الوقوع في الفخ

في الفجر وقبل أن يستيقظ أحد، كان الشاويش «فرقع» يركب دراجته، ويشق طريقه إلى وادي حوف مسرعًا.

بعد ذلك بساعة تقريبًا، اجتمع الأصدقاء في منزل «تختخ»، وقد استعدوا جميعًا للرحلة الطويلة. وانتظر الأصدقاء «جلال»، ولكنه لم يظهر في الوقت المناسب فقرروا تركه، وانطلقوا مسرعين.

كان الطريق في الصباح جميلًا، وأخذ الأصدقاء يتبادلون الأحاديث عن المغامرة القادمة، فقال «تختخ»: يجب أن يكون واضحًا لنا جميعًا أننا لا نستطيع التغلب على هذه العصابة وحدنا، وكل ما علينا أن نعثر على الأدلة الكافية على وجود الأمير، ثم نبلغ المفتش «سامي» ليقوم رجال الشرطة بواجبهم. وافق الأصدقاء جميعًا على هذا الكلام، ومضوا يشقون طريقهم مسرعين فالمسافة طويلة، ولا بد أن يعودوا إلى المعادي قبل الغروب.

أخيرًا، وبعد تعب شديد، وصل الأصدقاء إلى وادي حوف، وكانت الجبال الشاهقة تحيط بالمكان، والكهوف العميقة تبدو كالعيون السوداء في وجوه الجبال الرمادية.

قال «تختخ» سوف نتجه نحو الجبال، وإذا سألَنَا أحدٌ عن مهمتنا، فسوف نقول إننا جئنا لصيد العصافير.

وأخذ الأصدقاء طريقهم إلى الجبل، دون أن يعرفوا أن عيونًا كانت ترقبهم من بعيد. كان صعود الطريق نحو الجبل شاقًّا على الدراجات، فقال «محب»: من الأفضل أن ننزل ونمسك الدراجات بأيدينا؛ فقد تعبت أقدامنا من الرحلة الطويلة.

وافق بقية الأصدقاء على هذا الاقتراح، وأمسكوا بدراجاتهم وأخذوا يصعدون الجبل، وقد تقطعت أنفاسهم.

بعد فترة من الوقت، بدا الجبل أمامهم مخيفًا وصامتًا، وأحس الأصدقاء بالرهبة فقالت «نوسة»: إلى أين نحن سائرون يا «تختخ»، إن الجبل واسع جدًّا، ومن الممكن أن نظل نسير طول النهار دون أن نعثر على مخلوقٍ واحد.

نظر «تختخ» حوله ثم قال فجأة: أعتقد أننا لم نضل الطريق، انظروا هناك. وأشار بأصبعه في اتجاه الغرب ثم مضى يقول: ألا تشاهدون أعمدة تليفون، معنى هذا أن في الجبل مكانًا مسكونًا، وهذا المكان فيه تليفون، وسنتبع أعمدة التليفون حتى نهايتها، فإذا لم نعثر على شيءٍ فسوف نعود.

ومضى الأصدقاء في اتجاه أعمدة التليفون كما قال «تختخ»، وصعدوا أحد أجزاء الجبل، وما كادوا يهبطون في الاتجاه الآخر حتى سمعوا صوتًا خشنًا يقول: قفوا مكانكم ولا تتحركوا.

ومن كهف في الجبل ظهر ثلاثة رجال يحملون البنادق متجهين إلى الأصدقاء، فزع الأصدقاء، وأخذوا ينظرون إلى الرجال في قلق، ولكن «تختخ» تمالك أعصابه سريعًا وقال للرجل الذي اقترب منهم: ماذا تريد منا؟ إننا لم ندخل مكانًا ممنوعًا، وأنتم لستم من رجال الشرطة.

قال الرجل في خشونة: لا تتحدث كثيرًا إذا كنت تهتم بحياتك، واقترب هنا.

اقترب الأصدقاء الخمسة من الرجل، الذي كان فارع الطول طويل الشارب، تبدو عليه القسوة فقال لهم: ماذا أتى بكم إلى هنا؟

تختخ: لقد جئنا لصيد العصافير.

قال الرجل بدهاء: وأين هي أدوات الصيد التي معكم؟

لم يستطع «تختخ» أن يجيب، لقد كان الرجل أذكى مما تصور، قال الرجل مشيرًا لهم: تقدموا، وسيروا أمامي حتى يراكم المعلم.

عندما سمع «تختخ» كلمة المعلم، أدرك أنهم في الطريق الصحيح، فلا بد أن هذا المعلم هو المعلم «كندوز» وأن هذه هي عصابته، وأنهم يقتربون من الأمير «كريم»، إذا كانت المعلومات التي حصل عليها من «حنجل» كلها صحيحة.

سار الأصدقاء في طريقٍ يشبه النفق في الجبل وقد تركوا دراجاتهم مع أحد أفراد العصابة الذي وقف عند مدخل النفق.

كان الظلام يجعل السير متعذرًا، وكانت «لوزة» الصغيرة ترتجف، فأمسك «تختخ» بيدها وضغط عليها مشجعًا.

ظل النفق يضيق شيئًا فشيئًا، ثم بدت من بعيدٍ دائرةٌ من الضوء أدرك الأصدقاء أنها نهاية النفق، فلما اجتازوها عاد الضوء الساطع مرة أخرى، ووجدوا أمامهم مبنًى ضخمًا من الحجر الأبيض، كأنه قلعة في الجبل، وشاهد الأصدقاء خط التليفون، وهو ينتهي عند المبنى، فأدركوا أن «تختخ» كان على حق.

دق الرجل الباب ثلاث دقات ثم دقتَيْن، ثم دقة واحدة ففُتح الباب، ووجد الأصدقاء أنفسهم في دهليز طويل مظلم، وسمعوا الرجل الذي فتح الباب يقول: ماذا حدث، ألم تأتِ السيارة بعد؟ إن المعلم قلقٌ جدًّا؛ لأن موعد السيارة فات!

قال الرجل ذو الشارب: لم تظهر أي سيارةٍ بعد، ونحن نراقب الطريق جيدًّا. عاد الرجل يسأل: ومن هؤلاء؟

رد ذو الشارب: إنهم أولاد رأيناهم يقبلون ناحيتنا، وقلنا من الأفضل القبض عليهم حتى تصل السيارة، وتأخذ البضاعة وينتهي كل شيء، ثم نتركهم.

لم يفهم الأصدقاء ماذا يقصد الرجل، ولكن «تختخ» فهم كل شيء؛ فالسيارة قادمة لأخذ الأمير، وكلمة البضاعة معناها الأمير. وقال «تختخ» في نفسه: إذن فالأمير هنا، ونحن هنا أيضًا، ولكننا لا نستطيع إنقاذه.

أدخلهم الرجل في غرفة واسعة مظلمة، وأغلق الباب بالمفتاح، وأحس «تختخ» بيد «لوزة» تضغط على يده بشدة، فقال في الظلام: لا تخافوا، إنهم لن يفعلوا بنا أي شيء.

ظل الأصدقاء لحظات لا يرون شيئًا، ثم تعودوا على الظلام، وبدءوا يرون مكانهم. كانوا في غرفة منخفضة السطح، واسعة كأنها مخزن وكان في الجدران أبواب كأبواب الدواليب.

بعد أن وقفوا لحظات قال «تختخ» في صوتٍ هامس: ألم تسمعوا شيئًا؟ رد الأصدقاء: لم نسمع شيئًا.

قال «تختخ»: حاولوا الإنصات؛ فإنني أسمع صوت تنفُّس ثقيل خلف هذه الجدران.

أنصت الأصدقاء وقد حبسوا أنفاسهم، فخيل إليهم أن ثمة صوت تنفُّسٍ يأتي من ناحية الجدار.

قال «تختخ»: تحرَّكوا بهدوءٍ إلى جوانب الغرفة، وحاولوا الاستماع إلى ما خلف الجدران.

تفرق الأصدقاء في الغرفة الواسعة، وأخذوا يتسمعون إلى الجدران، وفجأة قالت «نوسة»: إنني أسمع صوت تنفس هنا.

تحرك «تختخ» على أطراف أصابعه، واتجه إلى حيث كانت «نوسة» ووضع أذنه على أحد الأبواب التي في الجدران، وبدا واضحًا له أن هناك صوت تنفسٍ ثقيل وحركة خفيفة.

أمسك «تختخ» بمقبض باب الدولاب وحاول فتحه، ولكن الدولاب كان مغلقًا، فمد يده في جيبه وأخرج سلسلة المفاتيح المصطنعة التي يحتفظ بها دائمًا، وأخذ يجرِّب المفاتيح واحدًا بعد آخر، ودار رابع مفتاح في القفل، وفتح باب الدولاب. وأمام أعين الأصدقاء التي ألفت الظلام ظهر شبح ولد يجلس في الدولاب، وقد رُبط فمه حتى لا يستغيث كما رُبطت قدماه ويداه.

قال «تختخ» بصوت منفعل: الأمير «كريم»؟

وتعاون الأصدقاء جميعًا على إنزال الأمير من الدولاب، وفكوا الأربطة، فوقف على قدميه ولد أسمر في مثل سنهم، رقيق حزين العينين.

قال «تختخ» هامسًا: أنت الأمير «كريم»، أليس كذلك؟

رد الأمير بصعوبة: بلى؛ من أنت؟

قال «تختخ»: نحن أصدقاء، لقد استطعنا معرفة مكانك، ولكننا وقعنا في الفخ مثلك.

الأمير: وما العمل الآن؟ سوف يأتي أعوان عمي حالًا ليتسلموني من العصابة، ويدفعون ثمن خطفي، حاولوا أن تنقذوني، وإلا قُتلت.

قال «تختخ» بهدوء: لا تخف، سنجد وسيلة لإنقاذك.

عاد «تختخ» بعد لحظاتٍ يتحدث: سوف أخرج الآن للبحث عن التليفون الذي هنا، وسأحاول أن أكلِّم المفتش «سامي».

عاطف: ولكن الرجل أغلق الباب بالمفتاح يا «تختخ».

تختخ: وهل نسيت مغامرة لغز «البيت الخفي»، ألم أخرج من أبوابٍ مغلقة قبل الآن؟!

واتجه «تختخ» إلى باب الغرفة، وأخرج من جيبه ورقة جريدة مطوية، ففردها، ووضعها تحت الباب، ثم دفعها برفق حتى أصبح أكثرها خارج الباب، ثم أخرج من جيبه سلكًا رفيعًا، وضعه في ثقب المفتاح، وأخذ يدفعه بهدوء، دافعًا أمامه المفتاح … ثم سمع الأصدقاء صوت المفتاح وهو يسقط على الورقة خارج الباب.

دقَّت قلوبهم جميعًا بعنف؛ فقد يسمع أحد أفراد العصابة صوت المفتاح فتفشل خطة «تختخ»، وقد تعتدي العصابة عليهم، ولكن لم يحدث شيء، فانتظر «تختخ» لحظات، ثم أخذ يسحب الورقة ببطء، وكان المفتاح قد وقع على طرفها، فأمسك به «تختخ» في انفعال.

وضع «تختخ» المفتاح في قفل الباب من الداخل ثم قال للأصدقاء: سوف أغلق الباب عليكم من الخارج فلا تخافوا، وإذا دخل أحد رجال العصابة فليقف الأمير خلفكم ولن يروه في الظلام، وسأعود فورًا.

فتح «تختخ» الباب ثم نظر في الدهليز المظلم، فلم يرَ أحدًا، فخرج بسرعة ثم أغلق الباب خلفه، وسار على أطراف أصابعه في الدهليز، ووقف خلف الباب الخارجي ونظر، فشاهد رجال العصابة يقفون أمام الباب وقد أحاطوا برجلٍ ضخم الجثة كأنه ثور، يرتدي الملابس البلدية، ويعلِّق في كتفه مدفع رشاش، فأدرك «تختخ» أنه المعلم «كندوز» زعيم العصابة، وكان الرجال يتحدثون مع المعلم، وقد ارتفعت أصواتهم، عن تأخر السيارة.

انتهز «تختخ» فرصة انشغال الرجال فأخذ يجري داخل المبنى الكبير ويفتح الأبواب بحذرٍ لعله يعثر على التليفون، أخيرًا وفي غرفة واسعة بدت كأنها مكتب قديم رأى «تختخ» التليفون، ودقَّ قلبه سريعًا، فهذا هو الحل الوحيد لإنقاذ كل شيء. أسرع «تختخ» إلى التليفون ورفع السماعة، وحمد الله أن الخط جاء سريعًا، فأخذ يدير القرص بأرقام تليفون المفتش «سامي»، وبعد لحظات دق الجرس على الجانب الآخر من الخط ثم رُفعت السماعة وسمع «تختخ» الصوت الذي كان يتلهف على سماعه؛ صوت المفتش «سامي» يقول: هالو … هالو … من المتحدث؟

رد «تختخ» في صوتٍ هامس: أنا «توفيق» يا حضرة المفتش أو «تختخ» إذا كنت تفضل هذه التسمية.

قال المفتش باهتمام: أين أنتم، وأين الشاويش؟ إنني أتصل بكم واحدًا واحدًا منذ الصباح دون أن أجد الشاويش أو أي واحد منكم … ماذا حدث؟

تختخ: حدثَت أشياء كثيرة جدًّا، لا وقت للحديث عنها بالتليفون.

المفتش: إن هناك معلومات مزعجة وصلتنا أن الأمير «كريم» قد قُتل، هل عندكم معلومات؟

تختخ: هذه معلومات غير صحيحة، فالأمير «كريم» معي الآن … و… وقبل أن يتم «تختخ» جملته سمع المفتش يصيح في التليفون: معكم الآن؟ هل هذه نكتة يا «توفيق»؟ هل هذا وقت هزار؟

قال «تختخ» بهدوء: يا حضرة المفتش … صدقني وتصرف بسرعة … إنني وأصدقائي والأمير «كريم» مسجونون الآن في مبنى قديمٍ في وادي حوف، والمطلوب أن ترسل نجدة لنا فورًا، لقد استطعت التسلُّل للحديث تليفونيًّا معك ولا أدري ماذا سيحدث بعد الآن! هل تعرف المكان؟

المفتش: أعرفه، إنه مبنى قديم كان يُستعمل لإدارة المناجم في وادي حوف سأكون عندكم فورًا.

أغلق «تختخ» التليفون بهدوء ثم عاد مسرعًا إلى الغرفة التي بها الزملاء ففتح الباب ودخل، ثم أغلق الباب وراءه، كان الأصدقاء يقفون خائفين في طرف الغرفة، فلما رأوا «تختخ» استردوا شجاعتهم وقالت «نوسة»: ماذا فعلت؟ هل اتصلت بالمفتش؟

ابتسم «تختخ» في الظلام قائلًا: كل شيء على ما يرام أيها المغامرون، وأنت أيضًا أيها الأمير.

وأخذ «تختخ» يروي لهم بصوتٍ هامس مغامرته الصغيرة في البحث عن التليفون ثم تذكر فجأةً ما قاله المفتش عن اختفاء الشاويش «فرقع» فقال للأصدقاء: لقد اختفى الشاويش «فرقع» اليوم، وأعتقد أن «جلال» نقل له المعلومات التي سمعها منا عن وادي حوف فأسرع الشاويش قبلنا إلى هنا، ولا بد أنه وقع أسيرًا في يد العصابة.

ابتسم الأصدقاء برغم الموقف المخيف الذي يواجهونه، ثم عاد الصمت من جديد. استمر الصمت فترةً طويلة، وفجأة خُيل للأصدقاء أنهم يسمعون صوت سيارة، فأخذوا جميعًا ينصتون، وتأكدوا من صحة الصوت؛ فقد بدا صوت السيارة واضحًا في الهدوء المخيم على الوادي.

قال الأمير بصوتٍ يرتجف: لقد جاءت النهاية، وسوف يأتون الآن ليأخذوني ويسلموني إلى أنصار عمي.

قال «تختخ» وهو يحاول أن يبدو هادئًا: لا تخَف يا «كريم»؛ فقد تصل النجدة في الوقت المناسب.

ارتفع صوت السيارة مرة أخرى فأدرك الأصدقاء أنها تقترب من النفق المؤدي إلى المبنى، وأنها ستقف هناك، ثم سكت صوت السيارة فعرفوا أنها وقفت وعاد الصمت من جديد، ولكن قطعه بعد قليلٍ صوت أقدام مسرعة في الدهليز فقال «تختخ» للأصدقاء: إنهم مقبلون الآن لأخذ الأمير، سأُغلِق الباب بالمفتاح من الداخل، وسنقف جميعًا خلف الباب حتى لا يفتحونه إلا بصعوبة وبذلك نكسب أطول وقتٍ ممكن.

وصل صوت الأقدام إلى الباب، وسمع الأصدقاء أحد الرجال يقول: أين مفتاح هذا الباب؟ هل أخذه أحد من هنا؟ إنني أتذكر أنني تركته في الباب. سمع الأصدقاء ردًّا يقول: لم يأخذه أحد، ومع ذلك انتظر لأسأل بقية الرجال.

وبعد قليل عاد الرجل يقول في صوت مخيف: لم يأخذ أحدٌ المفتاح هل هناك خدعة؟

دقَّ الرجال الباب بشدة، ولكن الأصدقاء لم يردوا، وارتفعَت أصواتهم تقول: افتحوا الباب … افتحوا الباب.

رد «تختخ» عليهم محاولًا أن يكسب أكبر وقت ممكن: ليس معنا المفتاح … ابحثوا عن المفتاح.

ولكن الرجال لم يكن عندهم وقت للبحث عن المفتاح؛ فقد كانوا يريدون أن ينتهوا من المهمة سريعًا، فأخذوا يضربون الباب بأكتافهم بشدة، والأصدقاء يقفون خلف الباب في استبسال.

صاح أحد الرجال: إن الأولاد يقفون خلف الباب … ثم رفع صوته قائلًا: ابتعدوا عن الباب وإلا أطلقت الرصاص.

قال «تختخ» للأصدقاء: ابتعدوا عن الباب. وأنت يا «كريم» اجلس خلفنا في الظلام، فسوف يضيعون وقتًا طويلًا للبحث عنك.

استطاع الرجال في النهاية كسر الباب ودخلوا مندفعين إلى الحائط، وفتحوا باب الدولاب، وكم كانت دهشتهم وغضبهم عندما وجدوا الدولاب فارغًا!

صاح أحدهم: أين الأمير؟ ألم يكن في هذا الدولاب؟

قال آخر: لعله في دولاب آخر.

أخذ الرجال يفتحون أبواب الدواليب التي بالحائط دولابًا بعد آخر، دون أن يجدوا شيئًا … فالتفتوا إلى الأصدقاء وصاح أحدهم: أين الأمير؟

رد «تختخ» بثبات: أي أمير! إنني لا أعرف أمراء.

قال الرجل: ماذا فعلتم هنا؟ لقد سرقتم المفتاح وهربتم الأمير … استدعِ المعلم يا «فرحات».

أسرع «فرحات» يستدعي المعلم الذي دخل بعد قليل، ومعه بطارية صغيرة فأضاءها، واستطاع أن يرى الأمير وهو يجلس ملتصقًا بالحائط خلف الأصدقاء فصاح بوحشية: ها هو الأمير أمامكم أيها الأغبياء … لقد استطاع هؤلاء الأولاد أن يضحكوا عليكم … هاتوه واتركوا هؤلاء الأطفال هنا، وأغلقوا عليهم المكان.

وامتدت الأيدي إلى الأمير الذي كان يقاوم بشجاعة، ولكن بلا فائدة. أسرع «تختخ» إلى الرجل الذي يمسك بالأمير يحاول إيقافه وهو يصيح: سيقبض عليكم رجال الشرطة أيها الأوغاد، اتركوا الأمير.

رفع المعلم «كندوز» يده إلى أعلى ليضرب «تختخ» وهو يصيح: ابتعدوا وإلا قتلتك. ولكن قبل أن تهبط يده سمع الجميع صوتًا آمرًا يقول: ارفعوا أيديكم جميعًا!

وعلى ضوء مصابيح رجال الشرطة، شاهد الأولاد وقلوبهم تهتز فرحًا المفتش «سامي»، وحوله رجاله يحملون المدافع الرشاشة.

أسرعت «لوزة» إلى المفتش دون أن تنطق بحرفٍ ثم ألقَتْ بنفسها بين ذراعيه، فحملها إلى فوق وهو يقول: مرحبًا بصديقتي العزيزة، والمخبرة الممتازة.

بعد لحظاتٍ كان رجال الشرطة قد قبضوا على العصابة كلها وعلى الرجال الذين حضروا في السيارة لأخذ الأمير.

ووقف الجميع أمام المبنى يتحدثون، وأخذ «تختخ» يشرح للمفتش ما حدث بالتفصيل ثم تذكر فجأة فقال: لقد نسينا الشاويش «فرقع» ونحن لا نستطيع أن نعود إلى المعادي دون أن نأخذه معنا.

دخل «تختخ» ومعه أحد رجال الشرطة إلى المبنى مرة أخرى، وأخذ «تختخ» ينادي على الشاويش في الممرات المظلمة، وأخيرًا سمع صوتًا ضعيفًا يأتي من الأرض، فانحنى على ضوء مصباح الشرطي ووجد بابًا سريًّا في الأرض ففتحه، وبدا الشاويش وهو يجلس كأنه فأر وقع في مصيدة.

مد «تختخ» يده فساعد الشاويش على الخروج من المصيدة التي حُبس فيها، فخرج وبدلًا من أن يشكر «تختخ» أخذ يسب ويلعن الأولاد الذين يتدخلون في عمله. ولم يغضب «تختخ» لهذا السباب الذي نزل عليه من الشاويش، بل ابتسم قائلًا: لا بأس، لقد كنت قريبًا جدًّا من حل اللغز يا حضرة الشاويش.

•••

في سيارة المفتش «سامي» المريحة، عاد الأصدقاء ومعهم الأمير «كريم» الذي اعتبر إنقاذ الأصدقاء له جميلًا لا يُنسى. أما دراجات الأصدقاء فقد أمر المفتش «سامي» بأن تعود إلى المعادي بسيارة من سيارات الشرطة.

وفي الطريق شرح الأمير كيف خطفته العصابة بمساعدة سائق سيارته ليلة كان ذاهبًا إلى المعسكر، ثم أكمل «تختخ» القصة فقال: إن العصابة احتفظت بالأمير، ووضعت «حنجل» القرداتي الذي يشبهه مكانه، وبالطبع لم يستطع القرداتي أن يقوم بدور الأمير بالضبط، وقد حاول الاختفاء أطول مدة ممكنة عن أعين التلاميذ بالنوم طول الوقت في فراشه.

وعندما وصلت السيارة إلى «المعادي» قال المفتش «سامي»: لن أشرب معكم الشاي هذه المرة فلا بد من إخطار الوزارة بأننا عثرنا على الأمير بأسرع ما يمكن؛ فهناك أزمة سياسية بسبب اختفائه.

ولكن قبل أن يغلق باب سيارته، حيا الأصدقاء تحية حارة قائلًا: إنني أنتظر اليوم الذي تكبرون فيه وتصبحون أحسن ضباط شرطة في بلادنا.

فقالت «لوزة»: وأنا أيها المفتش؟

قال المفتش: لقد دخلت السيدات في عمل الشرطة، وأنا أضمن لكِ وظيفة ضابط شرطة في المستقبل.

قال «تختخ»: هناك سؤالٌ يا سيدي المفتش … لقد سمعت النشالين يقولون كلمة «تقفيل» فما معنى هذه الكلمة؟

ابتسم المفتش قائلًا: كيف كنت ستقوم بدور نشالٍ دون أن تعرف معنى هذه الكلمة! إن معناها الرجل الذي يُساعد النشال على السرقة، فيخفي يدي النشال حتى لا يراه الناس.

وأغلق المفتش الباب، وانطلقت السيارة، ويد الأمير الصغير «كريم» تلوح للأصدقاء بوداع … إلى لقاء قريب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢