القرداتي

عادت «لوزة» مسرعة إلى الأصدقاء، وروت لهم ما سمعته من «سعيد» فقال «محب»: إنها معلومات غريبة فما علاقة الأمير بالقرد … وما علاقته بالقرداتي؟ … إن اللغز يزداد غموضًا.

قال «تختخ»: إنني أريد أن تتركوني وحدي الآن، وسوف نلتقي في الصباح، إنني أريد أن أفكر في كل هذه المعلومات لعلني أستطيع أن أخرج منها بشيء.

وانصرف الأصدقاء، كما عاد «جلال» و«سعد» و«سعيد» إلى منزل عمهم الشاويش «فرقع» الذي كان في انتظارهم وقد ضاق صدره؛ لأنهم غابوا عن البيت دون إذن منه.

صاح الشاويش: أين كنتم؟ أين ذهبتم؟ لا بد أنكم كنتم عند ذلك الولد «تختخ» ليضحك عليكم مرة أخرى، ويحدثكم عن أميرات وهميات!

سكت الأولاد الثلاثة وقد داخلهم الخوف، فعاد الشاويش يصيح: قولوا لي أين كنتم؟ وماذا فعلتم؟

واضطر «جلال» أمام ثورة عمه أن يروي له ما حدث … والمعلومات التي استطاعت «لوزة» الحصول عليها من «سعيد».

هز الشاويش رأسه في سخرية ثم قال: مرة أخرى تريدون الضحك عليَّ، حتى أبلغ المفتش بهذا الكلام الفارغ! هل تريدون أن ترفدوني من عملي؟ هل تريدون أن تخربوا بيتي؟! هل تريدون أن أصدق أن الأمير يلعب مع القرود … القرود والقرداتية وهذا الكلام الفارغ الذي يخترعه الأطفال! كلا! لن أصدقكم مرة أخرى «فرقعوا» من أمامي «فرقعوا».

وأسرع الأولاد الثلاثة إلى غرفتهم وقد أزعجهم غضب الشاويش.

قضى «تختخ» جزءًا كبيرًا من الليل يفكر في المعلومات … وعندما حان موعد نومه كان قد استقر على رأي هام: هو أن البحث عن الأمير يجب أن يبدأ بالبحث عن القرداتي الذي تحدث معه … إذا كانت معلومات «سعيد أبو لبانة» صحيحة وما دام ليس هنا معلومات أخرى، فالحل الوحيد هو البحث عن القرداتي.

وعندما التقى مع الأصدقاء في صباح اليوم التالي قال لهم: أريد معلومات كل منكم عن القرداتية والحواة في مصر! أين هم؟ وما هي الوسيلة لمقابلتهم؟! أخذ كل صديق يروي ما يعلمه عن القرداتية، وهم لا يعرفون لماذا يطلب «تختخ» هذه المعلومات.

وأمسك «تختخ» بدفتر مذكراته، وكان يكتب المعلومات التي تهمه، كانت المعلومات قليلة، ولكن في أثناء الكلام قال «محب»: لقد سمعت خالي مرةً يقول إن أكثر القرداتية يعيشون في مكانٍ واحد قرب محطة «الدمرداش» يسمى «عزبة القرود».

قال «تختخ»: هذا ما أريده … وسوف أذهب إلى القاهرة للبحث عن هذا المكان.

محب: ولا تنسَ يا «تختخ» أن هؤلاء الناس من الحواة والقرداتية لهم حياتهم الخاصة، وهم لا يحبون الغرباء ولا مَن له صلة برجال الشرطة؛ لأنهم عادة من الهاربين من السجن، واللصوص والنشالين.

تختخ: سأستعد لكل هذا، وسوف أتغيب الليلة عنكم، ومن حسن الحظ أن والدي ووالدتي انتهزا فرصة إجازتي، وسافرا لقضاء بضعة أيام في القاهرة.

وفي المساء، دخل «تختخ» غرفته، وأغلقها عليه، وظل ساعة يقوم بالتنكر في شكل «حاوي»، فلبس «بنطلونًا» قديمًا ضيقًا وقميصًا، «وجاكت بيجاما» مقلمًا، وحذاء قديمًا، ووضع على رأسه طاقية تخفي جوانب وجهه، وبعد أن انتهى من التنكُّر، كان «تختخ» الحقيقي قد اختفى، وحل محله ولدٌ قذر لا يمكن لأحدٍ أن يفرق بينه وبين القرداتية والحواة الذين يظهرون أحيانًا في شوارع القاهرة.

ركب «تختخ» القطار من المعادي إلى القاهرة، وكان يلاحظ أن الركاب يبتعدون عنه حتى لا تصيبهم قذارته، فأحس «تختخ» بالسعادة لأنه استطاع إتقان التنكر إلى هذا الحد.

سار «تختخ» على قدميه حتى ميدان «رمسيس» وكانت مفاجأة له أن قابل قرداتيًّا على محطة الأتوبيس يلحُّ على الناس أن يعطوه قرشًا، مقابل ألعاب القرد الذي كان يسمع كلام القرداتي، ويقلِّد «نومة العازب»، و«سلام لسيدك» و«عجين الفلاحة» وأخذ «تختخ» يراقب القرداتي بعين يقظة، محاولًا اقتباس طريقة تصرفاته، وكلماته، وحركاته، وخطر ﻟ «تختخ» خاطر أن يتبع القرداتي حتى يصل إلى عزبة القرود.

سار «تختخ» وراء القرداتي وهو يطوف بالمقاهي يعرض ألعابه أمام الزبائن، ويضرب القرد الذي كان يقفز على الموائد، ويخطف الفول السوداني من أمام الزبائن.

لم يكن «تختخ» يتصور أن القرداتي أحس بوجوده وراءه، وبينما كان يسير خلفه في إحدى الحواري المظلمة، التفت إليه الرجل فجأة، وقد لمعت عيناه قائلًا: ما الذي أتى بك خلفي؟ ماذا تريد؟ هل أنت من رجال الشرطة؟ كانت مفاجأة ﻟ «تختخ» هزته، ولكنه تمالك أعصابه بسرعة وقال للرجل مقلدًا لهجته الخشنة: لقد كنت أراقبك لأتعلم منك الصنعة؛ فأنا قرداتي مبتدئ، وكنت أعمل في الإسكندرية، ولكن الدنيا برد، وليس هناك زبائن الآن، وجئت إلى القاهرة للبحث عن عمل.

أخذ القرداتي ينظر إلى «تختخ» في شك وارتياب، و«تختخ» يحاول أن يبدو شجاعًا، وكأنه قرداتي حقيقي، قال الرجل في شك: أهذه أول مرة تأتي فيها إلى القاهرة؟

قال «تختخ»: لقد جئت قبل الآن، ولكن قُبض عليَّ في حادث نشل، وقد استطعت الهرب؛ لهذا لا أريد أن أعيش في القاهرة؛ لأن المخبرين هنا يعرفونني.

اهتم الرجل بما قاله «تختخ» فقال: هل أنت نشال أصلًا؟

تختخ: لا، ولكني اضطررت للنشل؛ فليس عندي قرد أستطيع عن طريقه جمع النقود.

الرجل: ستأتي معي إلى المعلم «كندوز»، وهناك سوف نعرف حقيقتك؛ فهو يعرف جميع النشالين والقرداتية في البلد.

سار «تختخ» مع الرجل وقد امتلأت رأسه بالأفكار. ماذا يفعل الآن؟ هل يهرب من الرجل في الظلام؟ هل يمكن أن يكتشف المعلم «كندوز» حقيقته؟ وما هو مصيره إذا حدث هذا؟

وقبل أن يتخذ «تختخ» قرارًا، وجد نفسه فجأة في مكان مظلم كئيب، تملؤه العشش الصفيح، مضاء بمصابيح الغاز، والشمع والمشاعل. وسمع صرخات القرود، وملأت رائحتها القوية أنفه.

لم يعد أمام «تختخ» وسيلة للفرار؛ فقد أصبح في قلب عزبة القرود حيث يعيش أخطر المجرمين، وحيث لا يستطيع أن يجد من يُنقذه إذا اكتشف هؤلاء الناس حقيقته.

سار «تختخ» خلف الرجل في حواري العزبة المظلمة، ثم وجد نفسه أمام عشةٍ كبيرةٍ من الصفيح. بدا واضحًا أنها عشة الزعيم المعلم «كندوز» وفجأةً أحاط به مجموعةٌ من الرجال والأولاد أخذوا ينظرون إليه في عداء وشك، فقال الرجل الذي أحضر «تختخ»: هذا زميل من الإسكندرية، سأعرضه على المعلم «كندوز» فقد نستفيد منه.

قال أحد الواقفين: «المعلم» ليس هنا؛ فقد خرج في عمل بعيد، وقد لا يأتي الليلة.

قال الرجل: إذن سآخذه معي الليلة، وسيسرح مع ابني «حنكش» في الصباح، حتى يحضر المعلم.

واختفى الرجال والأولاد كما ظهروا في الظلام، وتبع «تختخ» الرجل في هدوء وقد أحس أنه وقع في فخ خطير، فلا أحد يعلم مكانه، ولا يدري ماذا يحدث في هذه الليلة الغريبة، التي لم يمر بمثلها من قبل.

دخل الرجل إلى عشةٍ واسعةٍ من الصفيح، مضاءة بلمبة غاز سوداء، لا تُنير إلا دائرة صغيرة حولها. ولاحظ «تختخ» أن العشة مقسمةٌ إلى غرفتَيْن. دخل الرجل الغرفة الثانية بعد أن طلب من «تختخ» البقاء في الغرفة الأولى، وكان «تختخ» متعبًا، فجلس على قطعةٍ قديمةٍ ممزقةٍ من الخيش كانت موضوعةً على الأرض.

عاد الرجل بعد قليل، ومعه ولدٌ في مثل عُمْر «تختخ» أسمر اللون قدَّمه إلى «تختخ» قائلًا: ابني «حنكش» غدًا صباحًا تسرحان معًا، ولا بد أن تنشلا عددًا من المحافظ الممتلئة بالنقود، وإلا ضربت كلًّا منكما علقة لا ينساها.

وتركهما الرجل فقال الولد: ما هو اسمك يا شاطر؟

لم يتردد «تختخ» فقد كان ينتظر مثل هذا السؤال فقال بسرعة: اسمي «لِفتة».

ضحك الولد ضحكةً قصيرة وقال: «لِفتة» ولا «جزرة»، عندنا ولد آخر اسمه «لِفتة»، وغدًا صباحًا أعرِّفك به.

جاء الرجل فأخذ لمبة الغاز وقال: عليكما بالنوم الآن، حتى تستيقظا مبكرين للعمل، أريد غدًا أن تجمعا أكبر مبلغ.

تركهما الرجل في الظلام، ومضى، فتبادلا بعض الأحاديث ثم سكت «حنكش»، وبعد لحظات سمع «تختخ» صوت تنفسه المنتظم، فعرف أنه نام.

حاول «تختخ» أن ينام لكن بلا جدوى. كانت أعصابه متوترة في هذا الجو الغريب، لا يدري كيف ينتهي كل هذا ويعود إلى المعادي، وظل «تختخ» يقظًا حتى قرب الفجر، كانت الأفكار تملأ رأسه، وقد وقع في هذا الموقف العجيب، وبعد ساعاتٍ من الأرق قرر «تختخ» مغادرة المكان مسرعًا والعودة إلى المعادي؛ فقد يكتشف هؤلاء الناس حقيقته فيفتكون به.

وعندما وصل إلى هذا القرار، أخذ يعتدل في مكانه تدريجيًّا حتى لا يحس به أحد، ولكن «حنكش» أخذ يتقلَّب في نومه، ويرفع صوته بالكلام، كأنه يحلم بمغامرةٍ غريبة، فأسرع «تختخ» إلى النوم مرةً أخرى.

بعد لحظاتٍ عاد «حنكش» إلى النوم الهادئ، فقام «تختخ» مرةً أخرى وسار على أصابعه حتى الباب الصفيح الذي لم يكن مغلقًا.

مد يده إلى الباب وأخذ يفتحه ببطء. وكان الباب يصدر صريرًا مزعجًا وخاف «تختخ» أن يستيقظ أحدٌ فتوقف … ثم عاد إلى دفع الباب ببطء … حتى استطاع في النهاية أن يخرج إلى الشارع.

أنعشه هواء الليل النقي، فأخذ يفكر فيما يفعل … هل يستمر أم يعود إلى بيته؟

إن هربه سيضيع عليه الفرصة إلى الأبد … فلن يستطيع العودة مرة أخرى إلى عزبة القرود … وفي هذه اللحظة حدثت مفاجأة، لقد خرج «حنكش» إلى الطريق يبحث عنه.

قال «حنكش» عندما رآه: ماذا تفعل هنا؟ لماذا خرجت؟ فكر «تختخ» بسرعة ثم قال في صوتٍ ثابت: إنني أبحث عن مكانٍ أقضي فيه حاجة.

ضحك «حنكش» وقال: في أي مكانٍ يعجبك … فليس عندنا دورات للمياه.

ثم عاد «حنكش» يقول: تعالَ معي … إنني خرجت لنفس السبب.

هدأت أعصاب «تختخ» بعد هذا الحوار، فإن «حنكش» لم يشك فيه، وسار خلفه في صمت حتى أصبحا على حدود عزبة القرود، فوقفا متباعدَيْن وكلٌّ منهما يقضي حاجته.

عادا معًا يتحدثان عن الغد، ودخلا إلى حيث كانا ينامان، فاستلقى كلٌّ منهما في مكانه وظل «تختخ» مستيقظًا فترةً أخرى، ثم غلبه النوم فنام.

وعندما استيقظ، كانت الشمس قد ملأَت المكان، ووجد أمامه «حنكش» وأمامه طبق من الفول، وكان «تختخ» جائعًا، فلم يتردد في الاشتراك مع «حنكش» في أكل طبق الفول، وكانت ثقته بنفسه قد عادت بعد أن تبدد ظلام الليل الرهيب، وعاد النهار حيث يمكنه أن يرى، بل أن يهرب إذا أحس بخطر.

قال «حنكش»: سوف نسرح اليوم في منطقة باب الحديد، وسوف تقوم أنت بالنشل، وسأقوم أنا بالتقفيل عليك.

لم يفهم «تختخ» ما معنى التقفيل، وفي الوقت نفسه فإن الهدف الذي جاء من أجله لم يصل فيه إلى شيء، إنه يريد أن يعرف القرداتي الذي كان في معسكر المعادي، والذي تحدث مع الأمير.

وتذكر «تختخ» الزرار الفضي الذي عثروا عليه في مسكن الأمير فتحسسه بأصابعه، ووجده في مكانه حيث وضعه في جيب سري صغير.

قال «حنكش»: هيا بنا نلحق زحمة الصباح، لعلنا نلطش محفظة أو محفظتين.

خرج الولدان إلى الحارة التي يسكن فيها «حنكش»، وكانت أصوات القرود تملأ المكان، والسيدات تنشرن الغسيل على الحبال، فأخذ «تختخ» يتفحص المكان باهتمام، ويراقب الغسيل المنشور ويفحصه، فقد دارت في رأسه فكرة ما.

وفجأة حدث تطور هام جدًّا في الموقف … فقد شاهد «تختخ» سيدة تنشر بعض الغسيل على حبلٍ من السلك، وبعد أن نشرت ثلاث قطع من الملابس العادية، نشرت بيجامة زرقاء من الحرير، لا يمكن أن تكون لأحد القرداتية أو النشالين. وأحس «تختخ» بقلبه يخفق بشدة، فهل هذه هي بيجامة الأمير «كريم»؟ وإذا كانت هي، فهل الأمير «كريم» موجود هنا الآن في إحدى العشش الصفيح؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢