دعوة للشاي

أخذ التاكسي يقترب من فندق «شيراتون» يحمل الأصدقاء الخمسة، وكانوا جميعًا قد تلقَّوا دعوةً من المفتش «سامي» لتناول الشاي في الفندق الكبير الفخم … وقبل أن يعبروا الكوبري طلبوا من السائق الوقوف … فقد قرَّروا قطع المسافة الباقية على الأقدام؛ للتمتُّع بالجو الجميل.

وبعد لحظات وصلوا إلى مدخل الفندق، وأخذوا يتأمَّلون المكان بإعجاب، ثم صعدوا السلالم إلى صالة الشاي الواسعة التي تُطل على النيل.

كانت الساعة العاشرة صباحًا بالضبط، وهو الموعد الذي حدَّده المفتش للقائهم، ولكنهم الْتفتوا هنا وهناك في الصالة الواسعة فلم يجدوه في انتظارهم كما توقعوا، واتجهوا إلى إحدى الموائد وجلسوا حولها في انتظار ظهور صديقهم الكبير.

حضر الجرسون مسرعًا ووقف ينتظر ما يطلبونه، فقال «محب»: أظن أن من الأفضل تناول الشاي في هذا الجو البارد.

ووافق الأصدقاء جميعا على هذا الاقتراح، وانصرف الجرسون وهو يكتب الطلبات في دفتره الصغير. وقالت «نوسة»: من المدهش ألَّا يكون المفتش في انتظارنا.

ردَّت «لوزة»: لا بد أنه تأخَّر في الطريق لسبب ما … ولكنه سيصل فورًا.

وهنا اقترح «عاطف» أن يتراهنوا على المدة الباقية على حضور المفتش، فقالت «لوزة»: أُراهن على أنه سيظهر بعد خمس دقائق.

نوسة: بعد عشر دقائق.

محب: بعد دقيقتين فقط.

فكَّر «عاطف» قليلًا ثم قال: بعد سبع دقائق وستين ثانية!

وضحك الأصدقاء على النكتة، ثم انتظروا أن يتكلَّم «تختخ» ويُحدِّد الموعد الذي سيحضر فيه المفتش «سامي»، ولكن «تختخ» ظل صامتًا، فقالت «لوزة» تستحثُّه: وأنت يا «تختخ» ألا تدخل الرهان؟

ردَّ «تختخ»: هناك سببان يجعلانني لا أدخل هذا الرهان … أولهما أنكم لم تُحدِّدوا قيمته … والثاني أن المفتش قد لا يحضر على الإطلاق …

أبدى الأصدقاء دهشتهم لهذا الغرض السيئ، وقالت «لوزة»: لا أظن أن من طباع المفتش «سامي» أن يتخلَّف عن موعد يُحدِّده.

تختخ: طبعًا لا … ولكنه ما دام لم يحضر في موعده بالضبط … فإنه لن يحضر.

محب: إن حل الألغاز قد أثَّر على تفكيرك … فهذا الكلام يُشبه الألغاز فعلًا.

لم يردَّ «تختخ» ومضى الوقت، وجاء الشاي، وتمتع الأصدقاء بشُربه وهم يُطلون على النيل من الشرفة الزجاجية الواسعة. وبعد نصف ساعة أخذ الأصدقاء ينظرون إلى «تختخ» وقد علت وجوههم الحيرة … فالمفتش «سامي» لم يظهر فعلًا، وكأن «تختخ» كان يعرف مُقدَّمًا … أو كان مُتَّفقًا مع المفتش «سامي» على هذا الموقف الغريب!

وأخيرًا صاحت «لوزة»: لقد عرفت كل شيء، فالمفتش لم يُفكِّر في دعوتنا لهذا اللقاء … إنه مقلب دبَّره «تختخ» لنقوم بهذه الرحلة من المعادي إلى هنا.

محب: هل هذا صحيح يا «تختخ»؟ إنك أنت فعلًا الذي أبلغتنا بدعوة المفتش «سامي» … ولعله لم يتصل بك مطلقًا. وهكذا جئنا إلى هنا بدعوة منك وليس بدعوة من المفتش «سامي» … على كل حال هذا مقلب طريف … فقد استمتعنا بالرحلة … وبالشاي … وبمشاهدة النيل من هذا المكان الجميل الذي لم نزُره من قبل.

ظل «تختخ» صامتًا لا يُجيب، وأخذ ينظر إلى الأصدقاء وهو يبتسم في غموض.

فقال «عاطف»: انطق يا «تختخ»، وإلَّا دبَّرنا لك مقلبًا نحن أيضًا.

أخيرًا تحدَّث «تختخ» قائلًا: لقد شربنا المقلب فعلًا أيها الأصدقاء … وعليكم أن تُعدوا نقودكم فسوف ندفع نحن ثمن الطلبات.

نوسة: إن هذا ليس عدلًا … وما دمت أنت الذي دبَّرت المقلب فعليك أن تشربه وحدك … وتدفع أنت قيمة الطلبات.

تختخ: إنني لم أُدبِّر مقلبًا وأعرف أن المفتش «سامي» لا يمكن أن يتأخَّر عن موعده ثانيةً واحدة … وما دام قد تأخَّر فلا بد أن شيئًا هامًّا قد شغله، وما دام قد انشغل فلن يتمكَّن من الحضور … فأرجوكم أن تُحصوا نقودكم حتى لا نقع في مأزق سخيف.

بدأ كل واحد من الأصدقاء يمد يده في جيبه، وقد علا وجوههم الضيق … ولكن في اللحظة التالية شاهد الأصدقاء الجرسون يتقدَّم منهم مسرعًا، ثم وقف أمامهم قائلًا: هل أنتم الأصدقاء الخمسة؟

ردَّ «تختخ»: نعم … نحن هم.

الجرسون: ليحضر أحدكم للحديث تليفونيًّا مع المفتش «سامي» …

أسرع «تختخ» إلى التليفون، وسمع صوت المفتش على الطرف الآخر يقول: أعتذر لكم جميعًا عن عدم حضوري … لقد جئت إلى فندق «شيراتون» قبل الموعد بربع ساعة … ولكنني لم أكد أدخل من الباب حتى وجدت مفاجأةً في انتظاري؛ لقد اختُطف أحد نزلاء الفندق … وهو شخصية هامة لا أستطيع أن أبوح باسمها لكم الآن … إنني في الدور الحادي عشر ويمكنك الصعود إلى هنا.

وأضاف المفتش: دفعت ثمن الطلبات … فاحتفظوا بنقودكم، وأُكرِّر اعتذاري.

عاد «تختخ» إلى الأصدقاء وروى لهم ما سمعه ثم قال: ألم أقل لكم!

محب: لا بد أنك الذي دبَّرت حادث الاختطاف حتى تعرف أن المفتش «سامي» لن يحضر.

وضحك الأصدقاء مرةً أخرى، وقالت «لوزة» بسرعة: اذهب إلى المفتش «سامي» يا «تختخ» لعل هناك لغزًا في حادث الاختطاف نشترك في حلِّه.

ونظر الأصدقاء إليها ثم انفجروا ضاحكين للمرة الثالثة … فهكذا كانت «لوزة» دائمًا تبحث عن الألغاز والمغامرات …

قال «تختخ»: سأذهب إلى المفتش لأعرف بعض التفاصيل، ثم نعود إلى المعادي فليس لنا دخل بحوادث الاختطاف في هذه الأماكن الضخمة، ومع الشخصيات الهامة … إلا …

عاطف: إلا إذا طلب المفتش منا أن نتدخَّل.

تختخ: تمامًا.

وقام «تختخ» إلى المصعد الضخم وسرعان ما كان يصعد به مسرعًا إلى الدور الحادي عشر.

عندما فتح «تختخ» باب المصعد وخطا إلى الممر الطويل، شاهد أكبر عدد من رجال الشرطة في حياته … كانوا يقفون أمام الأبواب … وفي كل مكان … في حين وجد المفتش «سامي» يتحدَّث إلى أحد الضباط باهتمام … شاهد أحد رجال الشرطة «تختخ» فأسرع إليه يسأله عمَّا يُريد، ولكن المفتش «سامي» لمح «تختخ» فأمر الشرطي بتركه.

أسرع «تختخ» إلى المفتش الذي مدَّ يده يُسلِّم عليه، في حين هو مستمر في الحديث إلى الضابط قائلًا: لا تجعل الصحف تعلم بالحادث … إن اختطاف هذه الفتاة مسألة خطيرة، فهي ابنة أحد الزعماء الأفريقيين … ولو علم والدها بما حدث فستنقلب الدنيا رأسًا على عقب!

انصرف الضابط، والْتفت المفتش «سامي» إلى «تختخ» قائلًا: أُكرِّر اعتذاري، ولكن هذه المصادفات الغريبة لا تُصدَّق … لقد حضرت إلى الفندق، ولم أكد أدخل حتى علمت بخبر اختطاف «بونجا» … وصعدت فورًا إلى هنا لعلني أجد أية أدلة توصلنا إلى خاطفيها … ولكن لا شيء على الإطلاق يُمكن أن يهدينا إلى أثرها.

تختخ: هل تقول إن اسمها «بونجا»؟

المفتش: نعم … إنها ابنة أحد الزعماء الأفريقيين، وقد جاءت إلى القاهرة للالتحاق بإحدى المدارس المصرية … وقد نزلت في أسوان أولًا حيث قضت يومَين، ثم حضرت إلى القاهرة أمس فقط … ومعنى هذا أن الذي خطفها كان يعلم كل شيء عن حضورها … فلم تمضِ سوى ليلة واحدة وخُطفت هذا الصباح.

تختخ: ألم يكن معها أحد؟

سامي: كان معها سكرتير خاص، وقد وجدناه مربوطًا بالحبال في غرفته، وهو تحت تأثير مخدِّر قوي لم يفُق منه حتى الآن.

تختخ: ألا توجد آثار تدل على الخاطفين؟

المفتش: لا شيء حتى الآن، ولن نتمكَّن من متابعتهم إلا بعد إفاقة السكرتير ومناقشته. دخل المفتش و«تختخ» إلى غرفة الفتاة المخطوفة «بونجا»، وكان رجال الشرطة قد فتَّشوا المكان تفتيشًا دقيقًا للبحث عن أية بصمات أو آثار للخاطفين، ووقفوا يتناقشون في كيفية خطف الفتاة.

قال المفتش موجِّهًا حديثه إلى «تختخ»: يبدو أن الاختطاف تمَّ أمس ليلًا؛ فقد اكتشف غياب الفتاة أحد العاملين في الفندق، عندما وصل في الصباح بعض رجال التعليم لمقابلة الفتاة وتحديد مستوى تعليمها تمهيدًا لإلحاقها بمدرسة مناسبة، مع وضع برنامج لها لتعلُّم اللغة العربية، وقد اتصل موظَّف الفندق تليفونيًّا بالجناح الذي تشغله الفتاة مع سكرتيرها الخاص، فلم يردَّ أحد، وظل يُلح في الاتصال دون رد. وهكذا صعد إلى الجناح، ودقَّ الجرس دون أن يرد أحد، ثم جذب الباب فوجده مفتوحًا فدخل، ووجد السكرتير مُقيَّدًا ومُكمَّمًا، واكتشف اختفاء الفتاة، فأبلغ رجال الشرطة، وكنت في طريقي إلى هنا لمقابلتكم، ولم أكد أصل حتى وجدت الحادث في انتظاري.

تختخ: شيء مؤسف، ومصادفة سيئة.

المفتش: فعلًا، خاصةً وأن التحقيقات المبدئية تدل على صعوبة الوصول إلى الخاطفين.

وفي تلك اللحظة خرج الطبيب من غرفة داخلية يحمل حقيبة، وقال للمفتش: لقد أفاق السكرتير، وعليكم بسؤاله الآن.

دخل المفتش وبعض الضباط، وتبعهم «تختخ» للاستماع إلى قصة السكرتير التي ستُلقي الضوء على جريمة الخطف.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢