الشعرور!!!

العقاد اللص١

في ٢٨ من أغسطس من هذه السنة (١٩٢٩) صدرت جريدة «الحال» الأسبوعية في القاهرة وفيها مقال عنوانه «لو …! تأثيرها في تاريخ العالم» — وفي ٢ من سبتمبر — بعد أربعة أيام — صدرت مجلة «الجديد» مفتتحة بمقال هذا عنوانه لو — للكاتب القدير الأستاذ عباس محمود العقاد!!!! وكلتا المقالتين مترجمة عن الأستاذ «هيرتشو» مدرس التاريخ بكلية الملك في جامعة لندن نقلًا عن مجلة «الأوتلاين» الإنجليزية.

غير أن اللص الجبار!!! زعم لنفسه الشركة في علم أستاذ التاريخ، فساق الكتابة في أسلوب يوهم القارئ أنه هو صاحب البحث ومخترع العنوان، وأنه لم يأخذ من المؤرخ إلا ما يأخذه من «يفك قرشين»، يعطى بهما قطعة من الفضة، هي وهما سواء، فما أخذ إلا بقدر ما أعطى، وكان ذا مال في قرشيه!!! ولم يكن لصًّا وهكذا يزيد العقاد على لصوص الأدب والكتابة، بما فيه من هذه الوقاحة العلمية الثقيلة التي هي سلاحه في كل ميادينه. وليس هذا بعجيب، فإن في الوجود مثل العقاد حشرات وحيوانات سلحتها الطبيعة في ميدان التنازع بأسلحة من هذا الباب بعضها وقاحة من أمعائها … كالظَّرِبان (على وزن القَطِران)، وهو دويبة فوق جرو الكلب، منتنة الريح، كثيرة اﻟﻔ … فهو سلاحها!! والحُبارَى، وهي تحارب الصقر إذا قرب منها بوقاحة (من الباطن) …

وكل ما يكتبه العقاد فهذه سبيله فيه، كأن اللغة الإنجليزية عنده ليست لغة ولكنها … ولكنها مفاتيح كتب وآلات سرقة. ولسنا ندري ما الذي يضر هذا المغرور لو صدق الناس عن نفسه، وقال فيما يترجمه إنه يترجمه، وفيما ينقله إنه ينقله؟ أما إنه إن كان يريد الفائدة للقراء، فالفائدة أن ينقل لهم نقلًا صريحًا بأمانة لا غش فيها ولا تخليط ولا دعوى، وإن كان يريد الفائدة لنفسه، ففائدة نفسه أن لا يعرف أحد أنه لص كُتُب، فوجب من ثم أن ينقل نقلًا صريحًا بأمانة ودقة، لأن آلافًا من الناس يعرفون ما يسرقه ويدعيه. ولكن هناك عاملين يفسدان على العقاد أحدهما غروره، فيأبى إلا أن يجعل لنفسه شأنًا فيسرق ويدعي. والثاني غفلة قرائه، وهم في الأعم الأغلب من السواد الجاهل أو النصف جاهل.

إن كلا العاملين مُتمم للآخر كما ترى، فإذا أضفت إليهما لؤم الغريزة — كما عرفت من قبل — خرج لك العقاد. وإنَّ أخفَّ رذائله أن يكون لص كُتُب، وهو لو استطاع أن يسرق مخ فيلسوف أو كاتب أو شاعر من جمجمته لسرقه، ليكون جبار الذهن بشهادة أعمال المخ، لا بشهادة تلك الطبقة من الضعفاء.

وهنا استطراد لا بد منه، فإن أديبًا فاضلًا ممن يعرفون اللغتين الفرنسية والإنجليزية قال لنا: آمنَّا أن العقاد لا أهمية له شاعرًا ولا أديبًا، وأن (موبليات) الغرفتين عنده موبليات أصحابها … قال: ولكن العقاد كاتب سياسي، لا يستغني «الوفد» عنه، وهذه هي أهميته، وهذه هي شهرته.

قلنا: فأما إذا انتهينا إلى هذا، فإننا كنا في غفلة معرضين، إذ كنا نطلع على جريدة «البلاغ اليومية» التي يكتب العقاد فيها، ويعلم الله أن أول ما نتخطاه منها مقالة العقاد، فما كنا نقرأ له إلا نادرًا ونادرًا جدًّا وجدًّا جدًّا، إذ نعتقد أنه مأجور للسباب والمغالطة والنضح مما فيه — وقد أشرنا إلى هذا المعنى من قبل — ولسنا نجهل أن ذلك هو أصل شهرة العقاد، إذ يكتب كل يوم في حوادث البلد، وينضح عن الوفد الذي بلغ من تمكنه في الأمة أن قيل فيه بحق «لو رشَّح الوفد حجرًا لانتخبناه». فلو كان العقاد حجرًا لكان من كل ذلك كاتبًا شاعرًا أديبًا فيلسوفًا جبار ذهن!! ولا تسأل ويحك بماذا هو كاتب شاعر أديب فيلسوف جبار ذهن. ولكن سل بقوة ماذا؟

وفي بلادنا هذه قد يبلغ رجل عند قوم درجة قريبة من النبوة، لا بوحي يوحى ولا بعلم لَدُني ولكن … ولكن بعمامة خضراء أو حمراء مثلها كثير في حوانيت الأقمشة، لولا أنها على رأس دجال أستاذ في أساليب الشعوذة، وعمامة العقاد هي مقالاته السياسية ولا ريب، أما الوفد فمكانه مكانه.

فالرجل كاتب سياسي كبير في رأي رجال الشوارع، إذ يرون اسمه كل يوم في أذيال مقالات الحوادث، أي ببرهان كبرهان قولهم: «عنزة ولو طارت».٢ أما في رأي الأقطاب، فما نظنه يعدو معنى كمعنى عربة الكنس لأقذار السفاهة التي يتلقاهم بها خصومهم السياسيون. وقد انقلبت هذه العربة مرة على صاحب جريدة «البلاغ» نفسه، فبلغ من وقاحة العقاد أن يشتم صاحب الجريدة في وجهه وفي إدارته. كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، وقال له فيما نقلوا: «هل في الوجود اثنين عقاد!!!»

كنا نتجاوز مقالات العقاد السياسية ولا نقرؤها، فإنه في رأينا يحتاج إلى أن يعود ذرة من الذر في عالم الأصلاب، ويُنقل إلى سلسلة جدود عظماء كرام، ثم يُخلق، ثم ينشأ، ثم يَنبغ، ثم لعله بذلك، لعله يكون كاتبًا سياسيًّا وطنيًّا قريبًا من درجة المرحوم «أمين بك الرافعي» الذي كنا نقرأ كل حرف يكتبه في مقالاته. ولكن بعد أن نبهنا ذلك الأديب، أخذنا نتتبع مقالات العقاد التي يكتبها الآن في جريدة «مصر»، فإذا هي تافهة لا طعم لها في كثير منها، وقد يتكلم المتكلم بأبلغ منها وأحكم، ولكن الحق حق، فإن العقاد يجيد إجادة حسنة في فرع واحد من الكتابة، وهو ما يجري فيه اللؤم والحقد، وما يكون بسبيل من الدناءة وسقوط الكرامة، حتى ليخيل إلينا أن هذا الرجل ينطوي من نفسه على مكتبة كبيرة في هذه المعاني، أجزاؤها طباعه وتجاربه ووساوسه وحوادثه وآماله، فهو حين يكتب في ذلك لا يكتب ولا يؤلف، وإنما يقوم من نفسه مقام المستملي لا غير، وكأن إلى أذنه فَمَ شيطان يخطب!!! …

قرأنا في عدد يوم ٢٢ من أكتوبر سنة ١٩٢٩ مقالًا بديعًا عنوانه «سيماهم — دراسة نفسية» يرمي بها بعضَ الخصوم السياسيين، وقرأناها، فوالله ما خرجنا منها إلا بأنها أبلغ وصف من قلم العقاد نفسه في أحواله، لا للخصوم ولا لغيرهم. انظر كيف يبدع الوصف في قوله: رأيت اختلافًا في الصور والملامح، ولكني لا أخطئ أن أرى فيهم جميعًا علامة واحدة مشتركة بين أفرادهم المختلفين، وهي علامة الرضا على النفس والاغترار البليد المطبوع (تأمل!). فهذا مسدود الخِلقة تتراءى على وجهه الحيوانية الكثيفة، ويتمثل فيه شكل لو صفحته (كذا) قليلًا لخرج منه خنزير أو حمار٣ (قل أو عقاد!!!)، ولكنه هو فيما بينه وبين نفسه لا يرى وراء مطالبه مطلبًا، ولا وراء إحساسه بالدنيا موضعًا لإحساس (يعني مثل العقاد). وهذا أنيق معجب بذاته، فَرِحٌ بما في رأسه، مجمع الرأي على الاستهزاء بكل ما يعدوه، والاستخفاف بكل ما لا يروقه (مثل العقاد) إلى أن يقول: وهؤلاء وغيرهم يختلفون كما رأيت في مظاهر الصور والأخلاق، ولكنهم في القرار العميق مبتلون بعاهة واحدة هي (الرضا عن النفس)، والانحصار فيها، وموت كل إحساس بالإيثار، وكل عاطفة من عواطف السماحة التي تُسَمَّى بالعواطف الغيرية، تمييزًا لها من عواطف الأنانية التي تدور حول الذات وما يتعلق بالذات. انتهى!!

هذه كلها صفات العقاد بالذات، وهي أخص ما عرف العارفون من خصائصه، وكنا واللهِ نَوَدُّ لو نقلنا هذه المقالة بحروفها، ولكنك تتبين من تعرفه من وجهه، وتلك النبذة التي نقلناها هي كالجلدة على الوجه الأخلاقي لذلك المغرور «المبتلى بعاهة الرضا عن النفس والانحصار فيها، وموت كل إحساس بالإيثار … إلخ».

ومن المضحكات أن أديبًا كلفته «المجلة الشهرية» التي كانت تصدر في القاهرة من سنوات، كتابة مقال، ثم أرسلت إليه مسودة الطبع ليصححها، فإذا فيها ورقة مندسَّة، وإذا هذه الورقة كتاب من (عباس محمود العقاد) أرسله بخطه لمحرر المجلة يقول فيه إنه صحح البروفة، «وأرجو أن تضع مقالي في مكان مناسب لأني لا أرى نفسي أقل من أي أديب في هذا البلد» هكذا هكذا. ولكن يظهر أن كلام العقاد يكبر سنة بعد سنة، فلم يكن «أقل من أي أديب في هذا البلد» سنة ١٩٢٤، ثم كبرت الكلمة فصارت في سنة ٢٩ أنه أكبر من أي أديب في هذا البلد، وسيكتب بعد حين كما كتب «نيتشه» في كتابه الأخير (Ecce Homo) أنا «أنا هو» وجعل فصوله هكذا لماذا أنا عاقل لهذا الحد؟ لماذا أنا نشيط إلى هذه الدرجة؟ لماذا أكتب هذه الكتب الممتعة؟ أنا أعظم كُتَّاب ألمانيا، إن قراءة كتاب من كتبي لأعظم شرفٍ يظفر به إنسان … إلخ، ويؤمئذٍ يخرج للناس كتاب «لماذا أنا جبار الذهن؟» والعقاد يقول مثل هذا الآن، ولكنه لا يكتبه، فإذا طُمست البقية الباقية من بصيرته كتبه ولو تقليدًا ﻟ (نيتشه).

نعود الآن إلى استيفاء النقد في قصيدة (الخمرة الإلهية)، إجابة لطلب ذلك الكاتب، وتوفية لما مر بك في السفود الرابع.

قال عباس محمود العقاد الملقب بصاحب مرحاضه:

تشابه في عين النديم وما انتشى
فوارغُ صفٍّ كالثريا وملآه
كؤوس كجام السحر يكشف وحيُه
لعينيك من سر العوالم أخفاه

وفسر «جام السحر» في الشرح بقوله: هي الكأس التي يزعم السحرة أن من نظر إليها انكشف عنه الحجاب.

فأما البيت الأول فسخيف بالغ في السخف، لأنه يريد أن النديم متى نظر الكؤوس خالطه السُّكر، فتشابه عليه ما امتلأ وما فرغ. وهذا بعينه قول ابن الفارض:

ولو نظر الندمان خَتْمَ إنائها
لأسكرهم من دونها ذلك الختم

وكلمة (فوارغ صفّ) من لغة الشيالين والجمالين لا من لغة الأدباء. ولا ندري كيف تُذكر في وصف الخمر، إلا إذا كانت من ذوق عامي كذوق العقاد. وانظر كيف صنع الشاعر الحقيقي حين أراد أن يأتي بهذه المادة اللقطية في شعره، فقال واصفًا الخمر وصفاءها حتى كأنها الكأس:

خفيت على شُرَّابها فكأنما
يجدون رِيًّا من إناء فارغ

وهذا المعنى مولَّد من قول أبي تمام:

تُخفي الزجاجة لونها فكأنها
في الكف قائمة بغير إناء

وقد تلاعب الشعراء به وأكثروا فيه على صور مختلفة، ولكن أحسن ما قيل في الاشتباه على النديم من تأثير الخمر قول القائل:

مضى بها ما مضى من عقل شاربها
وفي الزجاجة باقٍ يَطلب الباقي
فكل شيء رآه ظنه قدحا
وكل شخص رآه ظنه الساقي

ونظن أن ابن الفارض أخذ من ابن الزيات في قوله:

كفاني من ذوقها شمُّها
فرُحت أجر ثياب الثمل

فنقله ابن الفارض من الشم إلى النظر، وسرق العقاد سرقة عمياء لا نظر فيها!!!

ثم إن الثريا مجموعة نجوم لامعة يخطف بريقها، فلا يمكن أن تشبه بالكؤوس الفارغة. ومع أن العقاد سرق هذا التشبيه نفسه من ابن المعتز، فإنه في هذه أيضًا أعمى، فابن المعتز يصف لك الثريا كأنها هي هي بلونها ونجومها واشتعالها في قوله:

وقد لمعتْ حتى كأن بريقها
قوارير فيها زئبق يترجرج

فهذا لعمرك هو التشبيه لا (فوارغ صف)، ولعنة الله على هذه السوقية المبتذلة. أهي كؤوس يا رجل أم زكايب (فوارغ) …؟

وأما البيت الثاني من بيتي العقاد فمعناه سخيف، لأن الخمر لا تظهر شيئًا من سر العوالم، فضلًا «عن أخفى أسرار العوالم»، إنما تُظهر سر صاحبها، وفي ذلك يتلطف مسلم بن الوليد بقوله:

بُعثت إلى سر الضمير فجاءها
سَلِسًا على هذر اللسان مَقُولا

ومثله كثير في الشعر. فإن أريد وحي الخمر وتأثيرها في الذهن والقريحة، فأفضل ما في هذا المعنى قول شاعر الفرس: شربنا الكأس، فجرت الحقيقة التي كانت فيها على ألسنتنا. ويقول صاحب مرحاضه:

شربنا وغنَّيْنا وما في عدادنا
سوى شارب قد باع بالخمر دنياه

يعني كلهم سكارى. وإذا كانوا سكارى فما هي الدنيا عندهم إلا الخمر. فكيف إذن يبيعون بها الدنيا؟ أظن هذا المتشاعر إنما يريد معنى العامة في قولهم: باع دينه بالخمرة. وهذا كلام مستقيم ينطبق على السكير، لأن الخمر ليست من الدين. بل العامة أهدى من العقاد إلى حقيقة المعنى، لأنهم يجعلون شعار الحشاشين والسكيرين هذه الكلمة «خراب يا دنيا عمار يا مخ»، فكيف إذن بيعت الدنيا بالخمر ولا دنيا إلا فيها عند أهلها؟ لعله يريد أسباب المعايش، كالتجارة والصناعة ونحوهما، فتركوها واقتصروا على الخمر. فإذا كان هذا معناه وقصده، فهم حثالة الناس ورُذالتهم الذين لا قيمة لهم ولا منزلة، كبعض سفلة العامة في بعض الحانات التي يراها من يمر في شارع كلوت بك!!!

إن مجلس الشراب لا شعر فيه بعد الخمر إلا من الجمال والأخلاق العالية التي لا تكون فيمن باعوا دنياهم بالخمر، كما يقول النواسي:

لا يطيب الشراب إلا لقوم
جعلوا نقلهم عليه الوقارا
لا كقوم في ضجة وصياح
كنهيق الحمار لاقى الحمارا

فهؤلاء الآخرون هم صَحْبُ العقاد في خمرته، «شربوا وغنوا» يعني ضجوا وصاحوا كنهيق الحمار لاقى الحمار …

ثم يقول صاحب مرحاضه:

إذا طاب في الفردوس ريّا نسيمها
فأطيب في دار الشقاوة ريّاه

كان يصح هذا القياس لو أن الدارين (الفردوس ودار الشقاوة) تقاس إحداهما على الأخرى، فأما وهما نقيضان فلا وجه لقياسهما، ولا للقياس بما فيهما.

وهذا البيت من الأدلة على جهل العقاد بالمنطق سليقة وعلمًا وبيانًا، والذين يعرفونه معرفة المخالطة والمحادثة يعرفون منه الجهل بكل علوم العربية. وإنما هو رجل يحترف الصحافة، فهو مضطر أن يقرأ وأن يكتب، قدر ما هو مضطر أن يأكل وأن يشرب، فأصبح الكلام له كالعادة. فمن لم يعرف هذا منه ظنه عالمًا أو أديبًا أو جبار ذهن!!! والحقيقة أنه ثرثارٌ سبَّاب، لص أدبٍ وكتابة، لسانه أطول من عقله، وعقله يجيء من إنجلترا كلما جاءت مجلة أو كتاب …

إن بيت (صاحب مرحاضه) قياس ذو طرفين ليس للثاني منهما معنى الأول في نفسه، فخمر الفردوس ليست من خمر دار الشقاوة، إذ هي لا تغُول العقل، ولا تدفع إلى الإثم، ولا تسقط المروءة، ولا تذهب بالوقار … إلخ إلخ.

فلا يدل طرفَا القياس دلالة واحدة، فمن ثم لا يصح من جهة الثاني ما يصح من جهة الأول، فلا تكون النتيجة التي ينتقل إليها الفكر إلا فاسدة، ويصبح تركيب هذا المنطق كقولك: إذا كانت الحياة في الفردوس خالدة فهي في دار الشقاوة خالدة!! وأين حياة من حياة، وأين دار من دار، وأين العقاد من المنطق، وانظر قول ابن الفارض في أصل هذا المعنى:

وعندي منها نشوة قبل نشأتي
معي أبدًا تبقى وإن بلي العظم

فهو قد جعل النشوة التي هي سرور الخمر آتية معه من دار النعيم، فهي خالدة فيه، وهي بذلك خالدة به ما بقيت منه ذرة على الأرض بعد موته وبَلَى أعظمه، لأن ذرات الجسم لا تتلاشى، وإنما تتحول، فإذا كان ذلك مبلغ النشوة حتى في الذرة منه بعد الموت والبلى، فكيف بها في جسمه حيًّا يحس ويشعر؟

هذا وأبيك غور الشعر، لا هراء صاحب مرحاضه، وتلك هي الخمر الإلهية لا خمرة حلس الحانة الذي يشهد على نفسه وصحبه بأنه «ما في عدادهم إلا فتى باع بالخمر دنياه»، فهم كما قال أخوهم من قبل عبد الله بن جدعان:

شربت الخمر حتى قال صحبي
ألست عن السفاه!! بمستفيق؟
وحتى ما أوسَّد من مبيت
أنام به سوى التُّرب السحيق
وحتى أغلق الحانوت رهني
وآنست الهوان من الصديق

هذه هي صفات الذين «باعوا بالخمر دنياهم» لا يفيقون من السفاه، ولا يتوسدون في نومهم إلا على (كوم تراب) وبلغة هذا الزمان «تلتوار!!!»

ثم إن في بيت العقاد غلطة أخرى، فقد أدخل فاء الشرط على الخبر المقدم في غير موضعه وأخَّر المبتدأ، فأصبح كلامه كقولك: إذا كان زيد كريمًا فأكرَم أبوه وأنت تعني فأبوه أكرم، وهذا فاسد — كما ترى — ولا تجيزه ضرورة الشعر، بل لو أجازته من جهة العربية على أضعف الوجوه، لكانت من جهة البيان إعلانًا عن جهل الشاعر وضعفه وتهافته.٤

ويقول صاحب مرحاضه:

ولو مزجوا بالخمر طينة آدم
لعاش ولم يدر القطوب مُحَيَّاه

نعوذ بالله، وبالله نعوذ لمن نرجع هذه الواو في قول هذا الرقيع: (مَزَجُوا)؟ وهل خلقت آدمَ في رأي العقاد جمعيةُ آلهة فيعود عليهم ضمير الجمع؟ أم صنع آدم في معمل كيماوي ملائكي؟ وهل تريد دليلًا على ضعف العقاد في العربية أقوى من هذا البيت، وهو كان يستطيع أن يبني الفعل لمجهول فيقول: «ولو مزجت» … إلخ، وهل نسي الرقيع أنه يقول: في (الخمر الإلهية)؟ أفمن الإلهية أن يعترض على الإله ويعتبر الخلق والإيجاد صناعة كالصناعات يقال فيها: «لو»، لأن فيها أبدًا مكانًا للتحسين ومكانًا للإتقان ومكانًا للزيادة، ولأنها صورة النقص الإنساني في جانب الكمال الذي يغمره ولا يزال من فوقه في كل ما حاول الإنسان أن يَكمُل فيه؟

ولكن الغراب أراد أن يقلد الطاووس، وأراد العقاد أن يقلد ابن الفارض، ولابن الفارض قدس الله سره أبيات كثيرة في «لو» هذه، مر بعضها، ومنها:

ولو نضحوا منها ثرى قبر ميت
لعادت إليه الروح وانتعش الجسم
ولو طرحوا في فيء حائط كَرْمها
عليلًا وقد أشفى لَفارَقه السُّقم
ولو قرَّبوا من حانها مُقعَدًا مشى
وتنطِق من ذكرى مذاقتها البكم
ولو خُضِبت من كأسها كفُّ لامس
لما ضل في ليل وفي يده النجم
ولو نال فَدْمُ القوم لَثْمَ فِدامِها
لأكسبه معنى شمائلها اللَّثْم

تأمل هذا النور الشعري، وانظر كيف يضيء الكلام، كأن فيه بقايا من روح قائله، ثم اخرج من هذا الأفق إلى قول العقاد: «ولو مزجوا بالخمر طينة آدم!!»، فإنك من هذه الكلمة وحدها ستقع في أشد ظلام من نفس جاحدة لئيمة، وفي أصعب التواء من صدر حقود ضيق.

وما بيت العقاد إلا توليد سخيف من البيت الأول لابن الفارض، فغَيَّر «ثرى قبر ميت» (بطينة آدم)، «ولو نضحوا» (بلو مزجوا)، «ولعادت إليه الروح» (بعاش)، «وانتعش الجسم» بقوله السخيف: «لم يدر القطوب محياه»، كأن الوجه يدري ولا يدري! وكأن القطوب عِلم. ومن أقبح ما وقع فيه هذا المغرور أن يقيس على قول ابن الفارض: «ولو نضحوا»، فيقول: «ولو مزجوا»، ثم لا يتنبه إلى أنه بهذا قد خرج إلى الإحالة، ووقع في الكفر، وجاء بما لا يفهم أحد، كأن همه كل همه منصرف إلى السرقة بلا فكر ولا فهم، وهو مستيقن أنه بهذه الشعوذة يصبح جبار ذهن عند المغفلين من أمثاله.

وقال صاحب مرحاضه:

إذا رسب القلب الحزين طَفَتْ به
فيسمو إلى حيث السعادة تلقاه

تأمل يا هذا سخف هذا التركيب، وقل في أي شيء يرسب القلب الحزين حتى تطفو هي به إلى حيث … إلى حيث يا عقاد قبحك الله وقبح شعرك البارد الركيك. هل في البيت أكثر من أن الخمر تُذهب حزن الحزين؟ والباقي كله حشو ولغو، وهو يخبر بذلك كما يخبر به كل عامي، لا يزيد العقاد عليهم إلا الوزن، ألا تضرب هذا البيت بالنعل حين تقرأ قول الإفريقي المتيم:

وفتية أدباء ما عَلِمْتهُمُو
شبَّهتهم بنجوم الليل إذ نَجموا
فَرُّوا إلى الراح من خطب يُلِمُّ بهم
فما درت نُوَبُ الأيام أين هُمُوا

هكذا فليقل من يقول وإلا فليسكت، ولكن بأي شيء يصير الأحمق أحمق؟

والتجديد عند العقاد وأمثاله هو سَترُ عجزهم عن مثل هذا الصناعة البيانية التي تحتاج إلى طبع وقوة وذوق وخيال، فهو كقانون تأجيل الدفع (الموراتوريوم) فيه من عذر التشريع لبعض الناس قدر ما في هذا البعض من عذر الإفلاس!!

ويقول صاحب مرحاضه:

إذا نزل الندمان في ملكوتها
تلاقوا فلا ذل هناك ولا جاه
كأن الطِّلَى بحر فمن خاض لُجَّه
تعرى فلا جُندٌ تُمازُ ولا شاه
كتب «الطلى» بالياء وهي بالألف. وحاصل البيتين أو الخرابتين!!٥ أن الخمر تساوي بين شُرَّابها من مَلِك وسُوقة، كالبحر متى نزله الجميع تعروا. وهذا معنى مطروق مبتذل، وهو متداول بين الحشاشين على الخصوص. فعندهم أن لا سلطان إلا (الكيف) … ومن ذلك قول المأمون: «مجلس الشراب يستوي فيه الكبير والصغير والرفيع والوضيع والحر والعبد، وهو بساط يُطوى بما عليه».

تأمل يا رعاك الله قوله: «بساط يُطوى بما عليه» فإنها بالعقاد وشعره وما قال وما سيقول، وهي حقيقة أن تكون كلمة مَلِك إذا قابلتها بقول صاحب مرحاضه: (بحر يتعرى فيه الجميع)، فإن هذه كلمة تشبه أن تكون كلمة خفير من خفراء مجلس بلدي إسكندرية الذين يُقيمهم على الشاطئ.

ويقول: (تلاقوا) أفليس كلُّ من نزلوا في مكان واحد تلاقوا، وهل تلاقى الخادم وسيده في مكان يجعلهما في درجة واحدة؟ أرأيت أقبح من هذا عجُزًا في العربية، وهو لو قال: «تساووا» لاستقام المعنى.

وقوله: «ولا شاه» مضحكة، ولعلها أبرد قافية في الشعر العربي على الإطلاق، وأسخف ما في القديم والجديد جميعًا، لأننا لسنا في زمن الشاه ولا شاهنشاه.

أما والله لقد سئمنا، فلنوجز في الأبيات الباقية. قال صاحب مرحاضه:

إذا أعوز الناسُ البراقَ فإنها
بُراقٌ إلى عرش الجلالة مَرقاه

أيرتقي الشارب بالخمر إلى عرش الله كما ارتقت الأنبياء بالبراق؟ وهل ارتفع البراق إلى العرش نفسه؟ وهل سواء مراتب النبوة ومراتب (الناس)؟ كل هذه أسئلة لا توجه لمثل هذا اللص الرقيع، فإن اللص لو لم يكن عند نفسه فوق السؤال والجواب لما سرق ولا أثم، ولكن من أين خطر للعقاد تشبيه الخمر بالبراق في العروج إلى السماء؟

من قول ابن الرومي، إذ يقول:

يا لها ليلة قضينا بها حا
جا وإن علقت قلوبًا بحاج
رفعتنا السعود فيها إلى الفو
ز فكانت كليلة المعراج
خطر لهذا السخيف (المراحيضي)٦ أن يجعل مكان (السعود) الكؤوس، فصارت الكأس بُراقًا ولا جرم، ولعل اللص الأعمى خير من اللص الأعور، لأن كليهما لا بد أن يقع، ولكن نصف نظر الثاني يضاعف عليه إثم الأول، وتوليد العقاد دائمًا نصف ميت كما رأيت، لأنه نصف شاعر ونصف أديب، وإذا بلغ الرجل من سخف التوليد أن يشبه الخمر بفرس الأنبياء فقل إنه نصف أعمى في نظره إلى الكأس والفرس.

وقال المراحيضي:

عجبت لِدَنٍّ لا يَخِفُّ بروحها
كما خفَّ بالمنطاد روح تولاه

روح يعني غاز، وتولاه يعني تمدد فيه. فههنا انقلبت الخمر الإلهية في شعر هذا المراحيضي غازًا كان ينبغي أن يطير بالدنان ويمثل على مسرح الجو هذه الحماقة القائمة برأس العقاد وخياله. وهذا أيضًا توليد نصف ميت من قول الأندلسي، وهو معنى غريب بديع:

ثقلت زجاجات آتتنا فرغا
حتى إذا ملئت بصرف الراح
خفت فكادت تستطير بما حوت
وكذا الجسوم تخف بالأرواح

جعل الزجاجات الفارغة ثقيلة كجسم الميت، حتى إذا ملئت بالخمر خفت كجسم الحي … ومتى عرفت أن الحي إذا مات ثقل جسمه أدركت جمال هذا المعنى وإبداعه إلى الغاية، ورأيت فيه حقيقة الشعر الحي، لا كذلك الشعر الذي يريد أن يجعل (الخابية) منطادًا، ويُلقِي في الخمر طعم الغاز والبنزين!!

وقد ولد ابن نباته من معنى الأندلسي في قوله:

وكاساتٍ أشُدُّ يدي عليها
مخافة أن تطير من المراح

فجاء شاعر آخر وأخذ من ابن نباتة وأبدع ما شاء في قوله:

مُشَعْشَعةٌ تكاد من القناني
تطير بما حوته من المراح

وهذا الشاعر هو وابن نباتة كلاهما من متوسطي الشعراء — وكلاهما مع ذلك أشعر من المراحيضي كما ترى.

وقال صاحب مرحاضه:

وكيف حواها الكوب والكوب جامد
يدور فلا يهتز في الكف عطفاه

لا بأس أن يكون للكوكب عطفان ويدان ورجلان أيضًا!!! ولكن إذا اهتز في الكف عطفاه اندلق ما فيه، فكان يحسن بالعقاد أن يجعله يدور حول نفسه فوق الكف كما تدور (نحلة) الصبيان التي يجرونها بالخيط الملتف عليها فتدور على سِنها ثم يضعونها على أكفهم وهي دائرة!! والمعنى الدقيق في هذا البيت أن العقاد عجب للدن كيف لا يطير بما فيه، ولما كانت الكأس لا تسع إلا قليلًا مما في الدن كان طبيعيًّا أن لا يكون في هذا القليل من القوة إلا ما يكفي لهز الكأس دون حملها وطيرانها!!! هذا كثير على ذكاء العقاد، ولكن فاته أن نسبة ما في الدن إلى وزن الدن لا تكون إلا كنسبة ما في الكأس إلى وزن الكأس. وإذن كان يجب أن تطير هي أيضًا إذا صح معنى البيت الأول.

وانظر أين معنى المراحيضي وصناعته من قول ابن نباته يصف الخمر والكأس:

مصونة تجعل الأسرار ظاهرة
وجنة تتلقى العين باللهب
خفت فلو لم تُدِرْها كف حاملها
دارت بلا حامل في مجلس الطرب

ألا يغور هذا العقاد الآن وهو يرى كل شعر أوردناه كأنما يبصق في وجه شعره؟ وختام قصيدة المراحيضي قوله:

تَغَنَّوْا بما شاءوا، وغنَّيْتُ بالطِّلَى
وكل يغنِّي في الأنام بليلاه

وكتب (الطلى) بالياء وهي بالألف لا غير، إذ هي بالياء معناها الرقاب.

والسرقة في هذا البيت ظاهرة من قولهم: «كل يغني على ليلاه»، ولكن يبقى أن التي انقلبت فرسًا أو براقًا من قبل، انقلبت هنا امرأة اسمها (ليلى). ألا يغور العقاد الآن والقراء جميعًا يبصقون على شعره؟

هوامش

(١) نشرت في عدد شهر نوفمبر سنة ١٩٢٩م من «العصور».
(٢) رأى اثنان من العامة سوادًا من بعيد، فقال أحدهما: هي حدأة لا شك فيها. وقال الآخر: بل هي عنزة، فلما كانا على قرب منها طارت، فقال الأول: أما ترى؟ قال الثاني: هي عنزة ولو طارت.
(٣) جاء هذا المعنى في كتاب «رسائل الأحزان في فلسفة الجمال والحب» الذي صدر في سنة ١٩٢٤، وكتب العقاد عنه في «البلاغ» أنه (كتاب نفيس في الأدب أرق من النسيم وأعذب من الماء)، ثم انقلب عليه بعد أيام من لؤمه وحقده. وقد سرق العقاد ذلك المعنى واستعمله في كتابته مرارًا. وهذا نص العبارة عنه في صفحة ١٧٠ من رسائل الأحزان، ليتأمله القراء ويروا كيف يسرق هذا اللص العقاد:

ولا أثقل على نفسي من الناس (يعني في حالة خاصة من أحوال الحب)، فإن ظلالهم تهبط على قلبي المتألم بأشباح ممسوخة، وأراهم على وتيرة واحدة في ثقل الروح وسواد الظل، ولا ذنب لهم غير أن وليًّا من أصفياء الله خرج يتوضأ يومًا، وقد أقبل الناس على وضوئهم، فكشف الله عنه حجاب الحيوانية فنظر فإذا لكل رجل وجه، ولكل وجه سحنة حيوان، ولكل حيوان معنى، وإذا شهوات أنفسهم قد مسختهم مسخًا، وفاءت ظلالها على وجوههم بجلود الحمير والبغال والقردة والخنازير وما دب ودرج. فاللهم غوائك لأهل النفوس.

(٤) لا يجوز تقديم الخبر في مثل هذا التركيب، حتى يصح دخول الفاء الرابطة للجواب عليه، لأن هذا التقديم يؤدي إلى رجحان عمل آخر يبطل عمل المبتدأ في خبره، ويجعل الخبر هو العامل في المبتدأ، وتكون كلمة (رياء) كأنها فاعل (لأطيب)، وبذلك يحتاج الكلام لتأويل وتعليل وحشو من هنا ومن هناك، حتى يستقيم الجواب ويرتبط بالشرط، وكل ذلك في غير شيء، لأن بيت (المراحيض) ليس من أبيات الشواهد في النحو … ولا هو من العرب الأميين الذين كانوا يقولون الشعر ارتجالًا أو على البديهة أو توجههم فيه طبيعتهم اللغوية بأسباب يخالفون بها إلخ إلخ. وقد قال ابن فارس: ما رأينا أميرًا أو ذا شوكة أكرم شاعرًا على ارتكاب ضرورة، فإما أن يأتي بشعر سالم أو لا يعمل شيئًا. والضرورة من مثل العقاد لا تسمى ضرورة لانعدام أسبابها التي أجازتها للعرب، وإنما هي عجز عن التركيب الأصح والأقوى، فهي في باب الضعف والغلط لا في باب التأويل والتخريج.
(٥) من الغريب أن خرابات العقاد مقدسة عند العقاد، فهل هي خرابات روما وأثينا …؟
(٦) هذه النسبة أخف من (صاحب مرحاضه) فلا مانع أن تحل محلها فيقال في التاريخ عباس محمود العقاد الشاعر الملقب بالمراحيضي … أو صاحب مرحاضه. ومن عجائب الاتفاق ما نشرته جريدة الكشكول في عدد ١٣ من ديسمبر سنة ١٩٢٩ من أن حكمدار بوليس أسوان لقبه العقاد في سنة ١٩٢٢ وناقشه في أمر، قال: «فلم ير الحكمدار في ذلك العهد ردًّا على سماحة هذا العقاد … أبلغ من أن يكلف أحدَ الجنود بسوقه إلى … ليسجن فيه. قالت: وهنالك بات العقاد … حتى الصباح» والعقاد أكرم منزلة، فلا نصدق هذا الخبر، ولكنه من فكاهة الاتفاق.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤