مهادرجيس (٣٫٥)، باسيليوس، شيث (٣)، أسقليبيوس، صاب (٢)، جرجوريوس (٢).
٣٦  المبشر بن فاتك، ص٤٤.
٣٧  حكم وآداب (١٠)، حكم ومواعظ وآداب (١)، آداب ومواعظ (٢)، ومشورات (١)، أقوال (١)، كلام (٢)، مواعيظ (١)، حِكَم (٢).
٣٨  الأخبار في (١٢) علمًا والآداب في (٧).
٣٩  النسب كالآتي لصالح الأخبار: زينون ٣ : ١٫٥، أبقراط ٥ : ٣، الإسكندر ٢٠ : ٩، جالينوس ٥ : ٣، سولون ٢٫٥ : ٣٫٥، فيثاغورس ٩ : ١١، ديوجانس ٣ : ٨، سقراطيس ١ : ٤، أفلاطون ١ : ٤، أرسطون ١ : ٦، بطليموس ١ : ٧.
٤٠  أقوال قصيرة لحكماء، باب جامع لأقوال جماعة من الحكماء، باب آداب لم يُعرَف قائلها، فجُمِعَت في موضوع واحد (ص٢٩٦–٣٢٢، ص٦٢٣–٦٦٣).
٤١  المُبشِّر بن فاتك، ص٤.
٤٢  يُشير المُبشر بن فاتك إلى كتابٍ آخر له (التاريخ الكبير، ص٢٣٩).
٤٣  عنوان الصفحة الأولى «كتاب حِكَم الحكماء ونوادر القدماء، وهو كلمات وروايات ومواعظ تشتمل على إشارات لائحة وعبارات واضحة مثل الذهب المسبوك ووعظ الخلفاء والملوك بالتمام والكمال.» ويقترح المُحقِّق أن تأليفه قد تمَّ بين عامي ٦٥٣–٦٥٩ﻫ.
٤٤  وذلك مثل كتاب الغزالي «التِّبر المسبوك».
٤٥  وهم: فيثاغورس، سقراط، أفلاطون، أرسطوطاليس، الإسكندر، ذيوجانس، سلون أنكساجوراس، ديمقراطيس، أبقراط، جالينوس، هوميروس الشاعر، هرمس، زينون، ذيبو الشاعر، طاليس، بطليموس، أرطبوس، أرطبيق، أرشميدس، ريموس، بزرجمهر.
٤٦  حسب الأهمية الكمية عدد الصفحات: بزرجمهر (١٠)، فيثاغورس، بطليموس (٩)، سقراط أرسطوطاليس (٨)، الإسكندر (٦)، أبقراط، هوميروس الشاعر (٥)، أفلاطون، زنون (٤)، سلون، أنكساجوراس، ديمقراطيس، هرمس، أرطيبوس، أرشميدس (٣)، جالينوس، ريموس (٢).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١