مفاجآت مثيرة

كان «حنكش» يسير في الأمام، وخلفه «تختخ» فناداه «تختخ» قائلًا: «حنكش» … «حنكش»، انتظر قليلًا.

التفت «حنكش» إلى «تختخ» وقال: ماذا تريد يا «لِفتة» لقد تأخرنا، هيا بنا.

تذكر «تختخ» اسمه المزيف «لفتة»، وتذكر أن هناك ولدًا آخر اسمه «لِفتة» في عزبة القرود كما قال «حنكش» فقال: «حنكش» … أريد مقابلة الولد الذي له اسم مثل اسمي.

حنكش: تقصد الولد «لفتة»؟

تختخ: نعم «لفتة»، وسوف أعطيك خمسة قروش مني، إذا أحضرته الآن.

حنكش: انتظر هنا، وسأعود بعد قليل.

واختفى «حنكش» في إحدى الحواري، فأسرع «تختخ» إلى البيجامة الزرقاء المنشورة على الحبل وأخرج من جيبه الزرار الفضي اللامع … وكم كانت مفاجأة له، أن وجد في البيجامة زرارًا ناقصًا، وكانت بقية الأزرار من نفس نوع الزرار الفضي الذي معه.

أحس «تختخ» أن قلبه سيقف من فرط الانفعال. وأدرك في نفس الوقت أن الأمير — إذا كان ما زال حيًّا — قريب من هذا المكان، أو على الأقل فإن سكان هذه العشة الصفيح يعرفون مكانه.

وكان على «تختخ» أن يتصرف بسرعةٍ قبل أن يحضر «حنكش»، فأسرع إلى العشة التي خرجت منها السيدة التي نشرت الغسيل وطرق بابها فأطلَّت السيدة بعد قليل قائلة: من؟ فلمَّا رأت «تختخ» قالت: ماذا تريد؟ قال: «تختخ» أول كلامٍ خطر بباله: هل «حنكش» هنا؟

ردَّت السيدة في ضيق: «حنكش» لا يسكن هنا.

وكاد «تختخ» ينسحب، لولا أن شاهد ولدًا يخرج من الغرفة الداخلية في العشة، وهو يرتدي ملابسه قائلًا: ما هذه الدوشة؟

قالت السيدة: ولد غريب يسأل عن «حنكش».

اقترب الولد من «تختخ» فأحس «تختخ» برعدة تسري في جسده، فلم يكن وجه هذا الولد غريبًا عليه، لقد رآه في وقت ما، وفي مكان ما، ولكن أين؟

تذكر «تختخ» فورًا، فهذا الولد يشبه الأمير «كريم» تمامًا، كما نُشرت صورته الصحف، ولا بد أن الأمير «كريم» هذا يهوى المغامرات، وقد هرب من معسكر المدرسة لينضم إلى سكان عزبة القرود.

قال «تختخ» بصوتٍ حاول أن يجعله طبيعيًا: لقد كنت أبحث عن «حنكش» لأسرح معه، وقد اتفقنا على أن أقوم أنا بالعمل، ويقوم هو بالتقفيل، ولكني لا أجد «حنكش» وقد سألت عليه في كل مكان.

قالت السيدة وهي تنظر إلى الولد: اذهب معه أنت يا «حنجل»؛ فالتقفيل مهمة سهلة، ويمكن أن تحصل على بعض النقود، فمنذ يومَيْن وأنت لا تعمل.

قال الولد: لا مانع، سوف آتي معك، ولكني أريد أن أفطر أولًا.

السيدة: ليس عندنا أي شيء للأكل؛ فقد ذهب والدك مع المعلم «كندوز» ولم يعد حتى الآن.

تختخ: سأشتري لك الإفطار الذي تطلبه، فقط تعالَ معي قبل أن يخف الزحام في الأتوبيسات، فلا نجد وسيلة للعمل.

خرج الولد مع «تختخ» بعد أن ارتدى ملابسه، وتعمَّد «تختخ» أن يمر بجوار البيجامة الزرقاء مرة أخرى، ثم وقف بجوارها، وأمسك بها قائلًا: هذا قماش ممتاز، هل هي بيجامتك؟

قال الولد في جفاء: لا تسأل كثيرًا، ودعنا نسرع لنلحق بالعمل.

سار الولدان عبر عزبة القرود، وكان القرداتية يسحبون قرودهم ذاهبين إلى أماكن متفرقة من المدينة الكبيرة للتسول.

وكان ذهن «تختخ» يعمل بسرعة خارقة، لقد عثر على عدد من المعلومات الهامة، وعليه أن يستفيد منها فورًا قبل أن تختفي البيجامة، أو يهرب الولد الذي معه، فمن الواضح أنه يعرف معلومات كثيرة.

وسارا معًا، وحاول «تختخ» أن يتجاذب مع «حنجل» الحديث، ولكن الولد صاح به: إنني جائع الآن ولا أريد أن أتحدث، أين الإفطار الذي وعدتني به؟

قال «تختخ»: ما الذي تريد أن تفطر به؟

حنجل: هل معك نقود تكفي لشراء «ساندوتش» من الجبنة الرومي وشرب كوب من الشاي؟

تختخ: معي أكثر من هذا بكثير، ويمكنك أن تتغدى كباب، وأن تدخل السينما.

حنجل: السينما! أحب أفلام المغامرات جدًّا، وفي سينما «ريتس» فيلمان مثيران يمكن دخولهما.

تختخ: لا مانع عندي، تعال نشتري «الساندوتش» ونشرب الشاي ثم ندخل السينما حفلة الساعة العاشرة.

حنجل: ألن نحاول الحصول على محفظة؟ إذا عدنا بدون شيء فسوف نتعرض للضرب الشديد.

تختخ: لا تخَف … سوف نعود ومعنا ثروة من النقود.

اطمأن «حنجل» إلى «تختخ» بعد هذا الحديث، وزادت ثقته به بعد أن جلسا على الرصيف، وأخذ يلتهم «الساندوتش» الذي اشتراه له «تختخ» وبعد أن انتهى «حنجل» من طعامه، ذهبا معًا إلى مقهى صغير في إحدى الحواري، وشربا كوبين من الشاي الأسود الثقيل.

حنجل: هيا لنلحق السينما فالساعة الآن قرب العاشرة.

كانت الفرصة متاحة الآن للحديث فقال «تختخ»: هل تحب السينما كثيرًا يا «حنجل»!

قال «حنجل»: طبعًا، فالإنسان ينسى فيها نفسه ومتاعبه، ويتصور أنه البطل.

تختخ: وهل قمت في حياتك بمغامرات مثل مغامرات السينما؟

حنجل: مرة واحدة … فقد تحوَّلت من قرداتي إلى أمير.

التفت «تختخ» إلى «حنجل» وقد أذهلته المفاجأة! ماذا يعني الولد بهذا الكلام؟ هل يقصد الأمير «كريم»؟ وهل قام بدور الأمير في وقتٍ من الأوقات؟ أم أنه يتخيَّل نفسه أميرًا صغيرًا؟ أم أنه هو الأمير نفسه؟

قال «تختخ»: أي أمير؟ لا بد أنها مجرد نكتة.

حنجل: لا أبدًا إنها ليست نكتة، ولكني لا أستطيع أن أقول لك ما حدث، فسوف يقتلني المعلم «كندوز»، فهو رجل رهيب يسيطر على عصابة ضخمة من اللصوص والنشالين والقرداتية والحواة، وإذا عرف أنني تحدثت مع أي مخلوق، فسوف يقتلني.

تختخ: وكيف يعرف أنك قلت لي؟ إننا أصدقاء ولن أقول لأي مخلوق عما قلته لي.

حنجل: لا يمكن أن أقول لك.

أيقن «تختخ» أن «حنجل» لن يقول له الآن أي شيء آخر، فلم يلح عليه ومضيا معًا إلى السينما. كان «تختخ» يفكر فيما قاله «حنجل» ويقلِّب الأمر على مختلف الوجوه. هل كان حديث «حنجل» صحيحًا! لا بد أنه صحيح، بدليل وجود البيجاما الزرقاء على حبل الغسيل أمام العشة الصفيح التي يسكن فيها، ولكن كيف يمكن إغراؤه بالحديث عن هذه المغامرة؟

أمام السينما وقف «حنجل» ينظر إلى الإعلانات الملونة، وقد بدت عليه الرغبة الشديدة في الدخول فالتفت إلى «تختخ» قائلًا: هيا اقطع لنا تذكرتين لندخل السينما، فلم يبقَ سوى عشر دقائق على عرض الفيلم.

قال «تختخ» مراوغًا: لا داعي لدخول السينما اليوم، تعالَ نرى ماذا سنفعل أولًا في الشغل، ثم ندخل السينما في يوم آخر.

حنجل متضايقًا: هل كنت تضحك عليَّ طول هذا الوقت! لماذا إذن قلت لي إننا أصدقاء، وإنك ستدعوني إلى دخول السينما؟

تختخ: إنك لا تثق بي، فكيف نكون أصدقاء، وأنت لا تثق بي وتخفي عني أسرارك ومغامراتك!

حنجل: قلت لك إنني سأُقتَل إذا تحدثت، إنك لا تعرف المعلم «كندوز»، فهو رجل قاسٍ لا يرحم.

تختخ: وأين هو «كندوز» الآن؟ إنه مسافر بعيدًا كما سمعت.

حنجل: لم يسافر بعيدًا، إنه في وادي حوف لإكمال مهمة كبيرة كان مكلفًا بها من أشخاصٍ مهمين.

أخذ «تختخ» يحدث نفسه: مهمة كبيرة … أشخاص مهمين … وادي حوف المخيف على بعد سبع محطات من المعادي! ماذا يفعل هناك «كندوز» هذا؟ لن أترك هذا الولد حتى أحصل على بقية المعلومات!

قال «تختخ»: لأثبت لك أني صديقك، تعال ندخل السينما، خذ اقطع لنا تذكرتين.

وأعطى «تختخ» ﻟ «حنجل» خمسين قرشًا، فأسرع إلى شباك التذاكر، وسرعان ما عاد وبيده التذكرتان، وقد بدا عليه السرور.

دخل الولدان إلى السينما، وبعد لحظات قليلة أطفئت الأنوار، وبدأ الفيلم، وكانت أحداثه تدور في معسكر لرعاة البقر، فأخذ «تختخ» يحدق في الظلام إلى وجه «حنجل» الذي كان منفعلًا بالفيلم. انتظر «تختخ» قليلًا ثم قال ﻟ «حنجل» فجأة: إنه يشبه معسكر التلاميذ في المعادي.

قال «حنجل» دون أن يحس بالفخ الذي نصبه له «تختخ»: نعم، إنه يشبهه، ولكن الخيام في الفيلم أكبر.

وسكت «تختخ» فلم يعلق بشيء حتى لا يلفت نظر «حنجل» إلى أسئلته، ومضت أحداث الفيلم، وكان «حنجل» منفعلًا، يبدي إعجابه بالبطل وهو يقفز هنا وهناك، ويركب الحصان، ويضرب اللصوص.

انتهى الفيلم الأول، وأنارت السينما، فقال «تختخ»: هل أعجبك الفيلم؟

حنجل: أعجبني جدًّا، والفيلم الثاني أفضل.

ولكنهما لم يشاهدا الفيلم الثاني، ففي الاستراحة، دخل «حنكش» ومعه رجلان فنظرا في قاعة السينما، ورأوا الولدين، فأقبلا عليهما، وقد بدَت في عيونهم نظرات شريرة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢