الفصل الرابع

حول بعض أقاليم مصرية مختارة وقضاياها الراهنة

تمهيد

الموضوعات التي عالجتها في هذا الفصل أختيرت بعناية بغرض التعريف بأقاليم ومناطق مصرية ليست معرفة غالبية المصريين بها بالقدر الكافي وإنما في صورة عامة وتفصيلاتها في المجموع ضبابية. لهذا كانت خياراتي بعيدة عن الدلتا والوادي؛ لأن غالبية الناس يعرفونها بحكم أصولهم. وبرغم معرفة جيدة لدى الناس عن الساحل الشمالي كمصيف مصري ذائع الصيت إلا أن الاختيار وقع عليه لاعتبارات كثيرة، معظمها الهدر في اقتصاديات القرى الاصطيافية وتدمير البيئة باعتبارهما معًا من النواتج السلبية التي تهدد الشواطئ الشمالية. وكذلك الحال بالنسبة إلى البحر الأحمر وسيناء الجنوبية التي صار الناس يعرفونها لكثرة السياحة الداخلية إليهما في الآونة الآخيرة، لكن مشكلة السيول وتدمير الطرق هي الجانب الهام من هذه المعالجة. وبالنسبة لموضوع الصحراء الغربية قد حدتني الرغبة إلى تقديم نبذة عنه؛ لاتساعه الهائل ومكوناته المحدودة من الواحات وموارده المهدرة في الطاقة الطبيعية، وما يتعرض له أحيانًا من استنزاف جائر لمخزون المياه الباطنية بدعوى إقامة مجتمعات زراعية. وأكثر واحات الصحراء الغربية بعدًا وانزواء هي الفرافرة التي اتخذتها كمثال لمزيد من المعرفة لهذا الركن البعيد ومستقبل الواحة التنموي الذي يحتاج إلى ضبط كثير وتؤدة في الخطوات حتى يكون ناجحًا. والإقليم النائي الثاني هو النوبة قديمًا وحديثًا، وعن مشكلات التنمية بالنسبة للسكان الأصليين: هل يسمح لهم بالعودة إلى مواطنهم أم هناك مهبطات ومثبطات أمام العودة، ولماذا؟ وأخيرًا فإن منطقة قناة السويس معروفة جيدًا ولكن فيها مشروعات تنمية جدلية في شرق بورسعيد وشمال خليج السويس توضح تردد الدولة في أولية أيهما، وإن كان الاتجاه قد فضل في النهاية خليج السويس كأولوية، وأبقى على جزء من مشروع شرق التفريعة باعتبار أن العمل في الميناء كان قد بدأ فعلًا ولا سبيل إلى التراجع.

(١) الحضارة والتاريخ

مصر بلد حضارة ستة آلاف سنة والقاهرة مدينة الألف مئذنة — هما من بين العبارات الرمزية الكثيرة التي نذكرها الحين بعد الحين نلخص بها مواصفات مصر أو ترمز إلى القاهرة في إيجاز شديد. ولكن الحضارة المصرية تغوص في أعماق أكثر من ستة آلاف بكثير، ولو كان لدينا تعداد لعدد مساجد القاهرة ومآذنها لتعدت الألف بكثير. والغرض من كلمة الألف هو العدد الكثير، وهو عد ينطبق على الماضي غير البعيد يصف الشىء بالكثرة المتناهية. بينما نحن الآن نستخدم المليون والمليار للعدد الذي لا ينتهي. فنحن اليوم نستخدم رموزًا تعطي وصفًا ملخصًا لمصر شاع على الألسن، قد يكون «مصر بلد السبعين مليونًا من البشر» أو «القاهرة بلد الخمسة عشر مليونًا»، أو أن «الميزانية المصرية هي كذا مليارًا» من الدولارات أو الجنيهات.

فالعبرة في الأقوال الملخصة لحالة بلد ما تنبع من أهم ظواهرها المعاصرة، سواء كانت ظاهرات مجيدة أو أخرى مزعجة. وليس معنى هذا أن الرموز القديمة التي ترجع إلى زمن فات قد انتهت صلاحيتها، بل هي تخرج من دائرة الضوء لتكمن في الظلال حتى تأتي مناسبة تستدعيها فتظهر مرة أخرى لفترة محدودة تعود بعدها إلى الظل في العقل الخلفي. مثال ذلك اكتشاف أثري مثير، أو تحديد عمر أثر أو مومياء بالزائد أو الناقص عن تقدير سابق، ومن ثم نعدل المقولة إلى «مصر بلد حضارة السبعة آلاف أو العشرة آلاف سنة.»

ولأن الحضارة صيغة لازمة لكل الشعوب فالرمز الحضاري لا يموت، فما بالنا بحضارة مصر الرفيعة التي تعد أقدم الحضارات والثقافات العليا التي تشمخ منجزاتها المعمارية والعلمية، سواء في المسلات والمعابد أو في باطن القبور من توابيت رائعة الصنعة ومومياءات تتحدى التآكل البيولوجي آلاف السنين، وأدوات الحياة وعروش الفراعين ولوحات جدارية ما زالت ألوانها تنبض بالحياة. وفوق كل هذا سجلات كتابية هي بصفة عامة كتاب التاريخ الضخم الذي لا نظير له في العالم يحكي لنا مساعي المصريين في إقامة مجتمع سلام منظم داخل أطر حياتية مقننة دينيًّا وخلقيًّا وتشريعيًّا بين الثواب والعقاب وبين الحياة الأرضية والحياة الآخرة. كل ذلك في استمرارية ودينامية بمنطوق العصور الطوال التي استغرقتها الحضارة المصرية آلاف السنين حتى مع تغير القوى السياسية من فرس وبطالمة ورومان وعرب وترك وفرنسيس وإنجليز.

صحيح أن الفتى يقول: أنا من أنا وليس من كان آبائي وأجدادي، لكن صحيح أيضًا أن الفتى وما يدركه من نجاح هو محكوم أيضًا بتراثه القريب والبعيد معًا. فما بالنا إذا كان هذا التراث مجموعة من دواعي الفخر المجيد!

(١-١) القدر الحيوي من التاريخ

أحزن كثيرًا حينما أعرف طلابًا في الجامعة لا يعرفون سوى النذر القليل من تاريخ الحضارة المصرية. بل تختلط في أذهانهم العصور المصرية، ولولا وجود أهرام الجيزة لما عرفوا من هو خوفو. بل لعل غرابة أسماء خوفو (خنوم خوفو؟) وخفرع (خف-ن-رع)، ومنقرع (منكاو رع) هي التي تدعو إلى التندر المصحوب بالمعرفة الاسمية فقط. ناهيك عن الجهل بتحتمس الثالث أبو العسكرية الفرعونية جهلًا يكاد أن يكون مطبقًا! بينما أصبح اسم رمسيس شائعًا لاستمراره كاسم بين المواطنين ولتسمية شارع رئيسي باسمه ولكثرة تماثيله وعظمتها وضخامة معابده وخاصة أبو سمبل. والحقيقة أن رمسيس كان محظوظًا كأحد الفراعين العظام أكثر من غيره في حياته الطويلة وبطولته الشخصية وانتصاراته الجزئية على الحيثيين وعقد الصلح معهم، ومن ثم صار شخصية إعلامية على مستوى عالمي.

وماذا عن أحمد بن طولون وقطز وبيبرس وقلاوون وقايتباي والغوري. كلهم معروفون كبناة مساجد عظيمة أو قواد محنكين. ولكن ماذا عن الحياة المصرية والرخاء التجاري في تلك الفترات والعهود؟ وماذا عن بناء مصر الحديثة والدور البارز لمحمد علي السياسي البارع، وإبراهيم بن محمد علي أبو العسكرية المصرية في القرن التاسع عشر، وإسماعيل بن إبراهيم صاحب تحديث مصر؟ الصورة التاريخية معتمة لهؤلاء العظماء الذين أخذوا بجريرة أحفادهم توفيق وفؤاد وفاروق بدون وجه حق. فالحكم على ممارساتهم السياسية يجب أن يقاس على منظور زمانهم العالمي وليس زماننا.

لا شك أن المعرفة بالتاريخ — صفحاته البيضاء والسوداء على حد سواء — أفضل كثيرًا من الجهل أو التعتيم. فالجهل يخلق مجالات للاختلاقات غير الصحيحة والتي يقع فيها بعض الروائيين فيكتبون القصص الممتعة يضفون عليها حبكة درامية أو فكاهية يتقبلها الناس كوقائع تاريخية، وهي ليست كذلك. ولا يحدث هذا في مصر فقط بل في أجزاء كثيرة من العالم، مع فارق المغالاة التي درجنا عليها في مصر.

والغرض هو أن تكون مناهج التاريخ في التعليم العام أرحب مما هي عليه الآن، بحيث يدرك التلاميذ أبعاد المكون الحضاري المصري بصورة مركزة غير موغلة في الأسماء وغير متحيزة «للأنا المصرية»، وغير غارقة في تفصيلات يجب أن تترك للذين يتخصصون في التاريخ في الدراسة الجامعية. فكل حضارة لها ارتفاع وهبوط وازدهار وركود. ومن حظنا الحسن فإن الحضارة المصرية عاشت هذه المراحل دون أن تموت — كما حدث لبعض الحضارات وخاصة في العالم الجديد، فالنسيج الحضاري كان من التداخل والقوة بحيث تتسلل عناصره وخيوطه من عصر زاه إلى عصر باهت، ثم عصر زاه مرات متعددة مكتسبة عناصر مضافة فصارت كصنعة «الأبليك» في حرفة الخيامية القديمة: تنسجم فيها الإضافات لونًا وحجمًا داخل منظومات وتشكيلات الإطار العام.

إن أرض مصر في الوادي والدلتا والصحاري الغربية والشرقية وسيناء الجنوبية والشمالية مليئة بالآثار لمن ينقب ويبحث ويدرس وينشر ويحفظ هذه اللقى الأثرية في محلها كمتاحف مفتوحة أو في دور الآثار كمتاحف مصانة. وهذه الآثار لا تختص فقط بالعصور التاريخية منذ الفراعنة إلى وقتنا هذا. فهناك آثار للناس قبل التاريخ غير جذابة للعامة ولكنها على قدر عظيم من الأهمية للمختصين والمنقبين عن أصول الحضارة المصرية كرءوس السهام والفئوس الحجرية والمنتجات الفخارية.

٢٦ / ٣ / ٢٠٠١

(٢) الصحراء الغربية والتنمية برفق

تنقسم مصر إلى عدة أقسام طبيعية هي وادي النيل والدلتا، والصحراء الشرقية وسيناء والصحراء الغربية. ومن الناحية العمرانية تنقسم إلى المعمور المصري الأساسي في الوادي والدلتا، وهوامش المعمور على أجزاء من سواحل البحر المتوسط والبحر الأحمر وخليجي السويس والعقبة، ومساحات صغيرة داخل الصحراء الغربية تتمثل في الواحات المصرية ذات الشهرة قديمة الأزل. المعمور المصري يبلغ نحو ٦ إلى ٧٪ من مساحة مصر على أعلى تقدير وبقية مصر صحراء جدباء: رملية في الغرب والشمال ومعظم الجنوب وصخرية جبلية في الشرق والجنوب الشرقي. وتشكل الصحراء الغربية أقل قليلًا من ثلثي مساحة مصر، وتحتوي إداريًّا على محافظتي مطروح في الشمال والوادي الجديد في الوسط والجنوب.

(٢-١) ميزان الحياة المتغير

ولقد مر حين من الدهر كانت فيه الصحاري المصرية وافرة المطر والعشب والشجر والحياة الحيوانية العاشبة واللاحمة. ولكن ذلك لم يكن مستمرًا. فقد تقلب الميزان الحيوي للصحاري بين القحط والمطر عدة مرات خلال المليون سنة الأخيرة. وتدل الكشوف الأثرية على ظهور الإنسان منذ نحو مائتي ألف عام في الصحراء الغربية في الفترة التي يسميها الأركيولوجيون ودارسي ما قبل التاريخ باسم العصر الحجري القديم «الباليوليتي». أما لماذا اختصت الصحراء الغربية بذلك، فهذا أمر يرجع إلى أشياء كثيرة على رأسها أن الغطاءات الرملية الكثيرة قد حفظت آثار الإنسان، حتى نقوشه على صخور الكهوف وجنبات الوديان — كما في هضبة الجلف الكبير على سبيل المثال — حفظتها الرمال وانتظرت قدوم العلماء يزيلوا بعض الرمال ويكتشفوا هذه السجلات الأثرية الموغلة في القدم. أما الصحاري في سيناء والبحر الأحمر فقد طغى عليها آثار الإنسان الأحدث، وبخاصة منذ قبيل نشأة دولة مصر الفرعونية وإلى العصور التالية لكثرة حركة الناس والتجارة والتعدين والهجرات البشرية والحملات العسكرية وتكوين القبائل والممالك والشعوب في الشرق الأوسط ذو العلاقة الحميمة بمصر خلال نحو ستة آلاف سنة. بينما كانت الصحراء الغربية باتساعها وترامي أطرافها وعدم وجود نويات أمم قوية في ليبيا وما بعدها غربًا؛ قد أدى إلى حركات محدودة لقبائل البربر بطول الساحل الشمالي وعبر مسالك ودروب صحراوية إلى الواحات من سيوة إلى البحرية والفرافرة والداخلة والخارجة. وكذلك حركات محدودة لقبائل هم أجداد التبو الحاليين إلى الداخلة والخارجة قادمين من الجنوب الغربي.

والأغلب أن تذبذب المناخ واتجاهه إلى الجفاف قد أدى بسكان الصحراء الغربية — ومعظمهم ينتمون إلى السلالة السابقة على البربر الحاليين — إلى الهجرة صوب وادي النيل الذي كان آخذًا في التكوين وتشوبه الكثير من المستنقعات في نحو الألف العاشرة قبل الميلاد. فالرسوم المنقوشة على الصخور وآثار الإنسان الحجرية كرءوس السهام والفئوس الحجرية والمنتجات الفخارية في أنحاء كثيرة من الصحراء الغربية من الفيوم إلى الجلف الكبير هي في الواقع سجل يؤرخ البيئة المصرية في زمن مضى، ونشاطات الإنسان صيادًا للحيوانات أو راعيًا للأبقار، حسب ظروف المناخ المتغير.

وأقدم منطقة أثرية متكاملة للإنسان الحديث في النطاق المصري هي تلك الحفريات والهياكل التي وجدت في منخفض صغير اسمه «نبته» (نبطه)، على بعد نحو مائة كيلومتر إلى غرب الشمال الغربي من أبو سمبل، وليس بعيدًا عن طرف منخفض توشكى. فيه وجدت عدة جبانات تعود إلى الإنسان في أواخر العصر الحجري القديم (١٢ إلى ١٠ آلاف سنة من الآن)، وأخرى لإنسان العصر الحجري الحديث «النيوليتي» (نحو ثمانية آلاف سنة)، وهو العصر الذي يؤرخ للثورة الزراعية الأولى في العالم. والجماعات الأول كانوا يعيشون على الصيد البري، بينما كانت جماعة النيوليتي تربي الأبقار — وربما بعض الزراعة. وفي العصرين كانت ظروف المناخ أحسن والأمطار أكثر، فصلت بينهما فترة من الجفاف النسبي. وربما كانت هذه أقدم آثار للإنسان الحديث في مصر؛ إذ إن الباب ما زال مفتوحًا لمزيد من التنقيب والكشف الذي قد يأتي بجديد.

والحقيقة أن آثار مصر سماوات مفتوحة لجهود مشتركة ومفردة لهيئات بحثية جليلة على رأسها مجهودات الهيئة المصرية للآثار والمعهد الفرنسي للآثار بالقاهرة والتمويل الكندي والألماني والأمريكي والبريطاني وغيرهم كثير. ففي الواحة الخارجة رأيت مجهودًا مصريًّا مثلًا في قصر الزيان، ومجهودًا فرنسيًّا في واحة دوش في أقصى جنوب الخارجة. وفي الداخلة مجموعات من الأثريين الأجانب يعملون في موط وجنوب الداخلة بتمويل كندي، وألمان في بلاط بالداخلة أيضًا. وفي البحرية جهود رائعة لهيئة الآثار المصرية منذ فترة طويلة.

الكشوف الأثرية أمر مكلف للغاية. ولهذا ولغيره من الأسباب بالإضافة إلى اهتمام العلماء والهيئات العلمية الأجنبية، فقد سبقت مصر في مجال الآثار أفكار العولمة — لكنها عولمة على قدر عظيم من الاحترام والجدية؛ لأن هذا ليس تراث مصر فقط بل هو جزء لا يتجزأ من التراث العالمي.

ومنذ العصور الفرعونية حتى أوائل القرن العشرين، كان السكان الزراعيون في الواحات يقيمون قراهم السكنية مترابطة متداخلة على مرتفع من الأرض محروسة ببوابات وأسوار وحارات منحنية ليست مستقيمة لمزيد من الدفاع. بقايا هذه القرى الواحية ما زالت قائمة للآن فيما يسمى بالقصر: قصر الخارجة أو قصر الداخلة وقصر الفرافرة … إلخ، أو «شاله» في واحة سيوة. القصر كلمة عربية بينما شاله كلمة بربرية من لغة سيوة الأصلية، وهما معًا يعني القرية القديمة المركزية المبنية على مرتفع من الأرض تحوطها الأسوار من أجل الحماية من الجماعات البدوية الغازية التي كانت تفاجئ السكان قادمة من جوف الصحراء تنهب وتقتل وتسبي. آخر هذه الغزوات الكبار ذكرها كبار السن في قصر الداخلة لأحد الرحالة الأوروبيين في أوائل القرن ١٩. وربما كانت آخر حركات السكان في هذه الصحراء القاحلة المجدبة هجرة نحو ٥٠٠ من سكان واحة الكفرة الليبية بأسرهم وأطفالهم؛ فرارًا من الاحتلال الإيطالي عام ١٩٣٠، عابرين على الأقدام بحر الرمال الكبير إلى هضبة الجلف الكبير. هلك الكثيرون ولولا مساعدة السلطات المصرية لهم على الانتقال إلى بعض أجزاء الواحة الداخلة، وخاصة منطقة تنيدة، لكانوا قد هلكوا جميعًا.

(٢-٢) الزراعة والتنمية برفق

والقصد من ذكر الصحراء الغربية كمثال عما في أرض مصر من الإمكانات لو حسن اختيار المكان والتكنولوجيا الملائمة للبيئة. إن الإنسان المعاصر متسلح بتكنولوجيا عالية يزهو بها. مثال ذلك إمكان دق الآبار إلى أعماق مئات الأمتار لم يكن يحلم بها الإنسان في مطلع القرن. وقد حدث هذا بصفة خاصة في واحة الخارجة فيما عرف باسم «الوادي الجديد» الذي بدأ قرار إنشائه من أجل تنمية مساحات زراعية في الواحات عام ١٩٥٨، ونمت في الستينيات بصورة دعت إلى إنشاء ١٤ قرية بأسماء مدن عربية تمشيًا مع المد السياسي العربي. مثال ذلك صنعاء وبغداد والجزائر وفلسطين والكويت وجدة … إلخ. ولكن انتهت الآمال بالفشل لأسباب كثيرة على رأسها أن الآبار العميقة قل إيرادها المائي؛ لأن المخزون الجوفي في طبقات الحجر الرملي هو مياه غير متجددة. المساحات التي زرعت في البداية على المنشآت الهندسية الجديدة انكمشت. وما زال المسافر يرى الوادي الجديد في الخارجة بعض أراضٍ زراعية هجرها أهلها تفصل بينها مساحات شاسعة من الرمال والتراكيب الصخرية الصحراوية، وفي بعض التقديرات المتحفظة أن مساحة الأراضي الزراعية الحديثة والقديمة معًا لا تزيد عن ١ إلى ٢٪ من مساحة منخفضات الواحات.

(٢-٣) مشكلة الماء والصرف في الواحات

والمشكلة الأساسية في الواحات هي الماء. وقد تعامل الناس مع الماء لمدة أكثر من ثلاثة آلاف سنة بأشكال مختلفة وتكنولوجيات بسيطة. هناك العيون التي تخرج طبيعيًّا كما هو الحال في سيوة بينما يشيع في غيرها من الواحات الآبار التقليدية التي قد لا تتجاوز ٣٠ مترًا مبطنة من الداخل بالحجر وأفلاج النخيل حتى لا تنهار جدران البئر، وهناك أخيرًا الدهليز أو الكهريز، وهو عبارة عن نفق محفور تحت سطح الأرض يميل ميلًا متدرجًا من منطقة تجمع مياه جوفية ليروي مساحات محدودة من الأرض المنخفضة على بعد عدة عشرات أو مئات الأمتار. وتظهر هذه الأنفاق في أماكن محدودة مثل «مناور» في شمال واحة دوش، آخر واحات الخارجة في الجنوب، وفي واحة البحرية حيث تسمى في أحيان «منافس» لوجود فتحات تهوية على السطح بطول النفق. هذا النوع من الري منتشر في إيران وأفغانستان وعمان وشمال أفريقيا وله في كل مكان اسم معين كالقناة في إيران والأفلاج في عمان والفجارة في شمال أفريقيا. وكان الشائع أن هذا النمط استعارة حضارية من إيران، ولكن العالم الأثري الراحل أحمد فخري يجد الدهليز في البحرية من عهد الأسرات المتأخر، وبالتالي فهو أقدم من المؤثرات الفارسية.

وعلى هذه الأنماط من تكنولوجية الحصول على الماء — وبالأخص الآبار التقليدية — عاش سكان الواحات وازدهروا في العصور التاريخية من الفرعوني إلى الروماني إلى المملوكي. وكانت فواكه الواحات وأعنابها وتمورها وزيتونها ذات جودة مطلوبة في بقية مصر.

وبعد أن جربنا التكنولوجيا الحديثة وعرفنا منافعها ومضارها بالنسبة للمخزون الجوفي للمياه في الواحات، فالمطلوب إذن منهاجًا وسطًا لا يضر بالآبار التقليدية ولا يضخ الماء الجوفي بكميات كبيرة تؤدي إلى نضوب سريع غير مرغوب.

ففي الفرافرة كميات كبيرة من الماء تضخ لدرجة تمكن من زراعة الأرز! ومجرد تصور الأرز ذو المتطلبات المائية العالية وسط الصحراء هو أمر مثير للعجب والجدل. ولكن ربما لكثرة تدفق مياه بعض الآبار الحديثة في الفرافرة فقد أصبح الأرز محصولًا ملائمًا. ماذا لو قننت مياه هذه الآبار بحيث تعطي القدر المناسب لمحاصيل أقل نهمًا للمياه بحيث تطيل عمر المجتمعات الزراعية الحديثة التي تنشئها الدولة والمستثمرين أفرادًا أو جمعيات تعاونية؟

وبالرغم من أن الحصول على الماء أصبح ممكنًا بواسطة المضخات الحديثة إلا أننا لا يجب أن نتصور أن الآبار ستكون ممكنة في كل أجزاء الواحة — بمعنى أن المياه الجوفية ليست بأقدار متشابهة في كل مكان. فبعض الآبار ذات إنتاج مائي وفير وأخرى إنتاجها من المياه متوسط إلى قليل. وعلى أية حال فليس من المستحسن دق آبار كثيرة حتى لا نكرر في الفرافرة أو الداخلة ما حدث في الخارجة منذ ثلث قرن، بل يجب أن نتعلم الدرس ونعيه جيدًا حفاظًا على المورد المائي الجوفي الذي هو غير قابل للتجدد بإجماع أكثر الآراء العلمية حتى الآن. وحتى لو كان هناك تجديد فإن ذلك يستغرق مئات السنين بشرط عدم استهلاكه طوال هذه الفترة أو نحوها.

وإذا كان الماء مشكلة عسيرة لها بعض الحلول فإن المشكلة العويصة بحق في الواحات هي مشكلة صرف مياه الري. ذلك أن الواحات هي عبارة عن منخفضات أرضية مغلقة أو شبه مغلقة على سطح الهضبة الصحراوية. كما أن قيعان هذه المنخفضات ليست مستوية أو ذات انحدار تدريجي في اتجاهات معينة، بل هي ذات مناسيب مختلفة مما يكون أحواضًا متفاوتة المساحات تفصلها عن بعضها ميول أرضية مختلفة من الأرض القاحلة الرملية أو السبخية أو الحجرية. هذه الأحواض هي واحات صغيرة قد تكون متتابعة ومجموعها يساوي ما نسميه إجمالًا الواحة الخارجة أو الداخلة أو سيوة … إلخ. ومن ثم لا يوجد انحدار طبيعي تنصرف إليه مياه الري كالصعيد والدلتا. وعلى مر آلاف السنين لم تكن هناك مشاكل صرف بالقدر الذي نراه الآن؛ أولًا: لأن الآبار التقليدية كانت تضخ القدر المناسب من المياه، وثانيًا: فإن الزراعات التقليدية من أشجار الفواكه والنخيل والزيتون وبعض المحاصيل الحقلية لم تكن نهمة للماء — بمعنى أنها كانت متوافقة تمامًا مع معطيات البيئة الطبيعية والسكانية وسوق الاستهلاك. وهذا هو سر بقاء الواحات معطاءة بقدر معلوم وقابلة للسكن الدائم المتناسب مع ظروفها الخاصة عبر الزمن.

ولكن مع كثرة الماء الذي تضخه الآبار الحديثة فقد أصبح الصرف مشكلة ذات مخاطر كبيرة. وحلًّا للمشكلة أنشئت برك واسعة تضخ فيها مياه الصرف الزراعي، لكنها امتلأت وما زالت تمتلئ وأصبحت كالبحيرات التي بدأت نباتات البوص وغيره تملؤها. وأصبح نشع هذه البرك «يطبل» الأرض الزراعية المجاورة كأننا في الدلتا. والتمليح يظهر بحدة نتيجة الحرارة العالية والتبخر الكبير معظم أشهر السنة. فهل هذا يعني أننا نفقد أرضًا أورثنا إياها الأجداد وأجداد الأجداد؟

الصحراء الغربية هي أمل تنمية مكانية للفلاحين والإنتاج الزراعي بدرجة مقبولة. ففيها إمكانات لا بأس بها يمكن أن تنتج وأن تعمر طويلًا لو أحسنا استخدام كل مقومات البيئة الصحراوية ومواردها من المياه الجوفية. وأحسن إرشاد للمستثمر والفلاح المهاجر وشباب الخريجين هو التأكيد على الطريقة المناسبة في استخدام الأرض والمحصول والماء من أجل إقامة كيانات حياة معمرة، وليس من أجل إقامة مشروع ينتهي في أجل قريب بعد أن تكون موارد البيئة التي عاصرت الإنسان آلاف السنين قد دمرت ولم تعد هناك وسيلة لاستعادتها!

وباستثناء الواحات فإننا نجد أن مشروع شرق العوينات هو الوحيد من المشروعات الإعمارية الحالية في الصحراء الغربية الذي يقوم على المياه الجوفية على سطح الهضبة وليس في منخفضاتها. ولأنه في بواكير عمره فإن الحكم على هذا المشروع صعب في هذه المرحلة. أما باقي المشروعات: توشكى، غرب بحر يوسف في المنيا، ومناطق التحرير، والنوبارية، وبهيج في غرب الدلتا، فكلها تتركز على الهامش الشرقي للصحراء الغربية وتعتمد أساسًا على مياه النيل مباشرة أو مياه جوفية مرتبطة بمياه النيل. ربما كانت هذه المشروعات أكثر ضمانًا لمورد المياه، ولكننا نعلم أن مياه النيل مورد له حدود طبيعية وسياسية لا يمكن تعديلها.

وفي المجموع فقد آن الأوان أن نولي توجهاتنا إلى أبعد من النيل — ليس باندفاع وإعلام كبير، ولكن برفق لهشاشة البيئة الصحراوية.

(٢-٤) موارد الصحراء الأخرى

البترول والحديد والفوسفات هم أهم الخامات التعدينية في الصحراء الغربية. ولكن هناك موارد أخرى ذات قيمة للصناعة وعلى رأسها النطرون في وادي النطرون، وفي الواحات المنعزلة الصغيرة غير المأهولة في أقصى الجنوب كمنطقة بير الشب. هناك الكثير من الأملاح في منخفض القطارة الشاسع لم تمسح وتقدر قيمتها وتستغل بعد.

البترول هو الملك غير المتوج في معادن الصحراء الغربية، وإن كان إنتاجه وإنتاج الغاز الطبيعي هو أقل بكثير من إنتاج خليج السويس — خليج النفط المصري. ذلك أنه سلعة لها سوقها العالمية والداخلية والشركات القائمة بالتنقيب عنه شركات ضخمة مصرية ومتعدية الجنسية. فلا غرو أنه يتصدر قائمة الموارد التعدينية في الصحراء الغربية — بل وفي كل مصر، وحتى الآن فالبترول والغاز ينتجان من شمال الصحراء الغربية. وفي شرق وسط الصحراء الغربية يعدن الحديد في شمال الواحات البحرية، ويستخدم كمورد أساسي لصناعة الحديد والصلب المصرية. وأخيرًا فإن فوسفات هضبة أبو طرطور بين الواحتين الخارجة والداخلة ما زال في مراحل أولية في الإنتاج. كان القصد تصدير الكميات الكبيرة من هذا الفوسفات عبر ميناء سفاجا على البحر الأحمر. ومدت إليه سكة حديد مكلفة. لكن سوق الفوسفات العالمي فيما يبدو أصبح متخمًا، وأصبح من الواجب إيجاد بدائل لاستخدام هذه الخامة على وجه يعوض ما أنفق عليها من طائل الأموال.

ومما لا شك فيه أن عمليات التنقيب والتعدين تغير البيئة المحيطة بالمناجم والحقول البترولية بما تقيمه من منشآت ومساكن ومخازن وصهاريج وطرق. لكنها تغييرات في مساحات محدودة وتلزم التضحية لما لها من فوائد على الاقتصاد والمجتمع معًا.

الشمس والهواء

أكبر الطاقات الطبيعية في الصحاري هما الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. ونحن قد دخلنا عصر هذه الطاقات متأخرًا ومتباطئًا. تفكيرنا غالبًا أحادي النظرة. فلفترة ثلث قرن أو تزيد كانت أفكارنا للطاقة مرتبطة بإنتاج الكهرباء من محطات مائية كالسد العالي، أو حرارية — بترول وغاز، وهي الأكثر انتشارًا، ودخلت الكهرباء غالب القرى المصرية والسواحل والواحات. ودخلنا عصر الشبكات الكهربائية الموحدة الدولية. وهذه هي أعمال متميزة، لكنها نهاية المطاف بالنسبة للكهرباء بصورتها الحالية التي تستوعب لإنتاجها كميات ضخمة من إنتاج الغاز الطبيعي المحلي.

والآن هناك مشروعات لإنتاج الكهرباء من حقول ضخمة من مراوح الرياح على البحر الأحمر — زعفرانة والغردقة، فمتى يأتي دور الصحراء الغربية في إنتاج الطاقة الكهربائية من مقومها الأساسي وهو الشمس والرياح. الجميع يعرف ساعات سطوع الشمس في الواحات وكم هي كثيفة وكم هي تحتاج إلى فكر ابتكاري لتوليد الطاقة المرغوبة على نطاق واسع. والكل يعرف أيضًا قدر الرياح الدائمة في الصحاري. صحيح أنها متغيرة الاتجاه في حدود معروفة وتحتاج إلى مراوح متزامنة مع تغير اتجاه الريح لضمان طاقة مستمرة. وعلم كل هذا عند المختصين في علوم الطاقة وفيزيائها. فمتى يتسع صدر المؤسسات الحكومية والشركات الخاصة للخروج من القوالب المنتجة حاليًّا إلى تشجيع ميادين الابتكار والتطبيق؟

figure

(٢-٥) السياحة والصحراء الغربية

الشمس والهواء من مكونات السياحة العالمية. وإذا كان البحر الأحمر يزهو بشواطئ المرجان وسباحة الغطس والشمس، فإن الصحراء الغربية تزهو بمكونات أخرى تجعلها قبلة لنوع آخر من السياح. فكرة الواحة الكلاسيكية: غدير ونخيل وظلال وثمار تتباعد وسط قفر ورمال مئات الكيلومترات عن بعضها البعض. هذه هي حقيقة موجودة وكامنة في الصحراء الغربية، هناك سيوة الأسطورية والفرافرة في ظل هضبة القس أبو سعيد وأبو منقار جيب في جوف الرمل والصخر وقصر الداخلة يترك الخيال يسرح في جنبات حياة القرون الفائتة، وما إلى ذلك الكثير الذي يعبر بالسائح الأوروبي الزمن سراعًا إلى ماضٍ مسحور!

وفي الصحراء البيضاء — شمال شرقي الفرافرة، ومواضع أخرى نحتت الطبيعة مئات الأشكال من الصخر الطباشيري تترك للمشاهد العِنان كي يتصور هذا النحت البارع جملًا أو أسدًا أو وجهًا يطل من علياء، وفي الينابيع ذات المياه الباطنية الساخنة يسبح السائح أو يترك جسمه تتخلله هذه المياه المعدنية الدافئة فتصحح ما يشعر به من آلام الحضارة الحديثة.

وفي عين دالة — أو ضالة — شمال هضبة القس، أو جنوب واحة أبو منقار، يقف المرتحل على حافة بحر الرمال الأعظم: مئات من الكثبان الطولية الثابتة تمتد كأجسام الحيتان الواحد خلف الآخر مئات الكيلومترات إلى داخل ليبيا، فيشعر بضآلته كأنه وظله نقطة سوداء متناهية الصغر في محيط أصفر بني لا ينتهي.

(٢-٦) كوكب المريخ والصحراء الغربية

كل هذه عايشتها رؤية العين وإحساس البدن، ورأيت عشرات الألمان يتنقلون كالمأخوذين في هذا الخضم الحافل بالماضي والجمال والمخاطر. ولكن الذي لم أره — وأتمناه — رحلة إلى هضبة الجلف الكبير في أقصى جنوب مصر عبر نحو ٤٠٠ كيلومتر من الواحة الداخلة، ونحو مثلها شرق العوينات. ومهما قيل عن استمرار خط خطه الإنسان مثل مسار سيارة، فإنه يظل عشرات السنين لا يعتريه تغيير للجفاف الشديد وسكون الهواء، ومهما قيل عن وديان الجلف الكبير الجافة وعلى رأسها وادي عبد الملك ووادي صورة، فإن أكثر ما يثير هو اهتمام مشروعات الفضاء الأمريكية بتصوير هذه المناطق بكل أساليب التصوير الفضائي والرادار — ليس حبًّا في بيئة هذه المنطقة، ولكنها في اعتقادهم أكثر الأماكن على سطح الأرض شبهًا بتضاريس سطح كوكب المريخ!

وقد ساهم العالم المصري فاروق الباز في بعض — أو كل — هذه العمليات، واكتشف مع غيره في معامل الفضاء الأمريكية وجود مسارات مطمورة لشبكة وديان نهرية على أعماق ليست كبيرة من سطح الأرض! هل هي أنهار العصور الجيولوجية القديمة؟ وهل تحتوي بعض مسامها على ماء؟ وأسئلة أخرى كثيرة يريد العلماء قياسها على ما يتشابه معها من سطح المريخ. لا شك أن نتائج هذه الدراسات لها مردود على هذه المنطقة النائية من مصر التي تقع قرب نقطة تلاقي حدود مصر وليبيا والسودان. فما هي النتائج الاستراتيجية المترتبة على ذلك؟

هكذا تفصح الصحراء الغربية عن مكنوناتها شيئًا فشيء لنعرف عن الماضي والحاضر والمستقبل شيئًا مفيدًا.

(٣) واحة الفرافرة: المقومات وتجربة الاستصلاح الزراعي في التسعينيات

تمهيد

في نوفمبر ١٩٩٥ صحبت إحدى أسابيع الدراسة الميدانية للبرنامج البحثي بين جامعتي عين شمس وهلسنكي الفنلندية لدراسة ظواهر مورفولوجية لعصور قديمة في الواحات المصرية، وكانت الدراسة في واحة الفرافرة. الشكر واجب للبرنامج البحثي، والورقة التالية هي نتائج استطلاعات الدراسة التي قمت بها، وفيها الكثير من الاستفهامات والإيماءات لمزيد من الدراسة لمن يريد المتابعة والتمحيص بعامة أو في نقاط معينة.

(٣-١) الفرافرة ما هي؟

هي آخر المعمور المصري في وسط الغرب. اسمها غير مألوف في العربية كأسماء الواحات الأخرى الأكثر ألفة والمعبرة عن علاقة مكانية. ويضاهي الفرافرة في غرابة الاسم واحة سيوة، لكن سيوة اسم مطروق على الأخص منذ تنصيب إسكندر المقدوني ملكًا فرعونيًّا من خلال طقوس الإله آمون في معبده، الذي كان شهيرًا في واحة سيوة لدرجة أنها كانت تعرف أحيانًا باسم واحة آمون.

وهناك أسطورة سائدة بين سكان الفرافرة أن هذه التسمية ترجع إلى ملك قديم يقال له: «فرفور»، وأنه كان هناك ملكان آخران في الجوار أحدهما الملك حنَّس والآخر الملك أبو منقار. ولعل الأسطورة تشير إلى وحدات سياسية أو عشائرية قبلية قديمة بمقتضاها كان حكم فرفور في منطقة الفرافرة المركزية، بينما كان حكم أبو منقار في ذلك المنخفض المستقل الغني بالماء والذي يبعد نحو مائة كيلومتر جنوب الفرافرة، وتكتنف السير فيه مصاعب من كثيف الرمال ووعورة المنحدرات. أما الملك حنس فيشير إلى وادي حنس شمال شرقي الفرافرة بنحو مائة كيلومتر، وهو الوادي الذي يرسل إليه أصحاب الإبل إبلهم لمرعى الشتاء والربيع إلى نحو وقتنا هذا، وبالتالي فلعل حنس تشير إلى تنظيم عشائري رعوي قديم.

وتحمل أسماء الظاهرات الاستيطانية القديمة أسماء فيها رنين لغة البربر أو لهجات شمال أفريقيا. مثال ذلك أسماء العيون: عين أبشوي وعين فالاو وعين أبساي وعين شميندة وعيون قلقام والهاقة وهيدية والعكوة … إلخ، ولعل ذلك يشير إلى أصول بربرية لمؤسسي الاستقرار في الفرافرة على نحو ما نعرف في سيوة، وموقع الواحتين في غرب مصر هو الأكثر مواجهة لمواطن شعوب شمال أفريقيا طوال الحقب. ولنا عودة للموضوع فيما بعد قليل.

(٣-٢) التجمعات السكنية في الفرافرة

التجمعات الأصلية لسكان الواحة قليلة معظمها في قصر الفرافرة، وقليلها في واحة صغيرة جنوبها تسمى حطية الشيخ مرزوق. أما باقي التجمعات السكانية فهي حديثة أقامها مستثمرون من الوادي والدلتا من خلال جمعيات تعاونية. وهناك أسماء مستوطنات حالية بعضها يشير إلى المكان الواحد باسمين: مثلًا مستوطنة اللواء صبيح كانت هي بئر سبع، ومستوطنة النهضة تشمل مستوطنتين هما: عائشة عبد الرحمن وعبد المجيد الدغيل، والأخيرة كانت تعرف أيضًا باسم عين النص التي هي عين رومانية قديمة في مكان يبعد الآن عن الدغيل بنحو كيلومترين إلى الشرق. هذه التقلبات تعكس غالبًا مراحل تنموية وتسميات تكريم لشخصيات أدت للواحة خدمات مشكورة. بينما أسماء أخرى تعبر عن آمال وطموحات المستقبل مثل الكفاح والنهضة والأمل، وأسماء أماكن مصرية مثل أبو الهول وبلقاس، أو أرقام أحواض زراعية مثل زراعة ٣ أو ٥ … إلخ، وكلها أسماء فترة الاستزراع المعاصرة.

السؤال المطروح هو هل يؤدي التوسع العمراني الزراعي الحالي إلى إنشاء مجتمع مندمج من المجتمعات المختلفة الحالية المكونة من الواحي الأصلي والمهاجرين القادمين من واحات الوادي الجديد ومن وادي النيل والدلتا، أم ستظل المجتمعات متفرقة عدة أجيال؟

(٣-٣) جغرافية المكان والصفات العامة

تحتل منطقة الفرافرة حوضًا نائيًا بين ذراعين من أذرع بحر الرمال العظيم، الذراع الشمالي يمتد عند عين دله في ألسنة داخل وادي الأبيض شمالي كتلة هضبة القس أبو سعيد الذي يحيط بها بحر الرمال من الغرب ويمتد جنوبًا إلى منخفض أبو منقار، حيث يمتد الذراع الجنوبي لبحر الرمال فيدخل جنوب حوض الفرافرة ويستمر شرقًا إلى ما بعد بئر كروين. ونستطيع أن نقول: إن هضبة أبو سعيد شكلت حماية غربية لحوض الفرافرة. وترتفع هذه الهضبة إلى نحو ٢٠٠–٢٥٠ مترًا فوق منسوب حوض الفرافرة الذي يرتفع في المتوسط بين ٦٠–١١٠ مترًا فوق سطح البحر. وتمتد الهضبة في محور شمال شرقي-جنوب غربي لمسافة نحو ٧٠ كيلومترًا، وعرض بين ٢٠–٣٠كم. وهي بذلك ظاهرة طبوجرافية قوية الظهور خاصة وأنها تنحدر إلى الحوض في صورة حائط مستمر قليل التدرج وقليل النتوءات، تظل في مواكبة الرائي في تجواله شمالًا أو جنوبًا على طول الطريق الوحيد الموازي لحائط الهضبة على مبعدة نحو ١٢–١٥كم شرقي الحافة. والسؤال هو هل للهضبة هيدرولوجيًّا دور في إمداد الحوض بالمياه الجوفية؟ والمراقب لتوزع العيون التقليدية أو آبار الاستصلاح الجديدة لا بد له أن ينتظر نتيجة دراسة لم تتم بكفاية عن الخزان الجوفي في المنخفص والهضبة معًا.

أما الحوض فيأخذ شكلًا بيضيًّا محوره شمال شرقي-جنوب غربي بامتداد يزيد قليلًا عن ١١٠كم وعرض يتراوح بين ٤٠كم في نطاقه الأوسط إلى نحو ١٠كم في طرفه الشمالي الممتد صوب الواحة البحرية. ويرتفع الحوض تدريجيًّا من نحو مائة متر عند نطاق الواحة المركزية إلى كنتور ٢٠٠ متر في قطاعه الجنوبي؛ تمهيدًا للدخول في خط تقسيم المياه بين منخفضي الفرافرة وأبو منقار — أعلى نقط في الفاصل بين المنخفضين هي ٢٨٧ مترًا، وفي شرق منخفض الفرافرة يوجد منخفض صغير يحدده كنتور ١٠٠ متر حول بئر كروين وبئر مر، وهو المكان الذي تقترحه بعض الدراسات لإقامة مشروعات استصلاح زراعي أخرى، وربما يكون قد تم التعاقد على إعداد بعض هذه المساحة، علمًا بأن طريقًا مرصوفًا طوله نحو ٦٠كم قد ربط المنطقة بالقطاع المركزي في الفرافرة.

(٣-٤) أقسام الواحة

ويمكن أن نقسم ما يدخل في نطاق الفرافرة إداريًّا إلى الأقسام الآتية:
  • (١)
    المنطقة المركزية: هذه تدور حول الواحة التقليدية ومركزها السكني الوحيد هو «قصر الفرافرة»، وعيونها المتعددة بزراعتها وحدائقها التقليدية حسب النظام الواحي في استخدام الأراضي. وإلى الشرف من القصر بنيت منشآت إدارية ومنطقة سكنية جديدة وبعض الفنادق الصغيرة ومحطة زراعية.
  • (٢)
    القطاع الشمالي: يشتمل على أراضي الاستصلاح الشمالية ومستوطناتها التي تعرف جميعًا تحت اسم النهضة — مشروعات اللواء صبيح وعائشة عبد الرحمن وعبد المجيد الدغيل.
  • (٣)
    القطاع الأوسط: ويمتد فوق كنتور مائة متر ويسمى جمعًا «الكفاح» ويضم عددًا كبيرًا من المستوطنات بعضها أقامته الدولة للخريجين — الكفاح وأبو هريرة، وبعضها أقامته شركات — الوادي، وبعضها أقامته جمعيات تعاونية مساهمة أبو الهول والأمل وبلقاس الجديدة وزراعات ١٠، ١٤، ١٥، ١٦.
  • (٤)
    القطاع الجنوبي: ينحصر في منخفض أبو منقار ذو المعالم الواضحة في أقصى جنوب منطقة الفرافرة. ويشمل المنخفض قرية للخريجين في شرق المنخفض وشرق الطريق بين الفرافرة والداخلة، وقرية للمستثمرين غرب الطريق، وهي أكثر حيوية ونشاطًا من قرية الخريجين.

(٣-٥) أبعاد الحلم والواقع

كم هي مساحة الأرض الجديدة التي يمكن أن تدور حولها التنمية؟ قد لا نجد إجابة معبرة عن الحقيقة. فالحقيقة يختلط فيها المأمول استصلاحه بالمساحات التي يمكن أن تكون في طور التنمية، والكل يختلط بالمساحات المستصلحة المنتجة فعلًا.

في هذا يتردد القول: إن مساحة الفرافرة التي تبلغ نحو عشرة آلاف كيلومتر مربع تحتوي على قدر كبير من الأراضي الصالحة للزراعة، وتحتوي على قدر عظيم من المياه الجوفية قريبة المنال والتي يمكن أن تحيل الآمال إلى واقع ملموس بالقسط والتدريج. وعلى هذا تدور التساؤلات: هل الفرافرة هي الغرب البري Wild West بالنسبة لمصر؟ هل هناك مليون أو نصف مليون فدان قادرة على استقبال وإعاشة مليون مصري وأكثر من مليوني رأس من الماشية، أكثر أو أقل؟ ليس لهذه التساؤلات إجابة قاطعة واحدة، نعم هناك إجابات ولكن عن قطاعات من التساؤلات. مثلًا قد يكون هناك نحوٌ من مليون فدان تربتها من الصلاحية بحيث يمكن استزراعها إذا توافرت شروط أخرى. ولكن هناك تقديرات أقل من ذلك، كما جاء في دراسة محمد عاطف عبد السلام ومصطفى إسماعيل (موسوعة الصحراء الغربية ج٤ معهد الصحراء لعام ١٩٨٥) التي قدرت أن أراضي الدرجة الأولى لا تزيد عن ١٥ ألف فدان بينما أراضي الدرجتين ٢٫٣ هما الأشيع، وتشملان مساحة تقدر بنحو ٧٠٠ ألف فدان.

وعن المياه يبدو أنها متوفرة بدرجة مقبولة حسب الاندفاع الحالي للآبار الارتوازية، لكن قد لا يكون هناك إجابة جيدة عن الحوض الجوفي حتى الآن، ولا شك هناك إجابات بالإيجاب عن الآمال والأماني المعقودة لدى الساسة ومتخذي القرار. وفي الحقيقة ليست كل هذه الإجابات معبرة عن أوضاع محسوبة مدروسة وإنما هي إجابات واعدة فقط، فهل يمكن التخطيط على وعود؟

وإذا نزلنا لعالم الموجود على الأرض سنجد أيضًا تضاربًا في حقيقة المساحة المزروعة أو تلك في طور الاستصلاح حتى على منسوب المستوطنة الواحدة.

مثلًا نجد في القطاع الأوسط الممتد من مستوطنة الوادي إلى أبو هريرة المساحة المستهدفة هي نحو ٢٧ ألف فدان، المستصلح منها والمنتج نحو ٧٣٠٠ فدان فقط، والباقي مرحلة ثانية — وبعضه فعلًا تحت الإصلاح. ومساحة القطاع الشمالي المنزرعة فعلًا هي نحو ثلاثة آلاف فدان وهناك أيضًا مرحلة أخرى من الاستصلاح. أما مساحة الأرض القابلة للزراعة حسب الرفع المساحي في القطاع الجنوبي فتبلغ عشرة آلاف فدان المنتج منها هو ٢٧٠٠ فدان، وجاري استصلاح ١٢٠٠ فدان أخرى.

هكذا إذا استثنينا الحدائق والعيون التقليدية نجد أن الاستصلاح الزراعي في الفرافرة قد أثمر فقط نحو ١٢-١٣ ألف فدان، وأن المتوقع استصلاحه مستقبلًا في كل أرجاء المستوطنات الحالية هو نحو ٣٠ ألف فدان، وبعبارة أكثر تفاؤلًا فإن الآمال قد تنعقد على ٤٠–٥٠ ألف فدان في المستقبل ربما إذ تضمن العد مشروع كروين. وهكذا نرى الآمال الكبار تحتاج إلى معالجة إدارية وتقنية للاستصلاح بطريقة غير تلك التي واكبت التنمية الحالية، كما أنها تحتاج قبلًا إلى تفهم أمور منها:
  • (١)

    المشروعات الزراعية: هي مشروعات طويلة الأجل في تنفيذها وتحتاج إلى صبر في وضع اللوائح والقوانين، فهي ليست مثل المشروعات الصناعية التي يمكن ضبطها بالمفتاح عند اللزوم، ومن ثم لا بد من إيجاد لوائح مرنة خاصة بكل منطقة استصلاح زراعي على حدة، حيث إن أراضي استصلاح النوبارية غير تلك في شمال سيناء غير واحات الغرب. فالزراعة تنفرد بالتنوع في التلاؤم البيئي وتنفرد بمحاصيل لها كينونة خاصة، وذلك عكس علاقة الصناعة بالبيئة التي هي ليست جوهرًا ملزمًا لصناعة سلعة ما.

  • (٢)

    تخطيط مرن اقتصادي اجتماعي معًا لتلافي إشكاليات كثيرة أثناء السنوات الأولى للمشروع الزراعي وبالأخص دعم الفلاح في مواجهة الفشل مرة وأخرى، والسماح للتعاونيات التي ينشئها الناس بمحض إرادتهم أن تكون لها آراء يؤخذ بها، فالناس هم المعنيون الأول بالموضوع.

  • (٣)

    أن تتعامل الإدارة مع موضوع الماء بدرجة أكثر فاعلية بدءًا من دراسة الخزان الجوفي وحفر آبار استكشافية متعددة في الأماكن التي تصلح لإقامة أي مشروع زراعي، وعلى ضوء ذلك يخطط نوع المستوطنة وعدد الأسر العاملة ونمط الري والمحصول الأول من أجل مسعى أساسي هو الحفاظ على الماء الجوفي وتعظيم قدر الإفادة منه، فليس بخاف دور الماء في الصحراء.

المياه

المياه هي العامل المحدد للزراعة. وقد حفرت آبار كثيرة في الفرافرة معظمها يصل إلى أعمال ٨٠٠–٩٠٠ متر، وأثبت بالفعل أن هناك طبقة حاملة للمياه عند هذه الأعماق تعود إلى تكوينات الحجر الرملي النوبي، وتندفع المياه بالضغط الطبيعي منذ بضع سنوات، كما أن هناك طبقة أخرى حاملة للمياه في التكوينات الجيرية أعلى الرملي النوبي. وتشير دراسة كمال فريد سعد: (الموارد المائية في الصحراء الغربية — معهد الصحراء ١٩٨٥ الجزء الثالث) أنه يمكن الحصول على نحو ٧٠٠ مليون متر مكعب مياه سنويًّا في الفرافرة، لكن هناك بطبيعة الحال اختلافات في تصرف الآبار بعضها عن البعض الآخر. فمثلًا في منطقة أبو منقار نجد الآبار ١، ٦، ٧، ٨، قوية، وحوض تصريفها يشتمل على ٣٢٠ فدان لكل منها، بينما آبار ٢، ٣، ٤ أقل تصرفًا وتروي كل منها ما بين ٢٦٠–٢٨٠ فدانًا فقط. وهناك الآبار ١٠ إلى ١٣ في طريقها للتجهيز والعمل. وإلى جانب هذه الآبار الإنتاجية هناك آبار اختبارية لمعرفة تصرف البئر وقدراته مثل بئري ٣ و٤ في الدغيل بالمنطقة الشمالية. أما في مشروع مستوطنة الوادي في القطاع الأوسط فقد قل التصرف فجأة عام ٩٤ / ٩٥ بحيث أصبحت هناك مشكلة زراعية!

والمياه برغم تدفقها الإيجابي في معظم منطقة الفرافرة إلا أن الرقابة قليلة وعدد الفنيين قليل، والآبار تتدفق مياهها دون أن تكون هناك تجهيزات للتحكم في كمية التدفق باستثناء وسائل ميكانيكية بسيطة تقلل اندفاع الماء، وذلك ربما خوفًا من انهيار البئر، كما لا توجد تجهيزات تخزين والنتيجة أن المياه تنطلق في الترع حتى في الأوقات التي لا تحتاجها الزراعة، ومن ثم حفرت في الفرافرة برك لصرف المياه في الشمال والوسط، وفي الشمال علت مياه برك الصرف عن منسوب المياه في المصارف، مما أدى إلى إنشاء محطة طلمبات بها ثلاث مضخات كل منها قوته ٢٠ حصانًا، تعمل معًا أو بالتناوب لرفع مياه الصرف إلى بركة الصرف. وقد اتسعت بركة الصرف كثيرًا وملأها البوص والغاب وشتى نبات الماء. وجاءت فكرة تحويل البرك إلى مزارع سمكية: نجحت في الشمال ولكن الصياد يقاسي عنتًا وسط النباتات لكي يصل إلى صيده. ولا يفوتنا أن نقول: إن الكثير من المياه التي تضخ في برك الصرف هي مياه عذبة متدفقة من الآبار في مواسم عدم الاحتياج للزراعة، وإن الكثير من الفلاحين من فئة واضعي اليد — وخاصة في القطاع الشمالي — يقومون بالزراعة على طول المصارف لصلاحية المياه مما يساعد على تقليل عرض بعض المصارف، وهو ما يؤدي لسرعة ارتفاع مياهها فوق جوانبها!

ولا شك في أن هناك إهدارًا للمياه حاليًّا، فالأرض التي يمكن الامتداد فيها لم تتم تجهيزًا، والناس الذين يمكن أن يزرعوا الامتدادات — بدلًا من الجوانب الملاصقة للترع والمصارف — غير موجودين عدديًّا بالوفرة المطلوبة أو القدرة المالية والكفاءة الفنية اللازمة لاستزراع أراضٍ جديدة.

والقول الشائع بين المستثمرين والمنتفعين أن: «مستقبل الماء هو على الله.» وإن المتوقع أن يقل ضغط هذه الآبار الارتوازية كثيرًا في نحو عقدين، وحينئذ يحتاج الأمر إلى استخدام المضخات لسحب المياه، فهل هذه تكون بداية النهاية للزراعة المزدهرة والمياه المتدفقة كما حدث من قبل في الواحة الخارجة؟ ولحسن الحظ فإن العيون الطبيعية تتغذى من طبقة الماء في الصخر الرملي النوبي، ومن ثم تبقى أسس الحياة الواحية — إلا إذا تمرد عليها السكان الملاك مقابل وظائف وأعمال العصر الحالي.

والخلاصة أن هناك تضاربًا بين الوضع المائي الحالي المفرط وبين الصورة المتشائمة للغد. ولكن علينا أن نتذكر أن الفوضى المائية الحالية ربما هي وليدة السنوات الأولى للمشروع، حيث إن أبعاد كل شيء ليست مدركة تمامًا، والمنفذون حائرون بين نتائج التدفق الكبير واحتياجات الناس في الإنتاج المحصولي. الأمور ليست في نصابها بعد، والقليل من الروتين سوف يجعل الرؤية أكثر وضوحًا أمام الإداري والمنتفع والمستثمر فتأخذ الأمور أوضاعًا واضحة على جانب من الاستقرار.

(٣-٦) أعداد السكان

إذا أخذنا تعداد ١٩٨٦ على أنه مؤشر لعدد سكان الواحة بدون المهاجرين الذي بدءوا في التوافد الكبير في أواخر النصف الثاني من الثمانينيات، فإن العدد كان ٢٤٣٥ شخص في المنطقة المركزية والواحة الصغيرة جنوبها المعروفة باسم حطية الشيخ مرزوق. ويذكر صبري حمد (المردود السكاني للتنمية في واحة الفرافرة — مجلة كلية الدراسات الإسلامية، جامعة الأزهر، عدد ١٣ لسنة ١٩٩٥، ص١٦٣–٢٠٣) أن عدد السكان في مستوطنات الإصلاح بلغ «في سبتمبر ١٩٩٤» نحو ٤٣٤٤ شخصًا، وفي المسح العام الذي أجريته في نوفمبر ١٩٩٥، كان العدد الاجتهادي على النحو الآتي: سكان القطاع الشمالي نحو ٣٠٠٠ شخص، القطاع الأوسط نحو ٢٢٠٠ شخص، والقطاع الجنوبي نحو ١٢٠٠ شخص، فضلًا عن نحو ٢٥٠٠ شخص في المنطقة المركزية ونحو ١٥٠ شخصًا في الشيخ مرزوق، فيصير إجمالي السكان الآن نحو ثمانية إلى تسعة آلاف شخص.

والملاحظ أن أرقام السكان — وكذا مساحة الأرض المزروعة — هي أرقام زئبقية لأسباب منها:
  • (١)

    أن عدد الخريجين على الورق أكثر منه في الواقع برغم الميزات الكثيرة التي تعطى للخريج الحائز: بيت مستقل من غرفة وصالة ومنافع وحديقة كما أضاف بعض الخريجين غرفة وزربية، فضلًا عن معونة شهرية مالية قدرها ٥٠ جنيهًا و٥٠ كجم جبن، وشاي وزيت بالإضافة إلى قروض ميسرة من الجمعية الزراعية لشراء بقر وأغنام بحد أقصى خمسة رءوس في حدود ١٠ إلى ١٢ ألف جنيه + سلفيات دواجن. وهناك أسباب كثيرة لهذه الإحجام عن الممارسة الزراعية للحائز بعضها حواجز نفسية والآخر حواجز بيروقراطية فضلًا عن ضعف الممارسة الزراعية لدى الكثير من الخريجين.

  • (٢)

    عدد الأعضاء المستثمرين في الجمعيات الزراعية ليس هو العدد المقيم دائمًا. مثلًا في جمعية أبو الهول نحو ١٢٠ مستثمرًا (لكل الآن نحو ١٤ فدانًا + ١٠ أفدنة مرحلة ثانية)، لكن المقيمين هم نحو ٤٢ مستثمرًا بالإضافة إلى نحو عشرين مستثمرًا يترددون بين الحين والآخر حسب موسم العمل الزراعي، خاصة إذا كان قد انتهى من بناء دار تأويه، كذلك يشرف البعض على زراعات البعض بالتناوب.

  • (٣)

    إن هناك «واضعي يد» على أرض غير داخلة في حصص الجمعيات، والغالب أنها — كما سلف — أراضٍ واقعة على المصارف ونهايات الترع. وبالرغم من أن هؤلاء لا يعدون سكانًا من حيث فقدانهم لشرط الحيازة الرسمي، إلا أنهم أكثر فئات السكان التزامًا بالأرض؛ لأنهم حين هاجروا لم يخلفوا شيئًا وراءهم في قراهم الأصلية، في حين أن بعض المستثمرين لديهم أملاك زراعية أو أعمال مكتبية في مواطنهم الأصلية، ومن ثم نفهم تنقلهم المستمر بين الموطن والمهجر.

    والأغلب أن واضعي اليد يسوون أوضاعهم بعد فترة بمحاضر تسليم عند دفع عشر قيمة الأرض كمقدم ثمن والباقي يدفع على أقساط سنوية لمدة عشر سنوات. وتبلغ قيمة الفدان من هذا النوع مبلغًا يتراوح كثيرًا من ٤٠٠ جنيه إلى ثلاثة أمثاله حسب مكان الأرض وعلاقتها بالمصارف والترع، وقد يعفى المشتري من قسط سنوي إذا قلت المياه سنة من السنوات كما حدث في آبار ٢، ٣، ٤، ٨ في أبو منقار.

  • (٤)

    إن بعض المهاجرين من الداخلة قد يعودون موسمًا أو بعض السنة إلى الداخلة حيث إن تطهير الآبار الرومانية أو حفر آبار بسيطة (عمق ٣٥–٤٠ متر بتكلفة نحو أربعة آلاف جنيه)، تؤدي إلى نجاح زراعة ما بين ٢٥ و٣٠ فدانًا في مناطق من الداخلة مثل البشندي، وهذه الحركة السكانية هي خاصية يتميز بها سكان أبو منقار حيث تقترب المسافة من الداخلة والصلة مع الأهل في الداخلة قائمة لم تنقطع.

    هل معنى هذا أن سكان الفرافرة سيظلون على هذا العدد الزئبقي؟ أم أن هذه سمة السنون العشر الأولى من الاستصلاح؟ لقد بدأ التفكير في استصلاح أراضي الفرافرة عام ١٩٨١. وبدأ الاستصلاح عام ١٩٨٦، وبدأ الإسكان ١٩٩٠ بعد اكتمال أجزاء حيوية من البنية الأساسية. أي هل نرى بداية استقرار عددي في أول القرن القادم ويصبح للفرافرة حجم سكاني معروف على وجه الدقة؛ حينئذ يمكن البدء بتقديم الخدمات بناء على تخطيط شامل للإقليم بدلًا من إقامة مدارس ووحدات صحية في أماكن قد تكون أقل أو أكثر من الاحتياج؟

(٣-٧) من هم سكان الفرافرة

  • أولًا: سكان الفرافرة الأول وهؤلاء يعيشون في المنطقة المركزية داخل مدينة القصر، وفي حطية الشيخ مرزوق على بعد نحو ٣٥كم جنوب القصر. وينقسم السكان إلى عشائر وعائلات منهم القدادرة الذين يسند إليهم الأصول الأولى للسكان، ويقال: إنهم أتوا إلى الفرافرة في هجرة قديمة من الزاوية الحمرا في ليبيا. متى كان ذلك، وبأي أعداد، ولماذا انتجعوا هذه الواحة القصية؟ كلها أسئلة قد لا نجد إجابة عليها. وربما هي رموز لزمن هجرات قديمة من البربر الذين أسسوا سيوة المجتمع واللغة. وربما أيضًا ترمز لزمن من العصور الوسطى حين استقدمت الدولة الفاطمية أعدادًا كبيرة من قبائل شمال أفريقيا مثل لواته بعد فتح مصر، أو ترجع إلى رمز هجرة الهلالية الكبرى التي أربكت المجتمعات المستقرة في سيوة والجبل الأخضر، وأدت إلى انزواء القدادرة في منعة العزلة التي تهيئها الفرافرة بحجمها الصغير ومواردها المحدودة. وفي كل الحالات لا يجب أن ننسى أن صلة ما ظلت قائمة بواسطة الرعي إلى وادي حنس الذي يقود إلى البحرية وإلى المراعي المتناثرة التي يستخدمها الرعاة بين واحة القارة وجنوب القطارة والفيوم والنطرون والتي تعرف باسم «الحطايا» أو «الجباب».

    كما كان هناك طريق تقليدي يمتد عبر الصحراء مباشرة بين الفرافرة وديروط، هو الطريق الذي كان يربط الواحة بالاقتصاد النقدي؛ إذ ينقل عليه البلح والمشمش والزيتون من الواحة إلى سوق ديروط. وبالمناسبة فإن ديروط الخيل ونحوها كانت حتى عهد محمد علي الكبير أحد أهم مراكز تجمع قبائل من أصول ليبية كالفرجان والجوازي، ويمتد نفوذهم على طول غرب البحر اليوسفي إلى أقربائهم العوائل الليبية كالبراعصة والفوايد والحرابي وغيرهم في المنيا والفيوم. وربما كان هؤلاء هم الذين يأتون بقوافلهم لتبادل السلع بالبلح والزيتون وفواكه الفرافرة. ومن العائلات الأخرى في الفرافرة قبيلة العيادية وهم الأكثر عددًا بين العائلات القديمة الآن. ثم الرميحات والعكارتة والحنانوة.

    وكانت فواصل السكن واضحة، فلكل عائلة حي داخل القصر يحدده حارات ذات بوابات للدفاع ضد غوائل البدو أثناء الصراعات التي قد تنشب بين العائلة والأخرى. وقد ساعدت ظروف الاستقرار الحالية على ترك جزئي للمباني القديمة داخل كتلة القصر، وأصبح البناء على الشوارع الرئيسية في كتلة المدينة أو في حي جديد جنوبها خطط للمدينة الجديدة. ومع إزالة الفوارق السكنية أصبح بالإمكان التزاوج بحرية أكثر بين أبناء العائلات المختلفة.

    والقصر أصلًا هو التجمع السكني التلي «أكروبوليس Acropolis» الذي كان نمطًا مختارًا في كل الواحات. كان التجمع يبنى على تبة أو تل مراقيه ليست سهلة، ويزيد الارتفاع جيلًا بعد الجيل نتيجة استمرارية السكن والبناء في نفس المكان. بيوت القصر متساندة ترتبط من أسفل بممرات ودهاليز وراء بوابات تغلق ليلًا، كما تنعم بالاتصال من أعلى عبر الأسطح. الحارات ليست مستقيمة لمزيد من الدفاع، ولا بد أنه كان هناك نظام للإنذار يسمح للناس بالهرب من مزارعهم على أبعادها المختلفة من القصر والوصول إلى أمان القصر، لكننا لا نعرف عنه شيء الآن. ربما كانت مئذنة الجامع هي المكان الطبيعي للمراقبة، فهل كانت هناك طبول تقرع لتنبه الناس؟

    على العيون التي سبق ذكرها في أول هذا الموضوع، وعيون أخرى غيرها أقام السكان أسس حياتهم الزراعية. وتسيطر المحاصيل الشجرية على المنظر العام لحدائق الواحيين. وأهم المحاصيل الزيتون والنخيل والتين والمشمش والليمون، إضافة إلى تحميل الأرض أسفل الشجر بمحاصيل حقلية؛ شعير وبرسيم وذرة وقمح للغذاء ولعلف الحيوان القليل الذي يمتلكونه من الأغنام والبقر والحمير والإبل. وحيث إن مسيل الكثير من العيون من مناطق مرتفعة نسبيًّا، فإن الكثير من الزراعات والحدائق تأخذ شكل التلال المدرجة بواسطة الإنسان لإرواء الزراعة في مصاطبها المتتالية. وعلى البعد تظهر العيون بأشجارها العالية كأنها الحدائق المعلقة، وتختلف تمامًا عن نظام الاستزراع الحديث في أرجاء الفرافرة الحالية. ونفس الصورة نجدها في حطية الشيخ مرزوق، ولكن كل شيء هنا مصغر عن المنطقة المركزية. فالتل سهل الارتفاع يقود، عبر مسارات المياه التي تنساب من العين الرومانية في أعلى إلى مساكن محدودة لقلة السكان والمحاصيل هي ذاتها سواء الشجرية أو الحقلية.

    وبصورة عامة نرى أن هذا النمط الزراعي هو الأدوم؛ لأنه أكثر تكيفًا مع البيئة، ولأنه مرتبط بتصريف طبيعي للعيون. والأرض الزراعية لا تزيد إلا في حالات محدودة كزيادة فجائية في التصرف المائي أو العثور على نبع جديد. والعكس صحيح. أي يمكن أن تناقص الأرض المنزرعة نتيجة قلة التصريف أو نتيجة لنظام المواريث الذي يؤدي إلى ملكيات وحيازات عديدة تجعل استخدام النبع غير مجدي.

    والمخاطر الحقيقية التي يتعرض لها هذا النمط التاريخي هو أن تدق الإدارة أو الأهالي آبارًا ارتوازية داخل الحدائق من أجل توسيع رقعة الزراعة. وحدث هذا في زمام حطية الشيخ مرزوق وعند عين البلد خلف القصر مباشرة. هذا الضخ سيكون له — على الزمن — مردود سيئ على تصريف العيون الطبيعية، وربما أدى إلى اندثار تدريجي لهذا النمط الزراعي الذي كان أحسن تلاؤم إنساني مع الظروف البيئية.

  • ثانيًا: المهاجرون هم شتات من أنحاء الجمهورية، لكن أكثر الأسماء التي ترددت هي الداخلة وأسيوط وسوهاج والشرقية والدقهلية، وهم يسكنون عدة مستوطنات ذكرنا غالبها من قبل. والانطباع الأول للمشاهد أن هناك نمطين من المستوطنات؛ الأول: قرى الخريجين، والثاني: قرى المستثمرين والمنتفعين.

    قرى الخريجين من الخارج تبدو قرى نموذجية متراصة من وحدات سكنية متماثلة منتظمة من حيث المخطط والتنفيذ في صورة المستطيل ذو المسافات البينية المنتظمة الواسعة. وخامة البناء واحدة والخطة المعمارية متكررة: فيلا أو ما يمكن أن نسميه بيت ريفي أنيق منفصل عن الجيران جميعًا بمساحة يمكن تسويرها حديقة أو مزرعة مطبخ، لكن في حالة بعض المساكن التي يستخدمها أصحابها نجد إضافات للمبنى غالبها من الطوب اللبن والطفلي تمثل غرفة أخرى وحظيرة صغيرة، مما يخل بالشكل الهندسي للمعمار والمخطط السكني معًا. ومن الصعب القول: إن نصف هذه القرى أو أقل من النصف قد عمره الخريجون. ففي قرية الكفاح، وحسب البيانات الرسمية، جرى توطين ٧٦ خريجًا من مجموع مساكن جاهزة قدرها ١٥٠ مسكنًا. وربما يكون عدم الاستيعاب نتيجة للتأخر النسبي في إعداد مساحات الأراضي المخصصة، فقد سلمت مساحة قدرها ٨٥٠ فدانًا وجاري إعداد مثلهم كمرحلة ثانية. ومعظم الخريجين المقيمين هم أصلًا من واحة الداخلة ومن محافظة أسوان. ولعل ذلك راجع إلى تشجيع الموظفين الموجودين في الفرافرة لأبناء بلداتهم من الخريجين أن يهاجروا إلى الفرافرة. والصورة نفسها تتكرر في قرية أبو هريرة حيث نجد الخريجين أصلًا من الوادي الجديد. ولا شك أن هذا وضع مقبول، مما يساعد على تقليل الضغط السكاني والاقتصادي على موارد محدودة في الداخلة إلى الفرافرة، فإن الدراسات الإحصائية في أوائل القرن المقبل قد تظهر أن محافظة الوادي الجديد أقل المحافظات من حيث الضغوط السكانية. لكننا لا نغرق في الأمل كثيرًا، فما زال الخريجون قليلون، والعدد الكلي للسكان هو في الكفاح نحو ٣٠٠ شخص، وفي أبو هريرة نحو ١٥٠ شخصًا، مثلهما في اللواء صبيح.

    أما قرى المستثمرين والمنتفعين فلا تخطئها العين أيضًا، ذلك أن منظرها العام يوحي بأننا قد انتقلنا إلى كفور ونجوع صغيرة في الوادي والدلتا، فأولًا: هناك ناس من مختلف الأعمار يتجمعون للكبيرة والصغيرة، والطرق غالبًا غير مستوية بما يضعه الأهالي من مخلفات نباتية، وما تتركه الأبقار والدواب من مخلفات، وهناك حركة للدواب ووسائل النقل الميكانيكية الصغيرة والكبيرة، وأسطح البيوت عليها تراكمات نباتية مما يجعلها كما لو كانت في الدلتا. ولكنها تفترق عن النجوع والكفور في وجود خطة للتجمع السكني على جانبي طرق واسعة، والمنازل ليست بالضرورة مبنية لصق بعضها إلا إذا كانت الخطة في الأصل كذلك مثل قرية عبد المجيد الدغيل، أو لفقر المنتفعين كما هو في جانب من قرية أبو منقار الغربية، والمسكن هنا أوسع من مسكن الدلتا وأكثر تهوية لوجود شبابيك عدة واسعة لتساعد على التهوية في القيظ. وفي القرية ساحات بعضها مرتبط بالمدرسة تستخدم كملعب، والبعض الآخر لإتمام عمليات زراعية كجمع المحصول ووزنه وتخزينه وتسليمه للبيع، ولا شك أن وراء اختلاف نمط الحياة في مستوطنات متجاورة اختلافًا في إدارتها والهدف الأساسي من إنشائها.

(٣-٨) أشكال ملكية الأرض

طبقت وزارة الزراعة النماذج التي لديها عن شكل الملكيات في الأراضي الجديدة بغض النظر عن أين تقع هذه الأراضي. وقد أدت الممارسة إلى ظهور شكل آخر من الحيازات، فضلًا عن الشكل التقليدي للملكية في الواحة. فأصبح لدينا خمسة أنواع من الملكية الزراعية كلها ملكيات وحيازات خاصة، لكن لكل منها أوضاع خاصة.

  • (١)
    الملكية التقليدية: يمارسها سكان الواحة الأصليين في المساحات الزراعية الصغيرة في حدائقهم التلية. وهذه الملكيات في غالب الأحيان متناهية الصغر بحيث تصبح غير ذات جدوى كما سبق القول؛ مثلًا يتشارك في ملكية نخلة أكثر من عشرة أشخاص أو يقتسم أكثر من مائة مالك ملكية حديقة نبع الفالاو في الوقت الذي كانت فيه الملكية لنحو عشرة أشخاص في فترة غير بعيدة.

    وبالرغم من كثرة الملاك إلى هذا الحد، إلا أن الحديقة تزرع كما كانت في الماضي كأنها حيازات كبيرة، ويقوم بالعمل الزراعي أشخاص مفوضون يختارهم الملاك من بين أنفسهم وهؤلاء المفوضون لا يتواجدون معًا كل يوم، بل يقسمون العمل بينهم لرعاية هذه الملكية التي هي في الواقع فردية وجماعية في ذات الوقت. وتزدحم الحديقة بعدد كبير من الملاك المنتفعين وقت الحصاد، وعلى وجه الخصوص في موسمي البلح والزيتون — موسم العزبة في واحة البحرية.

    والسؤال الآن هل يظل التفتت في ملكية الأرض إلى ما لا نهاية؟ أم هل يحدث إعادة تجميع للأرض حينما يشتري أحد الملاك أنصبة بعض الملاك الآخرين؟

  • (٢)
    ملكية خاصة للخريجين: أسلفنا القول أن المشروع قد خصص قرى بأكملها، أو أجزاء من قرى لتوطين الخريجين بمعدل عشرة أفدنة لخريجي الشهادات العليا و٧٫٥ فدان لأصحاب الشهادات الوسطى، وفي الحالتين يعطى الخريج ميزات عديدة سبق ذكرها. وربما كان أهمها قروض ميسرة لشراء حيوانات تربية ودواجن؛ ولهذا فإن أراضي الخريجين المفروض أن تتميز بتركيب محصولي على رأسه أعلاف الحيوان إلى جانب حبوب أخرى كالقمح والأرز والسمسم … إلخ.

    لكن الملاحظ أن قرى الخريجين ليست كلها مأهولة، فالقليل من الملاك مقيمون، بينما باقي الملاك ربما أجَّروا الأرض لغيرهم، وإذا استمر هذا الوضع فإنه سيؤدي إلى فشل مشروع الخريجين في الفرافرة، كما حدث من قبل في مناطق استصلاح أخرى في مصر.

    مثلًا في قرية الكفاح اكتملت المساكن تقريبًا، وشقت من الترع أكثر من ثمانية كيلومترات (درجة أولى ومساقي)، وكذلك حفرت مصارف وبركة صرف عبر الطريق الرئيسي، وأنشئ في القرية — باعتبارها مركز إداري لكل قرى القطاع الأوسط — المجلس الشعبي ومقر شرطة ووحدة صحية ونادٍ اجتماعي (غالبًا للرجال فقط) من طابقين. لكن الحياة راكدة والنادي والمركز الصحي شبه معطلين، والنشاط عامة غير متناسب مع تكوين المجلس الشعبي وتكلفة الإدارة والاستشارة الزراعية. وقرى الخريجين في أبو هريرة وأبو منقار صفوف متراصة ولا صوت ولا حركة إلا فيما ندر، والحقيقة أن مشروع أرض الخريجين أصلًا ذو هدف عملي وأضيفت إليه مغريات كثيرة من أجل إيجاد فرص عمالة جيدة بين المتعلمين، ومن أجل معالجة جيدة للأرض، فالمتعلم أقدر على استيعاب الجديد في تقنية الزراعة. لكن هناك أسباب كثيرة لفشل المشروع على رأسها عدم التأهيل الإيديولوجي للخريج يجعله غير قادر على رؤية واضحة لميزات الحياة والهوية الاجتماعية الاقتصادية في المستوطنة. عدم التأهيل الإيديولوجي للخريج هو الذي يجعله غير قادر على اكتساب مبرر للحياة بعيدًا عن مدينته، أو حتى قريته، وغير راغب في الحصول على المهارة اللازمة للمساهمة في تكوينه مزارعًا ناجحًا. كل هذا يجعله على استعداد لتأجير الأرض والبيت لواحد من الفلاحين الموجودين بالمكان، سواء كان مالكًا أو غير ذلك.

  • (٣)
    ملكية المستثمرين: هذه الملكيات يستحوذ عليها المستثمرون من خلال الجمعيات التي ينضمون إليها. الملكية واضحة من البداية، وإذا كان هناك المزيد من الأرض فإننا نجدهم هم المشترين عند أول إشعار، واضح أن المستثمر أتى للحصول على الحد الأقصى من الأرباح التي تأتي بها الأرض الزراعية. في قرية أبو الهول مثلًا نجد أن المساكن تبنى وقد خصص في جانب منها «جاراج» خاص للجرار وأدوات الزراعة التي تميل لاستخدام الآلات أكثر من الأيدي العاملة. معنى هذا استثمار عالٍ في مستلزمات الزراعة. وحيث إن المساحات الزراعية حتى الآن محدودة، فإن الزراعة الآلية تخدم أكثر من مالك. لكن الإدارة في الفرافرة تعلن عن ملكيات فردية من ٢٠ إلى ٢٠٠ فدان، فالمتوقع إذن المزيد من الزراعة الآلية لدي المستثمرين. وعلى المنسوب الحالي من الملكيات التي هي ضعف أراضي الخريجين، فإن التركيب المحصولي يتميز بسيادة المحصول الواحد الذي يجد منفذًا آمنًا. هذا هو القمح أو الأرز. لهذا نجد زمامات قرى المستثمرين تمتلئ بهذه المحاصيل، فليست هناك مشاكل تسويق، وبخاصة القمح، وفي هذا المقام قال أحد المستثمرين: إنه حتى لو أصبحت المياه مشكلة فإن عائد المزرعة خلال ٢٠ سنة كافٍ لرد الإنفاقات الرأسمالية مع هامش ربح يبرر العمل في الفرافرة!
  • (٤)
    وضع اليد: سبق أن شرحنا كيف ظهرت هذه الفئة من الناس والشكل من الحيازة المفروض في أراضي استصلاح جديدة أن يكون شكل الملكية واضح من البداية بحيث لا يسمح إلا بالأشكال الرسمية للحيازات. ولكن يبدو أن العكس تمامًا هو الواقع. فواضعو اليد شكلوا قوة ضغط على الإدارة بحيث أخذت في قبول وجودهم واتخذت الوسائل لقبولهم رسميًّا بإصدار تسويات لأوضاعهم. واضعوا اليد أصلًا فلاحون أتوا مع المهاجرين للعمل، ولكن لأن الكثير من العمل الزراعي في الفرافرة يتم بأسلوب الميكنة، فإن هؤلاء الأجراء أصبح لديهم من الوقت ما يسمح باستزراع مساحات صغيرة «خفية»، وكبرت الخفية نتيجة التراخي إلى أن صارت إلى نحو ما أسلفنا.
  • (٥)
    المنتفعين: هؤلاء ملاك لا ينتمون إلى فئات الخريج أو المستثمر أو واضع اليد. خصصت الإدارة مساحات معينة للفقراء المنتفعين؛ ستة أفدنة ملكية المنتفع في منطقة أبو منقار، وثمانية أفدنة للمنتفعين في القطاع الشمالي في الدغيل وصبيح. ويشكل المنتفعون نحو نصف زمام القطاع الشمالي، ويدفع المنتفعون ثمن الأرض بأقساط سنوية ميسرة مع فترة سماح أولية نحو عامين أو ثلاثة أعوام.

(٣-٩) الإنتاج والتسويق

من الصعب قياس أشكال الإنتاج؛ لأن الكثير منها يدخل ضمن الاستهلاك المباشر المحلي. أكثر المحاصيل التي تدخل السوق بفائض خالص هو القمح والأرز. والأغلب أن السبب في سيادة القمح والأرز راجع إلى سهولة التسويق لدى بنك الائتمان والجمعية الزراعية. إنتاج القمح يبلغ نحو ٨ أرادب للفدان في الأرض العادية، ونحو ١٢ إلى ١٤ إردبًا للفدان في الأرض الجيدة، والخدمة الزراعية الحسنة من سماد ومقاومة للآفات. غالبية تسميد القمح باليوريا بينما تستخدم أسمدة عضوية للأرز، ويبلغ إنتاج الأرز بين طنين وأربعة أطنان حسب نوعية الأرض والتسميد ونوع البذرة. وربحية الأرز أعلى قليلًا من القمح، ويتم البيع للجمعية الزراعية أو تجار من خارج الفرافرة.

يتم الحصاد بأجهزة «الحصاد الجامع (كومباينر)» بتكلفة فدان الأرز مرة ونصف قدر فدان القمح، وفي الفرافرة تجهيزات تحت اسم الهندسة الزراعية تتكون من عدد جيد من الأجهزة التي تقدم خدمات الزراعة والحرث والتسطير والبذر وتسوية الأرض والحصاد وكبس القش، كلها تؤجر بنظام الساعة. هناك مثلًا ثلاث حصادات جامعة حمولة كل منها ٣ أطنان من الحبوب، وجميع أنواع المحاريث إلى ٩ سلاح.

وهناك اتجاه بين المستثمرين إلى الإنتاج الحيواني، ولكن يقف أمامه مشكلة منع بيع اللحوم أو الحيوانات خارج محافظة الوادي الجديد.

(٣-١٠) قضايا التنمية الراهنة

من المتفق عليه حدوث الكثير من القضايا والمشكلات عند إحداث تغيير جذري في الاقتصاد، فما بالنا في حالة الفرافرة حيث زرع اقتصاد جديد من أوله إلى آخره مرة واحدة.

  • (١)

    القضية الأولى: هي الازدواجية الحالية بين أشكال الاقتصاد الواحي وبين اقتصاديات السوق الجديدة. وأحد القضايا الهامة هي هل ستستمر الأشكال التقليدية سائرة في طريقها وكأن شيئًا لم يحدث جوارها؟ أم يتجه الواحيون إلى النمط الحديث الذي نشأ في عقر دارهم، وتأخذهم أشكال التنمية تدريجيًّا عن الزراعة الواحية فتموت؟ من الحق أن يمارس الواحيون الاقتصاد الحديث، ولكن الخسارة أن يندثر من الواحيين من يعلم طرائق النبات في حدائق النبع والتل دون أن يخلف من يعرف هذه التقنية التي بلغت أوجها نتيجة استثمار خبرة أجيال وأجيال! هذه في نظرة كبرى قضايا التنمية الحالية في الفرافرة، وأكبر الغلط أن نحاول إدخال تحديث على الزراعة الواحية من آلات أو وسائل ري فإن ذلك سوف يعجل بانهيارها. وربما تركنا الفسحة لعبقرية الإنسان أن يجيد الحلول الذهبية بالراحة ودون افتعال …

  • (٢)

    القضية الملحة الثانية: هي هذا الهدر في الماء دون أن تقابله مساحات عطشى معدة للاستزراع. والرأي ألا تدق آبار جديدة حتى تستوفي مياه الآبار الحالية أراضيها، وهنا التوصية واجبة عن ضرورة إجراء دراسات شاملة ومجددة عن الخزان الجوفي وعن الطبقة السطحية الحاملة للماء، فليس أحسن من برنامج تنموي مؤسس على ركائز معرفية قوية.

  • (٣)

    القضية الثالثة: هي أن الماء والأرض ليسا بالعناصر الكافية للإنتاج. لهذا فإن قضية تواجد الإنسان القادر الراغب هي الشرط المكمل للإنتاج. والقضية هنا برغم ثلاثية أطرافها إلا أنها في التطبيق تصبح ثنائية الطرف؛ القوى الإدارية الحاكمة طرف أول، والفلاح سواء كان أجيرًا أو منتفعًا أو مستثمرًا طرف ثانٍ متقبل لشروط الطرف الأول. فمهما قلنا فإن الواقع أن الإدارة تملك بزمام الأرض والماء «وأصناف التقاوي والبذور وأنواع الأسمدة وكميتها» وحق تحديد أسعار شراء المحصول وحق منع تسويقه خارج الفرافرة … والفلاح عليه أن يقوم بالعمليات الإنتاجية وأن يجأر بالشكوى عندما تحدث مشاكل إنتاجية كحصص الماء وأسعار المبيدات والتقاوي وثمن المحصول … فهل نحن أمام شكل جديد من الملكية: ملكية خاصة لكنها مقيدة في صورة هي خليط بين الكولخوز والسوفخوز — بين الجماعية والتعاونية في أقصى حدود إلزامها!

    حقًّا قوانين الاستصلاح مراد بها خير في موضوعيْنِ أساسيين يشغلان بال كل مصر؛ الأول: هو إيجاد مخرج لأزمة البطالة ومأزق التكدس في المدن بنشر المعمور المصري إلى أطراف لم يحصلها في العصر الحديث، والثاني: مزيد من إنتاج الكفاية لمحاصيل الغذاء الأساسية.

    المشكلة الحقيقية التي تحول واحات الاستصلاح إلى هذه الأشكال من القيود هي قلة إسهام المجالس المحلية في أمور المحليات. وحيث إن المحليات هي جزء من الجهاز الإداري للحكم فهي إذن ذات فاعلية محدودة، ومع ذلك لا نفقد الأمل في أن يأتي من يتنازل عن سلطة من سلطاته إلى مجلس محلي ما، وعندئذ تبدأ سلسلة التفاعلات لحل الكثير من البيروقراطية.

  • (٤)

    نموذج من التفاعل البيروقراطي المتداخل بصورة تجعلها يائسة من إيجاد الحل: تمثل صيانة مياه الشرب في الفرافرة سلسلة من التبعيات في هيراركية مزعجة: فالصيانة مسندة إلى (١) شركة قطاع خاص مفوضة من (٢) قبل الهيئة القومية للشرب والصرف الصحي التابعة (٣) للهيئة العامة لمشروعات التنمية التي هي أصلًا (٤) تابعة لوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي! جزء من هذه المشرعات سلم للمحليات والجزء الآخر ما زال تابعًا للهيئة وتشرف عليه المراقبة العامة للتنمية الريفية والتعاونيات في الوادي الجديد. وقد سلمت الصيانة للشركة؛ لأن الصيانة جانب تريد التعاونيات التخلص منه! ويرى البعض في القطاع الشمالي أنه لحسن الحظ فإن مياه الشرب موصلة رأسًا من البئر إلى الشبكة والبيوت دون تلوث، فهل هذا حال كل المستوطنات، وإلى متى؟

  • (٥)

    مشكلة اللحوم الحمراء في الفرافرة: هناك مزارعون كثيرون يملكون أبقارًا بأعداد تؤدي بهم إلى أن يكون البرسيم الحجازي على رأس محاصيلهم الحقلية. ولكن هؤلاء المربون يجدون في القانون السائد في المحافظة عقبة توقف آمالهم في تحويل المنطقة إلى الإنتاج الحيواني، لما هو معروف من أن الزراعة المختلطة — حيوان وأعلاف — أكثر ربحًا الزراعة فقط. لكن المحافظة تسعى إلى الإبقاء على سعر منخفض للحوم داخل المحافظة، ومن ثم تمنع «تصدير» اللحوم المذبوحة والحية خارج المحافظة — إلا بإذن يصدر من الخارجة، وهذا المسعى من الناحية الاجتماعية جيد، لكن لا اللحوم رخيصة بالمعنى المفهوم، ولا الأهالي أصلًا من معتادي أكل اللحوم بكثرة لدرجة أنه لا يتم الذبح إلا يوم واحد في الأسبوع. ومن الناحية التشريعية لا يجب أن يكون هناك اختلاف مقنن في أسعار مأكولات أساسية كاللحوم بين أجزاء الوطن الواحد. وكلمة «تصدير» الشائعة هي منافية لوحدة أراضي الدولة، كما أنه لا يوجد مثيل لهذا الإجراء في أي محافظة أو أرض استصلاح يحد الناس في حركة تعاملهم خارج إقليمهم. فمن أين جاء هذا «الحظر» على التجارة؟ والرأي أنْ تترك الأمور لتقدير المزارعين: هل يريدون ممارسة زراعة القمح أو الأرز أو تربية الحيوان دون أي حظر، لو شرعنا نسبًا مئوية من الأرض للحبوب والعلف ستتجزأ الأرض وتصبح منتجة لعدة محاصيل في رقع صغيرة غير عملية في استخدام الآلية الزراعية، فهل نعود لنمط العمالة اليدوية وكثافة السكان ومشاكله؟

١٩٩٨

(٤) النوبة: التعمير والسيادة الوطنية

من منطلق السيادة الوطنية على أرض الوطن ومن منطلق دعوة رئيس الجمهورية للاهتمام بالنوبة، ومن منطلق حرية ما تفعله الدولة على أراضيها من تنمية وإعمار، ومن منطلق عواطف الحنين لدى النوبيين للعودة إلى إقليمهم، ومن كافة المنطلقات الاستراتيجية والأمنية والتنموية من أجل الرفاهية، أكتب هذه الأسطر من أجل إعادة الحياة إلى بلاد النوبة التي كان مصير سكانها الهجرة ثلاثة مرات خلال هذا القرن؛ الأولى والثانية: إلى أراضٍ مرتفعة بعد إنشاء سد أسوان ١٩٠٢ وتعليته الكبرى ١٩٣٣، والثالثة: الهجرة خارج النوبة تمامًا إلى حوض كوم أمبو شمالي أسوان بعد إنشاء السد العالي في الستينيات وغرق كل النوبة القديمة تحت مياه بحيرة ناصر.

النوبيون، شعب النوبة الأصيل الذي اختلط بالعرب والمماليك والكشاف والترك، ومن حقهم العودة إلى ديار هي لم تعد الديار القديمة. ولعل كثيرًا من أفراد الجيل الذي عاش النوبة القديمة قد انتقل إلى السماء. ولكن يبقى الشعور بأن هذه هي النوبة وإن امتدت بعرض بحيرة ناصر: فهي الأرض التي تتداخل فيها كتل المياه العظيمة مع جبال الصوان والجرانيت والصخر النوبي، وباختصار فإن سمة التكوين الطبيعي للنوبة منذ القدم إلى الآن هي: الماء والجبل يتركان فراغات كالحبوب الصغيرة يشق فيها النوبي أسس حياة وحضارة مستديمة قليلة التغيير.

إلى متى تظل مساحة كبيرة من الوطن فارغة من السكان والسكن الدائم؟

إلى متى يحلم بعض النوبيين بالعودة إلى بلادهم؟

لقد كانت سيناء فترة طويلة قاصرة على أعداد قليلة من البدو ومحظورة على سكان بقية مصر الانتقال والسفر إليها. فكان ما كان من الضعف الاستراتيجي والاقتصادي لسيناء عشرات السنين. وكان ما كان من اجتياحها المرة تلو المرة في الحروب الأخيرة؛ لأنه لا يوجد مرتكز شعبي يدعم الجبهة استراتيجيًّا وتكتيكيًّا!

وقد تنبه المسئولون إلى ضرورة إعمار سيناء. وفعلًا حدث إعمار ويحدث إعمار أشد كثافة كل يوم ومشروعات التنمية تدرس؛ ودراسات الجدوى تبحث عن استثمار، والحكومة ضالعة بمشرع كبير للتنمية أساسه شق قناة السلام لجلب مياه النيل من فرع دمياط من أجل زراعة نحو نصف مليون فدان في شمال سيناء، والأموال المقدر تدفقها على سيناء في عشرين عامًا تبلغ رقمًا هائلًا قد يصل إلى مئات المليارات من الجنيهات!

فما بالنا بالنوبة حيث الماء جاهز حاضر دون عناء شق قنوات وترع. الماء قريب المنال من كتلة بحيرة ناصر، وهناك أرض غنية التربة تكونت من فيض البحيرة وتراجعها تاركة غرينًا خصبًا، الأرض ليست كأرض سيناء الرملية أو السبخية وإنما هي أرض غرينية ذات سمك متفاوت، ولكنه بكل المقاييس صالح للزراعة دون أن تعوقه نفاذية الرمال الشديدة وتسرب الماء أو دون وجود ملوحة عالية تتسم بها تربة السبخات. العنصر الطبيعي الصعب في النوبة هو الحرارة شديدة الارتفاع والبخر الكبير. والأرض النوبية الداخلية البعيدة عن مسطح التربة الفيضية منوعة التربة في بطون الأودية كالعلاقي وكلابشة وكرسكو وتوشكى وهي صالحة لاستزراع أنواع خشنة من العشب والحشائش بواسطة الري بالرش، من أجل اتخاذها مراعيَ لحيوان البيئة من إبل وأغنام وماعز وأبقار تدرج وتهجن لتتعايش مع البيئة القاسية.

إذن الأرض بأنواعها، بالإضافة إلى مصايد الأسماك جاهزة لتنوع إنتاجي زراعي رعوي في مساحات معقولة قد تبلغ عشرات الآلاف من الأفدنة في نواحٍ متعددة وخاصة حول أذرع البحيرة الضخمة في كلابشة والعلاقي وتوشكى، ومساحات أقل في مناطق مصبات الأودية القديمة وروافدها مثل أدندان وكرسكو ودهميت وأبو قليب وأبو سنبل وماريا … إلخ. والإنسان هو العنصر الآخر في الإنتاج. وهو موجود بكثرة ووفرة متمثلًا في بعض النوبيين الذين يرغبون العودة وعدد كبير من أهل قنا وسوهاج الذين لهم دراية سابقة بالنوبة القديمة، ويشكلون قوة الصيد السمكي الفردي حاليًّا. وليس متوقعًا إقامة مشروعات تهجير كثيرة في وقت واحد، بل المطلوب إقامة عدد قليل من المشروعات الصغيرة على أساس هجرة تطوعية بحيث تكون هذه مشروعات رائدة يستفاد منها لتجنب بعض الأخطاء في المشروعات التالية. وليس من المستحسن البدء بالمشروعات الأولى بالكثير من الطبول، بل يكون كل شىء متواضع في البداية حتى لا يحس الناس بالهزيمة إذا ما جاءت النتائج الأولية على غير المتوقع.

وربما كان الخوف كامنًا في أن حصة مصر من مياه النيل (٥٥٫٥ مليار متر مكعب سنويًّا) مخصصة كلها للأراضي المصرية شمال السد العالي وهذا في حد ذاته ظلم وإجحاف بأرض النوبة. وعلى أية حال فإن جانبًا من الزراعة لن يكلف مياهًا كثيرة، بل ستكون زراعة حياض على النسق الفرعوني العظيم في الأراضي التي تنسحب منها مياه البحيرة سنويًّا. ثم ما ضرنا لو خصصنا مليارًا واحدًا من الماء ومليارًا آخر من الجنيهات أقساطًا على عدة سنوات من أجل تعمير النوبة. تلك الأرض العظيمة التي تمتد نحو ٣٠٠ كيلومتر جنوبي أسوان، وما ضرنا لو نشأت قرى متعددة تثبت الهوية المصرية، وتنتج ما يمكن أن تسهم به في مجال الاقتصاد الوطني وتشكل مرتكزات استراتيجية على طل بحيرة السد، وأخيرًا تشكل همزة الوصل الضرورية لمصر جنوب أسوان في اتجاه أشقاء الجنوب؟

(٤-١) نقاط حول تنمية النوبة المصرية

  • مكانيًّا النوبة هي الطريق مزدوج الاتجاه بين مصر وأفريقيا — حضاريًّا وتكنولوجيًّا وسياسيًّا.

  • حيث إن المصريين ملوك الري والحضارة المصرية الرائدة، وحيث إن النوبة هي منطقة تتحكم في مسار النيل قبل دخوله الوادي، فالنوبة كانت دائمًا في الفكر الهيدرولوجي المصري من العصور الفرعونية — احتمالات سد سمنة وقمة عند الجندل الثالث في شمال السودان الحالي — إلى العصر الحديث — سد أسوان والسد العالي، كما أدى ذلك إلى توجه سياسي مصري نحو الجنوب مثل التحكم في مرور أهل الجنوب إلى الجندل الأول إلا لغرض التجارة منذ أوائل الألفية الثالثة ق.م ومثل اتفاقية مياه النيل الحالية أو العلاقة الخاصة جدًّا مع السودان — برغم فترات جفاء على السطح فقط.

  • جغرافيًّا هناك ثلاث مناطق للتحكم في النهر في مساره النوبي المصري؛ الجندل الأول: قرب أسوان، وبوابة كلابشة، وأخيرًا المضيق ووادي السبوع. ولأسباب سياسية أختيرت منطقة الجندل الأول مكانًا لأكبر سدود مصر المعاصرة.

  • جغرافيًّا أيضًا النوبة بلاد ذات بيئة قاسية طاردة مما أدى تاريخيًّا إلى هجرة العمل النوبية وبخاصة في المدن المصرية الرئيسية.

  • التهجير الأول والثاني للنوبيين: شمل معظم النوبيين من أول القرن إلى الثلاثينيات — سد أسوان وتعليته، وفيه انتقلت القرى النوبية إلى منحدرات جبلية أعلى من حد خزان السد. وترتب على ذلك ارتباطات اقتصادية جديدة في النوبة مع صعايدة مناطق ري الحياض الذين كانوا يأتون في هجرة عمل موسمية إلى النوبة لزراعة السهل الفيضي بعد انحسار مياه الخزان صيفًا فضلًا عن مزاولة السماكة شتاءً، كذلك ارتباط تبادلي مع بدو العبابدة: أن يرعوا حيواناتهم في الحقول بعد الحصاد مقايضة مع أغنام وماعز.

  • التهجير الأخير: ترك النوبة نهائيًّا التي احتلتها مياه بحيرة السد لأكثر من ثلث قرن باستثناء تنمية مناطق أثرية — أبو سمبل ووادي السبوع بدرجة أقل.

    جيل كامل من النوبيين لا يعرفون النوبة إلا شفاهة، هل يمكن إعادة توطينهم جزئيًّا واختياريًّا؟

(٤-٢) التنمية المقترحة معروفة الأبعاد

  • أولًا: السياحة، ولها الأولوية لأنها قائمة فعلًا وبخاصة كمناطق أثرية مهمة. لكننا نزيد بمخطط متكامل بمقتضاه تضاف سياحة الاستشفاء والاسترخاء ببناء المصحات والفندقة شبه المنزلية. ونزيد بإنشاء أدوات ألعاب الماء وملاحة السطوح الرملية وقوارب حديثة لهواة الصيد البحيري ورحلات منظمة نهرية وبرية كشفية بين أبو سمبل وعمدا والسبوع، وعبر رمال الصحراء إلى واحات دنقل وكركر وغيرها مما قد يقيمه الإنسان من مطاعم ومناطق على الدروب الصحراوية.

    هذا التنشيط يقدم فرصًا ذهبية للنوبيين الذين يتقنون أعمال الفندقة ويمهرون في كافة الخدمات السياحية؟

  • ثانيًا: السماكة، وهي ثروة مستغلة — على استحياء — في هذا المتسع المائي المترامي من مصر. المطلوب تحديث أسطول الصيد مع إنشاء معامل للتجميد والتعليب حسب نوعية الأسماك. والمهم أيضًا إنشاء وسيلة سريعة لنقل المنتج مجمدًا إلى أسواق المدن الكبرى. ولا بأس هنا من تشغيل طائرات شحن للأصناف التي تتحمل تكلفة النقل، ولا مزيد من الكلام عن استقطاب تنمية السماكة للعمالة الصعيدية مع التدريب البسيط على أدوات المهنة الحديثة.
  • ثالثًا: استيطان زراعي وزراعي مختلط (زراعة وتربية حيوان)، ويمكن أن يتم ذلك في نمطين أصغرهما تنمية زراعية واحية خارج النوبة وخاصة واحتي كركر ودنقل. ولكن ذلك يعتمد على دراسة دقيقة لمنسوب الماء الباطني الذي ربما يكون قد زاد وارتفع بتأثير التسرب من ماء بحيرة السد، ونحن نعلم أن التركيب الصخري الشائع هو الحجر الرملي النوبي ذو المسامية والنفاذية العالية. أما أكبر مشروعات التوطن الزراعي المرتقب فهو في الأغلب حول بحيرة السد. ذلك أن التذبذب في مستوى البحيرة (١٨٠ إلى ١٥٠ متر) يجعل هناك سنويًّا مساحات من الأرض المشبعة بالماء والطمي — مع خليط من الرمال والحصى تزيد مع ارتفاع مناسيب الأرض. وبذلك فإن المساحة المتاحة لن تكون بنفس القدر كل سنة مما يقتضي فلاح مقيم فطن، مع معلومات عن حالة الفيضان تعطى له كإرشاد يبني عليه مساحة المزرعة للموسم التالي. وبرغم الذبذبة المساحية فالمتوقع أن تكون هذه الزراعة ذات محصول وفير قليل التكلفة؛ لأنه يستزرع أرضًا خصبة لا تحتاج إلى تكلفة رفع المياه إلى الحقول. وهي باختصار شبيهة بزراعة أرض «الجزاير» المعروفة على ضفاف النيل قبل السد العالي في أجزاء كثيرة من مسار النهر وفرعيه.

    وفضلًا عن ذلك، وهو شيء مهم، أن مثل هذه الزراعات لن تحتاج إلى مخصبات كيمائية وبالتالي فإن المياه المنصرفة لن تلوث مياه البحيرة بسموم المبيدات والأسمدة.

    أما النوع الثاني من مخطط الزراعة في النوبة فهو الزراعة المختلطة التي يمكن أن تتم في الأودية والمناطق السهلية بين خطوط ارتفاع «كونتور» ١٨٠ وكونتور ٢٠٠ متر، ومعظم هذه المواصفات تنطبق على البر الغربي للبحيرة خاصة في مناطق امتدادات كلابشة وتوشكى، وجيوب صغيرة على طول السواحل الغربية والشرقية على مصبات الأودية. وربما كان مسار وادي العلاقي ورافده قبقبة — جبجبة — أهم مناطق الاستزراع على الجانب الشرقي للبحيرة. والزراعة هنا يمكن أن تقوم على أساس التنقيط أو الرش أو المحوري حسب المتبع حاليًّا في استزراع الصحاري المصرية، والأغلب أن الأعلاف ستكون المحصول الرئيسي مع تربية الحيوان من الأنواع المهجنة والمدرجة المتلائمة مع الحياة في هذه البيئة الجافة بإفراط. وربما أيضًا إقامة مراعي خشنة في المناطق المتطرفة من هذا النطاق لتربية حيوان البيئة الأساسي: الإبل والماعز.

    الشكل الأرجح لنمط السكن هو القرية الطولية قليلة الكثافة والمنتشرة بمواجهة شاطئ البحيرة كنموذج شبيه بالنجوع النوبية السابقة والتي كانت أحسن تعبير عن التكييف والتأقلم مع البيئة النوبية الخاصة. وربما تنشأ أيضًا قرى مركزية محدودة العدد للخدمة الإقليمية في هذه المسافة الطويلة.

(٤-٣) الأيدي العاملة واتجاهات العمل

في جنوب مصر لا تشكل العمالة مشكلة عددية، لكنها مشكلة نوعية اجتماعية قيمية. ومع ذلك ففي المنطقة ثلاث مصادر للعمالة — مع شيء من التدريب المناسب:
  • (١)

    النوبيون الراغبون في العودة وخاصة إذا أقيمت الأنشطة الخدمية في عالم السياحة والاستشفاء السابق ذكرها. كذلك يمكن لبعض النوبيين إعادة التوطن على أساس الزراعة بعد أن مارسها بعضهم في مهجرهم في حوض كوم أمبو.

  • (٢)

    الصعايدة وخاصة أهل قنا وسوهاج، وهؤلاء يتوطنون في المهن الزراعية وصيد الأسماك والصناعات القائمة عليهما.

  • (٣)

    بدو من العبابدة للريادة السياحية في الصحراء والأودية، ورعي حيوان البيئة في المراعي الخشنة.

وفي الختام ننوه بضرورة تحسين وتكثيف البنية الأساسية بإنشاء طرق رئيسية وطرق خدمة عديدة، ومطارات ومهابط للطائرات الخفيفة والهيلوكبتر، وأرصفة عائمة لرسو المراكب واللنشات. وأخيرًا إمداد المنطقة ككل بشبكة كهرباء مناسبة، فلا يجوز أن تكون المنطقة مصدر كهرباء السد العالي ولا تحصل منه شيء!

٨ / ٥ / ٢٠٠٤

(٥) النوبة … عود على بدء

قبل العيد مباشرة كنت في رحلة علمية إلى أسوان وتوشكى وبلاد النوبة. أسوان هي على ما هي عليه من ازدهار ونظافة والنيل خالد يمر بواجهتها ويضفي عليها من الجمال والبهاء ما لا يتجمع مرة واحدة في مكان واحد. والناس في مجموعهم يتسمون باللطافة والبشر متفتحون على الحياة بهدوء النفس التي لا تترك للمرارة أثر في الرضا النفسي، ومتحف النوبة تحفة رائعة لجمال البناء وهندسة اللاندسكيب الأخضر من حوله وروعة المعرفة والثقافة في داخله. إنه حقًّا متعة ورحلة عبر الزمن مدهشة شيقة لكل الرواد مصريين وأجانب يحسون داخلهم بشغف للتطلع على حياة النوبيين في هذا الجزء الجميل والحيوي من مصر الوطن الكبير للحضارة والثقافة عبر الآلاف المؤلفة من السنين.

وذهبنا إلى حوض كوم أمبو حيث تنتشر على أطرافه قرى النوبة التي أنشأتها الدولة لاستقبال سكان النوبة بعد تهجيرهم من موطنهم الأزلي حول ضفاف النيل نتيجة لإنشاء السد العالي وغرق تلك المواطن تحت ملايين الأطنان من مياه بحيرة ناصر أو بحيرة السد العالي أو بحيرة النوبة؟ أي هذه المسميات أولى بالوصف، علمًا أن كلها أسماء صحيحة فهي منسوبة إلى الرئيس الذي بدأ المشروع، ومنسوبة إلى تكوم وحجز المياه أمام السد العالي، وهي أخيرًا منسوبة إلى إقليم النوبة الجغرافي والحضاري. وكانت هذه الملاحظة هي أولى ما سمعناه من النوبيين الذين يرجحون إطلاق اسم النوبة على البحيرة بحكم الواقع الجغرافي القديم والحديث. وهم لا يرفضون المسميات الأخرى ولكنهم في مجال الأولويات يفضلون إطلاق اسم النوبة كحقيقة أقدم وأبقى. فالسد حدث إنشائي له عمر زمني شئنا أم أبينا. وربما كان لهذا أسوة بما كان من إطلاق اسم القناطر الخيرية التي بدأها محمد علي باني مصر الحديثة. ذهب محمد علي وذهبت أسرته وظل اسم القناطر الخيرية في التراث والترفيه كمنشأة جلبت الخير بتحويل أراضي الدلتا إلى الزراعة الدائمة، وكانت بذلك أول ثورة زراعية اقتصادية في مصر أعادت تشكيل موارد الثروة المصرية طوال قرن ونصف القرن. وبالمثل فإن السد العالي منشأة لها آثار كبرى متعددة في الزراعة والطاقة ومشروعات التنمية الجارية في أنحاء مصر وبخاصة جنوب الوادي بما فيها مشروع توشكى.

استقبل النوبيون التهجير بسماحة لأسباب ودوافع عديدة أولها: الرغبة في قطع العزلة التي كانوا يعيشونها، وذلك بالانتقال والتعايش قريبًا من السكة الحديدية والطرق البرية وبالتالي تفاعل أكبر مع بقية مصر. وثانيها: أنهم كانوا على وعد حكومي بأنهم سيكونون أول من سيعودون إلى ضفاف بحيرة السد عند تنفيذ مشروعات التنمية وإعادة التوطين حولها بحكم أنها منطقتهم الأصلية. ولكن مع ذلك كانت هناك مشاعر اجتماعية سلبية ناجمة عن التخوف على طبائعهم وعاداتهم من الاندثار حين يختلطون بغيرهم في أراضي حوض كوم أمبو.

ويحضرني في هذا المجال ما كان قد سبق لي معايشته بين النوبيين قبل المهجر ونشرته في كتابي «رحلة في زمان النوبة ١٩٩٨» من كلمات غنائية مضمون بعضها: تعيشي يا نوبة، حنبني السد، وفي النوبة الجديدة بيت وزرع ونخل، وبعضها استعانة بالله على الحياة الجديدة كقولهم: يا الله يا مسير الأقدار ساعدنا يا رب في كوم أمبو. ولكن لوعة فراق المكان تعلو في القول: خسارة يا نوبة، حنسيبك إزاي، لا إله إلا الله يا نوبة، السما والأرض بتبكي عليكي، حزننا بالسر، الوداع يا نوبة، بأقولها من قلبي، الزمان بتاعنا كان أد إيه جميل في النوبة. مثل هذه الكلمات المعبرة عن الحنين والاشتياق ولوعة الفراق توضح لنا كم هي الروابط العاطفية للنوبيين بالنوبة القديمة.

أكثر من ذلك أن النوبيين في كوم أمبو فقدوا الاتصال بالنيل الذي كان يواجه كل بيوتهم صباح مساء وكان جزء من نسيج الحضارة والمجتمع والكثير من طقوس الزواج، ووسيلة الانتقال بين النجوع والقرى. كان النيل مياه حرة للجميع يشربون ويرتوون، ويروون الزرع والضرع، آمنين كل الأمان في بيوتهم المتناثرة، قريري العين بما عندهم في خلاء الله وبريته.

في المهجر كانت هناك عدالة في توزيع البيوت الجديدة على الأسر حسب عدد أعضائها: غرفة وغرفتين وثلاث. لكن الأسر في خلال أربعين عامًا زاد عددها بزواج الأبناء والبنات. سنة الطبيعة. أين يسكنون والمساحات محدودة بين الأرض الزراعية وحافات الجبل حول حوض كوم أمبو. البيوت نفسها كانت مثار اعتراض لصغرها وعدم وجود الأحواش الواسعة التي اعتادوها في النوبة القديمة والتي كانت مملكة المرأة تمارس فيها حياتها بحرية. وبالرغم من تقبل ما عرض عليهم وبالرغم من تكريم الدولة لهم بتقاضي قيمة رمزية للبيوت، إلا أن المشكلة الحالية هي أين يبنون، وما هي مواردهم المتاحة لكي يبنوا جديدًا للأسر الجديدة؟ وباستثناء النوبيين الذين يعملون في الأجهزة الحكومية وبخاصة التعليم وبعض التجارة الريفية الصغيرة فإن مواردهم الزراعية محدودة بأرض ضيقة وعمالة زراعية من أهل الصعيد المجاورين يتقاسمون معهم القليل الذي تغله الحيازات الزراعية الصغيرة والتي تفتت وتقزمت بالمواريث. سنة طبيعة أخرى.

هناك جانب من السكان قد ثبتت أقدامهم في الأرض الجديدة، ولكن البعض يحنون للعودة. والحنين هنا ليس مصدره العاطفة فقط بل الحاجة إلى إعادة التوطين في أرض قريبة من أرض الأجداد تبشر بمستقبل اقتصادي للأجيال الجديدة.

كان عدد النوبيين الذين هاجروا في ١٩٦٣ نحو خمسين ألفًا من المقيمين بصفة دائمة في النوبة القديمة وبإضافة نحو ٢٥ ألفًا من المقيمين جزئيًّا يصبح العدد قريبًا من ٧٠ ألفًا. وبحكم النمو السكاني المصري لا بد أنهم تضاعفوا مرتين على الأقل. ومهما قلنا عن موارد العمل النوبية القديمة في المدن المصرية فلا شك في أنها بلغت حد التشبع، وانتقل الكثيرون من الأبناء إلى شتى أنواع العمل حسب درجة ونوع تأهيلهم المدرسي والجامعي.

في السبعينيات والثمانينيات كانت هناك دراسات عديدة لإعادة التوطين في نحو عشر قرى حول ضفاف بحيرة النوبة/ناصر تحمل أسماء القرى القديمة مثل كلابشة وجرف حسين والعلاقي وعافية وتوشكى وأبو سمبل. والسائر الآن على الطريق البري من أسوان إلى أبو سمبل يشاهد لافتات على أيسر الطريق تشير إلى طرق ودروب تقود إلى مواقع بعض هذه القرى على مبعدة ٤٠ أو ٥٠كم شرق الطريق — في اتجاه ضفة البحيرة. وهناك محاولات جادة لإحياء بعض هذا المشروع الاستيطاني، لكن أنجحها مشروع قرية السلام بجوار أبو سمبل قرب موقع بلانة وفرقندي القديم. يقال: إن المستصلَح في المنطقة بلغ نحو سبعة آلاف فدان.

وفي تجمع قرى بلانة في كوم أمبو ظهرت من الأحاديث والمناقشات رغبة ملحة لعودة بعض الناس إلى هذه الأراضي المستصلحة. ويدحضون فكرة أن النوبي يفهم قليلًا في الفلاحة، ويدعمون رفضهم بأن الجمعية الزراعية بقرية دار السلام النوبية القريبة من بلانه/كوم أمبو، قد حازت على المرتبة الأولى في النشاط الزراعي من بين قرى أسوان.

وقد تبلورت الرغبات في موضوعات محددة لو تحققت — جزئيًّا أو مرحليًّا — فإنها سوف تعيد للنوبيين الشيء الكثير من الاعتبار ورد الجميل والمستقبل الاقتصادي، باعتبارهم جزءًا لا يتجزأ من نسيج مصر، وباعتبار أن تنمية النوبة هو، من البديهي، جزء من مخططات التنمية لجنوب الوادي الذي هو مشروع قومي تتبناه الدولة ولا بد من تحقيقه. وقد اخترت من بين تلك الرغبات موضوعين هامين:

  • الموضوع الأول: ويمثل رغبة كثير من النوبيين؛ هو إعادة توطين من يرغب في الأراضي المستصلحة حول أبو سمبل ومناطق أخرى لإقامة نوايات سكنية اقتصادية دائمة على مناسيب أعلى من ١٨٥ متر حتى لا تضار في حالات الفيضانات العالية. ويشترك الناس هنا بمجهوداتهم الذاتية مع كل ما تقدمه الدولة من دعم في حالات الاستصلاح الزراعي والتعمير في أرجاء مصر. ولدى وزارة الزراعة لوائح توضح شكل المعونات الابتدائية للمستصلحين، كالمساعدة المبدئية في تجهيز طلمبات الري ومياه الشرب وبعض الثروة الحيوانية وربما توجيه وإرشاد زراعي … إلخ.

    ماذا لو تحققت مثل هذه الرغبة من أجل تعمير شواطئ البحيرة والعودة بذلك إلى المخططات السابقة، بالمساعدة في إنشاء عدة قرى لمن يرغب من النوبيين وبعض أهل الصعيد لحل عدة أزمات أسوانية على رأسها فقر النجوع، سواء كان بين النوبيين أو الجعافرة أو العبابدة أو غيرهم. إذا ركبت القطار أو السيارة من أسوان شمالًا ستطل عليك من الشرق تكدسات سكانية في نجوع وقرى تختط لنفسها مواطئ أقدام بين الحجر والرمال، وقد تملك زمامات زراعية متناهية الصغر غرب الطريق في حالات محدودة. هؤلاء جميعًا هم جزء من سكان جنوب الوادي يستحقون الرعاية بإعلان النوايا والبدء بها.

  • الموضوع الثاني: هو عبارة عن أفكار يتبناها بعض النوبيين من ذوي المبادآت الفكرية. ويتلخص في إقامة قرية نوبية سياحية عند أو قرب أبو سمبل على نحو شبيه بالقرية الفرعونية على بر الجيزة. الفكرة تسعى إلى إقامة حياة نوبية تقليدية في تلك القرية مع متسع من غرف الإقامة للسياح مبنية على الطراز النوبي التقليدي؛ لكي يتعايشوا مع شكل الحياة والحضارة النوبية التي شاهدوا بعضًا منها في متحف النوبة. وبذلك تطول الليالي السياحية بدلًا من الوضع الحالي الذي يقضي فيه السياح بضع ساعات في أبو سمبل ثم يعود أغلبهم في الطائرة إلى أسوان. وفي هذا إثراء للسياحة والموارد الاقتصادية لمحافظة أسوان، ويخلق في الوقت نفسه مجالًا طيبًا لعمل بعض النوبيين في هذا القطاع السياحي معًا. ويحتاج مثل هذا المشروع إلى ترخيص بإقامته ودعم عدة جهات حكومية كوزارة السياحة ومحافظة أسوان والهيئات الثقافية التي تتبنى المحافظة على التراث الحضاري كاليونسكو.
والخلاصة: النوبة التنمية تحتاج إلى دعم خاص من قبل وزارة التعمير والإسكان ووزارة الشئون الاجتماعية، وتأسيس مجالات عمل نسائية كمشروع مشترك بخطة متوازنة من أجل تطبيق برنامج الدولة في تنمية جنوب الوادي، قبل أن تلتقط جهات خارجية مثل هذه المشكلات والموضوعات بحسن نية أو بغيرها وتروجه على أنه من قبيل دفاع عن حضارة مجتمع على وشك الزوال، كما يحدث الآن بالنسبة لموضع مماثل يحدث لبعض النوبيين في السودان.
٥ / ٣ / ١٩٩٦

(٦) قناة السويس كنز أسراره كثيرة

قيل مؤخرًا: إن الإنسان لا يستخدم سوى جزء من قدرة المخ، وإن الاتجاه الآن هو إلى الوصول إلى استخدام أكبر لطاقة المخ. والمتصور حينئذ أن الإنسان سيمتلك قدرات أكبر مما هو عليه الآن في التفكير والابتكار وتخزين المعلومات والتذكر … إلخ. وقناة السويس الآن هي مثل مخ الإنسان لها قدرات وطاقات أكبر من استخدامنا الحالي لها كمجرى مائي يربط الشرق والغرب، وأضيف إليها وظيفة أخرى صغيرة متمثلة في فيلات وشاليهات الترويح في أبو سلطان وغيرها، لكن أكبر فائدة للقناة هي أن تكون مصدرًا لناتج سلعي صناعي يخرج منها إلى المناطق المحيطة مستغلًّا رخص النقل البحري المباشر من مكان الإنتاج إلى أسواق الاستهلاك في شرق المتوسط (لبنان، سوريا، الأردن، فلسطين وإسرائيل، قبرص وليبيا)، والبحر الأحمر (السودان، إريتريا، إثيوبيا، السعودية، اليمن)، وشرق أفريقيا (الصومال، كينيا، تنزانيا، جزر القمر وموزمبيق).

ويمكن أن تساعد على حدوث ذلك بإقامة «عزب» صناعية — أي قرى صناعية صغيرة الحجم متخصصة في سلعة أو مجموعة سلع مصاحبة لبعضها، وهي بهذه الصورة يسهل إدارتها ومراقبتها وتصحيح مسارها. وسلسلة العزب هذه تمتد على طول الضفة الشرقية للقناة وتستخدم غالبها تكنولوجيا متوسطة إلى جانب تكنولوجيا عالية معاصرة في صناعات مثل الإلكترونيات. واستخدام التكنولوجيا المتوسطة يعطي فرصة لتشغيل عدد أكبر من العمالة المصرية الماهرة، كما أن أجور العمال هي بالضرورة أقل من التكلفة في رأسمال المنشأة رفيعة التكنولوجيا، وفي صيانتها في أجواء الصحراء المتربة دومًا، وأخيرًا فإن التسارع في التغيير التكنولوجي نتيجة سرعة الكشوف العلمية التطبيقية هي سمة العصر التي تؤدي بالضرورة إلى متابعة التغيير بشراء تجهيزات وأدوات أحدث وهو ما يشكل أعباء مالية أكبر من أن تتحملها السلعة المنتجة في سوق المنافسة الدولية. وليس معنى هذا شراء تكنولوجيا عتيقة، ولكنا ننحو منحى مشابه لهونج كونج التي تستخدم عمالة كبيرة وتكنولوجيا متوسطة في صناعات معنية وخاصة الملابس الجاهزة وأجهزة الراديو والتلفاز والتصوير والساعات، بينما تستخدم تايوان وكوريا التكنولوجيا الرفيعة جزئيًّا بتأثير رءوس الأموال اليابانية والأمريكية.

إن تفوق اليابان والنمور الصغيرة في شرق آسيا يعود في بعض أسبابه إلى الإفادة من النقل البحري الرخيص لوقوعها جميعًا على شواطئ المحيط، لكن مواقع هذه البلاد غير مركزية بالنسبة للعالم بينما موقع قناة السويس هو موقع مركزي متميز بكل المقاييس. علينا أن نستغل هذه المركزية بإقامة نشاط إنتاجي يجد سوقًا بين أوروبا وآسيا وأفريقيا وينقل الإنتاج الصناعي إلى هذه الأسواق بواسطة النقل البحري رخيص التكلفة. ولكي يتم ذلك فالمطلوب إنشاء «حارات» مائية تمتد من القناة أو بحيراتها شرقًا لمسافة كيلومتر أو نحو ذلك، وعلى ضفة هذه الحارات المائية تقام القرى الصناعية بحيث تبنى كل قرية أرصفة الشحن الخاصة بها لتسهيل عمليتي التفريغ والشحن بعيدًا عن مسار القناة الرئيسي حتى لا تعرقل حركة القوافل البحرية العابرة، ويعرف كل دارس لاقتصاديات النقل أن نقاط التفريغ وإعادة الشحن من وسيلة نقل لأخرى — نقل بري إلى حديدي أو بحري على سبيل المثال، هي أكثر النقاط تكلفة في خط سير نقل معظم السلع؛ لأنها تستدعي أجور عمالة وآلات رافعة وأرضيات تخزين في التفريغ ثم إعادة الشحن. فإذا كان منتج العزب الصناعية سوف ينقل مرة واحدة من المصنع إلى السفينة فإن ذلك سوف يخفض من تكلفة النقل ويعطي للسلعة ميزة في إجمالي تكلفتها — وهو ما يساعد السلعة في سوق المنافسة، هذا فضلًا عن أن القرب الجغرافي لمنطقة قناة السويس من دول البحر المتوسط والأحمر والبحر العربي والخليج العربي هو عامل يساعد على خفض سعر النقل بالقياس إلى الموقع البعيد لشرق آسيا أو غرب أوروبا أو أمريكا الأطلنطية.

أي التكنولوجيات تختار: الشرقية (اليابان والنمور الأربعة والصين) أو الأورو-أمريكية؟ الأغلب أن تختار التكنولوجيا الشرقية؛ لأن الدول الغربية تضع شروطًا مجحفة في أحيان كثيرة، والأغلب أن نقل التكنولوجيا الشرقية هو عادة أوفر وربما تكون أكثر استجابة إلى مقتضيات السلع في السوق الأساسي لها في الشرق الأوسط وشرق أفريقيا؛ أي أنْ يكون في مقدور سكان الريف والمدن في الشرق الأوسط شراء هذه السلع علمًا بأن معظم سكان هذه البلاد من ذوي الدخل المحدود. والقصد أن مثل منتجات الصين أو المنتجات اليابانية الموجهة للصين وجنوب شرق آسيا هي على الأغلب ما نحتاجه من صناعات تستخدم تكنولوجيا متوسطة في الإنتاج من السيارات إلى آلات الإنتاج والأدوات الزراعية والصناعات الغذائية. فعلى سبيل المثال أين معلبات التونة المصرية في مواجهة تونة تايلاند التي تغرق السوق المصرية؟ وأين السيارة المصرية أمام أنواع السيارات الكورية والتركية والرومانية؟

كيف ننفذ ذلك؟ ربما كان أحسن الوسائل وأقلها تكلفة بالنسبة لمصر هو تخصيص أرض لمشروعين أو ثلاثة مشاريع رائدة Pilot Project تنفذها شركات أو هيئات عامة من واحدة من نمور شرق آسيا أو اليابان أو الصين، وحبذا لو كان كل مشروع من المشروعات الرائدة يتبع دولة أو هيئة مغايرة. ذلك أننا لا نعرف بالضبط قدرات التفاوض ونتائجه، لكن النجاح في مشروع صناعي أو أكثر — إذا قدر — سوف يخلق عدة أمور أهمها اشتعال الهمة في إنشاءات جديدة يقوم بها المستثمرون من مصريي المهاجر ومصريي الداخل وأصحاب المبادآت من الأفراد والشركات العربية، بل ربما ينجذب لمواقع الصناعة في منطقة القناة شركات متعددة الجنسيات أوروأمريكية، كل ذلك إلى جانب المستثمرين من شرق آسيا. ومن الأمور الأخرى الناجمة عن إقامة المشروعات الرائدة تجنب أخطاء التجربة الرائدة وتخطي عقبات كانت قد ظهرت أثناء العمل.

ولعل أهم الأخطار التي تواجه نجاح مثل هذه المشرعات هي البيروقراطية المعهودة والقوانين المتداخلة المتراكمة بتعديلات المواد لسنة كذا وسنة كذا التي تتخذ في النهاية صور هرم مقلوب رأسه قانون عتيق وقاعدته عشرات من التعديلات، فلم لا نعيد الهرم إلى وضعه الطبيعي بإلغاء كل المواد العالقة واستحداث قوانين قادرة على مواجهة المواقف الجديدة في ظل الدعوة إلى الخصخصة ونظم التعاملات في الأطر الإقليمية والعالمية المعاصرة — على ألا يتعدى ذلك جور على السيادة الوطنية؟ الصورة التي نتخيلها هي صورة المشاركة بين الدولة والمستثمرين: الدولة بحق الأرض وحفر القنوات الجانبية وتقديم خدمات أخرى كإدخال محطات المشروعات ضمن شبكة الكهرباء القومية، وتسهيل الحصول على الماء بمعامل تحلية مياه القناة والبحيرات كناتج فرعي لمحطات الطاقة، وإمداد المحطات بالوقود الحراري — غالبًا باستخدام توربينات غاز طبيعي، فنوفر بذلك ماء النيل لمشروعات الزراعة في صحاري شرق الدلتا وغربها، وأن تعامل الدولة الإنتاج السلعي لهذه العزب الصناعية معاملة المناطق الحرة مع عدم المغالاة في فرض الرسوم والضرائب المتعددة على المنتجات التي تدخل السوق المصرية لسببين؛ أولهما: أنه إذا كانت فروق السعر كبيرة بين المنطقة الحرة للسوق الداخلية فإن ذلك سيفتح شهية المقامرين والمغامرين الكبار إلى استخدام كافة وسائل التهرب والتهريب، وثانيهما: أن أي دراسة جدوى لمثل هذه المشروعات الصناعية سوف تأخذ في حساباتها الأولية السوق المصرية الكبيرة كأول وأضمن أسواق الشرق الأوسط للسلع المنتجة.

أما الطرف الثاني — أي المستثمر — فيقدم رأس المال والمصنع والخبرة في الإدارة وفي الإنتاج وفي التسويق، ويتم التعاقد لفترة قد لا تزيد على ربع قرن — ربما كان هذا هو العمر الافتراضي للمصانع الحديثة في الوقت الراهن وذلك لكي يمكن إعادة تجهيزها بمعدات أحدث، وبعد هذه الفترة ينتقل المشروع إلى شركة مساهمة مصرية ربما مع بقاء الشركة الأصلية كمصدر خبرة واستشارة. ولعل الإدارة هي مشكلة المشاكل في مصر بحيث يقال تجاوزًا: النوبة الإدارة هي مشكلة مصر الوحيدة، لهذا وضعت الإدارة في الصدارة حتى نأخذ تدريجيًّا بنظم الإدارة المناسبة.

أخيرًا فإن هذه كلمات ليست فنية وإنما هي صورة التخطيط الإقليمي لعنصر واحد — الصناعة — يدور في فلكه عناصر التخطيط البشري الأخرى لإقليم القناة، وكذلك فإن هذه الكلمات هي من أجل التأكيد أن الوقت أزف لاستفادة أكبر من قدرات القناة. صحيح أن حصيلة العبور تشكل الآن نسبة عالية من الناتج المحلي العام لكن إضافة المشروعات الصناعية إلى شرق القناة سوف يؤتي أكُلًا كثيرة، على رأسها خلق وظائف لكثير من العاطلين، وتعظيم الإفادة من الموقع البحري المتميز لإقليم مصري حساس طوال العصور بتحويله إلى بؤرة نشاط ومركز ثقل سكاني واقتصادي معًا.

١٠ / ١١ / ١٩٩٨

(٧) شرق التفريعة: رؤية جغرافية للمشروع

مشروع ميناء الحاويات شرق بورسعيد

في ٢٢ و٢٣ سبتمبر ١٩٩٨ عقد أول مؤتمر عن شرق التفريعة في مدينة بورسعيد برعاية رئيس مجلس الوزراء واشتراك مجموعة من العلماء والباحثين من هيئات مختلفة منها الجمعية الجغرافية المصرية، والجمعية العلمية العربية للنقل، والجمعية البحرية المصرية وجمعية المهندسين البحريين، وجمعية زملاء معهد المهندسين البحريين البريطانيين، وبالتعاون مع محافظة بورسعيد والهيئة العامة لميناء بورسعيد وشركة بورسعيد لتداول الحاويات والبضائع. حشد كبير ضاقت به قاعة اجتماعات فندق سونستا، وفيهم الباحث والتجريبي ورجل البحر المستثمر الذي يريد أن يعرف أين هو من هذا المشروع الضخم.

كان برنامج المؤتمر مليئًا بالمحاضرات والتعقيبات واحتدام النقاش على مدى ثماني جلسات غنية بالرأي والرأي الآخر، بالتوضيح والمقارنة مع موانئ أخرى عملاقة في حوض البحر المتوسط والخليج العربي وجنوب شرق آسيا، وإلى جانب ذلك كانت هناك دراسات عن الطاقة المتوقعة للميناء الجديد والموانئ المنافسة مثل حيفا في إسرائيل، وليماسول في قبرص، ومرسين في تركيا، وبيريه في اليونان، وكلها في شرق البحر المتوسط، وتردد كثيرًا اسم ميناء جبل علي في دبي على أنه نموذج للنمو السريع الفعال برغم علاقاته المكانية التي يتفوق عليها مشروع شرق التفريعة الذي رُئِي تسميته شرق بورسعيد، وربما حرصًا من الهيئة البورسعيدية على تثبيت هويته داخل حدود المحافظة، علمًا بأنه مشروع قومي بكل معاني المكان والمال والمصلحة. ومشروع كبير مثل شرق التفريعة لا بد أن يواجه مشكلات يبحث لها عن حل. وهذه المشكلات لا تختص فقط بالتصميم والإنشاءات الهندسية، بل أيضًا في نوع التشريعات المصاحبة لكي تسهل إدارته وقدرته التنافسية مع موانئ مماثلة الوظيفة، ومشكلات تسويق الميناء وخدماته إقليميًّا بين الخليج وشرق المتوسط.

مشكلات التصميم والإنشاء مرتبطة أساسًا بظرف طبيعي هو نوع التربة، ومعروف جيولوجيًّا ومورفولوجيًّا وجغرافيًّا أن تربة سهل الطينة تركيبة خاصة جدًّا، فقد تكونت خلال تاريخها الجيولوجي من تراكم إرسابات نيلية حين كانت مصبًا لفرع مندثر من فروع الدلتا هو الفرع البيلوزي، أرسبت على قاع البحر بتكويناته الرملية وطينه البحري في صورة طبقات متعاقبة من الطين والرمال تمتد إلى أكثر من مائة متر عمقًا، ثم حدث انخفاض تدريجي للأرض أدى إلى تكوين تربة سبخية شديدة الملوحة ذات أنواع مختلفة من تراكيب سطح الأرض منها مساحات كبيرة ذات قشرة ملحية سميكة، حيث التبخر الشديد وملاحات شاطئية يفصلها عن البحر شريط رملي رفيع وتربة مستنقعية في الأرض المنخفضة ذات المنسوب القريب من منسوب سطح البحر بين الملاحات والسطح ذي القشرة الملحية الصلبة، وليس هذا سوى وصف عام يحتاج إلى جسات حقلية متعددة وليس فقط الجستين اللتيْنِ أشار إليهما أحد البحوث الذي ألقي في المؤتمر، وحتى تلك الجستين أفصحت عن الكثير من مشكلات الإنشاء، وقال المتحدث: إنه يمكن معالجة المشكلة بطريقة دق خوازيق تصل إلى عمق ستين مترًا أو تزيد تحت كل بناء عليه أحمال كبيرة — سواء كان ذلك مصنع أو مخازن تشوين الحاويات — بطبيعة الحال هذا هو الحال الإنشائي لمثل هذه التربة كي لا تهبط المنشآت والأبنية وتحتاج إلى صيانة أو إعادة بناء، لكنه حل شديد التكلفة بالنسبة للدولة والمستثمرين، فهل نحن كمن ينطبق عليه المثل الشائع: المضطر يركب الصعب من الأمور، فهل نحن المضطر؟ سؤال مفتوح.

لا شك أن هذا المكان جغرافيًّا له ميزات عديدة أعظمها أنه على الطريق العالمي لقناة السويس مباشرة، وهو في حد ذاته مبرر قوي لإنشاء ميناء محوري تتداول فيه حاويات دول شرق المتوسط البحر الأحمر، وربما شرق أفريقيا أيضًا، وذلك على عكس الموانئ المنافسة الأخرى التي تقع بعيدًا عن طريق القناة الملاحي، فهل حجم تداول الحاويات المعتمدة في مخطط الميناء (٣١٫٥ مليون حاوية سنويًّا) يبرر التكلفة الباهظة للإنشاء على مثل هذه التربة؟ وهل التشريعات الخاصة بهذا الميناء ستضمن تداول الحاوية في أقل من دقيقة زمن كي يصبح ذلك قيمة مضافة لحساب الميناء، كما هو الحال في المواني المحورية المليونية؟ وهل سيكون التفريغ والشحن وإعادة الشحن بعيدًا عن التعامل البيروقراطي المعهود، وبخاصة تنازع السلطات بين المالية والجمارك والأمن وسلطة الميناء وغير ذلك؟ وما هي أشكال هيئات وشركات الشحن ونقابات العاملين؟ وهل ستكون هناك تجهيزات كمبيوترية مبرمجة للخدمة السريعة للحاويات، واتصالات على مستوى عالٍ من الحداثة والتحديث مع شركات سفن الحاويات العالمية وأسواق تجميع أو تصريف الحاويات؟ وما هي طبيعة وأعلام شركات سفن الروافد الصغيرة التي تنقل الحاويات من موانئ شرق المتوسط والبحر الأحمر وإلى الميناء المحوري في شرق التفريعة؟

لماذا التركيز على الحاويات؟ إن الميل العام للنقل البحري السلعي عالميًّا يميل باستمرار إلى نمط النقل بالحاويات بديلًا لسفن البضائع العامة لأسباب كثيرة منها تجنب الفاقد وسرعة التداول، وهما ميزتان تعادلان مزيدًا من الربح من المنشأ إلى الناقل والمستورد، وفي إحصائية هيئة قناة السويس عن الحركة في القناة في الأشهر الستة الأولى من العام الحالي (١٩٩٨): إن الحمولة الصافية العابرة للقناة كانت تتصدرها الحاويات ﺑ ٧٤ مليون طن، يليها البترول بنحو ٤٦ مليون طن ثم السفن حاملات السيارات نحو ٣٥ مليون طن، وأخيرًا سفن البضائع العامة والسفن مختلطة الوظيفة نحو ١٣ مليون طن. هذه أرقام مشجعة على تخصيص الميناء الجديد للحاويات بصورة أساسية، خاصة إذا علمنا أن بناء سفن الحاويات الجديدة في ترسانات العالم المختلفة تنحو إلى جيل من سفن الحاويات أكبر من الحالية.

والمشرع في شرق التفريعة يتضمن أيضًا إنشاء منطقة صناعية كبيرة جنوب الميناء مباشرة، فهل ستصبح هذه المنطقة ضمن المناطق الحرة؟ وما هو مفهوم المنطقة الحرة في مصر؟ نعرف أن هناك أشكالًا متعددة منها المنطقة الحرة والميناء الحر والمدينة الحرة؟ وقد أكدت كثير من البحوث ضرورة إلغاء هذه التشريعات المتعددة وإدراجها كلها في تشريع واحد واضح يفوت فرصة التلاعب بالنصوص القانونية من خلال التفسيرات المتعددة.

وقد اعترض الكثيرون على مبدأ بيع الأراضي في المنطقة الصناعية وفضلوا عليه نظام التأجير وحق الانتفاع لمدة ٤٠–٥٠ سنة مع بقاء الأرض ملكًا للدولة؛ لأن ذلك أكثر ربحية للدولة ومنعًا للمضاربة على الأراضي ورفع قيمتها الفعلية بدون مقابل حقيقي، ويرى هؤلاء أن دخل الدولة من القيمة الايجارية المدفوعة على مدى حق الانتفاع سيكون أعلى من قيمة بيعها الآن، وتظل الأرض بعد ذلك ملكًا للدولة تؤجرها كما تشاء. وكذلك كانت هناك اعتراضات على المساحة المخصصة للميناء المحوري (٢٢٫٥ كيلومترًا مربعًا) أنها ضيقة لا تسمح بتوسعات ضرورية مستقبلية، خاصة أن المنطقة الصناعية (٨٧٫٥كم مربعًا) تلي الميناء جنوبًا فتحجم امتدادات الميناء في المثلث الضيق بين التفريعة وبحيرة الملاحة، فإذا كانت أراضي المنطقة الصناعية قد بيعت، فإن سلطة الميناء مضطرة إلى شراء أرض التوسعات من المستثمرين بأسعار عالية جدًّا بالقياس إلى سعرها الأصلي. ومن بين ما ذكر أن هناك فرص عمل وإسكان في أرض المشروع، فأين هي المدينة السكنية التي تستوعب نحو مائة ألف أو يزيد وليس لها وجود على المخطط المعروض كأن البشر ليس لهم حساب. وقيل عابرًا: النوبة المنطقة السكنية ستكون جنوب المنطقة الصناعية، فهل يجوز أن ننقل أسوأ خبراتنا في القاهرة وحلوان، حيث تلقي الصناعة بملوثاتها في جو المدينة، ألا نعلم أن الرياح السائدة في مصر عامة هي الشمالية، وأن المدينة المقترحة ستقع في مهب التلوث الصناعي؟

وأخيرًا لا شك أن لدى مصر مشروعات تنمية طموحة كثيرة منها اثنان في منطقة القناة رأس خليج السويس وشرق التفريعة. واحد في الجنوب والآخر في الشمال فماذا عن بقية منطقة القناة؟

في مارس ١٩٩٦ نشرتُ في جريدة «الأهرام» موضوعًا موجزًا عن ضرورة تعظيم منطقة القناة بإنشاء سلسلة من المناطق الصناعية متوسطة التكنولوجيا على طول الضفة الشرقية للقناة، على أن تبنى هذه المصانع على حارات مائية متعامدة على القناة بطول بضع مئات الأمتار تمتد من القناة شرقًا إلى الداخل، الغرض من التركيز على الصناعات متوسطة التكنولوجيا غرض مزدوج؛ الأول: أنها صناعات أقل تكلفة في رأس المال وأكثر عمالة بشرية مما يساعد على إيجاد وظائف للمصريين — وهو مطلب مهم في ظل الظروف السكانية والاقتصادية الحالية، والغرض الثاني: أن ناتج الصناعة متوسطة التكنولوجيا رخيص وقادر على اكتساب السوق الفقيرة لكتل السكان الريفيين في مصر والسودان والصومال وغيرها من بلاد البحر الأحمر وشرق أفريقيا.

وعلى سبيل المثال، فإن المنطقة الصناعية الحالية في مدينة الإسماعيلية كان يمكن أن تكون في شرق القناة أمام الإسماعيلية بدلًا من موقعها الحالي في غرب المدينة. الموقع الحالي له سلبيات أولها: أنه يحجم نمو الإسماعيلية غربًا، وثانيها: أنه يساعد على تلويث جو الإسماعيلية، وثالثها: أنه كان يمكن استصلاحه كأرض زراعية وحزام أخضر يقي المدينة من هبات الرياح شديدة الأتربة؛ لأن التربة هنا طينية جافة مفككة كونتها فروع النيل القديمة المندثرة، أما موقع الصناعة شرق القناة، فليست له هذه السلبيات، بل إن له إيجابية إعمار الجانب الشرقي بما يتضمنه من تدعيم استراتيجي للقناة يعرفه العسكريون، فهلا فكرنا أيضًا في هذا المجال الحيوي الوسيط من الصناعات إلى جانب المشروعات الكبرى في خليج السويس وشرق التفريعة؟

وهلا فكرنا مسبقًا في حماية البيئة من ناتج الصناعات وكمية التلوث البحري والصرف الصحي في خليج السويس وأثره على مصير القرى السياحية في العين السخنة ورأس سدر، أليست رأس سدر من الأهمية بحيث رأت الدولة إنشاء مطار دولي فيها، هل المطار لخدمة السياحة وحركة النقل في منطقة جنوب السويس أم لخدمة منطقة الصناعة الجديدة؟

وفي الشمال في المنطقة بين التفريعة وبحيرة البردويل توجد بحيرتا الملاحة الكبرى والصغرى اللتان تكونان ملجأ مهمًا لطائر الفلامنجو والطيور المهاجرة في شرق المتوسط، الملجأ المهم الثاني في البحر المتوسط هو في منطقة مستنقعات الكامارج في دلتا نهر الرون في جنوب فرنسا، الذي يحافظ عليه الفرنسيون بشكل ممتاز، أما في شرق التفريعة، فقد رأينا مخطط الميناء يجور على نصف بحيرة الملاحة الكبرى، والنصف الآخر سيقع لا محالة تحت طائلة التلوث البحري والنمو المكاني للميناء أو مشروع إنشاء مطار دولي، الذي هو ضروري لخدمة المنطقة الجديدة. فأين نحن منهم في مجال المحافظة على البيئة التي تتشدق بها الكثيرون؟

٥ / ١ / ٢٠٠١

(٨) مشروع شرق التفريعة: مصير ومقترحات

نشرت الأهرام في ٩ سبتمبر ٢٠٠٠ تقريرًا على جانب كبير من الأهمية حول قرارات اللجنة الوزارية للمشروعات القومية. وملخص القرارات بالنسبة لمشروع شرق التفريعة يتفق والجملة المشهورة «يعود الحال كما كان عليه.» لقد بدأ هذا المشروع منذ ١٩٩٨ بطموح كبير: ميناء حاويات محوري ومنطقة صناعية ومدينة سكنية ومطار دولي.

وفي ٢٠ نوفمبر ١٩٩٨ كتبت في الأهرام رؤية جغرافية للمشروع تساءلت فيه على أي أرض سوف يبنى المشروع وأية خسارة بيئية يجنيها؟ سهل الطينة هو في الحقيقة جيولوجيًّا تربة ملحية سميكة تكونت، باختصار، من تعاقب إرسابات رملية وطين بحري لأكثر من مائة متر عمقًا فوق مياه جوفية بحرية، وهي بذلك جغرافيًّا وعمرانيًّا تربة معادية للبناء بأي تكنولوجية إلا بتكلفة قد تفوق العائد المرجو. وأنه لا يجب البدء في المشروع إلا بعد إجراء جسات عميقة عديدة على التربة للاطمئنان على سلامة الأبنية المقامة عليها. وتحتاج أيضًا إلى تجارب وتحليلات معملية للتأكد من أن عوامل الشد والجذب لهذه التربة الملحية لن تكون ذات آثار ضارة عند فصلها عن المياه الملحية بالسدود والحوائط الأسمنتية إلى أعماق كبيرة.

ويتضمن سهل الطينة بحيرتين هما الملاحة الكبرى والصغرى وفيهما مجالات نشاط سمكي كبير، فضلًا عن أنهما ملاذ للطيور المهاجرة بخاصة طائر الفلامنجو الذي يجد هنا بيئة صالحة نادرة في حوض البحر المتوسط قد لا يكون لها نظير سوى مستنقعات سهل الكامارج في جنوب فرنسا الذي يتمتع فيها بحماية حقيقية.

تجاهل مخططو المشروع كل هذا. بل كان المشروع يتضمن ردم البحيرتين باعتبار أن عائد الميناء المحوري والصناعة والمدينة والمطار أجدى من زريعة السمك أو المحافظة على طريق هجرة موسمية للطيور. والأدهى أنهم خططوا المدينة السكنية جنوب المنطقة الصناعية ضاربين عرض الحائط بمدى التلويث الصناعي الغازي والسمعي للبيئة والمناخ وصحة الناس. كما أن الجهاز الحكومي للمشروع باع للمستثمرين الصناعيين الأرض برغم صيحات الاعتراض على مبدأ البيع، وأن يكون بديله تخصيصًا إيجاريًّا لمدة معينة رجحت أن تكون ٥٠ سنة وبذلك تظل الأرض ملكًا للدولة.

لا نعرف ماذا تم خلال سنتين، لكن قرارات اللجنة الوزارية العليا أوضحت أن نحو ثلثي المستثمرين انسحبوا وسحبوا الأموال التي دفعوها. لماذا؟ هل هذا بسبب قرار أن يدفع المستثمرون تعويضات زراعي السمك بدلًا من الحكومة؟ أم أن المسألة من ذلك بعد ظهور مصاعب تربة سهل الطينة والتكلفة العالية التي سيتحملونها في حالة المضي في مشروعاتهم الصناعية أو غيرها من المشروعات التجارية والخدمات؟ أم أن الاستثمار في مشروعات شمال غرب خليج السويس — منطقة عين السخنة: الميناء وتخصيصات الصناعة — بدا أقل مخاطرة وأعلى عائدًا ومن ثم أكثر جذبًا من شرق بورسعيد ذي الإشكاليات المتعددة.

والواقع أننا في مصر نبدأ مشروعًا ووراءه مباشرة مشروع مشابه منافس له. وهو ما يسبب إحباطًا إما لعدم التنسيق بين الهيئات والوزارات القائمة بالمشروعات، وإما لأشياء ودوافع غير مرئية.

والخلاصة: أننا نتبنى في ذات الوقت مشروعين متشابهين: ميناء وصناعة ومدينة سكنية في منطقة واحدة غير بعيدة عن بعضها في شمال وجنوب قناة السويس — أي في مجال جغرافي ضيق لا يزيد طوله عن مائتي كيلومتر بين شرق بورسعيد وجنوب السويس!

وحيث إن الظروف البيئية والجيولوجية في شمال غرب خليج السويس أفضل بكثير من ظروف سهل الطينة، فلا بد أن الرهان الآن هو على مشروعات العين السخنة وليس شرق التفريعة.

وثمة ملاحظة هامة أن المشكلة الأساسية في المشروعين هي تدبير المياه العذبة اللازمة للصناعة وأشكال الحياة العمرانية. علمًا بأن مياه النيل محدودة ولا تستطيع الوفاء باحتياجات مصر المستقبلية، فما بالنا لو أضفنا أعباء أخرى. هذا قدرنا ويعرف المسئولون أن علينا أن نخطط بدقة بالغة في استخدام مياه النهر المتاحة في ضوء مشروعات الاتفاقات المستجدة لإعادة تقسيم مياه النيل بدخول إثيوبيا وغيرها في هذا المضمار، مما قد لا يجعلنا نتفاءل بالمستقبل القريب، وربما اضطررنا إلى الالتجاء إلى مشروعات مكلفة لتحلية مياه البحر. فالأمر إذن يحتاج إلى رؤية شاملة اقتصادية سياسية عمرانية مائية تتدارسها وتحدد أطرها بين المكسب والخسارة لجنة على أعلى مستوى ممكن؛ لأن الموضوع هو حياة مصر.

وحسب قرارات اللجنة الوزارية للمشروعات القومية في سبتمبر الماضي نجد أن مشروع شرق التفريعة قد انكمش إلى ميناء حاويات فقط بدلًا من المشروع الأصلي، ولكن هل سيصبح ميناء محوريًّا يتعامل في ملايين الحاويات؟ ومما لا شك فيه أن سوق مصر لا تحتاج إلى ميناء جديد بهذه السعة، فلدينا ما يكفينا في دمياط وبورسعيد ومشروعات غرب الإسكندرية وعين السخنة. وكما يعلم المختصون أن للميناء المحوري متطلبات أساسية منها البنية التحتية وبخاصة الطرق الحديدية والبرية والمطار وأحواش كبيرة للتخزين وأسطول سفن صغيرة لإعادة تصدير الحاويات إلى الموانئ المتجهة إليها.

صحيح أن الموقع الجغرافي لشرق التفريعة هو موقع ملائم تمامًا لاستقبال وإعادة توزيع وتصدير الحاويات باعتباره يقع على قمة الطريق البحري العالمي بين الشمال والجنوب لتغذية احتياجات النقل لدول حوض البحر المتوسط الشرقي بصفة خاصة. لكن البحر المتوسط قد امتلأ بمواني الحاويات المحورية في إيطاليا واليونان وقبرص وتركيا ومشروع تطوير مواني أسدود الإسرائيلي وبيروت وتارنتو في جنوب إيطاليا … إلخ. فهل دخلنا عصر المواني المحورية متأخرًا؟

والمسألة ليست فقط الموقع والمنافسة ولكنها تحتوي على عدد كبير من الاحتياجات على رأسها الموضوعات التقنية والتلاؤم البشري بالتدريب المستمر على النظام الكومبيوتري في التشغيل والحفظ والمراجعة، وكلها أشياء يمكن حلها بدرجات متفاوتة من النجاح. لكن المشكلة العويصة التي قد نواجهها هي النظم الإجرائية وفلسفة إدارة الميناء في مواجهة المركزية المتشددة التي نعرفها في مصر. فهل يمكن أن يصبح الميناء المحوري ومنطقته الحرة شديد الاستقلال في اتخاذ القرارات والتمويل والقروض والتجديد والتنمية وعقد الصفقات مع شركات ومكاتب من أي جنسية لإقامة مكاتب ومخازن وبعض الصناعات التجميعية وإعادة الشحن — هل يمكن ذلك دون تدخل مركزي؟ وعلى سبيل المثال فإن أسباب نجاح مينائَيْ جبل علي ودبي في الإمارات العربية المتحدة كثيرة أدت إلى أوضاع متميزة منها: أن هناك ١٤٥٠ شركة من ٨٥ دولة تتعامل مع تلك المواني. ٧٤٪ من التعاملات هي تراخيص تجارية و٢٢٪ تراخيص صناعية في المنطقة الحرة و٤٪ تراخيص خدمات أساسية، وتعامل مع ١٢٥ شركة من كبريات خطوط سفن الحاويات العالمية، فضلًا عن مطار دبي المحدث على أحسن الأساليب والذي يخدم ٨٠ شركة طيران تتجه إلى ١٣٠ وجهة، وخدمات غير محدودة للاتصالات الدولية مع ١٧٥ دولة اتصالًا مباشرًا بالتلفون والفاكس والبريد الإلكتروني، هذه المؤهلات مع مرونة الجهاز الحكومي جعلت هيئة مواني دبي «جافصا» تصف نفسها بأنها «بوابة العالم». علمًا بأنه ليس وراء دبي سوقًا كالسوق المصرية ولا موقعًا مماثلًا لمصر. لكن المرونة الإدارية الشديدة هي وراء هذا النجاح الهائل في محيط غني في بلاد الخليج ومحيط فقير في الهند وباكستان.

ويمكننا الاستطراد كثيرًا، لكن الخلاصة: أن وراء نجاح مواني دبي تاريخًا إداريًّا سياسيًّا تجاريًّا مرنًا طوال قرن من الزمان، بينما وراءنا تاريخ إداري بيروقراطي مركزي متشدد زمانًا طويلًا. فهل ننجح في تعديله لمواكبة العصر ومتطلبات مصر التنموية؟ في مارس ١٩٩٦ كتبت في جريدة الأهرام موضوعًا مختصرًا عن ضرورة تعظيم إمكانات قناة السويس مفاده: أن تهيئ الدولة مخططات وبنية أساسية يستفيد منها القطاع الخاص وذلك بإنشاء سلسلة من العزب الصناعية متوسطة التكنولوجيا على الضفة الشرقية من القناة كصناعات كهربائية وإلكترونية وملابس جاهزة وتجميد أسماك وأطعمة وغير ذلك — على أن تبنى هذه الصناعات على حارات مائية تأخذ من القناة، وبطول كيلومتر أو نحوه في عدة أماكن شرقي القناة مثل شرق كل من الدفرسوار والإسماعيلية والبحيرات المرة والشط … إلخ. وعلى أن تكون كل عزبة صناعية مهيأة أيضًا لسكن العاملين والقائمين بالخدمات الضرورية، دون التورط في إنشاء مدن أو قرى كبيرة تصبح بعد قليل مشكلة عمرانية كما يحدث دائمًا عند إنشاء مدن جديدة في ممارساتنا الحالية. الغرض الأول من التركيز على الصناعة متوسطة التكنولوجيا متعدد المنافع. منها أولًا: رخص أدوات الإنتاج وبساطتها لمثل هذه الصناعات في السوق الدولية وسهولة التعامل معها مع تدريب متوسط. ومنها ثانيًا: أنها توفر عمل لأيدي عاملة كثيرة؛ لأن مثل هذه الصناعات لا تقوم على آلية عالية التكلفة قليلة العمالة. وأخيرًا: أنها توفر سلعًا رخيصة في متناول جملة الفقراء في مصر وبعض بلاد البحر الأحمر وشرق أفريقيا.

الغرض الثاني من إنشائها شرق القناة: هو نوع إقامة كثافة العمران الاستراتيجي الذي يعرفه الاستراتيجيون والعسكريون لتأمين القناة من جهة الشرق.

والغرض الثالث والأخير: هو الاستفادة من قناة السويس كشريان مائي للنقل البحري الرخيص مباشرة من أرصفة العزب الصناعية شمالًا إلى البحر المتوسط وجنوبًا إلى البحر الأحمر. وليس صعبًا تنظيم مرور سفن الشحن الصغيرة التي تنقل خامات ومنتجات العزب الصناعية ذهابًا وإيابًا في القناة جنبًا إلى جنب قوافل السفن الكبيرة العابرة. وربما ساعدت عوائد هذه الصناعات في تمويل جزئي لعملية ازدواج مسار القناة بكامل طولها.

والخلاصة: أن تنمية مثل هذه الصناعات على طول القناة — إضافة إلى الصناعات المختلفة الراهنة والمستقبلية في السويس والإسماعيلية وبورسعيد — سوف يساعد على أن تصبح منطقة القناة برمتها مجالًا نشطًا للعمل وبالتالي لجذب السكان بدلًا من الحشر في عشوائيات وطفيليات المدن المصرية.

١٢ / ٤ / ٢٠٠٣

(٩) مصايف الساحل الشمالي؛ نظرة نقدية

(٩-١) الساحل الشمالي والتاريخ العسكري لمصر

الساحل الشمالي هو الواجهة المصرية في عالم البحر المتوسط ومجموع علاقاته الحضارية منذ عصور قديمة. لكنه كان لبضعة آلاف من السنين ذو علاقة سلبية أيضًا فيما يختص بالسلامة القومية؛ لأنه كان معبر أقوام وشعوب غزت مصر أو أرادت غزوها وهزمت في معارك ضارية بين المصريين وهؤلاء الطامعين في غنى مصر الخضراء.

كانت المنطقة الساحلية إذن ومنذ الدولة القديمة إلى أواخر الدولة الحديثة الفرعونية مسرحًا لعمليات عسكرية شبه دائمة ضد القبائل السامية القادمة عبر فلسطين؛ نتيجة ضغوط وغزوات الشعوب الهندوأوروبية للشرق الأوسط في إيران والأناضول منذ الألف الثانية قبل الميلاد، وكذلك حاربت قبائل البربر من التحنو والمشوش القادمين من برقة وشمال أفريقيا وصدت شعوب البحر من الإغريق وغيرهم الذين قدموا في هجرات متتالية إلى سواحل مصر الغربية وسواحل الدلتا؛ نتيجة ضغوط هجرات الشعوب الهندوأوروبية في البلقان والأناضول، وقد أدت هذه الحركات الكبيرة للشعوب الضاغطة إلى تبني السلطات المصرية سلسلة من القلاع ومراكز الاستطلاع والمراقبة بطول سواحل سيناء والسواحل الغربية. وكانت أهم القلاع في الشرق بليزيوم — الفرما قديمًا وبالوظة حاليًّا، وربما كانت أبعد القلاع في الغرب هي في منطقة مطروح الحالية.

أما سواحل الدلتا فقد كانت البحيرات والمستنقعات والمصبات الكثيرة لفروع الدلتا خط دفاع طبيعي تحتمي خلفه الدلتا الغنية. لكن لأهمية الاتصالات التجارية البحرية لمصر في شرق المتوسط إلى فينيقيا وقبرص والأناضول وكريت فقد أنشأت مصر منذ الدولة القديمة أسطولًا للمراقبة ومطاردة المتسللين على طول السواحل، وخاصة سواحل الدلتا وسيناء فضلًا عن أسطولها التجاري والعسكري الذي يستخدم في الحملات البرية البحرية على سواحل الليفانت.

هذه السمة العسكرية للساحل الشمالي ظلت تواكب مصر خلال كل العصور. فمن الشرق جاء الأشوريون والفرس وعرب الإسلام والعثمانيون وأتراك الحرب العالمية الأولى والإسرائيليون، ومن الغرب برًّا وبحرًا جاء الرومان والفاطميون ونابليون والإنجليز وقوات المحور خلال الحرب العالمية الثانية.

ونتيجة لكل هذه المداخلات الشعوبية والإمبريالية فقد نشأت واندثرت عشرات المدن والقرى الساحلية بأسماء متعددة غالبيتها يصعب تتبعها مكانيًّا واتساعًا. وربما كانت الأسماء في العصر الهلنستي والروماني أكثرها تحقيقًا: كانوب هي أبو قير وراقودة معروفة محل كوم الشقافة، وتابوسيرس هي أبو صير وإلى جوارها تينيا، ولوكابسيس هي مارينا والعلمين، ثم أمونيا أو باريتونيوم هي البرطون في العصر العربي وهي مطروح حاليًّا، وإنيسفورا هي سيدي براني، وكاتابثوس هي السلوم، وميريوتس أو ماريا هي بحيرة مريوط التي كانت أضعاف مساحتها الحالية وأكثر سكانًا وعمرانًا وإنتاجًا وتجارة، ومرمريكا هي مراقية عند العرب. وفي شمال سيناء وحسب بطليموس السكندري نجد رافيا هي رفح، ورينو كورورا هي العريش، وسربونيس هي بحيرة البردويل، وكاسيوس هو كثيب القلس على ساحل البردويل الشمالي، وبلزيوم هي الفرما … إلخ. وما زالت الأبحاث الأركيولوجية نشطة في بعض الأماكن لتدلنا على قيمة الشواطئ الشمالية استراتيجيًّا وعمرانًا مما لا زلنا نجهله.

(٩-٢) أسباب تأخر اقتصاديات الاصطياف الساحلي؟

منذ أمد بعيد، وبحكم ظروف مصر المناخية، لم تكن هناك حاجة إلى مصايف على سواحل مصر الشمالية. فأرض مصر كانت تقع في معظمها في ظل مناخ أقرب إلى الاعتدال معظم أشهر السنة. في الشتاء الجو غالبًا مشمس نهارًا عدا أيام النوات وتساقط المطر وتكوينات السحب البديعة التي تتفاعل مع أشعة الشمس في صور أوحت للمصريين منذ القدم بكينوننة آلهة السماء. وفي الصيف كانت المساحات الخضراء حول المدن والقرى تسهم مع نمط البناء من الطوب اللبن أو الحجر في تخفيض درجة الحرارة داخل البيوت مع وجود الشبابيك المواجهة لرياح الشمال، والمشربيات التي تقلل تسرب أشعة الشمس داخل الحجرات — كلها عوامل ساعدت على مرور تيارات هوائية ملطفة. باختصار كان الناس يتعايشون مع البيئة المصرية سواء في المدن أو القرى بطريقة فيها إبداع التجربة الحضارية آلاف السنين.

لهذا فعلى الأغلب لم يكن سكان القاهرة والمدن الداخلية في حاجة إلى رحلة الصيف إلى الساحل لأسباب عدة منها:
  • (١)

    غالب البيوت مبنية بالحجر الذي لا يساعد على البناء لأكثر من خمسة وستة طوابق. هذا فضلًا عن أن معظم البيوت ملكٌ لساكنيها ولا تزيد عن طابق أو اثنين وبالتالي فإن موانع اجتماعية كانت تحول دون انتشار واسع لنمط العمائر العالية حفاظًا على خصوصية العائلة حين تقضي بعض الوقت في حوش البيت أو السطح في ليالي الصيف. لكن نمو سكان القاهرة بنسب عالية أدى إلى تغير البناء إلى أبراج الأسمنت والزجاج فكان ذلك من دواعي الحاجة إلى المصيف الساحلي.

  • (٢)

    كانت ضفاف النيل ونزهة القوارب الشراعية في برك وبحيرات القاهرة قبل تجفيفها في القرن ١٩ — مثل برك الأزبكية والفيل والحبش — تشكل العنصر الأساسي في حركة ناس القاهرة صيفًا، وأذكر أن الضفة الجنوبية للجزيرة بما فيها حديقة النزهة كانت مفتوحة أمام الناس للتمتع بليالي صيف القاهرة البديعة قبل أن تقتطع منها مساحات لشيراتون الجزيرة ومبنى قيادة الثورة وكازينو قصر النيل. وبالمثل كانت ضفاف النيل في روض الفرج وبولاق وعند القصر العيني والمنيل وبين فم الخليج وكوبري الملك الصالح، حيث الأشجار الضخمة تمثل انفراجات مجانية للناس لقضاء ساعات في الهواء الطلق والتمتع بمنظر النيل الزاخر بماء الحياة.

  • (٣)

    كان الكثير من سكان المدن المصرية الكبرى ما يزالون مرتبطين بأهلهم في الريف، وبعضهم كان حريصًا على قضاء بعض الصيف في القرية استمرارًا لعلاقة الأبناء بأقاربهم وأملاكهم. وبطبيعة الحال فإن مناخ الريف كان ألطف من المدينة بحكم المساحات الخضراء الواسعة وخامة البناء التي تقلل من حر الصيف.

  • (٤)

    بعض المصريين كانوا يسافرون إلى المصايف اللبنانية الجبلية الجميلة مثل مناطق جزين وضهور الشوير وصوفر. وكذلك كان البعض الذين لهم أقارب في تركيا يذهب إلى اسطنبول وغيرها من المدن التركية. وأخيرًا يصطاف المثقفون القادرون وأسر الأغنياء المتنورين في فرنسا وسويسرا حيث تساعد ثقافتهم الفرنسية على الاستمتاع والمزيد من المعرفة والتعارف. وبالمثل كان بعض أبناء الجاليتين اليونانية والإيطالية يذهبون إلى بلادهم صيفًا لتدعيم الروابط الثقافية مع أصولهم في جنوب أوروبا.

(٩-٣) تاريخ وأنماط المصايف الشمالية والنمو الجائر

في هذا المجال نلاحظ ثلاثة أنماط من المصايف أولهم: شواطئ ضواحي وغرب الإسكندرية، والثاني: انتشر على سواحل الدلتا وتمثله رأس البر خير تمثيل، أما الثالث: فهو قرى المصايف الحديثة التي تمثل مشكلات عويصة. وكان مجال امتداد النمط السكندري في اتجاهين؛ أولهما: شرقًا إلى الرمل بشواطئه وجوناته، وثانيهما: الامتداد غربًا على طول الساحل في نقاط متعددة أهمها العجمي ومطروح. وكان الرواد الأول لهذه المصايف هم أثرياء الإسكندرية والقاهرة وبعض أبناء الجالية اليونانية يصطافون ويقدمون الخدمات اللازمة بحيث كانت تلك المصايف أشبه بالقرى والمدن الإغريقية الصغيرة تنتشر على طول شارع خدمات رئيسي — فنادق ودكاكين صغيرة ومطاعم وكازينو، وتحتضن رمال الشاطئ عن قرب بحيث لا تعيق الرؤية العامة للبحر الذي يظل مفتوحًا أمام الجميع لممارسة السباحة أو صيد الأسماك وغيرها من مباهج الاستمتاع بحرية الحركة والنشاط الصيفي بعيدًا عن روتين حياة المدينة بقية العام.

أما نمط رأس البر فالغالب أنه نمط مصري صميم نشأ عن رغبة سكان دمياط في التحرر صيفًا من كثافة السكن في المدينة وضجيج أعمالها الحرفية المتعددة. وصادف ذلك موقعًا جغرافيا فريدا عند التقاء مصب فرع دمياط بالبحر في صورة مثلث ضلعه الشمالي على البحر وضلعه الشرقي على النهر فيما عرف باسم «الجربي»، حيث كانت تتركز خدمات الفنادق والكازينو والمطاعم والسهر الليلي. ويتميز هذا النمط بأن الأبنية كانت عبارة عن عشش من «الكيب» — سيقان مجدولة من نبات البوص وما شابه، بحيث كانت تعطي تهوية ممتازة لغرف العشة، وبالتالي كانت تمثل مصيفًا بيئيًّا متفردًا بعيدًا تمامًا عن بيت المدينة يحس معه الناس بالانتقال الفعلي إلى أجواء أخرى تنسجم وحرية النشاط الصيفي. وبطبيعة الحال كان «كيب» هذه العشش يطوى في الشتاء ويخزن حتى لا تبليه الأمطار. وقد نجح مصيف رأس البر بهذه المواصفات فأصبح له رواده الدائمين من القاهرة والمنصورة ومدن أخرى بحيث أضفوا على رأس البر جوًّا من الألفة والمحبة لمدد طويلة، وكان من بين رواده الدائمين السيدة أم كلثوم وعدد من عائلات وجهاء مصر.

وقد كان لنجاح نمط رأس البر أثره في الامتداد شرقًا إلى شاطئ بورسعيد الذي كان يمتلأ بالعشش صيفًا، وذلك إلى جانب البنسيونات والفنادق التي تخدم رجال الأعمال من المصريين ومن الجاليات الأجنبية في بورسعيد بحكم أنها مرتبطة بحركة التجارة والسفن العابرة للقناة. وربما كان نمو مصيف عشش بورسعيد قد حركه في البداية مجموعة من مستثمري دمياط، فالعلاقة وثيقة وقريبة بين المدينتين. وأصبح لشاطئ بورسعيد زوار دائمين وإن لم تبلغ قدر ما بلغه مصيف رأس البر، بحكم التاريخ ودمار الحروب المتتابعة على بورسعيد. وحينما فكرت محافظات وسط الدلتا أن تبني لمحافظاتهم شواطئ اصطياف فقد وقع الاختيار على نمط عشش رأس البر في بلطيم ثم في جمصة.

ولكن لظروف مناخية ارتفع معدل حرارة الأرض العام بمقدار ثلاثة أعشار من درجة مئوية خلال العقود الثلاثة الأخيرة مما يتسبب في ذوبان بعض كتل الجليد ومن ثم ارتفاع معدل سطح البحر عالميًّا. وقد يكون هذا الارتفاع محسوسًا في البحار الجانبية كالبحر المتوسط أكثر من سواحل المحيطات المفتوحة، ومن ثم بدأ تآكل شاطئ رأس البر. وقد يكون امتناع طمي النيل عن سواحل الدلتا بعد بناء السد العالي أثر هو الآخر في فقدان الدلتا تعزيزات دفاعها ضد غزو البحر. ونتساءل هل كان إنشاء ميناء دمياط الجديد بقناته الملاحية والحواجز الصناعية أثر في غزو البحر لرأس البر؟ وقد تكون هناك أسباب أخرى كثيرة متفاعلة معًا تؤدي إلى الظاهرة التي نعرفها باسم نحر البحر، لقد طغى البحر على بعض شواطئ الدلتا مثل بلطيم ورأس البر، فهل نفلح في صد هذا الهجوم البطيء الدائم لمياه البحر أم سنخسر الرهان شئنا أم أبينا باعتبار ذلك جزءًا من عمليات طبيعية كل ما نفعله إزاءها هو إجراءات لإبطائها؟

وللأسف الشديد فقد تراجع مؤخرًا نمط العشش في رأس البر وغيرها وتغير إلى البناء بالطوب والأسمنت لعدة طوابق. لماذا؟ اقتصاديًّا هذا النوع من البناء أكثر عائدًا للملاك. فبدلًا من وحدة سكنية هي مساحة العشة الواحدة أصبحت هناك أربع أو ست شقق تجلب إيرادًا أكبر بكثير من العشة. كما أن إنشاء الحواجز التي تتوغل في البحر بطول نحو مائة متر لكسر حدة نحر البحر قد أدى إلى إرسابات نما معها الساحل الرملي على حساب البحر.

كل هذا يساوي مكاسب مادية لكنه قد أدى في الوقت نفسه إلى أمرين؛ أولهما: فقدان المصيف البيئي في الوقت الذي ندعو فيه إلى الحفاظ على البيئة وتراثها التاريخي، وثانيهما: ملاحظة كثرة حوادث الغرق للمستحمين في البحر التي لا يعرف لها سبب واضح، وإن كان يمكن ربطها بصورة أو أخرى بالتيارات البحرية المرتدة أمام الحواجز الاصطناعية الجديدة وحواجز ميناء دمياط الجديد. وهذه أمور تحتاج إلى تَقَصٍّ وتَفَحُّص ومقارنة مع أثر الحواجز التي بنيت عند بعض قرى الساحل الشمالي الغربي. وكما حدث من كثافة سكن دائم بين الإسكندرية والعجمي تتكرر هذه الظاهرة على نطاق أصغر في منطقة رأس البر-دمياط. فقد بنت السلطات «عمارات العرايس» لسكن الموظفين في الميناء. ومن ناحية هو إجراء مفيد ولكن من ناحية أخرى قد يمتد نمط العمائر للسكن الدائم فيقضي على البيئة في هذا المجال الضيق بين النيل ودمياط ورأس البر والميناء.

figure

لا شك أن الإسكندرية كانت أسبق مدن الاصطياف على ساحل مصر الشمالي. ففضلًا عن سكانها المقيمين من المصريين والأجانب كانت هناك حركة تعمير طوال القرن العشرين في شرق المدينة فيما عرف باسم رمل الإسكندرية بعد إنشاء ترام الرمل وكورنيش البحر. ومن ثم أصبح لكل حي جديد شاطئ وكازينو ومقاهٍ ومطاعم وبنسيونات وفنادق من درجات مختلفة. ومع تزايد إقبال بعض القادرين من القاهرة ومدن الدلتا والصعيد أصبح التصييف صناعة بعض السكندريين يحوزون شققًا لتأجيرها صيفًا. ولا شك في أن انتقال الحكومة إلى الإسكندرية كل صيف حتى عام ١٩٥٢ كان أحد العوامل الهامة في الترويج لصناعة الاصطياف في الإسكندرية. ونتيجة تفاعل تلك العوامل أن تباينت المواقع بين شواطئ الطبقات الراقية والشواطئ الشعبية. وفي الحالتين كان هناك متسع من الأرض للأبنية الموجهة غالبًا لحركات الاصطياف.

وفي ذات الوقت كان بعض المصريين وأبناء الجاليات الأجنبية المصرية يهربون من ازدحام الإسكندرية إلى شواطئ جديدة غرب المدينة، ومن ثم نشأت شواطئ بيانكي — العجمي — وهانوفيل التي سرعان ما جذبت أغنياء ومستثمرين من المصريين يبنون شاليهات وفيلات. وانتقل مثل ذلك النشاط إلى واضعي اليد من أبناء القبائل البدوية في المنطقة بحيث أصبحت تجارة الأراضي صناعتهم الأولى بدلًا من حدائق التين والفاكهة. والآن فإن الضغط السكاني السكندري وشركات المقاولات قد أهدر الشواطئ الناعمة، أحال المنطقة من الدخيلة حتى أبو تلات إلى سكن دائم كثيف.

وبعد انتهاء الحكم الملكي تنبهت بعض شركات المقاولات إلى الأرض الزراعية ضعيفة الإنتاج شرقي قصر المنتزه والتابعة لقرية المعمورة. وتحولت المنطقة إلى شاطئ متميز وخضعت المباني إلى قوانين صارمة، لكن ما درجنا عليه من الضغط والتكالب على أماكن تبرز ميزاتها قد أدى إلى تحول شاطئ المعمورة إلى سوق عكاظ: محلات وموسيقى متنافرة ومطاعم ومقاه وكازينوات من كل الدرجات وضغط على رمال الشاطئ بالسماح بالبناء، ربما أدى إلى هروب الراغبين في الاستجمام وترك الشاطئ للشباب بأنشطتهم العالية الصوت والحركة.

وإلى الشرق من المعمورة كان هناك مصيف أبو قير الفقير في معظم فتراته، تفصله عن الإسكندرية عدة قرى وأراضٍ زراعية استغلت بعضًا منها كمعسكرات حكومية للشباب. وبرغم وجود خط حديد منتظم إلى الإسكندرية إلا أن استثمارات أبو قير ظلت محصورة في مطاعم السمك الشهيرة التي أنشأها المصريون الإغريق، يزورها بعض المصطافين والسكندريين للاستمتاع بالرحلة القصيرة وأطعمة البحر الشهية الطازجة. وفي التسعينيات حدث تطور سريع في أبو قير فازدحمت فجأة بالعمارات والمقاهي والمطاعم، وهو تطور متأخر ربما نتيجة خلو الإسكندرية من شواطئ أخرى للاستثمار الاصطيافي.

مرسى مطروح ربما هي حتى الآن نهاية المطاف بالنسبة إلى مصايف مصر الغربية ومثلها في ذلك العريش في أقصى الشرق. وتتصف كل منهما بالمعاناة من الحروب؛ مطروح وقعت في رحى الشد والجذب بين الألمان والإنجليز خلال الحرب العالمية الثانية (الفترة ١٩٤٠–١٩٤٢)، والعريش خلال حروب طويلة من الحرب العالمية الأولى — الأتراك والإنجليز — إلى حروب فلسطين وبخاصة ١٩٦٧ و١٩٧٣، وأخيرًا عودتها نهائيًّا إلى مصر بعد معاهدة السلام، ومن ثم فتطورها إلى مصيف أمر حديث جدًّا.

وتميزت مطروح بفترة سلام طويلة وموقع فريد على بحيرة ساحلية رائقة المياه وبقربها مناطق ساحلية ذات جمال طبيعي أخاذ مثل حمام كليوباترة والأبيض وعجيبة. وربما كان النادي الأهلي واحدًا من أهم أسباب الانتباه إلى منطقة مطروح بما يقيمه سنويًّا منذ الخمسينيات من معسكر صيفي كبير على شاطئ البحيرة. اعتاد الشباب الصغار الذين كانوا يرافقون الأهل إلى معسكر النادي الأهلي على المنطقة وحين كبروا واصلوا الرحلة الصيفية إلى مطروح سواء في المعسكر أو غير ذلك. وازدحمت مطروح بالفنادق والأبنية، بل إن المنطقة الطبيعية الجميلة علم الروم إلى الشرق مباشرة من المدينة ضمت إلى حزام المدينة وقطعت أوصالها وتراصت فيها العمارات بصورة جائرة وامتدت على معظم شاطئها قرية سياحية وفقدت مطروح بذلك ظهيرها الشرقي الطبيعي. وكذلك امتد البناء على طول الساحل الجنوبي للبحيرة الغربية حتى التحم بالأبيض وعجيبة. وأكثر من ذلك فإن أعمال فتح ميناء داخل البحيرة قد أضر بها أيما ضرر: فلا الميناء ناجح ولا البحيرة الجميلة نجت من تلويث السفن! أين ذهبت مطروح الناعسة في حضن الطبيعة؟ ولماذا التزاحم في حيز ضيق بينما الأرض واسعة حولها؟

لكننا درجنا على هذا التزاحم نستهلك كل المقومات حتى تتكدس الأرض وتتدهور كما حدث في المعمورة، وغالبًا سيحدث مثل هذا في مارينا نتيجة التركيز عليها — علمًا بأن موقعها في بطن خليج العرب ليس أحسن المواقع بل ربما كانت سيدي عبد الرحمن أو رأس الحكمة أحسن في علاقات البر والبحر من مارينا وكل القرى الساحلية من سيدي كرير إلى مارينا. ولكي يقلل المسئولون أثر السحب الذي يسببه تيار البحر المتوسط الذي يسير بموازاة الساحل من الغرب إلى الشرق، فإن بعض القرى أنشأت ألسنة وحواجز اصطناعية أمام شواطئها لإبعاد السحب وجعل الشاطئ أكثر أمانًا. لكن هذه الحواجز تؤدي في نهايتها إلى دوامات وتيار راجع يصبح أثره خطيرًا على شاطئ القرية المجاورة شرقًا. يستطيع الإنسان أن يكبح جماح المؤثرات الطبيعية في حيز ضيق فقط، لكنه لا يستطيع أن يغيرها فتظل تهدده إلى أن يمل فيترك المكان منسحبًا لكنه يكون قد دمر جزءًا من الطبيعة تحتاج إلى إعادة بنائه مئات آلاف السنين. ولا يقتصر الأمر على ذلك. فقد أنفق المصريون — دولة وأفرادًا — نحو ١٢ مليار جنيه لتعمير القرى الساحلية بين سيدي كرير ومارينا بين فيلات فاخرة وبيوت صغيرة وعمارات وشقق؛ لكنها قرى أشباح معظم السنة وللأسف ما زلنا نبني قرى جديدة دون أن نتعلم! فهل لم تكن هناك دراسات لمشروعات أخرى أحسن مردودًا من هذي الإنفاقات التي لا يقدر عليها سوى الشعوب الغنية؟

(٩-٤) مواقع المصايف والبيئة الطبيعية

كلنا نعرف أن أي موقع على سطح الأرض هو نتيجة تفاعل عشرات العناصر الطبيعية المؤثرة في إنتاج الشكل الأساسي لسطح الأرض. ويضاف إلى ذلك ما يفعله الإنسان من تسهيلات حياتية لكنها بقصد أو غير قصد تغير بعض المعالم الطبيعية، وهو ما نسميه الآن تغيير البيئة مما يساعد على سرعة التآكل أو الإرساب على سطح الأرض أو السواحل ومصبات الأنهار. مثال ذلك إنشاء المواني وحواجز الأمواج وتغيير مسار الأنهار أو نظمها بإقامة سدود وقنوات تقلل من التصرف الطبيعي عند المصبات فتتراجع السواحل أمام قوى النحت أو الإرساب البحري … إلخ. هذا فضلًا عن تأثير المناخ المتغير من حرارة وأمطار على مر الأزمنة والعصور وتغير أنواع الغطاء النباتي العشبي والشجري أو اضمحلاله وتكوين الصحاري الجرداء. وأخيرًا فإن مناسيب سطح البحار والمحيطات لم تكن أبدًا مستقرة على حال بل تغيرت بين ارتفاع وانخفاض عدة مئات الأمتار نتيجة تفاعل العوامل البنيوية والمناخية عبر ملايين السنين.

والساحل الشمالي الحالي هو نتاج عمليات طويلة لأزمان طويلة. ولكنه بالنسبة للإنسان في تاريخه المكتوب لم يتغير كثيرًا. فالساحل هو كما كان منذ ألفي سنة تزيد قليلًا أو تنقص فيما عدا عمليات محسوسة نعرفها من آثار الإسكندرية الغارقة نتيجة ارتفاع سطح البحر أو هبوط الأرض، أو نتيجة الزلازل القوية، أو بهما معًا، منذ نحو القرن الخامس الميلادي بحيث إن أرصفة الميناء البطلمية الرومانية هبطت تحت سطح البحر في أعماق تتراوح بين مترين وثمانية أمتار. وكذلك اتسعت أو انكمشت بحيرات مصر البحرية أو إرسابات النيل التي أدت إلى أن تصبح رشيد ودمياط مدنًا إلى الداخل قليلًا. وبعض هذه الظاهرات يمكن تسجيل تغيراتها في حالة مصبات الدلتا في زمن قصير جدًّا، مثال ذلك تقهقر شاطئ مصب رشيد نحو كيلومترين بين ١٩٣٥ و١٩٧٣، ومثل هذا، لكن بدرجات مختلفة حدث في دمياط وذلك لتفاعل مستمر وقوي لعاملين طبيعيين أولهما: إرسابات النهر، والثاني: نحر تيار البحر المتجه شرقًا. وفي شمال سيناء تعرضت البردويل إلى تراجع مستمر بدليل وجود أربعة شواطئ غمرها البحر في تقدمه نتيجة هبوط الأرض التدريجي في شمال سيناء وشرق الدلتا.

أما الساحل من أبو قير إلى السلوم فقد حدثت فيه عدة متغيرات أدت إلى تآكل أجزاء من تلال الساحل من الحجر الجيري الأوليتي كالمسافة بين فاروس القديمة والعجمي أو الجزر الصخرية الصغيرة وغيرها من أشكال النحت البحري أمام سواحل مطروح والأبيض.

خلاصة القول: إن لدينا عنصرين طبيعيين؛ هما البحر ومنطقة الساحل التي تمتد خلف الشاطئ إلى نحو ٢٠–٢٥ كيلومترًا في غرب الإسكندرية وشمال سيناء وإلى نحو ثلاثة كيلومترات في الدلتا. هذا الاختلاف في عرض المنطقة الساحلية راجع إلى تداخل العامل البشري الذي له فاعلية كبيرة في الدلتا عمرانًا ونشاطًا، في حين أن التداخل البشري قليل الفاعلية في الخلفية الصحراوية الممتدة في رتابة في أعماق أيكولوجية الجفاف مسافات طويلة خلال الألفي عام الماضية.

ماذا كان دور الإنسان على السواحل المصرية؟ منذ العصور الفرعونية أقام الإنسان نقاطًا حصينة لحماية مصر تمثلت في الشرق عند بيليزيوم، وفي الغرب مرة عند مطروح وأخرى عند العلمين. وعندما استقرت هجرات سكان بعض المدن الإغريقية أقامت مدنًا صغيرة على الساحل الشمالي من برقة إلى الإسكندرية، وبذلك زادت وظيفة الساحل من الدفاع فقط إلى الإنتاج البحري — بخاصة الإسفنج — وأنواع من الزراعات على رأسها الكروم والزيتون والقمح، إضافة إلى الدفاع ضد قبائل الرعاة من البربر. واستقرت هذه الوظائف طوال العصر الروماني مع اهتمام أكبر بالقمح الذي كان يصدر عبر المواني العديدة الصغيرة إلى روما. وربما كان ذلك نتيجة لتغيرات مناخية زادت معها الأمطار وزادت معها الآبار المسماة رومانية. وفي العصر الإسلامي بدأ الجفاف النسبي يحل تدريجيًّا والرعي مع زراعات التين والشعير تأخذ الصدارة محل الكروم والقمح.

يتميز الشاطئ غرب الإسكندرية إلى العلمين باستقامة واضحة في اتجاه الجنوب الغربي حتى يصل إلى بطن خليج العرب. وهو في هذا النطاق يتصف بالقليل من الرءوس والبروزات المنخفضة مع خلجان صغيرة وكثبان صغيرة ورمال تبعثرها الرياح وسبخات تمتلئ بمياه المد أو العواصف القوية. والرياح الشمالية الممطرة تكاد تتعامد مع هذا الجزء من الساحل مما يؤدي إلى زيادة نسبية في المطر الساقط، ويسمح باستخدامات أرضية جيدة كالزراعة في الألف الأولى الميلادية وزراعات التين فيما بعد ذلك للأسباب المذكورة سابقًا، كما أن ظهير المنطقة تشغله بحيرة مريوط وامتدادها الغربي والتي كانت أيضًا بحيرة مياه عذبة معظم الألف الأولى وتميزت بعمران قروي زراعي كثيف، بينما تملحت مياهها منذ انقطاع مياه الفرع الكانوبي أصبحت أقل عطاء عن ذي قبل. وما زال ذراع ملاحة مريوط يمتد حتى محمية العميد غربي الحمام بقليل. خلاصة القول: إن هذا الجزء من الشاطئ الشمالي كان أجود الأماكن لكنه تحول إلى الافتقار تدريجيًّا. كانت هناك مدنٌ كبيرة نسبيًّا مثل تابوسيرز وميناء تينيا ومدينة لوكابسيس الصغيرة عند العلمين، لكنها اندثرت وأصبحت مجرد آثار لا يلتفت إليها إلا القليل من الناس.

والآن أصبح هذا الشاطئ الفقير هو الأكثر عمرانًا في صورة المجموعات العديدة من قرى الاصطياف، برغم خلوه من أشكال الجمال الطبيعي الذي نلحظه في مناطق أخرى كسيدي عبد الرحمن ورأس الحكمة ومرسى مطروح. ولعل هذا الامتلاء بالقرى الاصطيافية قد شجعه عامل القرب المكاني من طريق القاهرة، فالأغلب أن الكثير من رأس المال المستثمر على طول المنطقة هو قاهري المنشأ.

وسبق أن ذكرنا النمو العمراني الدائب في منطقة مطروح من رأس علم الروم إلى شاطئ عجيبة. ولعل محافظة مطروح مسئولة عن تشجيع العمران الاصطيافي بنفس القدر الذي يسعى فيه رأس المال الاستثماري من الهيئات العامة والجمعيات وشركات المقاولات الكبرى إلى الاستفادة من هذا النوع من أنواع التنمية الذي لا يأخذ في الحساب الكثير من تضرر البيئة أمام هذا الزحف من الطوب والأسمنت. ولا ننسى أيضًا أن الكثير من بدو أولاد علي قد اقتربوا كثيرًا من المدينة بمساكنهم التقليدية المبنية بالحجر في سهل رباح الواقع بين خط الحديد والطريق البري شماله وبين حافة هضبة الدفة جنوبه. فهم الآن نصف بدو ونصف حضر، يقتربون من المدينة ولكن لا يذوبون فيها. وأصبح كثير منهم يمارسون أعمالًا من التنمية العمرانية في المدينة ومحيطها الواسع، فضلًا عن ممارسة الكثير من الخدمات التجارية داخل المدينة. وبالتالي فإن تغيرًا بيئيًّا وبشريًّا يحدث أمام أعيننا ولا ندري إن كان هو تغير صحي أو ضار بالبيئة والإنسان معًا. على أية حال فإن مرسى مطروح هي المركز العمراني الكبير غرب الإسكندرية، ويقدم خدمات المدينة لنطاق واسع يمتد من السلوم إلى سيوة، وشرقًا إلى رأس الحكمة والضبعة، والقرى الاصطيافية الحديثة جنوب علم الروم ورأس الحكمة وقرب فوكة، مثل سانتا مونيكا وابن سينا والباغوش ورويال بيتش.

الملاحظة الأخيرة أن الكثير من المستوطنات الساحلية القديمة كانت تتخير أماكن جنوب اللاجونات والبحيرات الساحلية، وأخصهم كانت في منطقتى مرسى مطروح والعلمين باعتبار أن تلك اللاجونات كانت مرافئ طبيعية محمية من عنف البحر. وقد استمرت مطروح خلف بحيرتيها مع الإحاطة بهما شرقًا وغربًا. أما في مارينا فقد أحدثت التنمية تغييرات جوهرية في لاجوناتها الثلاث: فقد وصلت ببعضها وزيد عمقها إلى ما بين مترين وسبعة أمتار، وفتح بوغازين للبحر لتجديد المياه، وللسماح بحرية حركة اليخوت.

(٩-٥) مدى تطبيق قوانين البيئة وحماية الآثار

وفي أثناء هذه الأعمال في مارينا كشف عن أرصفة وقرية لوكابسيس الرومانية. وهذا يقودنا إلى موضوع آخر ذو أهمية بالغة. ذلك أن قانون البيئة سنة ١٩٩٤ وقانون حماية الآثار لسنة ١٩٨٣ لم يتضمن الموارد التاريخية والآثار المغمورة في المناطق الساحلية، كجزء هام من تكامل إدارة المناطق الساحلية. فهناك عدة عناصر يجيب عليها أي مشروع استثماري قبل إصدار الترخيص البدء به يشمل التقييم البيئي للموقع قبل تنفيذ المشروع — المظاهر الطبوغرافية والحياة البحرية والبرية والنباتية، ووصف الآثار المتوقعة عند تنفيذ المشروع. ويلاحظ هنا عدم ذكر الآثار التاريخية صراحة مما يؤدي في حالات عديدة إلى طمس هذه الآثار حتى لا يوقف أو يتأخر تنفيذ المشروع. كما نلاحظ أن الكثير من القرى الاصطيافية قد أزالت الكثبان الرملية الشاطئية لكي تصبح القرية منبسطة على مناسيب ارتفاع متشابهة. وفي هذا أو ذاك تَعَدٍّ وعُدوانٌ على التاريخ والبيئة معًا. ولكن هل من مجيب؟ (أليس الجدال الذي حدث مؤخرًا بين هيئة الآثار ووزارة الكهرباء على أرض منطقة «الضبعة» بشأن البرنامج النووي هو انعكاس مباشر لغموض قوانين ولوائح عديدة؟)

(٩-٦) مقارنة بين مصايف المدن وقرى الاصطياف الحديثة

المقصود بمصايف المدن تلك التي تنشأ في داخل مدن قائمة وضواحيها وهي الإسكندرية، مطروح، ودمياط-رأس البر، بورسعيد، العريش، بينما القرى الحديثة هي تلك الممتدة على الساحل الشمالي الغربي وشواطئ الدلتا وشمال سيناء كبلطيم ورمانة.

  • (١)

    نجاح مصايف المدن يقابله في مصايف القرى الحديثة نجاح محدود ما لم يكن خسارة محققة. أما في القرى الحديثة فلا توجد فيها دورة لرأس المال المدفوع في شراء الوحدة السكنية، بل هناك إنفاقات دورية في الصيانة والمرافق واستهلاك المياه والكهرباء والتلفون وزراعة الحدائق، كل ذلك دون عائد، والكثير من تلك القرى لا تتوفر فيها خدمات بالمعنى المفهوم، فإن التسويق يتركز في نقاط محدودة كمدينة الحمام أو العجمي. والأمر مشقة لسهرات الأمسيات.

    الخلاصة: أن الفرق هو بين مستثمر ومالك: الأول يجني أرباحًا على رأسماله المدفوع، بينما الثاني يجمد رأسماله وينفق عليه خوف تآكل ممتلكاته.

  • (٢)

    هناك حرية حركة للمصطاف الذي يستأجر مصيفه. فهو يمكنه الانتقال من مصيف لآخر كل سنة أو كل بضع سنوات حسب احتياجاته واحتياجات أبنائه وقدراته المالية وارتباطاته الاجتماعية داخل مجتمع الصيف. ومصايف المدن هي جزء من مدينة فيها حركة كبيرة للمتعة النهارية والليلية معًا. فهي تشبع حاجة التغيير الصيفي بالمسابح البحرية والنزهات والملاهي وشراء أشياء قد تكون مهمة أو هي مجرد مستلزمات فسحة الشراء الاصطيافي.

    أما المالك في قرى الاصطياف فيتجمد مكانه كل صيف فلا توجد حرية انتقال من مصيف لآخر. والأشد أن نمو الأبناء يستدعي منتجعات أكثر حركة من القرى التي استثمر فيها الآباء. فلم يعد الهدوء الذي يحلم به الآباء دافعًا للأبناء على الاصطياف مع آبائهم، فهم في حاجة إلى مجتمع شبابي غير موجود في تلك القرى النائمة مبكرًا. لهذا يتحرك الأبناء بسيارات ذويهم أو سياراتهم ليلًا إلى قرى أكثر حركة كمارينا ومراقيا والعجمي، أو قد تصل الرحلة حتى الإسكندرية.

  • (٣)

    شيء آخر تتميز به مصايف المدن كونها تتدرج في القيمة الإيجارية حسب أحياء المدينة كالفروق مثلًا بين أبو قير وميامي. وبالتالي فهي توفر مصيفًا لكلٍّ حسب قدراته المالية، أما المصايف الحديثة فمتطلباتها جامدة يلتصق بها المالك حسب نوع وحجم الوحدة السكنية التي اشتراها.

    وبعبارة أخرى إن مصايف المدن تشبع احتياجات قطاعات متعددة من الفئات الاجتماعية الاقتصادية، بينما المصايف الحديثة تحدد منذ البداية الفئة الاجتماعية وتنغلق عليها.

  • (٤)

    كذلك تتميز مصايف المدن أن بإمكان المستثمر من ملاك الشقق أو العشش أن يعيد استثمار بعض أرباحه في شراء وحدات أخرى أحدث في أحياء أرقى لكن مردودها مضمون. أما في القرى الحديثة فإن حرية البيع والشراء محدودة بالعرض والطلب داخل حيز القرية.

  • (٥)

    في مصايف المدن تبني بعض قطاعات فئوية من المجتمع وحدات تصييف للعاملين بها، مثل مصايف الجيش والشرطة والنقابات المختلفة. نظرة واحدة إلى الأبنية الضخمة المساحة عالية التجهيز للجيش في مرسى مطروح والأبيض أو نقابة التجاريين أو هيئة قناة السويس، تؤكد أن اختيار هذه القطاعات هو الاستثمار في تلك المدن ذات المكونات الحياتية التي تحبب الناس إليها.

  • (٦)

    نظام الفندقة شائع في المصايف المدنية كما هو في مطروح والإسكندرية وبورسعيد والعريش، بينما هو لا يظهر في القرى الحديثة باستثناء فندق عايدة — الكيلو ٨٠ من الإسكندرية — كأنه علم في منتصف المسافة تقريبًا بين الإسكندرية ومطروح. وبديهي أن الفنادق تقدم خدمة اصطياف لمن يريد أن يتحرر تمامًا لمدة محدودة من أية أعباء منزلية، بل يسترخي مستمتعًا بالبحر أو حمام السباحة بالفندق والحياة الليلية في الفندق، ولكن لا يقدر على تكلفة مصيف الفنادق إلا القليل المقتدر.

الغرض من هذه المقارنة ليس تشجيع نمط المصايف المدنية وتفضيلها، وإنما التعرف على سلبيات القرى الاصطيافية التي اندفعنا إليها بقوة، وما زلنا كذلك، دون عائد يبرر تجميد رءوس أموال طائلة كما سيتضح من الفقرات الآتية.

(٩-٧) كيف نحول الساحل إلى قيمة اقتصادية؟

بدأت خطط إنشاء القرى الاصطيافية متأرجحة بين استخدام مشترك لأصحاب الشاليهات والفيلات خلال موسم الصيف، وسياحة خارجية منظمة تستخدم هذه القرى غالبًا خلال الخريف والشتاء. ولكن مثل هذا المخطط فشل لأسباب عدة على رأسها:
  • (١)

    إن مخططات القرى اهتمت فقط بأشكال المساكن دون الاهتمام بخدمات خاصة منها المطاعم والكازينو متنوعة المآكل والبرامج الليلية. فليس السائح الأجنبي مجرد إنسان يقضي كل اليوم في السباحة والتمتع بالمناخ الطيب، بل هو في حاجة إلى قضاء أمسيات ساهرة إذا أخذنا في الاعتبار أن معظم السياحة الدولية هي سياحة الشباب، بعد أن كانت قاصرة على الأغنياء كبار السن الذين يخلدون للراحة والنوم المبكر.

  • (٢)

    كذلك لم تهتم المخططات الأولية بسياحة الصحراء حول القرى الساحلية. والصحراء الغربية غنية بتنويعات في التكوينات الرملية والصخرية، وليس بعيدًا عنها منخفض هائل هو منخفض القطارة وواحات عدة جنوب المنخفض إلى جانب واحة سيوة الأسطورية. مثل هذه السياحات في بيئة الصحراء كانت ستلهب رغبات السياح الأجانب في القدوم إلى الساحل الشمالي للجمع بين البحر ورماله الذهبية، وبين المغامرة في ارتياد جزء من الصحراء كنوع من المغامرة غير مألوف لديهم وتظل في ذاكرتهم، ويروجون من تلقاهم للسياحة المصرية غير البعيدة عن أوروبا.

  • (٣)

    غلبت الروح المصرية في التملك الشخصي على جميع المخططات للتشارك في استخدام الشاليهات والفيلات مع السياحة الأجنبية. وتحولت القرى العديدة إلى وظيفة الاصطياف فقط، تاركة هذه القرى مجموعات من مستوطنات أشباح تسعة أعشار السنة على أحسن الفروض.

وهكذا صرف المصريون أموالًا طائلة في إنشاء مساكن غالية، وأموال أخرى سنوية للمحافظة على الأبنية من تأثير العوامل الجوية البحرية، وأموال أخرى للحفاظ على الحدائق الصغيرة التي أنشئت حول الشاليهات: من أجور للبستاني والمياه الباهظة القيمة وإحلال النبات وغير ذلك الكثير.

كم تقدر قيمة هذه المنشآت؟ لا نبالغ إذا قلنا: إنها تعد بأكثر من عشرة مليارات جنيه — في تقديرات أنها بلغت ١٤ مليارًا، هي في الحقيقة رأسمال مهدر من أجل اصطياف شهر واحد على الأكثر! كم كان إنتاج هذه الأموال لو النوبة جانبًا منها عمل في أي شكل من أشكال الإنتاج الزراعي أو الصناعي أو الخدمي السياحي المؤهلة له هذه المنطقة، لو كانت لدينا قيم أخرى غير قيمة حب التملك الفردي بالصورة المبالغ فيها التي نعرفها في مصر!

هل فات أوان تصحيح هذا الهدر في بلد يعاني من نقص السيولة بصفة إجمالية؟ تساؤل قد لا يجد إجابة سهلة ومباشرة، وربما كان بعض مقومات محاولة تصحيح الموقف ما يأتي:
  • الكف عن إنشاء قرى اصطيافية على النمط الحالي؛ أي أنْ تصدر تصاريح إنشاء قرى جديدة على مخططات تشمل مراكز خدمية متعددة. ولنا فيما يجري في «مارينا» أسوة. لماذا تتميز؟ لأنها مليئة بالخدمات وبخاصة رياضات البحر المختلفة بما فيها من مارينا اليخوت، ومليئة بالخدمات الترفيهية الليلية التي يستقدمون لها حفلات منظمة — برغم المغالاة في تكلفتها، لماذا لا تصبح هناك قرى متعددة على شاكلة «مارينا» في المنطقة من سيدي عبد الرحمن إلى رأس الحكمة — ليست بالضرورة على النمط نفسه، لكنها تفسح المجال أمام إقبال الرواد، وبخاصة الشباب الذي أصبح يرفض الذهاب مع أهله إلى القرى الحالية النائمة مبكرًا والتي تتفق مع عمر الآباء والأمهات أكثر من عمر الشباب التواق إلى الحركة والتجمع والسهر والسمر على الأنغام.

  • أن تغامر شركات تنظيم السياحة بالخوض في مضمار سياحة أجنبية إلى الساحل الشمالي، فعندنا شركات سياحية برعت في تنظيم مواسم العمرة وبعض السياحة الأوروبية بالاشتراك مع هيئات سياحية أوروبية. فلماذا لا تفكر مثل هذه الشركات في أمرين: الأول: الاتفاق مع جمعيات وهيئات إقامة القرى الجديدة على أساس تخطيط القرى لاصطياف المصريين شهر أو نحوه، وتأجير الشاليهات بقية السنة لمجموعات منظمة من السياح الأجانب. والأمر الثاني: الاتفاق مع بعض إدارات القرى الحالية على تنظيم المشاركة السياحية في المنشآت الراهنة، مع بعض التعديل، مع إقامة خدمات ترفيهية لخدمة المصريين والأجانب معًا معظم السنة.

(٩-٨) أخيرًا: البيئة والتنمية

حين بدأ تعمير القرى على الساحل دمرت معظم أجزاء السلسلة الأولى من التلال الجيرية والرملية؛ لكي تخلق أرضًا منبسطة قليلة الانحدار تبنى فوقها منشآت القرى. واقتطع المقاولون بعضًا من أجزاء السلسلة الثانية كي يأخذوا الأحجار الجيرية المناسبة للبناء. وحين تم بناء القرية تلو القرية حدث تحول اقتصادي في قيمة أراضي الرعي والتين التي كانت ملكًا جماعيًّا لعشيرة أو قبيلة، وأصبح السعي حثيثًا إلى الحصول على ملكية خاصة لها قيمتها في البيع والرهن والميراث. وفي الوقت نفسه أصبح لبعض البدو وظائف إضافية متعددة، مثل خفارة وحراسة القرى المقامة محلات ودكاكين للسلع الغذائية اللازمة على طول الطريق، وبالتالي تكوين علاقات جديدة مع تجار المدينة الكبيرة المجاورة. هذا فضلًا عن ورش صغيرة يقيمها السكان ويستقدمون العمل المهاجر من الدلتا والإسكندرية لخدمات كثيرة، كإصلاح السيارات والنجارة والحدادة والسباكة ودكاكين لأدوات الكهرباء والمطبخ … إلخ. أما المدن الصغيرة الداخلية مثل الحمام التي نشأت أصلًا كمحطات على طول الخط الحديدي إلى مطروح والسلوم، فقد امتد عمرانها الحديث في اتجاه طريق السيارات، وامتلأت بالمهاجرين من عمال وحرفيين، وغير ذلك كثير من التغيير السكاني والسكني والاقتصادي والحضاري. وعلى هذا فلن يمضي وقت طويل قبل أن تتجه النشاطات التقليدية إلى الانقراض، فنفقد ممارسين عرفوا كيف يحصلون من البيئة الصعبة شكلًا من أشكال الحياة.

كل هذا كان على حساب البيئة الأصلية التي أخلت مكانها لتجمعات عديدة من القرى الاصطيافية والقرى الداخلية. من الناحية الاقتصادية يمكن أن يؤخذ هذا التحول على أنه تنمية لإقليم شبه طبيعي تزاول فيه عمليات رعي وزراعات على النمط التقليدي قليلة المردود. ولكن من الناحية البيئية فقد أدت أشكال التنمية هذه إلى مخاطر قد لا نعرف مداها على المدى البعيد. مثال ذلك أثر مياه ري الحدائق والمساحات الخضراء على منسوب المياه الجوفية وعلاقتها بمياه البحر. وكذلك أثر بيارات الصرف الصحي للقرى الاصطيافية على المياه تحت السطحية التي ربما تؤدي إلى تكوين مباءات ومواطن لأمراض بيئية جديدة تهدد النبات والإنسان. وأخيرًا فقد أدت الحدائق والأشجار إلى تغيير في هجرات الطيور السنوية وتكوين مواطن لطيور دائمة تطرد الطيور الأصلية.

ختامًا: فإننا أهدرنا قيمة الساحل الشمالي بيئيًّا واقتصاديًّا، ويجب إعادة النظر إلى خريطة استثماره بطريقة تفي بمتطلبات التصييف وتأتي بعوائد نحتاجها، على أن تكون التنمية البيئية والاقتصادية الاجتماعية رائدًا أوليًّا في استثمار السواحل الشمالية.

(١٠) البحر الأحمر وسيناء الجنوبية

هذا الجزء من مصر هو تمامًا عكس إقليم الصحراء الغربية. فالصحراء الغربية تسيطر على تضاريس سهلة من الهضاب المنبسطة متوسطة الارتفاع، لا تزيد عن ٥٠٠ متر باستثناءات قليلة — أبو طرطور والجلف الكبير. وهي هضاب سهلة المرتقى وتملؤها منخفضات واسعة تكونت فيها الواحات المصرية الكبرى، إضافة إلى منخفض القطارة الهائل المساحة، ومنخفض النطرون الذي بدأ الزحف العمراني عليه منذ الثمانينيات، ومنخفض الفيوم الذي انضم إلى وادي النيل بواسطة بحر يوسف منذ أربعة آلاف سنة. أما إقليم جنوب سيناء والبحر الأحمر فتسيطر عليه التكوينات الجبلية التي تكونت منذ ملايين السنين وعملت فيها عوامل جيولوجية ودورات مناخية متعددة، بحيث أصبحت كما نراها الآن: كتل جبلية عالية تحددها مسارات أودية جافة. أعلى جبال مصر هي كتلة كاترين-جبل موسى في جنوب سيناء، وجبل شايب البنات غربي الغردقة، وجبل حماطة غربي مرسى علم، وكلها تتراوح ارتفاعاتها بين ٢٠٠٠ و٢٦٠٠ مترٍ. وهناك كتل جبلية عديدة ترتفع بين ١٠٠٠ و١٥٠٠ متر، مثل الجلالة البحرية والجنوبية والدخان ومنطقة جبل علبة في أقصى الجنوب.

ولقد مر حين من الدهر، أو أحيان عدة، كانت فيه الظروف المناخية أطيب وأكثر مطرًا وأغزر نباتًا من الأعشاب إلى الشجيرات والأشجار الباسقات وأكثر أعدادًا من الحيوانات العاشبة والحيوانات اللاحمة، وتعاقبت دورات جفاف وأمطار إلى أن وصلنا إلى الفترة المناخية الجافة التي نعيشها الآن. ومع ذلك فإن مخزون المياه الجوفية في الصخور المسامية وما يسقط من أمطار سيلية مفاجِئة بين سنة وأخرى، تؤدي إلى قيام أشكال من الحياة النباتية والحيوانية والبشرية معتمدة على مصادر المياه الجوفية والينابيع في نقاط محدودة من الأودية بين الصخور الصلدة والحوائط الجبلية العاتية، فضلًا عن نقاط استقرار قرب مصبات الأودية على طول سواحل البحر الأحمر وخليجي السويس والعقبة، ومن أشهرها عيون فرعون وموسى والعين السخنة حول سواحل خليج السويس، ونويبع عند مصب وادي وتير، ودهب عند مصب وادي الكيد على ساحل خليج العقبة، والزعفرانة عند مصب وادي عربة، ومرسى علم قرب مصب وادي الجمال … إلخ.

وإذا كانت هناك أشكال كثيفة «نسبيًّا» من السكان والاستقرار آلاف السنين في الواحات الغربية ونطاق ساحل البحر المتوسط الذي يتمتع بقدر منتظم من الأمطار الشتوية، فإن البحر الأحمر وسيناء الجنوبية لم تكن كذلك. بل إن أشكال الاستقرار البشري كانت دائمًا تتركز في مدن صغيرة، وظيفتها الأساسية أن تكون مواني مصر على البحر الأحمر، وحيث إن التجارة عبر البحر الأحمر كانت تقصد أسواق مصر في عصور وأسواق مصر والبحر المتوسط في عصور أخرى، فإن ميناءً واحدًا كان يكفي هذه الوظيفة التجارية في أي من عصور مصر التاريخية. مثال ذلك ميناء ميوس هرمز — شمالي الغردقة، والاسم إغريقي لأنه كان أيضًا ميناء في العصر الهليني، وميناء آخر عند وادي جاسوس، وثالث عند وادي القصير في عصور فرعونية مختلفة، وليوكوس ليمن (القصير) أو برنيك (برنيس) في العصر الروماني، وعيذاب في بعض العصور الإسلامية الأولى والوسطى، وميناء القلزم (السويس) منذ العصور الوسطى وإلى الآن.

وما زالت تلك هي الصفة المميزة للاستقرار البشري حتى الآن؛ مدن البترول: رأس غارب وأبو رديس، ومدن السياحة الحديثة العديدة: الغردقة وشرم الشيخ ودهب وطابا ورأس سدر والعين السخنة ومرسى علم، ومواني العبارات الجديدة في نويبع وسفاجا، ومدن الإدارة في الطور والغردقة وشلاتين … إلخ. أما بقية سيناء والبحر الأحمر فما زالت تسكنها عدة عشائر وقبائل قليلة العدد جدًّا، مثل الجبالية في كتلة جبال كاترين، والمعازة في الهضاب بين الجبال إلى حافة وادي النيل من القاهرة حتى قنا، والعبادة بين الجبال والنيل فيما هو إلى الجنوب من خط القصير-قنا، وأخيرًا البشارية في منطقة حلاييب.

التغييرات الاقتصادية الجديدة ومستجدات الاستراتيجية دعت إلى إنشاء شبكات من الطرق البرية التي تربط سيناء بمنطقة القناة، وتربط مدن ساحل البحر الأحمر بوادي النيل في عدة نقاط. الخط الحديدي اليتيم هو الذي أُنشئ حديثًا بين سفاجا وعبر قنا إلى الواحة الخارجة، ومن ثم مناجم فوسفات أبو طرطور بغرض تصدير الخامة المعدنية، لكنه غير عامل بالمعنى المعروف لتشغيل الطرق، وبطول الساحل من السويس إلى شلاتين يمتد الطريق المحوري الذي يكون الرابطة الأساسية بين كل المدن الساحلية في البحر الأحمر. ويرتبط هذا المحور بمدن وادي النيل بمجموعة من الطرق البرية العابرة للصحراء الشرقية أشهرها تاريخًا طريق القاهرة السويس، ثم طريق القاهرة القطامية العين السخنة، وطريق قنا سفاجا، وطريق إدفو مرسى علم. وهناك أيضًا طريقين غير مطروقين بكفاية هما: خط الزعفرانة الكريمات، وطريق رأس غارب الشيخ فضل في المنيا.

أما في سيناء الجنوبية فإن الطرق تبدأ كلها من نفق الشهيد أحمد حمدي تحت قناة السويس. وهذا خطأ استراتيجي فضلًا عن أنه يكون عنق زجاجة في حال زيادة الحركة، ويجب البحث عن طرق أخرى مساندة وبديلة. الطريق المحوري هو أيضًا مثل البحر الأحمر، الطريق الساحلي الدائري من النفق ويتجه جنوبًا بحذاء ساحل خليج السويس رابطًا رأس سدر وأبو زنيمة وأبو رديس والطور، ويدور مع رأس محمد إلى شرم الشيخ ودهب ونويبع وطابا، وثمة طريقان يخترقان سيناء من الشرق إلى الغرب هما: الطريق الشمالي من النفق إلى نويبع عبر نخل ومسار وادي وتير، وهو طريق الحركة الرئيسي عبر سيناء. ويتفرع من هذا الطريق اتجاه شرقي من نخل إلى رأس النقب وطابا. والطريق الثاني العابر لسيناء يجري في وسطها بين نويبع وسانت كاترين وواحة فيران ثم إلى طريق خليج السويس جنوب أبو رديس، وهو في أغلبه طريق سياحي خدمي.

(١٠-١) السيول والطرق

وبخبرة الناس لمئات السنين في الحركة في هذه المناطق الجافة أصبحوا يعرفون مخاطر المرور أو السكن أو إقامة المخيمات في مسارات الأودية الجبلية في الفترات التي يتوقعون فيها سقوط الأمطار المولدة للسيول التي تجرف أمامها كل شيء. ولهذا أصبح من المفارقات أن يموت الإنسان غرقًا وسط هذه البيئة المجدبة. وإزاء ذلك كان البدو يقيمون مضارب خيامهم على سفوح أعلى قليلًا من بطون الأودية، وبعيدة أيضًا عن التقاء الأودية الفرعية حيث تتكون مخرات قوية للسيول. وتتشكل مصبات الأودية الكبيرة في الأغلب من دلتاوات متفاوتة الأحجام حسب حجم الوادي تتعرض للنحت والنحر بفعل السيول الجارفة. والدلتا هنا هي بالمعنى الصحراوي الذي تبرز فيه المكونات الدلتاوية الصخرية مختلطة ببعض التكوينات الطينية نتيجة التفتت. ونظرًا لكثرة التعرض للسيول فإن هذه المناطق غير جاذبة للسكن الدائم إلا تحت شروط كثيرة. وكمثال للمخاطر أن مدينة نويبع التي تقع جزئيًّا في دائرة نفوذ دلتا وادي «وتير» قد تعرضت لغضب السيول في ١٩٨٧ و١٩٩٤ و١٩٩٥، وقد دمرت سيول ١٩٩٤ الطريق الرئيسي وجزءًا من جنوب شرق المدينة، وأدت إلى وفاة خمسة عشر شخصًا، ولكن بعض هذه المناطق قد تصبح مناطق لزراعة محدودة مع اتخاذ التدابير اللازمة لتجنب مسارات السيول أو التقليل من شدتها لتوفير الحماية لها.

هذا الاستطراد عن مخاطر السيول ضروري للتحذير من المخاطر التي تتعرض لها الطرق الجيدة التي شقتها مصر في النطاق الجبلي من سيناء والبحر الأحمر. فقد كان أمرًا سهلًا أن تبنى الطرق في مسارات الأودية؛ لأنها تشكل فعلًا طرق اختراق كونتها عناصر الطبيعة. لكن مخططي وخبراء هندسة الطرق لم يستفيدوا بالقدر الكافي من التجارب المعرفية للسكان، ولا بالقدر المناسب من الدراسات الجيولوجية والجغرافية والهيدرولوجية في المناطق الجافة. وقد آن الأوان للاستفادة من تلك المعارف بالإضافة إلى الصور الفضائية لعمل نماذج كمبيوترية لهيدروليكا مياه السيول في الوديان التي تمر فيها الطرق الرئيسية. وقد تتضح أهمية مثل هذا التمازج بين المخططين والعلوم الأخرى من ذكر بعض الأحداث المؤسفة للسيول. نحن نعرف السيول المدمرة للقرى الزراعية على طول الصعيد؛ لأنها قريبة منا وتحدث أضرار مادية وفي الأرواح، وتعلن وسائل الإعلام عنها وعن زيارات كبار المسئولين للمناطق المنكوبة، أما أن تحدث هذه السيول بعيدًا عن العمران فلا تحظى بمثل هذه التغطية الإعلامية — إذ كل ما هنالك أضرار مادية بالطرق لا تؤخذ كثيرًا في حسابات الإعلام. لكن الواقع شيء آخر. فمثلًا حينما حاصرت السيول مطار الغردقة، كم ضاع من الوقت بالنسبة للمسافرين سواء كانوا من المصريين أو الأجانب. حسابات الوقت على جانب كبير من الأهمية لحالات معينة كالمريض أو الموظف أو التاجر ورجل الأعمال.

بعد كل سيل متوسط إلى جارف تحدث خسائر متمثلة في انهيار أجزاء من الطريق، أو تغطيتها بفروش كبيرة من الطين والرمال والمفتتات الصخرية. ويحتاج الأمر إلى إعادة بناء الجزء المنهار من الطريق. ويجب أن تكون هناك بدائل للطرق كي تستخدم إلى وقت إصلاح العطب في الطريق الذي أصابته السيول بالتدمير. مثلًا حينما دمرت السيول المتوسطة في أكتوبر ٢٠٠٢ نحو ١٨ كيلومترًا من طريق وادي وتير، إلى جانب دمار أخف لأجزاء كثيرة من هذا الطريق، فقد كان البديل هو طريق نويبع طابا رأس النقب نخل. وهذا الطريق البديل هو الآخر يتعرض للسيول في أجزاء كثيرة منه بحكم مساره في منطقة صعبة وبخاصة في منطقة رأس النقب، وفي بعض الأحيان لا توجد طرق بديلة صالحة لاستخدام أوتوبيسات النقل العام والسياحي، مما يؤدي إلى إغلاق أماكن سياحية إلى أن يتم الإصلاح، كما حدث في طريق سانت كاترين الذي خسر نحو ٥٠كم في وادي الشيخ ووادي فيران نتيجة سيول أكتوبر ٢٠٠٢ أيضًا. وفي هذا أبلغ الضرر بالمصالح والسمعة السياحية.

القصد هو حماية الطرق من أخطار قد لا تتكرر كل سنة ولكنها حينما تحدث فإن آثارها بالغة على معظم الطرق في سيناء والبحر الأحمر، حتى تلك المناطق الموغلة في الجنوب كطريق مرسى علم أو الشلاتين التي يظن أنها بعيدة عن السيول إلا كل عشر سنوات أو أكثر، فإنها أيضًا لا تنجو، ذلك أن الأمطار السيلية هي أمطار طارئة تتسبب فيها أعاصير جامحة خرجت عن مسارها الأساسي، فهي تنتقل في أماكن يصعب التنبؤ بها وتطال أي منطقة في أي وقت. والذي يجعل سيلًا أقوى من آخر أن الأمطار التي تتجمع في حيز وادي تسير بقوة مع انحدار الوادي فتجرف معها كل شيء، بينما الأمطار السيلية التي تسقط على مناطق متسعة سهلية فإنها لا تكون سيولًا جارفة، وإنما مساحات كبيرة من الماء في شكل برك سرعان ما تجف. هذا فضلًا عن أن الأمطار الساقطة على صخور قليلة المسام كالجرانيتية تساعد على تكوين سيول قوية، بينما تكون مخاطر السيول أقل إذا سقط المطر على الصخور المسامية كالجيرية وتكوينات الحجر الرملي.

(١٠-٢) كيف نقلل من أثر السيول؟

وبناء على ذلك فإنه بدلًا من الإنفاقات على إصلاح الطرق المهمة بعد كل سيل، فالمطلوب تكوين لجان متعددة التخصصات من أجل إجراء دراسات جيولوجية ومورفولوجية وهيدرولوجية للوديان التي تشكل مسارات طرق مهمة وحيوية في أودية مثل وتير وفيران وقنا-سفاجا وإدفو-مرسى علم، وكذلك الوديان التي تنتهي عند مدن سياحية كدهب وشرم الشيخ والغردقة ومرسى علم والقصير … إلخ. وربما نقترح إعادة النظر في أجزاء من الطرق التي تتكرر فيها آثار السيول، بإقامة الطريق على ارتفاع بضعة أمتار على أحد جانبي الوادي، مع عمل كباري ذات عيون عريضة عند التقاء الوادي الرئيسي بالأودية الفرعية، وعمل شبكات صلب على الواجهات الصخرية شبه العمودية لتقليل اندفاع الصخور على عرض الطريق، ووسائل أخرى معروفة وممارسة. كما أقترح أن تساهم الهيئات الصناعية والفندقية في تحمل بعض أعباء مثل هذه الأعمال؛ لأنها تعود عليهم في النهاية بمردود محسوب.

إن بناء السدود على بعض الأودية أمر وارد ومجرب، لكن السدود تتعرض للانهيار في حالة السيول القوية، كما حدث في قناطر «لحفن» جنوب العريش بنحو عشرين كيلومترًا التي هدمها سيل ١٩٧٩، وسد «خزام» في محافظة قنا الذي هدمه السيل بعد أيام قليلة من بنائه عام ١٩٨٥، وقد يتعرض السد للإطماء بالطين والمفتتات الصخرية التي تجلبها سيول متوسطة على مدى سنوات، مما يؤدي إلى ضرورة تعليته كما حدث في سد «الروافعة» في وادي العريش الذي بني عام ١٩٤٦، وأجري تعليته ١٩٨٢، بعد أن فقد نصف حجم حوض التخزين.

ولكن ربما يكمن الحل في إقامة مجموعات من السدود الغاطسة بحيث تقلل من حدة تيار السيل ولا تهدم السد الغاطس وتحجز في النهاية، بعد ذروة السيل، بعض الماء في صورة بركة وبحيرات صغيرة في بطن الوادي. وتتسرب مياه هذه البرك تدريجيًّا إلى الطبقات الصخرية حاملة المياه الجوفية، فتساعد على إعادة تغذية للمياه الجوفية التي تظهر في صورة عيون وينابيع في الأجزاء الدنيا من الوادي. ومثل هذه السدود الغاطسة أقل تكلفة بكثير من السدود التقليدية، وغالبًا ما تبنى بركامات حجرية ذات قواعد عريضة فلا تتعرض للانهيار، ولا نخسر كثيرًا لو انهارت.

وعلى أية حال فالأمر متروك لبحوث قابلة للتنفيذ من جانب المتخصصين في هندسة الطرق وميكانيكية التربة والاقتصاديين والبيئيين وعلماء آخرين في التطبيقات البشرية، من أجل إحكام القدرة على تجنب المخاطر بنسبة أعلى مما هو قائم حاليًّا. أما تجنب السيول تمامًا فأمر غير ممكن؛ لأننا لم نلم بكل المعرفة المرتبطة بموازين طبيعة الغلاف الجوي، وإلى أي مدى يتأثر بعوامل أرضية أو فضائية.

(١٠-٣) لماذا الاهتمام بالطرق؟

هذه الاطالة في هذا الموضوع هي على جانب كبير من الأهمية بالنسبة للطرق التي تخترق الصحاري والمناطق الجبلية الجافة. وتعود أهميتها إلى أن الطرق هنا في سيناء ككل وفي البحر الأحمر هي شرايين الحياة الأساسية لحياة المدن التي تميزها، والتي يسكنها عاملون في مجالين هما من أهم قاطرات الاقتصاد المصري: البترول والسياحة. وقد ضخت مصر مليارات الأموال في إنشاء حقول النفط على طول خليج السويس الذي هو بحق خليج النفط المصري. عوائد البترول أكثر ثباتًا من عوائد السياحة، وإن كان سعر البترول يعتريه التغير حسب الظروف الدولية. وكذلك ضخت مصر مليارات أخرى لبناء المدن والقرى السياحية التي ترصع شواطئ البحر الأحمر وخليج العقبة. حبذا لو كف المستثمرون عن بناء فنادق وقرى الدرجة العالية (+٤ نجوم)، واتجهوا إلى فنادق أقل درجة (نجمتين) وبنسيونات أكثر، فهما مقصد أكثر جذبًا للسياحة المحلية وأكثر ضمانًا للحركة والعمالة من النجوم الخمسة حتى في الحالات التي تهتز فيها السياحة وتتناقص نتيجة الأحوال السياسية المضطربة في الشرق الأوسط، أو أحوال الأمن المصرية ضد غوائل المتشددين والمتطرفين، ولكن بغض النظر عن هذا وذاك فإن البنية الأساسية لاستمرار نجاح السياحة والثروة النفطية هي وسائل النقل على طرق ممتازة آمنة من غضب السيول الفجائية.

صحيح أن الطرق البرية ليست هي كل البنية الأساسية لحياة الناس في سيناء والبحر الأحمر والسويس. فالبترول ينقل بالبحر أو أنابيب إلى القاهرة وأسيوط فضلًا عن خط أنابيب سوميد — السويس البحر المتوسط — الضخمة الذي يخترق أقصى شمال الصحراء الشرقية، كما أن المدن تتلقى مياه عذبة من النيل عبر خطوط أنابيب من الكريمات إلى البحر الأحمر وإلى جنوب سيناء، لكن هذه الأنابيب قد تتعرض للسيول القوية مثلها مثل الطرق البرية. وصحيح أيضًا أن هناك عدة مطارات في طابا وشرم الشيخ والغردقة ومرسى علم، إلا أنها تصل إلى نقاط محدودة يحتاج المسافر بعدها إلى الطرق البرية ليكمل رحلته إلى عمله أو مصيفه ومشتاه.

فالخلاصة إذن: أن الطريق البري هو الترس الأساسي في ضمان نجاح أشكال الاقتصاد في المحافظتين، ومن ثم وجب الحفاظ عليها بإلقاء نظرة علمية تجريبية من أجل إقامة التوافق الحسن بين النشاط الإنساني وموازين الطبيعة.

(١١) مصر العليا وجنوب الوادي

مقترح تنمية

مصر العليا أو الوجه القبلي أو الصعيد كلها أسماء ومصطلحات تصف وادي النيل من الحدود الجنوبية حتى تفرع النيل عند القاهرة الكبرى مكونًا الدلتا. وبالتالي تدخل المحافظات من جنوب الجيزة إلى بني سويف والمنيا وأسيوط وسوهاج وقنا — بما فيها الأقصر، وأسوان — بما فيها منطقة بحيرة ناصر. ويضاف إلى ذلك الفيوم التي هي في صورة الواحة لكنها لم تكن كذلك، بل هي تكوين طبيعي لبحر يوسف الذي يمثل فرعًا جنوبيًّا من النيل عند ديروط، وكانت مياه بحر يوسف تفيض إلى منخفض الفيوم الذي أصبح على مر آلاف السنين بحيرة عرفها المصريون القدماء باسم تاحنو مرور، وحولها الإغريق إلى بحيرة موريس وبقاياها الآن هي قارون. لكن الفراعنة مبكرًا — نحو ٢٠٠٠ق.م — حولوا البحيرة بإنشاءات هندسية إلى أرض خصبة تفوح بالأعناب والموالح والحبوب.

وعلى أية حال فإن هذا الوادي الطويل — نحو ١٢٥٠ كيلومتر — يمكن تقسيمه إلى قسمين؛ مصر الوسطى: تمتد من بني سويف والفيوم إلى المنيا، ومصر العليا: من سوهاج إلى قنا وأسوان، وبذلك تقع أسيوط بين القسمين، وقد نستحسن ضمها إلى مصر الوسطى بحكم أشياء كثيرة جغرافية وتاريخية ودينية وتجارية واستراتيجية. فعند مدينة أسيوط وحولها أضيق نطاق في الوادي تطل عليه حافات الهضبة الصحراوية الغربية، مما يجعلها مفتاح الحركة المدنية والعسكرية لكل من قسمي الوادي. وقد عرف أهميتها الفراعنة ومن ثم كان اسمها القديم «ساوت» بمعنى الحارس، كما عرفوها أيضًا باسم «تب شمع» بمعنى نهاية الجنوب؛ لأنها تشرف على الصعيد الجنوبي وطرق الواحات، ومقابل ذلك كانت سوهاج تعرف قديمًا باسم «عاحا» بمعنى باب الشمال.

ولقرب مصر الوسطى من مركز الحكم في منف-القاهرة فقد ألقت عليها ظلالًا ساعدت على تطورها خلال الحقب من القدم إلى اليوم، مما أدى إلى ارتباطها حضاريًّا واقتصاديًّا بمركز الحكم. صحيح أنه لفترة كانت هناك جماعات وعشائر قبلية ممن يطلق عليهم قبائل وعشائر الغرب — مثل الفرجان والجوازي والباسل ولملوم وغيرهم — في الفيوم وغرب بحر يوسف من البهنسا إلى ديروط الخيل، لكنهم تدريجيًّا اندمجوا مع السكان وصارت أنشطتهم زراعية مثل بقية السكان.

وإلى الجنوب من أسيوط تطول المسافة مئات من الكيلومترات من سوهاج إلى أسوان، وبالتالي فإن أثر القاهرة المباشر على مصر العليا يقل ويصبح نافذًا من خلال الحاكم الذي تعينه القاهرة أو تدعم زعامته بصورة أو أخرى، مثل الأمير همام الذي اعتمدت قوته في حكم الجنوب على قبيلته من الهوارة والتأييد الذي حظي به من سلاطين مصر بدأ بالسلطان برقوق. هذا فضلًا عن أن مصر العليا كانت مواطن لمجموعات عدة غير ملتحمة التحامًا كاملًا لفترة طويلة بالسكان الأصليين من المصريين الذين يقومون بالإنتاج الفعلي لحاصلات الأرض. مثال ذلك الهوارة بين دشنا ونجع حمادي والبلينا شمال وجنوب النهر. ومثال ذلك قبائل العبابدة الذين استقروا على الحواجز بين قوص والأقصر وفي مناطق من سهل إدفو غرب، وبين جبل السلسلة ودراو في كوم أمبو، وفي مناطق متعددة بين النوبيين في النوبة القديمة. ومثال آخر الجعافرة في إسنا وشرق النيل حتى أسوان. هذا فضلًا عن مجموعات النوبة الثلاث — الكنوز والفديجة والعليقات — سكان أرض النوبة المصرية قبل السد العالي، الذين هجروا إلى منطقة كوم أمبو في ١٩٦٣.

(١١-١) جنوب الوادي

تشير الأسطر السابقة إلى أن جنوب الوادي هو مصر العليا. مشكلات جنوب الوادي هي مشكلات كل الصعيد ولكن بصورة أكبر. في جنوب الوادي نجد الأرض الزراعية أضيق باستثناء مناطق من سوهاج التي كانت مشهورة في عصر محمد علي الكبير بأنها المنتج الكبير لكثير من المحاصيل وبخاصة القمح، ولكن جرى عليها ما يجري في بقية مصر من مشكلات زراعية وعلى رأسها تفتت الملكية إلى وحدات إنتاجية غير اقتصادية. كانت في مديرية جرجا منتجات متميزة من تربية الحيوان والصوف والكتان والقطن قصير التيلة وصناعة النسيج في أخميم وصادرات أقمشة الجلاليب الزرقاء إلى أسواق مصر والسودان.

بعض أشكال الحرمان في مصر: الأمية والعطالة والفقر ١٩٩٤

لاحظ ارتفاع قيم الحرمان في محافظات الصعيد. فقراء الصعيد ٤٨٫٥ من السكان والدلتا ٣٦٫٣ ومحافظات المدن ١٣٫٤ والصحاري ١٫٨.

وكانت مناطق الهوارة شهيرة بمعاصر القصب وإنتاج السكر الأحمر لقرون طوال. وفي إسنا وأرمنت وقوص وغيرها كان إنتاج العدس والفول عالي الجودة أثناء نظام ري الحياض، لكننا افتقدناه بعد الري الدائم وأصبحنا نستورد العدس من أنواع أدنى من عدس مصر وفولها الذي ورد في محكم القرآن الكريم. وكانت تربية الأبقار شغل الشاغلين إبان غمر الحياض بالماء. صحيح اكتسبنا مساحة محصولية مضاعفة لكن حساب المكسب والخسائر يساوي ما جاء في القصص القديم أن تبيع الفستق المقشور بفستق غير مقشور! حتى بلاد النوبة وبرغم صغر مساحة الأرض الطميية كانت تنتج ما يكفي جانبًا كبيرًا من أهلها من القموح والحبوب قبل بناء سد أسوان، ثم غاصت كلها تحت ماء بحيرة السد العالي إلى أبد لا نعلم مداه.

إذا تكلمنا عن السكان فإننا نجد ثمانية ملايين وربع المليون يكونون نحو ٤٠٪ من سكان الصعيد يعيشون في جنوب الوادي، وقرابة نصفهم في سوهاج وحدها.

لا توجد مدن جديدة في جنوب الوادي باستثناء ما يسمى بالكوثر التي لا تقارن حتى على الورق بأسيوط الجديدة أو المنيا الجديدة أو بني سويف. وكان هناك مشروع لمدينة قنا الجديدة لكن ملفه أغلق منذ بضع سنين ولا أعرف إذا كان قد فتح من جديد؟ وبطبيعة الحال بينها وبين المدن التوابع حول القاهرة الكبرى مسافة ما بيننا وبين القمر!

وفي مجال النشاط الاقتصادي نجد أن متوسط العاملين في الزراعة والإنتاج الأولى في جنوب الوادي هو في حدود ٤٠٪ من القوة العاملة (١٥–٦٥ سنة) مشابهة بذلك لمصر الوسطى. أما الصناعة التحويلية فهي شديدة التدني وغالبًا ما تصل إلى نحو ٥٪ أو أقل من القوة العاملة في كل الوادي جنوبه وشماله، بينما المتوسط العام لمصر نحو ١٥٪. وحتى في تجارة الجملة والمفرق تنخفض نسبة العاملين إلى نحو ٦-٧٪ وهو نصف متوسط مصر، وكذلك في الصحة والخدمات تنقص مساهمة العمالة إلى نحو نصف المتوسط العام في مصر.

ويترتب على ذلك أن مقياس الحرمان والفقر المدقع والأمية والبطالة هي في كل الوادي جنوبه وشماله أعلى ما يوجد في مصر (انظر الشكل المقابل ). فعلى سبيل المثال نسبة الفقر في الصعيد تبلغ ٤٨٪ من السكان مقابل ٣٦٪ في الدلتا و١٣٪ في محافظات المدن!

حتى عام ٢٠٠٣ كانت إجمالي الشركات المؤسسة ١٣٧١٢ شركة في مصر، منها ٥٣٨ شركة فقط في الصعيد بنسبة أقل من ٤٪ من مجموع الشركات. وكانت التكاليف الاستثمارية في هذه الشركات تبلغ ٢١٨٢٨٠ مليون جنيه اختص الصعيد بنسبة ٤٫٢٪ فقط، وكان عدد العاملين قرابة المليون عامل منهم ٤٫٦٪ في الصعيد إجمالًا. هذه الضآلة في التوجهات الاستثمارية لشركات متعددة النوعية صناعية وخدمية ومالية … إلخ، تزداد قزميتها إذا تذكرنا أن بالصعيد نحو ٢٨٫٥٪ من سكان مصر عام ١٩٩٦.

(١١-٢) ماهية مقترحات تنمية جنوب الوادي

لا شك في أن هناك عشرات الأفكار للتنمية لكل الوادي من بني سويف إلى أسوان. لكن لا شك أيضًا في أن أحسن الأفكار والرؤى ليست بالضرورة أكثرها طموحًا وأجملها ورودًا، فأحسن الأفكار التي يمكن تبنيها هي الأفكار العملية النابعة من المواقف القائمة باتفاق غالبية الناس على جدواها في معالجة أحوالهم والرقي بما لهم وللأجيال الجديدة. وهي في ذات الوقت الأفكار التي يمكن تنفيذها مرحليًّا حسب شدة الاحتياج من ناحية، وحسب القدرات المتاحة المالية والعلمية التطبيقية والاجتماعية مع التخطيط المرن بمشاركة الناس، وربما كانت الأموال اللازمة هي الركن الأساسي، ويمكن تدبيرها بمشاركة ثلاثية الأطراف: الدولة كحق واجب، والمستثمرون كعوائد لنجاحهم، وأخيرًا: السكان المستفيد الأول والأخير من أية مشروعات تنمية اقتصادية اجتماعية ثقافية وصحية.

(١١-٣) معطيات الجبل والصحراء في جنوب الوادي

أول المعطيات وقاعدتها هي الأرض التي تنقسم إلى أراضي الزراعة الحالية والمستقبلية، وأراضي المجالات الحيوية Lebensraum التي تتفاعل مع أماكن واسعة لعلاقات العمل والهجرة النشطة. فهناك الاتجاه شرقًا إلى البحر الأحمر حيث مجالات العمل في نطاق خدمات السياحة ونطاقات المناجم والمحاجر لأنواع فاخرة من أحجار الزينة والواجهات، مثل السماق الإمبراطوري البللوري الأبيض والوردي Porphyrite في جبل دخان والجرانيت الأسود وغير ذلك من الموارد التعدينية. وهناك الاتجاه غربًا إلى الصحراء الغربية حيث مجالات التنمية الحالية في مشروعات الزراعة في نطاق دروب الأربعين وشرق العوينات، بل وربما أيضًا في منطقة العوينات وهضابها بما فيها من سياحة السفاري وما قد يتولد من ثروات طبيعية ومياه جوفية تكتشف بكثرة الارتياد وتعدد الرحلات، ذلك أن كثرة الحركة تجلب المناطق المنعزلة إلى دوائر الاهتمام يلتقطها فرد أو هيئة بالصدفة أو بتوجه مسبق فتفتح آفاقًا متعددة.

لم أذكر الواحات كمناطق عمل لسكان جنوب الوادي؛ لأن الواحات حالة خاصة من التعايش آلاف السنين بين معطيات البيئة والناس. وحين نتدخل بتكنولوجيا القرن الغشوم نفسد التوازن الأيكولوجي الهش بين المياه والتربة وعدد السكان، فنحيلها إلى التصحر المطلق مع أن أشكال هذه التنمية تأتي إلى الواحات بنيات حسنة فينطبق عليها القول المعروف: «إن الطريق إلى «جهنم» مفروش بالنيات الطيبة.» ومن ثم فالتوصية الواجبة هي ترك الواحات تتطور بالأسلوب الذي يتعايش مع الصحراء مع قليل من الإرشاد وكثير من الدراسة دون استعداء قوى الطبيعة.

(١١-٤) معطيات الوادي في الجنوب

الأرض الزراعية الحالية ضيقة بكل المقاييس بحيث لا تتناسب مع الملايين الثمانية من السكان. في الحقيقة أن السكان أكثر من ذلك لولا أن فائض السكان يهاجر إلى الشمال ويظل العدد المقيم محافظًا على أدنى حد من التعايش مع ظروف العمل القاسية. فنحو ٩٠٪ من العاملين بالزراعة يعملون في ظل ملكية أو حيازة زراعية متناهية الصغر أو قد تبلغ حد الصفر في أحيان. ويعوض البعض هذا الفقر المدقع والحرمان البالغ بالعمل القاسي في المحاجر أو الخدمات الخاصة أو النقل، فضلًا عن إرساليات نقود من العاملين في الشمال إلى ذويهم في الجنوب. وبالرغم من إنشاء مناحل العسل وتسمين العجول للبعض، فإن هذه الدخول الهامشية لا تستطيع أن تكون رأسمال يسهم في أية عمليات تنموية وبالتالي تتجمد الأوضاع وتسوء.

وقد كانت هناك دراسة لحالة ١٥ قرية في مركز سوهاج مجموع سكانها ٢٠٣ ألف، نشرت في تقرير التنمية البشرية لمعهد التخطيط القومي عام ١٩٩٦ تشير إلى ظروف شظف العيش في هذه القرى كنموذج متكرر في محافظة سوهاج، ونموذج متكرر بصور أخرى أشد وأقسى في بقية جنوب الوادي.

قد يكون شكل التنمية الذي يتبادر دائمًا إلى الأذهان هو البحث عن أرض استصلاح جديدة. وباستثناءات محدودة — الحافات الصحراوية ومصبات بعض الأودية مثل شرق كوم أمبو أو وادي الأسيوطي، فإن التوسع الزراعي محدود بحكم إطباق الهضاب الجبلية والرمال السافية على الصعيد جنوبه وشماله معًا. وحتى إذا استوفينا تنمية زراعية برفع المياه بتكلفة طاقة عالية، فإن الزراعة في المجال العالمي والإقليمي لم تعد هي الحل السحري لمشكلات البطالة واختلال التوازن بين البيئة والإنسان، وبخاصة أن الزراعة عادة تستهلك ٧٥٪ من المياه العذبة.

في مصر استأثرت الشركات الصناعية بنحو ٧٠٪ من العدد، و٤٣٪ من الاستثمارات و٦٢٪ من العمالة، وفي مقابل ذلك ٦٪ شركات زراعية و٥٪ من الاستثمارات و٨٪ من العمالة! وبالتالي فإن الزراعة تصبح غير مجدية كنشاط إذا قارناها ليس فقط بالشركات الصناعية بل بشركات البنوك والأموال وشركات السياحة، وغير ذلك من الأعمال في قطاع الإنتاج والخدمات.

وليس المعنى أن نكف عن الزراعة فهي أساس الغذاء اللازم للوجود. لكن القصد أن إنشاء أنشطة أكثر إنتاجًا وربحًا وتوفيرًا لفرص العمل وتقليص البطالة نسبيًّا هو أجدى؛ لأنه سيستقطب أكثر من نصف العمالة الزائدة والفقيرة في قطاع الزراعة، بحيث يتناسب عدد السكان الزراعيين مع حجم الأرض. وعلى هذا فإن ناتج العمل الزراعي سيوزع على الفلاح المنتج فترتفع حصيلته من نشاطه تدريجيًّا في الوقت الذي يصبح للعمل في القطاعات الأخرى دخل مستقل، وبالتالي لا يمثل دخلًا طفيليًّا على الناتج الزراعي.

وبناء على ذلك فالراجح من هذا العرض أن توجهات التنمية في جنوب الوادي يمكن أن تكون في أوجه متعددة وليس الزراعة فقط. الاستثمار يمكن أن يتجه إلى صناعات زراعية كمصانع الأغذية المجمدة واللحوم والأسماك المجهزة حسب نوعية القطع وصناعات الجلود والنقل السريع وبعض منتجات الألبان … إلخ، جنبًا إلى صناعة أنواع من الورق والأخشاب من مخلفات النبات. الطاقة متوفرة من الشبكة الموحدة ويضاف إليها الطاقة الجديدة من قناطر إسنا، والمتوقعة من قناطر نجع حمادي وأسيوط، فضلًا عن امتداد أنابيب البترول والغاز إلى الصعيد كمشروع يكتب عنه حاليًّا. وربما نتيجة لذلك يمكن إنشاء بعض الصناعات الثقيلة وبخاصة الأسمنت.

ولا يقتصر الأمر على الصناعة فإن هناك أنشطة أخرى قائمة وتحتاج إلى مزيد من الاستثمار والتحديث على رأسها صناعة السياحة. وجنوب الوادي مليء بشتى السياحات من آثار أخميم وأبيدوس ودندرة وإدفو والأقصر وأسوان والنوبة، مليء بسياحة السفاري في كل جنوب مصر من البحر الأحمر إلى الوادي الجديد، مليء بسياحة العلاج وطاقة الشمس والمنظر الجميل …

كل هذه التحديثات ترفع منسوب دخل الأفراد، وغالبًا تحتاج إلى تحديث عمراني يقوم به الأهالي على مهل وإلى مدارس ومستشفيات وعيادات. تداول العملة سيجلب معه أنشطة بنكية متعددة ومتنوعة ومكاتب قانونية ومحاماه وينعش التسوق والسوق المحلي. وربما أيضًا صحافة محلية إلى جانب الإعلام الرسمي … إلخ.

والخلاصة: أن نوعًا متجددًا من الحياة يمكن أن يحل تدريجيًّا محل رتابة الحياة التقليدية من زمن فات؛ وبذلك نكسب إقليمًا نشطًا جديدًا يضاف إلى وطن قوي بدلًا من وطن ترهقه الإشكالات …

(١١-٥) أسوان بوابة الجنوب

منذ نحو ثلاثة أشهر دخلت المبنى الفاخر للتليفزيون والإذاعة في أسوان — القناة الثامنة — من أجل حديث عن النوبة والنوبيين ومستقبل الجنوب بما في ذلك السد العالي ومشروع توشكى. ومنذ ذلك التاريخ وأنا أتابع إرسال القناة الثامنة كلما سنحت لي الفرصة. وأصبحت معجبًا بالنشاط الإعلامي للشباب من أهل أسوان والجنوب الذين يقدمون برامج ذات موضوعات جيدة هي في الواقع ليست تكرارًا لما نراه في قنوات مصرية أخرى.

والحق أن منطقة جنوب مصر من قنا جنوبًا هي مختلفة عن بقية الصعيد. فالسكان هنا ينتمون إلى عدة مجموعات ذات أصول قبلية وإثنولوجية متنوعة. فإلى جانب الخليط السلالي الذي نسميه أهل الصعيد، والذين يمتدون في مراكز قنا والأقصر وإسنا، فهناك مجموعات أصغر عددًا هي العبابدة المستقرون على الحاجز بين الصحراء والوادي المزروع، ويكثرون في الأقصر وكوم أمبو. وهناك الجعافرة المتمركزين في إدفو وشمالًا إلى إسنا وجنوبًا إلى كوم أمبو، وأخيرًا وفد إليهم سكان النوبة في شرق حوض كوم أمبو بعد تهجيرهم في أوائل الستينيات على إثر إنشاء السد العالي.

وكل هؤلاء يسكنون الآن إلى الشمال من مدينة أسوان الحالية. وفي الماضي القريب كان النوبيون يسكنون إقليمًا طويلًا من مدينة أسوان جنوبًا إلى الحدود مع السودان وعبره إلى شمال السودان. وسواء كان هناك سكان في بلاد النوبه جغرافيًّا أو تغمرها مياه بحيرة ناصر، فإن أسوان كانت منذ ستة آلاف سنة وإلى اليوم بوابة مصر الجنوبية إلى كل الأقاليم السودانية والأفريقية. وسبق أن ذكرت في الفصل الأول أن أسوان كلمة مصرية قديمة تعني السوق، وقد كانت فعلًا السوق الذي يتجمع فيه كل سلع المناطق المدارية من أفريقيا — عاج وريش نعام ونباتات طبية وجلود حيوانات مختلفة وأنواع من أخشاب الروائح الزكية مثل الصندل وغير ذلك كثير. بل أيضًا كانت هناك سلع من شرق السودان وإريتريا وجنوب البحر الأحمر، وبخاصة أنواع من نباتات البخور التي تأتي في السفن من الصومال واليمن وحضرموت أو في قوافل برية عبر الأودية الصحراوية الكبيرة وبخاصة وادي العلاقي ووادي كورسكو.

لهذه الأهمية كانت لمنطقة أسوان استراتيجية خاصة مماثلة لرفح والعريش في الشمال، بل ربما أكثر وأهم لأسباب منها: أنه في فترات كانت هناك ضغوط من الشعوب الزنجية شمالًا في اتجاه مصر وبخاصة في عصر الدولة القديمة. هذه الحركات الشعوبية ربما نشأت مع متغيرات المناخ إلى الجفاف في شمال السودان الحالي ومن ثم الالتجاء إلى أراضي الوفرة النيلية في مصر. ولوقف الزحف الجنوبي وللحفاظ على منابع النيل في منطقة الجنادل — التي كان المصريون في فترة ما يعتقدون أنها حقًّا منابع النيل، عين الفراعنة منذ الأسرة الرابعة والخامسة أمراء من الأسر الحاكمة ولاة وحكامًا في أسوان لضبط الأمور بتفويض أميري يستطيع اتخاذ السياسات والمبادرات على أرض الواقع. وكان مقر الحكم في جزيرة أسوان الحالية التي يقع فيها متحف أسوان وقرى النوبيين وفندق أوبروي. كان هذا المقر يسمى «آبو» بمعنى سن الفيل، وهو المعنى الذي حدا بالإغريق إلى ترجمته إلى «إلفنتين»، وما زالت تشتهر به في الكتابات الأجنبية. وكان حاكم آبو ينظم كل أشكال البعثات التجارية حسب مواسم المطر والجفاف إلى شمال السودان مع النيل إلى دنقلة، ومن ثم جنوبًا إلى كردفان ودارفور أو استمرارًا مع النيل إلى مروى ووادي العطبرة إلى جبال إثيوبيا.

وحينما تغلغلت دولة الفراعنة عسكريًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا جنوب أسوان أنشئوا قلعة جديدة وسوقًا في سمنة عند الشلال الثالث، ومن ثم تمصرت منطقة النوبة الجغرافية من الشلال الرابع عند أهرامات نباتا إلى أسوان.

من هم سكان هذه المنطقة؟ على الأغلب أنهم في النوبة السفلى من الشلال الثالث إلى أسوان لم يكونوا مختلفين كثيرًا عن أصول المصريين من أسوان إلى إدفو وإن أخذت بعض ملامح الزنجانية تغزوهم بعض الشيء. أما سكان نباتا ودنقلة فالأغلب أنهم كانوا في مواجهة المد الزنجي القادم من الجنوب بحكم موقعهم الجغرافي. وتداخلت مجموعات أخرى من شبه البدو الأفريقيين وأشهرهم البليمي — ربما كانوا أجداد قبائل البجة من البشارية والعبابدة وغيرهم، والنوباتاي قدموا من الغرب — ربما من الواحات — بتشجيع من السلطة الحاكمة في مصر لصد البليمي. ومن هؤلاء شاع اسم النوبا والنوبة على إقليم النوبة السفلي، برغم أن «ن ب» أو «ن و ب» كلمة فرعونية تعني الذهب. أما النوبة العليا فقد شاع تسميته «إثيوبيا» في العصر الهلنستي (إغريقي-روماني).

وفي العصر الإسلامي كانت أسوان منطقة تجمع القبائل العربية التي غزت السودان تدريجيًّا من القرن العاشر الميلادي وما بعده، فعربت وجه السودان الشمالي والأوسط والغربي وأصابت عملية التعريب بلاد الكنوز وإن ظلوا محتفظين بلغتهم الأصلية.

واليوم أسوان ما زالت بوابة الجنوب بما فيها من خليط سكاني قديم وحديث، وما تزخر به من آثار وتاريخ وجمال طبيعي وقوة عمران المدن السياحية والإدارية والصناعية معًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١