تمهيد

بسم الله الرحمن الرحيم

قضت الفرمانات السلطانية التي تسود علاقة مصر بتركيا أن يشترك جيش مصر البري والبحري في الحرب الروسيا المعروفة (بحرب الشرق أو القرم أو سباستبول — Guerre d’Orient, de Crimée ou de Sebastopol). وقد سميت هذه الحرب بالاسم الأخير تذكارًا لحصار هذه المدينة الحصينة، وهو حصار جدير بالذكر لما ترتب عليه من استيلاء جيوش المتحالفين فرنسا وإنكلترا وتركيا عليها، وانتصارهم في هذه الحرب انتصارًا حاسمًا.

ولما كان هذا الاشتراك لا يلم به في أيامنا هذه إلا النزر اليسير من المصريين بدا لي أن يكون من الخير والفائدة أن أبين قصة هذا الاشتراك الذي انتهى بصورة مشرفة تمام التشريف لجنودنا، وأن أُنَوِّه بالجهود العظيمة التي بذلتها مصر لمساعدة الدولة في هذه الحرب من سنة ١٨٥٣ إلى سنة ١٨٥٥م، ولعل في ذكرى هذه القصة المخلدة لذكراهم على ممر الأعوام مشجعًا لإخوانهم من أبناء الجيل الحاضر والأجيال القابلة على الاهتداء بهديهم وعمل ما يخلد ذكرهم، فقد كانوا رحمهم الله وأوسع لهم في الجوار مضرب الأمثال في الشهامة والبسالة وحوز ألقاب النصر والشرف والفخار.

ومما سهل لي هذه المهمة تسهيلًا عظيمًا البحث الذي أجريته في الدفاتر التركية بدار المحفوظات المصرية بالقلعة والمصادر الأخرى؛ فقد عثرت في سجلات الدار المذكورة على مستندات شتى خاصة بالنجدات المصرية البرية والبحرية والمساعدات المالية التي أرسلت لمساعدة تركيا في هذه الحرب في عهدي عباس الأول وسعيد، وقد ترجمنا هذه المستندات بنصوصها من التركية إلى العربية وأثبتناها في هذا الكتاب، وسبق لنا أن نشرنا ملخص هذا الاشتراك في جريدة (الأهرام) تباعًا بتاريخ ٨ و٩ و١٠ و١١ مايو ١٩٣٢م، ولكنا هذه المرة توخينا توسعة هذا الموضوع بقدر المستطاع آملين أن نكون قد وفيناه حقه من جميع نواحيه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤