ثمن زوجة

جلس ينظر إلى صورته في المرآة الكبيرة، ويتابع بعينَيه يد الحلاق وهي تقص شعره بخفة ومهارة، وكانت تبدو عليه آيُ الهدوء والغبطة كما ينبغي لشاب مثله في أسبوعه الثالث من شهر العسل.

ولا عجب فشهر العسل في حياة الأزواج كالشباب الناضر في الآجال المعمرة، وقد حبَتْه الطبيعةُ ألذَّ المتع ودفعَته مهرًا لحياة الزوجية التي يستأديها الذكور من جميع الأنواع. وكان حضرة الفاضل حمدي أفندي المهندس واحدًا من ذكور أسمى الأنواع كلها، وقد تزوج من ابنة أحد زملائه وأساتذته المهندسين، وهي فتاة جميلة مهذبة سمع عنها ورأى فيها ما علَّقه بها ورغَّبه فيها، وهو الآن يستمتع بلذة اللذاذات التي تجزي بها الطبيعة الصادعين بأمرها الداخلين في طاعتها.

ولاحظ المهندس في جلسته الهادئة المغتبطة أن «الأوسطى» لم يكن كعادته ذلك اليوم. رآه واجمًا والعهد به ضحوكًا، ووجده صامتًا والعادة أن يكون ثرثارًا لا يسكن له لسان، فعجب لشأنه، ولكنه لم تؤاتِه الشجاعة على سؤاله عن حاله، ولاذَ بالفرصة الجميلة التي كفَتْه مشقة ثرثرته وشقشقة لسانه، وتغاضى عن شذوذه حتى انتهى من عمله فقام واقفًا، ولم يرَ حرجًا في إبداء ملاحظاته فسأله قائلًا، وهو يعقد رباط رقبته: «ما لك صامتًا واجمًا كأنك لا تجد ما تقوله؟»

وبدَا على الرجل الارتياح لمفاتحة المهندس له بذلك السؤال، وكان يرغب في الكلام حقًّا، وتلحُّ عليه الرغبة إلحاحًا شديدًا، ولكنه لا يدري كيف يلج الموضوع، ورأى زبونه يكاد ينتهي من ارتداء ملابسه؛ فأشفق من ضياع الفرصة، وقال: «الحق يا سيدي أن لديَّ كلمة أريد أن أقولها، ولكن …»

وتوقَّف عن الحديث، فازداد عجب الشاب، وسأله باهتمام: «ولكن ماذا؟»

– «إن بعض الظن إثم، وكثيرًا ما يخطئ الإنسان في تقديره. والحق أني أدمت التفكير طويلًا وقلَّبت المسألة على جميع وجوهها، فرأيت أن الواجب يقضي عليَّ بمصارحتك بظنوني مهما كانت الاحتمالات والعواقب.»

وكان الشاب قد انتهى من عقد رباط رقبته وارتداء جاكتته وطربوشه، فدنَا من الحلاق وحدجه بنظرة اهتمام وانشغال، وقال: «إن كنت ترى حقًّا أن الواجب يقضي عليك بمصارحتي، فما معنى التردد والتلعثم؟»

فتنهد الرجل، وقال: «حسنٌ يا سيدي .. اعلَمْ أني لاحظت أمورًا …»

– «…؟»

– «منذ أسبوعين أرى شابًّا يتردد على العمارة التي تسكن فيها كل صباح بعد الساعة الثامنة مباشرة.»

فزوَى الرجل ما بين حاجبَيه، وقال باستهانة: «نعم؟!»

– «لقد لفت نظري بهيئته ومواظبته، فشغلت فراغ الصباح بمراقبته، ولاحظت أنه يحضر من شارع عاصم حوالي الساعة السابعة، ويأخذ مكانه في مقهى النجمة، حتى إذا غادرت البيت وذهبت إلى الوزارة يدفع ثمن قهوته، ويترك المقهى إلى العمارة رأسًا.»

وكان المهندس — على شبابه — رزينًا ثابتًا بمنجًى أمين من الرعونة والطيش، فعضَّ على شفته السفلى كعادته كلما ارتبك أو أخذ، وكأنما أراد أن يُغالب القلق الزاحف عليه فسأله بلهجة الغاضب: «ما الذي تعني؟»

فاصفرَّ وجه الحلاق، وندم على خوض هذا الحديث الأليم، ولكنه لم يرَ بُدًّا من الاستمرار، فقال: «إني أرجو أن أكون مخطئًا يا سيدي، بل إني لا أتمنى على الله أكثر من أن يكشف عن وجه الخطأ في جميع ظنوني، ولقد ترددت طويلًا قبل أن أبثَّك هذا الحديث، ولكني رأيت أن المصارحة مع ما تنذر به أفضل عندي من التستر على العيب مع السلامة .. وقد كان مما أيقظ الشك في نفسي أني رأيته مرات يلاحظك خلسة وأنت سائر في طريقك، ويرمقك بنظرات لم يرتَح إليها قلبي، حتى إذا غيَّبك منحنى الطريق قام بسرعة وانسل إلى داخل العمارة.»

– «ألم تره خارجًا منها؟»

– «رأيته مرات، وقد لبث في الداخل ساعتين أو يزيد.»

– «ما شكله؟»

– «هو شابٌّ في مقتبل العمر، حسن الهندام، مخنث الهيئة، لولا تسكعه في الصباح لقلت إنه طالب.»

ورأى الحلاقُ المهندسَ واجمًا صامتًا تُصرِّح سرائرُه بما يقهر نفسه من الاضطراب والقلق، فقال بتألم: «لا تأخذ بظني يا سيدي، واسلك سبيل الحكماء؛ فتحقق الأمر بنفسك، والحقُّ أني غير آسف على قول ما قلت، ولكني ألعن الظروف.»

فسأله المهندس وكأنه لم يسمع قوله: «هل حضر هذا الصباح كعادته؟»

– «نعم يا سيدي.»

– «ألَا ينقطع عن الحضور أحيانًا؟»

– «يوم الجمعة.»

فعضَّ الشابُّ مرة أخرى على شفته، ولم يزد على أن قال وهو يغادر الصالون: «إني أشكر لك مروءتك، وأرجو أن تفتح عينيك حتى أعود إليك صباح الغد.»

وكان البيت قريبًا على قيد خطوات، ولكنه لم يشخص إليه — مع أن الوقت كان ظهرًا — وأحس في نفسه برغبة طاغية في المشي، فهامَ على وجهه بغير هدف معين.

كان حمدي شابًّا في الثلاثين من عمره، يلفت الأنظار؛ لضآلة حجمه ورِقَّة أعضائه وشحوب لونه، ولكن كانت تلتمع في عينَيه نظرة تدل على حدة الذكاء، وكان ذقنه يلتوي التواءة يُعرف بها ذوو الإرادات الحديدية، وكان أخص ما يُعرف به الهدوء والرزانة والبرود، فلا يذكر أحدٌ من معارفه أنه رآه مرة منفعلًا أو متهيجًا لحزن أو لفرح، ولكن لم يكن طبعه هذا ضعفًا أو جُبنًا، فإنه يغضب إذا انبغى له الغضب، ولكن على طريقته في الغضب، فلا هياج ولا سبَّ ولا شجار، وإنما عقاب صارم أو انتقام مهول، هكذا يتقدم في حياته ﮐ «وابور الزلط» بطيئًا رصينًا، ولكنه لا يقاوم ولا يُبقي ولا يذر.

وقد قال لنفسه وهو يسير على غير هدًى: يُلمِّح الرجل إلى خيانة زوجية، خيانة زوجية في شهر العسل! لا شك أنها أول خيانة من نوعها، هي كالإجهاض سواء بسواء، الذي يُهلك الجنين قبل أن يكتمل .. كيف يستطيع أن يصدق هذا؟ .. بل كيف يمكن وقوعه؟ كيف استطاع ذلك الشاب أن يشقَّ طريقًا إلى بيت عرسه؟ هل كان يعرف زوجه من قبل أن يعرفها هو؟ مهما كان الواقع فهو أمر بعيد عن التصديق .. وذكر حياته الزوجية القصيرة؛ فذكر بها سعادة وصفاء ومتعًا لا تُحصى ولا توصف، فلم يشكَّ في أنه سيكشف في غده خطأً مضحكًا، لن ينفكَّ يضحك كلما ذكره ما امتد به العمر.

ومع هذا …

ومع هذا فهو لا يستطيع أن يخدع نفسه عن العاطفة الذميمة التي تقاتل في قلبه .. عاطفة الشك المعذبة. وها هي ذي تتشبَّث ببعض الذكريات التي مرَّ بها مرَّ الكرام، فتعرضها من جديد على مخيلته في إطار أسود مخيف لا يملك إلا أن يتأمَّلَها متحيرًا متفكِّرًا. فهو يذكر كيف كانت زوجه تلقاه — على أيام خطبتهما — بجمود ووجوم كأنها تلقَى جَدًّا لا خطيبًا، وكيف أنها لم تحاول قط أن تُفاتحَه بحديث أو تشترك في أحاديثه بحماس، وكيف أنها كانت تقنع بالإجابات الضرورية؛ فتلفظها في اختصار ساسة الإنجليز!

لقد حمل ذلك كله على محمل حسن، وقال فخورًا إنه حياء جميل. ويجوز أن يكون قوله حقًّا، ولكن يجوز أيضًا أن يكون وهمًا، وأن يكون الباعث شيئًا غير الحياء، مَن يعلم؟ ربما كان نفورًا وكراهية وكان ينبغي له أن يدقق ويتحقق!

ويذكر أيضًا أن الحال لم تتغير بعد الزواج، فلا تزال محافِظةً على رزانتها وتحفُّظها أو برودها — ولم يجرِ ذكْرُ هذه الكلمة على لسانه من قبل — وكم تمنَّى لو كانت عروسُه لعوبًا طروبًا، أما الآن فمَن يُدريه أنها ليست كذلك، وأنها لا تصطنع البرود إلا في حضرته؟ وَا أسفاه! أي شقاء وأي تعاسة! ولم يكن حمدي خبيرًا بالنساء ولا ذا حظوة لديهن، فاضطر — في عزوبته — إلى الاستقامة والزهد، وقضى تلك الأيام محزونًا مُفعمَ الثقة بنفسه، وقد ظن أن الزواج دواؤه ونجاته، فاستغاث به واطمأن إليه، وحمد الله على نعمته، ولكن ها هو ذا يوشك أن يخيب في زواجه؛ فيفقد الأمل الوحيد في السعادة والحياة المطمئنة، وها هي ذي الزوجة تكاد تنكشف عن امرأة ككل النساء اللاتي لم يَفُز منهن بحظوة .. فأي شقاء وأي تعاسة!

على أنه لم يستسلم للتشاؤم كلَّ الاستسلام ولم ينغمس في اليأس كلَّ الانغماس، وتعلَّق بالأمل الباقي له، وهو أن يكون الأمر غير ما قدَّر والظن غير ما أساء .. وتمنَّى لو يستطيع أن يبدد هذه السحابة القاتمة الغاشية على قلبه وأن يستردَّ بعض ما كان له من الصفاء والغبطة.

على هذا النحو كانت تُؤاتيه القدرة على تحليل أحزانه وأفراحه، ولكنه كان إذا انتهى إلى عزم عرف كيف يُنفذه بحذافيره ولا يرده عن غرضه رادٌّ.

وكان قد قطع شوطًا كبيرًا، وبدأ يشعر بالتعب، فعاد أدراجه إلى مسكنه مُحمى الرأس ملتهب العواطف، ودخل إلى شقته وهو يتكلف الابتسام والهدوء؛ فرأى عروسه جالسة إلى المائدة، والغداء جاهزًا، والأطباق مصفوفة، وسمعها تقول له عاتبة: «تأخرت عن موعدك.»

فنظر إلى وجهها نظرة سريعة؛ لأنه خشيَ أن تقرأ في عينَيه ما يدعوها إلى التساؤل، وجلس إلى جانبها، بل وقبَّلها أيضًا كما ينتظر من شاب مثله في شهر العسل، ثم قال معتذرًا: «مررت في طريقي بالحلاق، وكان الصالون مزدحمًا.»

•••

وفي صباح الغد خرج في موعده المعتاد، وسار في طريقه المعهود، ولدى مروره بمقهى النجمة قاوم رغبة شديدة نازعته إلى تصفُّح وجوه الجالسين بها وخُيِّل إليه أن عينَين برَّاقتَين ترقبانه بحذر وسخرية؛ فغلا الدم في رأسه، وخضب وجهه الشاحب باحمرار الخجل والعار، ولم يذهب إلى وزارته، ولكن دار دورة في الشوارع القريبة، وكان يخرج ساعته من آنٍ وينظر إليها جزعًا مضطربًا، فلما دارت في منتصف الثامنة عاد أدراجه حذرًا متيقظًا حتى انتهى إلى صالون الحلاق وانسلَّ داخلًا، وكان خاليًا إلا من صاحبه الذي حيَّاه تحية الصباح، وابتدره قائلًا: «جاء كعادته، وغاب داخل العمارة منذ ربع ساعة.»

وجمد الشاب في مكانه هنيهة؛ لأنه أحسَّ بأنه مُقبل على دقيقة فاصلة في حياته ستُقرر حتمًا مصيرَ سعادته وكرامته، فخان الهدوء أعصابه على رغم صلابتها وقوتها، وشَعر باضمحلال مخيف، وسَمِع الحلاق يقول له: «أتريد أن أصحبك؟» فآلمته عبارة الرجل، وقال بحدة: «كلَّا.» وغادر المكان بسرعة، وقد محا الغضب دبيب الاضطراب الزاحف على نفسه، ودخل إلى العمارة، وصَعِد السلَّم بخطوات ثقيلة. وجعل يرمق باب الشقة الذي يدنو منه بعينَين جامدتَين، وقد شل عقله عن التفكير ما يتجاذبه من الأفكار والخواطر التي تطفو على سطحه بسرعة، وتغيب بأسرع مما ظهرت غير تاركة من أثر سوى الذهول في النفس والحرارة في الدماغ، ووجد نفسه واقفًا بإزاء الباب .. وكان يلهث كمَن جرى شوطًا كبيرًا، وقلبه يخفق بعنف، ويدفع الدم إلى رأسه، فيدوي في أُذُنَيه. وكأنه خشيَ على إرادته من التردد، فدسَّ يده في جيبه وأخرج المفتاح، وأولجه في الباب، وأداره بخفة وحذر، ودفعه على مهل، وأدخل رأسه ليُلقيَ نظرة على الردهة، ثم دخل وهو يكتم أنفاسه، وردَّ الباب بلا إغلاق كيلا يُحدثَ صوتًا.

وكانت الردهة خالية وجميع الحجرات مغلقة .. تُرى أين الخادمة الصغيرة؟ وانصرف نظره إلى حجرة النوم، وخلع حذاءه ودنا منها على أطراف أصابعه حتى صار بإزاء بابها المغلق، وانحنى قليلًا ووضع أذنه على ثقب الباب، وأرهف سمعه، فخُيِّل إليه أنه يسمع غمغمة خافتة وأصواتًا أخرى، ذهب الشك بعذابه وآماله، وسفرت أمامه الحقيقة الأليمة المخزية، وقد انطفأ نورُ بصره ثوانيَ من شدة الغضب، ولم يَعُد يحتمل الجمود فتراجع خطوتين، وثنَى ساقه وشدَّ عليها بقوة جنونية، ثم أطلقها بعنف في الباب، فارتجَّ ارتجاجًا شديدًا، وانفتح بحالة تشنجية. وخطَا خطوتَين، فاجتاز عتبة الحجرة، ودوت في الحجرة صرخةٌ جنونية، وقفز من الفراش جسمان عاريان، الزوجة وذاك الشابُّ.

وكانت المرأة في حالة جنونية من الرعب؛ فجسدها يرتجف، ووجهها يصفرُّ، وعيناها تتسعان، وقد سحبت اللحاف على جسمها بحركة عكسية، ولبثت تنظر إلى زوجها كأنما تنظر إلى شيطان رهيب .. أما الشاب فَهَمَّ بالجري إلى ثيابه الموضوعة على «الشيزلنج»، ولكن قدمَيه تسمرتَا في الأرض فجمد في مكانه، وجعل ينظر إلى الزوج نظرةَ ذعر ويأس مميتَين، ومدَّ يدَه بتوسل، وقال بصوت مرتجف كأصوات الأطفال المنتحبين: «في عرضك.»

من العجيب حقًّا أن الزوج لم يغشَه الجنون، ولم يندفع إلى الانتقام كما يحدث عادةً، بل هبط عليه جمودٌ غريب، وتلبَّسه هدوء غامض شبيه بنكهة الخمر التي تردُّ المنتشي الهائج إلى ثقل النوم، فلبث واقفًا مكانه، وجعل يُقلِّب عينَيه بين العاشقَين في هدوء قاسٍ كأنه يشاهد منظرًا بعيدًا عن مشاركة وجدانه ومشاعره.

ورأى يدَ زوجه وهي تسحب اللحاف على جسمها؛ فسألها ببرود قائلًا: «أتخجلين من الظهور أمامي عارية؟»

وتحول إلى الشاب، فصاح به هذا بصوته المرتعش المحموم: «الرحمة .. دَعْني أرتدي ثيابي، وافعل بي ما تشاء.»

فقال له ساخرًا: «هل يروقك أن تموت في ثيابك؟»

فصاح الشاب مولولًا: «الرحمة .. أنا في عرضك.»

فقال بلهجة رقيقة: «ارتدِ ثيابك أيها الشاب، ولا تخشَ أذًى.»

فلم يطمئن العاشق إلى قوله، وتوسَّل إليه بصوته الباكي المرتعب: «ارحمني!»

فقال له يُطمئنه ويشجعه: «ارتدِ ثيابك أيها الشاب ولا تخشَ أذًى .. تقدَّم، إني أعني ما أقول.»

ولكنه لم يتحرك من مكانه، واشتدت الرجفة بجسمه حتى خاله سيُصعق صعقًا، فسار بنفسه إلى الشيزلنج وأتى له بثيابه وقدَّمها إليه قائلًا بسخرية: «أتحب أن أساعدك على ارتدائها؟» فأسرع في دفعة يحشر جسمه حشرًا في ثيابه، فانتهى في ثوانٍ، كان شكله زريًّا مضحكًا؛ فشعرُ رأسه المدهون بالفازلين يبرز مبعثرًا من حافة الطربوش، وأزرار البنطلون مفككة والقميص يتدلَّى من بينها، والحذاء لم يعقد رباطه. ولكنه كان في غيبوبة ذاهلة، فنظر إلى الزوج نظرةَ تسليم ويأس، وقال له: أنا تحت أمرك.

وهزَّ الرجل كتفَيه استهانة، وقال: وماذا أصنع بك؟ لا فائدة لي فيك .. استأذن الهانم .. فإذا أذِنت لك انصرف مصحوبًا بالسلامة.

فألقى إليه الشاب بنظرة كأنها تقول: لِمَ التعذيب؟ .. اقتلني إن شئت، ولكن بسرعة. وقد فهم معناها، فهزَّ كتفَيه مرة أخرى بهُزء، وقال: ألا تريد أن تذهب؟ ألم تسمع بعد؟ ألا تزال لك رغبة فيها؟

فاشتد الارتباك بالشاب، ورأى الزوج يُوسع له الطريق فتحرك بخطوات بطيئة، وهو لا يصدق ما يسمع وما يرى. ولما صار بإزائه أحس بيده توضع على كتفه فانتفض رعبًا وتوقَّع شرًّا، ولكن الرجل بادره قائلًا: لا تخَف .. ستذهب كما تشاء ولكن أين؟

قال هذا، وبسط إليه كفَّه، فنظر إليه العاشق مرتبكًا متسائلًا .. فقال: الثمن.

فظل الشابُّ ينظر إليه صامتًا، فقال الزوج بلهجة جدية: ما لكَ؟! ألم تحظَ بوصال هذه المرأة؟ فلِمَ لا تدفع الثمن؟ هل تظن أن الوصال هنا بلا ثمن؟

– سيدي …

– يا لَك من عاشق بخيل! ألا تريد أن تجود بشيء؟ بكم تُثمِّن هذه المرأة؟ هه؟ إنها تستاهل ريالًا فما رأيك؟

ولما يئس من الشاب؛ فتَّش جيوبه بنفسه حتى عثر على حافظة نقوده، واستخرج منها ريالًا، ثم ردَّها إليه، وهو يقول: «تفضَّل الآن؛ فاذهب إلى حيث تشاء.»

وانفلت الشابُّ خارجًا لا يصدق أنه فاز بالنجاة، والتفت الزوج إلى زوجه، فقال لها: «ارتدي ثيابك يا سيدتي واطردي عنكِ الرعب؛ فلا خوف عليكِ، ولا أنتِ تحزنين.»

•••

كيف استطاع أن يسيطر على عواطفه؟ كيف أمكن أن تُطيعَه أعصابُه تلك الطاعة العمياء؟ هذا سرٌّ من أسرار الطبيعة يعجز عن إيضاحه البيان، وعلى كل حال فقد انقضى ذلك اليوم كما ينقضي الكابوس الأليم. ولم يُشِر إليه — بعد انقضائه بتلميح أو تصريح — ولا ذكرَه بخير أو شر، ولا أجرى بسببه تحقيقًا ولا أثار عنه سؤالًا، وطالعها بوجه هادئ طبيعي كأنه شخص آخر غير الزوج المطعون، ولم ينقطع عن عمله أو يُغير من عاداته ولا كفَّ عن أحاديثه أو فتر عن مداعباته. وكان يذهب ويعود ويعمل ويستريح ويأكل ويشرب وينام ويقوم وكأنه زوجٌ سعيد يعاشر زوجه الحبيبة، أو ربُّ بيت مطمئن يسهر على بيته وأسرته دون أن ينغصَ حياتَه منغصٌ أو يكدر صفوها مكدر.

وكانت المرأة في أول عهدها بالفضيحة كالمجنونة من شدة ما يعذب نفسها من الخوف والرعب والعذاب، وقد توسلت إليه ضارعة وهي تبكي أن يطلقها ويستر عليها، ولكنه قال وكأنما فقد ذاكرته: «أطلقكِ! لمه؟ أمجنونة أنتِ يا عزيزتي؟» وأُسقِط في يدها، ولبثت حائرة مذعورة معذبة تخشاه وتتوجس منه خيفة، ويغلق عليها أمره، فلا هو يطلقها، ولا هو ينتقم منها، والأعجب من هذا جميعه سلوكه نحو عاشقها في ذلك اليوم الأسود.

ومضت الأيام طويلة ثقيلة؛ فلم تتحقق مخاوفها، ولم تصدق هواجسها، وأخذت تخفُّ عليها وطأة الخوف وتتناسى همومها فيما تقوم به من الواجبات البيتية، ووجدت نفسها — وهي لا تدري — تتفانى في خدمته والسهر على بيته وتوفير الراحة له بحماسة الخاطئ الذي يعالج جرحَ ضميره بالتفكير والتعذيب، على أنها لم تطمئن إلى دعته كلَّ الاطمئنان، وكانت تسأل نفسها حيرى: تُرى هل نسيَ وغفر؟ أم هو يتناسى ويتعزَّى، أو ما الذي تنطوي عليه حياته المبهمة وابتسامته الغامضة من النيات؟

ولبثَا على حالهما والأيام تحثُّ السير، وكلٌّ منهما متظاهر بالألفة والاطمئنان ويجترُّ أفكاره فيما بينه وبين نفسه، حتى كان يوم دعا فيه الزوج جميعَ أهله وأهل زوجه إلى مأدبة غداء، وبذل لإعدادها فوق ما تحتمل قدرته حبًّا وكرامة. وأمَّ بيتَه ذلك اليوم جميعُ أفراد الأسرتين نساءً ورجالًا، فتياتٍ وفتيانًا وعلى رأسهم حماه وحماته، فضاق البيت بالمدعوين وضجَّ جوُّه بأحاديثهم وضحكاتهم، وازداد سعادة بما شملهم من ودٍّ عائليٍّ جميلٍ .. وتشعَّب الحديث شُعبًا مختلفة، فطرق موضوعات السمنة والنحافة والزواج والعزوبة وبنات الأمس وبنات اليوم، ومن السياسة حينًا والدرجات والعلاوات والأطفال أحيانًا كثيرة .. وشارك المهندس في الأحاديث بشهية عظيمة، وكان بادي المسرة والبهجة عظيم الإقبال على مجاملة ضيوفه والترحيب بهم.

وقد توقف عن الكلام بغتة؛ كأنما تذكَّر أمرًا مهمًّا، ثم دسَّ يده في جيبه فأخرج ريالًا، جعل يقلبه في يده ثم أعطاه حماه وهو يقول: انظر إلى هذا الريال يا عماه .. أتراه مزيفًا؟

فأخذه الرجل، وجعل يقلبه بين يديه، وقد اتجهت إليه الأنظار من كل صوب، ثم قال: كلَّا يا بني، إنه صحيح لا شك فيه .. هل رفضه أحد؟

واختلس الزوج نظرة إلى زوجه فرأى وجهها مصفرًّا يحاكي وجوه الموتى، فابتسم ابتسامة وقال: لم يرفضه أحد يا سيدي، ولكني أردت أن أطمئن عليه؛ لأنه محور قصة عجيبة قد يروقكم جميعًا سماعها.

فازداد اهتمام الحاضرين، ودل تطلعهم إليه على شوقهم إلى سماع قصته، فطلب إلى حميه أن يعطيَ الريال زوجَه، ثم قال: إن شوشو تعرف قصة هذا الريال خيرًا مني، وسأتنازل لها عن حق روايتها .. هيا يا شوشو قُصِّي عليهم القصة العجيبة، وهي حقيقة تفتح شهيتهم للطعام.

وانصرفت الوجوه إلى الزوجة، وقد تضاعف اهتمام الجميع، وتوقعوا جميعًا قصة شائقة. أما شوشو فكانت في حالة يُرثَى لها من الذعر والارتباك، وقد جمعت قوتها المشتتة، وقامت واقفة، وشقَّت طريقًا بين الجالسين إلى باب الحجرة، فاحتجوا على قيامها، وحاول بعضهم منعها، ولكنها قاومت الأيدي، وهي تقول بصوت خافت مضطرب: «انتظروا دقيقة .. سأعود في الحال.»

وولَّت خارجة وعينَا زوجها تتبعانها بنظرة قاسية.

•••

يستطيع القارئ أن يستنبط الخاتمة المروعة؛ فإنه لا شكَّ يقرأ كثيرًا في الصحف عن اللاتي يرمين بأنفسهن من النوافذ العالية؛ فيسقطنَ مهشمات مشوهات، ولعله إذ يقرأ هذه الأخبار المقتضبة يتساءل عن أسبابها الخفية، ويذهب به الحدسُ كلَّ مذهب. فهذا سرُّ واحدة من أولئك المنتحرات، وإنه ليؤسفني أن تنتهيَ القصة إلى هذه النهاية المحزنة، ولكن ما حيلتي وقد بدأت بتلك البداية الأسيفة؟

والحق لا تقع عليَّ تبعة بدايتها ولا نهايتها؛ فهكذا يرويها بطلُها المحزون الذي غدا لا يفارق الحانة ليلَ نهار. وكم تمنيت لو كان كاتبَها كما كان راويها؛ لأني — وا أسفاه! — لا أستطيع مهما أحاول أن أُبلغ بعض ما يُبلغ من صِدْق الرواية وقوة التعبير.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤