تقديم

تجولت كثيرًا في مصر، وليست الأماكن التي سأذكرها لمجرد تعداد للحركة الدءوبة؛ بل لأن القارئ الكريم يعرف هذه أو تلك من الأماكن، ومئات غيرها تملأ الأسماع وتشكل معمور مصر ولا معمورها.

تجولت مشي القدم بعين الفاحص، ولسان التساؤل عما أرى وعما لا أرى، ولماذا هذا أو ذاك من اعتياد وسلوك، وبنية سكن ونشاط أعمال وتغير أساليب، وغير ذلك كثير على خلفية من القراءات المكتبية، ورؤى الناس وتنظير الباحثين.

في الأربعينيات حفرت داخلي صورة القاهرة القديمة والحديثة، وتلال المقطم، ونيل القاهرة من الجزيرة إلى إمبابة، والمناشي، والقناطر، وروض الفرج، ومصر القديمة، والجيزة، والهرم، وسقارة، وميدوم، والفيوم، ومنذ الستينيات مشيت للدراسة والتفحص والتقصي في قرى مصرية عديدة في الدلتا، والصعيد، والصعيد الجواني، وبخاصة قرى الحواجر: البهنسا، وصندفا الفار، وصليبة شوشة في المنيا، وحمرة دوما، وأبو مناع، والصبريات في قنا، والرمادي، وكوم أمبو، وإدفو في أسوان، وفي أنحاء الدلتا وقراها: ههيا، وأبو حماد، والصالحية، والزقازيق، وبنها، وأشمون، ومشلة، وكفر الزيات، وكفر الشيخ، ودسوق، وفوه، وطنطا، وزفتا.

وتجولت في الصحراء الشرقية من إدفو إلى مرسى علم وعبر وادي الجمال، ومناجم نحاس أم سميوكي، والدرهيب، وقبر الشيخ الشاذلي، ومن قنا إلى سفاجا، ومن الكريمات إلى الزعفرانة.

ومشيت حيث المجموعات البدوية: العبابدة من الأقصر إلى الرمادي إلى دراو وأقليت، وسيالة في أسوان، والنوبة القديمة، وإلى المحمداب والجريجاب في جنوب الصحراء الشرقية، ومجموعة الهوارة في مركز دشنا والفرجان، والجوازي البيض والحمر غرب البحر اليوسفي في المنيا، والجميعات، وعشائر من أولاد علي في الساحل الشمالي، وفي شمال سيناء: العريش، وبير العبد، وبالوظة، وعين جديرات، ووادي العريش، وسد الروافع، ومنجم فحم المغارة، ونخل، والتمد، ورأس النقب، وعيون موسى.

وكنت ضيفًا متكررًا في سنوات متتالية عاشقًا واحات الصحراء الغربية جميعًا: سيوة والبحرية والفرافرة والداخلة والخارجة. ومثل ذلك التكرار في جنوب سيناء متنوعة البهاء بين جبالها ووهادها وسواحلها: رأس سدر وأبو رديس وحمام فرعون والطور وشرم الشيخ ودهب ونويبع وطابا وجزيرة فرعون ووادي فيران ومحمية رأس محمد وسانت كترين، وآخرها كان في فندق طابا عندما نسفه إرهابيون!

وفي نيل النوبة القديمة تعددت دراساتي وسياحاتي فترة ٦١–١٩٦٣ قبل بناء السد العالي للمجموعات النوبية الأصيلة: الكنوز والفديجة والعليقات، وتابعتهم بالزيارة والتقصي في التسعينيات وإلى اليوم في النوبة الجديدة حول كوم أمبو، وكذا تكررت رحلاتي إلى بحيرة ناصر ومشروع توشكى وأسوان أجمل بلاد الوادي طبيعة وناسًا.

ومصب النيل العظيم في دمياط ورأس البر ورشيد وعبر قناة السويس إلى مشروع سرابيوم شرق البحيرات المرة، وفي وادي النطرون بين كنائسه وأديرته وبحيراته ورماله وبعض مشروعات استصلاح زراعية وعمرانية، وفي أماكن كثيرة أخرى من نجوع وقرى البراري الشمالية في بلطيم والرياض والشخلوبة وإدفينا، وإلى بعض قرى غرب الفيوم ووادي الريان، كان ذلك صباحًا ومساء طيلة خمسين سنة.

أزور وأكرر الزيارة مرات ومرات كلما سمحت ميزانيتي أو مع زملائي أساتذة وطلبة الجغرافيا في آداب عين شمس في عشرات أسابيع الدراسات الميدانية والتدريب العملي المتعددة في أنحاء مصر، وبخاصة سيناء والصحراء الغربية.

هذا الكتاب هو حصيلة كل هذه التجارب العملية وكثرة المشي خطوة خطوة على أجزاء من أرض مصر الملهمة سواء كانت مزروعة أو ما زالت بكرًا رملية أو جبلية، ومن خلال السفر والترحال في نيلها شريان الحياة — أرقب وأدون وأصور وأتابع وأدقق فيما كان وما سيكون — وهو أيضًا تجميع لبحوث ومقالات بعضها في محافل علمية وندوات بحثية في مصر وأوروبا وأمريكا، وأغلب ما نشرته في جريدة الأهرام ومجلة روز اليوسف من مقالات موجزة بطول العقد الأخير.

وبعض مما جاء في كتابي مع المرحومة زوجتي «رحلة في زمان النوبة» (١٩٩٨) وكتابي «القاهرة: نسيج الناس في المكان والزمان» (٢٠٠١)، الأمل كبير في أن يرى القارئ الكريم بعض ما أراه من أجل خير مصر مع عدم العدوان على التوازن الطبيعي بين الإنسان والموارد المتاحة، وتحري مدى استخدام التكنولوجيا المتقدمة وتوافقها مع الموروث والمُوَّرَث، ومع اتساع نظام الدولة ليشمل تمثيلًا حقيقيًّا لكل الآراء بالوسائل السلمية، والحرية في الرأي والتعبير، وممارسة حقوق الإنسان في الريف والحضر على السواء مرة أخرى من أجل استعادة التوازنات، والنمو الرشيد في ربوع هذه البقعة الوسط في كل شيء من عالم الكرة الأرضية وحضاراتها، وحتى نرقى على قدر حجمنا للتفاعل الإيجابي كعضو في المجموعة البشرية.

محمد رياض
القاهرة، مارس ٢٠٠٧

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠