الفصل الخامس

(١) شَقِيقُ الأَمِيرَةِ

وَابْتَدَرَهُما الفَتَى مُحيِّيًا في ابْتِسامٍ، وَأَدَبٍ وَاحْتِرامٍ، مُرَحِّبًا بِالأَمِيرِ «إِقْبالٍ»، مُهَنِّئًا شَقِيقَتَهُ عَلَى زِيارَةِ الضَّيْفِ العَظِيمِ، فَتَعَجَّبَ الأَمِيرانِ مِمَّا رَأَيا وَسَمِعا، وَسَأَلاهُ: «كَيْفَ عَرَفْتَ اسْمَ الأَمِيرِ؟ وَمَنْ أَنْبَأَكَ بِقُدُومِهِ؟»

فَقالَ لَهُما: «لَقَدْ عَرَفْتُ الكَثيرَ مِنْ أَخْبارِهِ، وَبَقِيَ أَنْ تَعْرِفا طَرَفًا مِنْ أَخْبارِي!»

فَقالَ الأَمِيرانِ: «ما أَشْوَقَنَا إلَى حَدِيثِك!»

فَقالَ الأَمِيرُ: «لَقَدْ أَبْحرْتُ — كَما تَعْلَمُ أُخْتِي العَزِيزَةُ — في نُخْبَةٍ مِنْ أَصْحابِي لِزيارَةِ عَمِّي تَلْبيَةً لِدَعْوَتِه الكرِيمَةِ، وَاشْترَكْتُ مَعَهُ فِي الاحْتِفالِ بِزَواجِ ابْنَتِهِ.

وَكانَتِ الرِّحْلَةُ سَعِيدَةً مُوَفَّقَةً، وَأَقَمْنا فِي ضِيافَتِهِ، وَكُنَّا كُلَّما همَمْنا بِالعَوْدَةِ شَدَّدَ عَلَيْنا فِي البَقاءِ، فَلَبِثْنا فِي ضِيافَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ عامٍ. ثُمَّ أَذِنَ لَنا بِالسَّفَرِ عَلَى كُرْهٍ مِنْهُ، وَزَوَّدَنا بِما مَلأَ سَفِينَتَنا مِنْ هَداياهُ. وَأَوْدعَنا تَحِيَّةً لَكِ وَلأَبِينا وَشَعْبِهِ الكَرِيمِ. ثُمَّ قَفَلْنا عائِدِين، فَقَضَيْنا عِدَّةَ أَيَّامٍ فِي جَوٍّ طَيِّبٍ وَرِيحٍ مُعْتَدِلَةٍ، فَلَمَّا جاءَ اليَوْمُ الثَّالِثَ عَشَرَ تَغَيَّرَتِ الرِّيحُ فَجْأَةً، وَهَبَّتِ العاصِفَةُ شَدِيدَةً عاتِيَةً تُنْذِرُنا بِالغَرَقِ بَيْنَ لَحْظَةٍ وَأُخْرَى، فَلَمْ نَلْبَثْ أَنْ دَبَّ اليَأْسُ إلى نُفُوسِنا، فَتَرَكْنا السَّفِينَةَ تَحْتَ رَحْمَةِ الرِّياحِ الهُوجِ، وَالأمْواجِ الثَّائِرَةِ. وَلا تَسْأَلا — أيُّها العَزِيزانِ — عَنْ دَهْشَتِنا حِينَ كُتِبَتِ السَّلامَةُ لِسَفِينَتِنا. وَما نَدْرِي بأَيَّةِ مُعْجِزَةٍ نَجَوْنا مِنَ الغَرَقِ، فَبَلَغْنا البَرَّ آمِنِينَ.

(٢) نَصِيحَةُ المَلَّاحِ

وَما إنْ حَلَلْنا بِالسَّاحِلِ، حَتَّى بَدا لَنا المَكانُ مقْفِرًا لا أنِيسَ بِهِ وَلا دَيَّارَ، فَمَشَيْنا نَرْتادُ الجَزِيرَةَ حَتَّى بَلَغْنا غابَةً كَثيفَةً. وَكانَ مَعَنا مَلَّاحٌ هَرِمٌ تَعَوَّدَ السَّفَر كَثِيرًا إلَى شَواطِئِ الهِنْدِ مُنْذُ حَداثَتِهِ، فَحَذَّرَنا مِنَ البَقاءِ، وَنَصَحَنا بِالإسْراعِ في تَرْكِ هذِهِ الجَزِيرَةِ المُوحِشةِ، وَحَدَّثَنا أَنَّ سُكَّانَها طائِفَةٌ مِنَ الهَمَجِ يَعْبُدُونَ ثُعْبانًا هائِلَ الحَجْمِ، وَقَدْ تَعَوَّدُوا أَنْ يُقدِّمُوا لَهُ كُلَّ مَنْ يُوقِعُهُ سُوءُ الحَظِّ في أَيْديهِمْ مِنَ الغُرَباءِ، فَيَلْتَهِمَهُ طَعامًا سائِغًا شَهِيًّا.

•••

وَقَدْ نَصَحَنا المَلَّاح المُجَرِّبُ أَنْ نُعَجِّلَ بِتَرْكِ الجَزِيرةِ الرَّاعِبَةِ قَبْلَ أَنْ يُقَدِّمَنا أَهْلُها قُربْانًا لِمَعْبودِهِمُ الثُّعْبانِ.

وَلَمَّا كانَ «كاشِفٌ» رُبَّانُ سَفِينَتِنا يَثِقُ بِذلِكَ المَلَّاحِ، وَلا يَشُكُّ فِي خِبْرَتِه وَدُرْبَتِهِ، وَصِدْقِ مَعْرِفَتِهِ بِمَسالِكِ البِحارِ، لَمْ يَتَرَدَّدْ فِي قَبُولِ نُصْحِهِ، وَقَرَّرَ أنْ يَسْتَأْنِفَ السَّيْرَ فِي صَباحِ غَدٍ. وَكانَ نِعْمَ الرَّأْيُ لَوْ سافَرْنا فِي الحالِ وَلَمْ نُؤَجِّلَ الرَّحِيلَ إلَى الصَّباحِ. إِذَنْ لَسَلِمَتْ سَفِينَتُنا، ونَجا راكِبُوها. وَلكِنْ لا حِيلَةَ لِأَحَدٍ فِي رَدِّ عادِيَةِ القَضاءِ.

(٣) سُلْطانُ الهَمَج

وخَرَجْتُ أرْتادُ الجَزِيرَةَ فِي فَجْرِ اليَوْمِ التَّالِي، فَرَأَيْتُ زَنْجِيَّةً مِنْ أهْلِ الجَزِيرَةِ، وَما إنْ وَقَعَتْ عَلَيَّ عَيْناها حتَّى أسْرَعَتْ بِالفِرارِ، فَلَمْ أُعِرْها انْتِباهًا، ورجَعْتُ إلَى أصْحابِي، ولَبِثْتُ أَتَحَدَّثُ مَعَهُمْ ساعَةً مِنَ النَّهارِ، رَيْثَمَا أَعْدَدْنا العُدَّةَ لِلسَّفَرِ. وكادَ يَتِمُّ لَنا ما أَردْنا لَوْ لَمْ يَدْهَمْنا أَهْلُ الجَزِيرَةِ وَيُحِيطُوا بِنا مِنْ كُلِّ جانِبٍ، وَيُقَيِّدُونا بِالسَّلاسِلِ والأَغْلالِ. وَقَدِ اسْتَوْلَوْا عَلَى سَفِينَتِنا عَنْوَةً، وَانْتَهبُوا كُلَّ ما تَحْوِيهِ مِنْ هَدايا وطُرَفٍ.

وَحَمَلَنا الهَمَجُ إلى سُلْطانِ الجَزِيرَةِ أَسْرَى، فَشَهِدْنا بُيُوتَهُمْ أَشْبَهَ بِالأكْواخِ والأعْشاشِ مِنْها بِالبُيُوتِ. ورَأَيْنا سُلْطانَهُمْ «هِمْلاجَةَ»، وهذا هُوَ اسْمُهُ، مُسْتَوِيًا عَلَى عَرْشٍ مَبْنِيٍّ بِالحِجارَةِ، مُزَخْرَفٍ بِالأصْدافِ، وهُوَ عِمْلاقٌ فارِعُ الطُّولِ، ضَخْمُ الجُثَّةِ، مَديدُ القامَةِ، عَظِيمُ الهامَةِ، بَشِعُ المَنْظَرِ، دَمِيمُ السَّحْنَةِ، أَشْبَهُ بِشَيْطانٍ مِنْهُ بِإنْسانٍ. وكانَتْ بِنْتُهُ الأمِيرَةُ «هُسْنارا»، وهِي أَقْبَحُ مِنْ أبِيهَا سَحْنَةً، وَأضْخَمُ مِنْهُ جُثَّةً، جالِسَةً بِجانِبِهِ، ولَمْ تَكُنْ تَزيدُ عَلَى الثَّلاثِينَ مِنْ عُمْرِها. وَقَدِ اضْطَرَّنا وزِيرُ الهَمَجِ، حِينَ مَثَلْنا بَيْنَ يَدَيْ سُلْطانِه أنْ نُقَدِّمَ وافِرَ الاحْتِرامِ.

ثُمَّ قَصَّ الوَزِيرُ عَلَى السُّلْطانِ وَبِنْتِهِ: كَيْفَ عَثَرَتِ الجارِيَةُ عَلَيْنَا، وَاهْتَدَتْ إلَيْنا.

(٤) طَعامُ الثُّعْبانِ

فَابْتَهَجَ السُّلْطانُ، وشَكَرَ لِوَزِيرِهِ وَجارِيَتِهِ وَأعْوانِه، ما وُفِّقُوا إلَيْهِ مِنْ صَيْدٍ ثَمِينٍ. ثُمَّ أمَرَ بِحَبْسِنا فِي مَغارَةِ الأَسْرَى لِيُقَدَّمَ واحِدٌ مِنَّا فِي صَباحِ كُلِّ يَوْمٍ قُرْبانًا لِمَعبُودِهِمُ الأُفْعُوَانِ العَظِيمِ.

فَأَطاعَ الوَزيرُ أَمْرَ سُلْطانِهِ، وذَهَبَ بِنا إلَى المَغارَةِ، حَيْثُ قَدَّمُوا لَنا — وَفْقَ تَقالِيدِهِمْ — أَلْوانًا مِنَ الطَّعامِ، أَلِفُوا أنْ يُسَمِّنُوا بِها الضَّحايا والقَرابِينَ، قَبْلَ أنْ يُقَدِّمُوها لِلأُفْعُوَانِ المَعْبُودِ.

وَمَرَّتْ بِنا الأَيَّامُ؛ يُقَدَّمُ — فِي كُلِّ يَوْمٍ — واحِدٌ بَعْدَ آخَرَ، وَيَتَناقَصُ عَدَدُنا يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، حَتَّى هَلَكَ رُكَّابُ السَّفِينَةِ ومَلَّاحُوها، ولَمْ يَبْقَ مَعِي غَيْرُ «كاشِفٍ» رُبَّانِ السَّفِينَةِ، فَسَهِرْنا لَيْلَتَنا نَتَرَقَّبُ مَصْرَعَ أحَدِنا فِي صَباحِ غَدٍ كَما صُرِعَ أَصْحابُنا مِنْ قَبْلِنا، وَنَنْتَظِرُ حُضُورَ العِمْلاقَيْنِ لِيُفَرِّقانا إلَى الأَبَدِ.

(٥) وَداعُ الرُّبَّانِ

وَلَمَّا دَنا المَوْعِدُ نَظَرَ إلَيَّ «كاشِفٌ» مَحْزُونًا، وَقالَ: «لَقَدْ فَقَدْنا كُلَّ أَمَلٍ فِي النَّجاةِ وا حَسْرَتاهُ، ولَمْ يَبْقَ مِنْ أَيَّامِنا فِي الحَياةِ غَيْرُ يَوْمَيْنِ اثْنَيْنِ. وَلَيْسَ لِي أُمْنِيَّةٌ إِلَّا أَنْ يُقَدَّمَ يَوْمُ مَصْرَعِي عَلَى مَصْرَعِ سَيِّدِي الأَمِيرِ؛ فَما أُطِيقُ أَنْ أَرَى مَوْلايَ الأَمِيرَ يُساقُ إلى المَوتِ وَأَنا عاجِزٌ عَنْ نُصْرَتِهِ.»

فَقلْتُ لـِ«كاشِفٍ»: «ما أَتْعَسَ حَظَّكَ أَيُّها الصَّدِيقُ العَزِيزُ! لَقَدْ بَذَلْتُ جُهْدِي فِي إقْناعِكَ بِالْعُدُولِ عَنْ مُصاحَبَتي فِي هذِهِ الرِّحْلَةِ. وَلكِنَّ سُوءَ حَظِّكَ أَبَى إلَّا أَنْ تُلِحَّ فِي مُصاحَبَتي. وَلَوْلا إلحافُكَ لَنَجَوْتَ مِنْ هذا المَصْرَعِ المُفَزِّعِ!»

وَما إنْ أَتْمَمْتُ كَلامِي حَتَّى أَقْبَلَ العِمْلاقانِ، وَأمَرانِي أنْ أتْبَعَهُما.

فَلَمْ أجْزَعْ لِذلِكَ، وَلَمْ أَتَهَيَّبْ هذا المَصِيرَ؛ فَقَدْ كُنْتُ أتَرَقَّبُهُ وَأتأَهَّبُ لَهُ، فَالْتَفَتُّ إلى الرُّبَّان أُوَدِّعُهُ الوَداعَ الأخِيرَ الأَبَدِيَّ، فَاشْتَدَّ جَزَعُهُ علَيَّ، وَتَمَنَّى لَوْ قُدِّمَ قَبْلِي قُرْبانًا لِلثُّعْبانِ.

(٦) أمِيرَةُ الهَمَجِ

ثمَّ صَحِبَنِي العِمْلاقانِ إلى خَيْمَةٍ فَسِيحَةٍ كُنْتُ أحْسَبُ أنَّنِي مُلاقٍ فِيها مَعْبُودَهُمُ الأُفْعُوَانَ، وَلكِنْ حَدَثَ ما لَمْ يَكُنْ في حِسْبانٍ، فَقَدْ رَأيْتُ امْرَأةً مِنَ الهَمَجِ تُقْبِلُ عَلَيَّ باسِمَةً، وَتَقُولُ لِي مُطَمْئِنَةً: «لا تَخَفْ أيُّها الفَتَى، وَلا تَحْزَنْ، فَلَنْ يُصِيبَكَ ما أصابَ أصْحابَكَ. لَقَدْ كانَ مِنْ حُسْنِ حَظِّكَ أنَّ مَوْلاتِيَ الأَمِيرَةَ «هُسْنارا» رَضِيَتْ عَنْكَ، وَادَّخَرَتْ لَكَ حَظًّا سَعِيدًا؛ فَهَنِيئًا لَكَ ما ظَفِرْتَ بِهِ. ولَنْ أُفْضِيَ إلَيْكَ بِأَكْثَرَ مِمَّا قُلْتُ، فَإنَّها سَتُفاجِئُكَ بِما ادَّخَرَتْهُ لَكَ مِنْ سَعادَةٍ. وَلا تَنْسَ أنَّنِي مُسْتَشارةُ الأَمِيرَةِ وَجارِيتُها المُخْتارَةُ. وَقَدْ أذِنَتْ لِي مُتَفَضِّلَةً فِي أنْ أُتِيحَ لَكَ شَرَفَ المُثُولِ بَيْنَ يَدَيْها، فَطِبْ نَفْسًا، وَقَرَّ عَيْنًا؛ فَإنَّكَ مُلاقِيها بَعْدَ لَحَظاتٍ.»

وَانْصَرَفَ الخادِمانِ، وَأمْسَكَتْ جارِيَةُ «هُسْنارا» بِيَدِي، وَقادَتْنِي إلى مَخْدَعِ الأَمِيرَةِ، فَرَأيْتُها تَجْلِسُ وَحْدَها عَلَى إحْدَى الأَرائِكِ المُغَطَّاةِ بجُلُودِ النُّمُورَةِ وَالأُسُودِ وَالفُهُودِ. وَرأَيْتُ لَها وَجْهًا زَيْتُوِنيَّ اللَّوْنِ، تَبْرُقُ فِيهِ عَيْنانِ ضَيِّقَتانِ، يَتَخَلَّلُهُما أَنْفٌ كَبِيرٌ أفْطَسُ، رُكِّبَ عَلَى شَفَتَيْنِ غَلِيظَتَيْنِ، تَنْطبقانِ عَلَى فَمٍ واسِعٍ، وَتَنْفَرِجانِ عَنْ أسْنانٍ كَبِيرَةِ الحَجْمِ، عَنْبَرِيَّةِ اللَّوْنِ. وَيَعْلُو رَأَسَها شَعْرٌ قَصِيرٌ جَعْدٌ، فِي مِثْلِ لَوْنِ الأَبَنُوسِ أوْ هُوَ أشَدُّ سَوادًا مِنْهُ، وَفَوْقَهُ قَلَنْسُوَةٌ صَفْراءُ مُطَرَّزَةٌ بِخَيْطٍ أَحْمَرَ. وَفِي جِيدِها (رَقَبَتِها) عِقْدٌ مِنَ الخَرَزِ كَبِيرُ الحَجْمِ، يَزِينُهُ رِيشٌ مُخْتَلِفُ الأَلْوانِ، بَعْضُهُ أزْرَقُ، وَبَعْضُهُ أصْفَرُ. وَقَدِ ارْتَدَتْ ثَوْبًا ضافِيًا مِنْ فِراءِ النُّمُورَةِ، يُغَطِّي جِسْمَها مِنْ كتِفَيْها إلى قَدَمَيْها.

وكانَ مَنْظَرُ «هُسْنارا» يُذَكِّرُنِي — كُلَّما تَمَثَّلْتُها — بِصُورَةِ الشَّيْطانِ كَما أتَخَيَّلُهُ، وَرُبَّما أَشْبَهَتِ القُرُودَ فِي سَماجَةِ هَيْئَتِها، وَإنْ خالَفَتْها فِي خِفَّتها، وَرَشاقَةِ حَرَكَتِها.

وَما إِنْ رَأَتْنِي حَتَّى ابْتَدَرَتْنِي قائِلَةً: «لا عَلَيْكَ أيُّها الفَتَى. طِبْ نَفْسًا، وَقَرَّ عَيْنًا؛ فَلَنْ تَلْقَى عِنْدِي إلَّا خَيْرًا. تَعالَ فَاجْلِسْ إلَى جانِبِي، لِأُسْمِعَكَ ما أعْدَدْتُهُ لَكَ مِنْ بُشْرَياتٍ. لَقَدْ أقْبَلَتْ عَلَيْكَ السَّعادَةُ، فَيَسَّرَتْ لَكَ سَبِيلَ النَّجاةِ مِنَ الهَلاكِ، وَالخَلاصِ مِمَّا لَقِيَهُ أعْوانُكَ مِنْ مَصارِعِ السُّوءِ.»

ثُمَّ صَمَتَتْ «هُسْنارا» قَلِيلًا، وَاسْتَأْنَفَتْ قائلَةً: «حَسْبُكَ سَعادَةً أنَّني أُعْجِبْتُ بِما رَأَيْتُهُ مِنْ شَجاعَتِكَ، وَرَباطَةِ جَأشِكَ (ثَباتِ قَلْبِكَ)، واسْتِهانَتِكَ بِالمَوْتِ، فَعَزَمْتُ عَلَى مُكافَأتِكَ عَلَى ما تَمَيَّزْتَ بِهِ مِنْ خِلالٍ نَبِيلَةٍ، وَشَمَائِلَ عالِيَةٍ، وَضاعَفْتُ لَكَ الجَزاءَ، وَأَجْزَلْتُ العَطاءَ، فَلَمْ أَقْتَصِرْ عَلَى إِنْقاذِكَ مِنَ المَوْتِ، بَلِ اخْتَرْتُكَ زَوْجًا لِوَلِيَّةِ العَهْدِ «هُسْنارا» أَمِيرَةِ البَحْرِ. أَعَرَفْتَ أَيَّ مُفاجَأَةٍ سارَّةٍ أَعْدَدْتُها لَكَ، أَيُّها المحْظُوظُ السَّعيدُ؟ سَتُصْبِحُ سُلْطانَ هذِهِ الجَزِيرَةِ بَعْدَ وَفاةِ أَبِي. أَرأَيْتَ كَيْفَ آثَرْتُكَ (فَضَّلْتُكَ) عَلَى صَفْوَةِ خاصَّتِي، وَسَراةِ مَمْلَكَتي؟»

(٧) مَأدُبَةُ الهِرَّةِ

أَيُّ نَبَأٍ هائِلٍ سَكَّتْ أُذُنِي بِهِ؟ بَلْ أيُّ شَقاءٍ أعَدَّتْهُ لِي؟ إنَّ المَوْتَ أهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ هذهِ الخاتِمَةِ المُفَزِّعَةِ. إِنَّ بَدَنِي لَيَقْشَعِرُّ كُلَّما طافَتْ بِرَأْسِي ذِكْرَياتُ ذلِكَ الصَّباحِ المَشْئُومِ. وَسُرْعانَ ما تَمَثَّلْتُ تِلْكَ الطُّرْفَةَ الَّتي قَصَّها عَلَيْنا مُعَلِّمُنا، ونَحْنُ طِفْلانِ.

فَسَأَلَتْهُ أُخْتُهُ: «أَيَّ طُرْفَةٍ تَعْنِي؟ فَما أكْثَرَ ما أَمْتَعَنا بِهِ مُعَلِّمُنا مِنْ طَرائِفَ وَمُلَحٍ!»

فَقالَ: «أَلا تَذْكُرِينَ قِصَّةَ الهِرَّةِ (القِطَّةِ) الَّتي كانَ سَيِّدُها يُكْرِمُها، وَيُوالِي بِرَّهُ بِها، وعَطْفَهُ عَلَيْها، بما يُقَدِّمُهُ لَها مِنْ دَجاجٍ وبَطٍّ وحَمامٍ، وَما إلَى ذلِك مِنْ لَذِيذِ الطَّعامِ، فَلَمْ تَجِدْ وَسِيلَةً لِشُكْرِهِ عَلَى ما غَمَرَها بهِ مِنْ جَمِيلٍ إِلَّا أنْ تُكافِئَهُ بِفَأرَةٍ اصْطادَتْها، لِيَنْعَمَ بِضِيافَةِ الهِرَّةِ كَما نَعِمَتْ بِضِيافَتِهِ. ما أشْبَهَ ما صَنَعَتْهُ الهِرَّةُ بِما صَنَعَتْ «هُسْنارا»! كِلْتاهُما لا تَعْرِفُ أَنَّ لَحْمَ الفِئرانِ لا يَصْلُحُ طَعامًا لِلإنْسانِ!

(٨) غُرُورُ «هُسْنارا»

وَكانَ خَوْفِي مِنْ غَضَبِ هذهِ الحَمْقاءِ يَحُولُ دُونَ مُكاشَفَتِها بِما مَلأَ نَفْسِي مِنْ نُفُورٍ واحْتِقارٍ، وَما أَفْعَمَ قَلْبي مِنْ كَرَاهِيَةٍ وَاشْمِئْزازٍ، فَآثَرْتُ الصَّمْتَ جَوابًا.

فَقالَتْ «هُسْنارا»: «ما بالُكَ صامِتًا لا تَنْطِقُ بِكَلِمةٍ واحِدَةٍ؟ لا رَيْبَ أنَّ ما فاجَأْتُكَ بِه مِنْ سَعادَةٍ لا تَخْطُرُ بِالْبالِ، قَدْ أذْهَلَكَ وعَقَدَ لِسانَكَ مَنْ فَرْطِ السُّرُورِ. الحَقُّ مَعَكَ، فَما كانَ يَدُورُ بِخَلَدِكَ أنْ يَقَعَ اخْتِيارُ بِنْتِ سُلْطانِ الجَزِيرَةِ عَلَى أَسِيرٍ مِثْلِكَ، فَتُكْتَبَ لَهُ السَّلامَةُ مِنْ مَصْرَعٍ وَخِيمٍ، ويَتَبَدَّلَ شَقاؤُهُ بِحَظٍّ عَظِيمٍ. إِنَّ صَمْتَكَ دَلِيلُ إِخْلاصِكَ واعْتِرافِكَ بِما أسْدَيْتُ إلَيْكَ مِنْ جَمِيلٍ.»

وَلَمَّا أتَمَّتْ هذِهِ الكَلِماتِ قَدَّمَتْ لِي إحْدَى يَدَيْها لِأُقَبِّلَها، فَقَبَّلْتُها عَلَى مَضَضٍ. وَكان اقْتِناعُها بِجمالِها، وَثِقَتُها بِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَراها سيُفَضِّلُها عَلَى نِساءِ العالَمِ قاطِبَةً، أشْبَهَ بِاقْتِناعِ تِلْكَ الهِرَّةِ بِأَنَّ لَحْمَ الفِئرانِ أشْهَى غِذاءٍ وألَذُّ طَعامٍ.

وَقدْ خَيَّلَ لَها غُرُورُها أنَّ ما رَأَتْهُ عَلَى وَجْهِي مِنْ أَماراتِ الحَيْرَةِ والسُّخْطِ والاشْمِئْزازِ، دَليلٌ ناطِقٌ عَلَى فَرْطِ إعْجابِي بِحُسْنِها، وَافْتِتاني بِجَمالِها. وَسُرْعانَ ما أَقْبَلَتْ جارِيتَانِ، وَفَرَشَتا عَلَى الأَرْضِ نَفائِسَ مِنْ فِراءِ النُّمُورةِ وَالسِّباعِ وَالفُهُود. ثمَّ جاءَتْ جَوارٍ ثَلاثٌ بِمائِدَةٍ عَلَيْها صِحَافٌ مَمْلُوءَةٌ بِشَرَائِح اللَّحْمِ المَغْمُورِ في العَسَلِ، وَما إلى ذلِكَ منْ غَريبِ ما أَلِفُوهُ منْ أَلْوانِ الأَطْعِمَةِ.

ثُمَّ أَشارَتِ الأمِيرَةُ إلَيَّ أنْ أَجْلِسَ إَلى جانِبها عَلَى فَرْوَةِ نَمِرٍ لِأَشْرَكَها في الطَّعامِ، فَأَذْعَنْتُ لِأَمْرِها كارِهًا، وَازْدَرَدْتُ لُقَيْماتٍ. وكانَتِ الأَمِيرَةُ تُشَجِّعُنِي عَلَى الاسْتزادَةِ منْ طَعامِها، وَتَقُولُ لِي بَيْنَ حِينٍ وَآخَرَ: «ماذا بِكَ أَيُّها الفَتى؟ ما بالُكَ لا تُقْبِلُ عَلَى الطَّعامِ؟ لا رَيْبَ أنَّ ما فاجَأْتُكَ بِهِ منْ بُشْرَياتٍ قَدْ شَغَلَكَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَما أراكَ إلَّا مُتعَجِّلًا تَحْقِيقَ وَعْدِي. الحَقُّ مَعَكَ يا فَتى، فَخَيْرُ البِرِّ عاجِلُهُ، ها أَنَا ذِي مُسْرِعَةٌ إلى مُقابَلَةِ أَبِي لِأَرْجُوَهُ أنْ يَسْتَبْقِيَ لِي حَياتَكَ وَحَياةَ صاحِبِكَ الَّذِي اخْتارَتْهُ جارِيَتي الوَفِيَّةُ «مَهْرڨيا» زَوْجًا لَها.»

وَلَمَّا أَتَمَّتْ هذِهِ الْكَلِماتِ أَذِنَتْ لِي بالْخُرُوجِ، وقالَتْ لِي وَهِي تُوَدِّعُنِي: «عُدْ إلى خَيْمَتِكَ أيُّها الفَتى، ونَبِّئْ صاحِبَكَ أنَّ السَّعادَةَ مُقْبِلَةٌ عَليْهِ، وأنَّ زَوَاجَهُ بِوَصيفَتي المُخْتارَةِ «مَهْرَڨْيَا» سَيَتِمُّ مَعَ زَوَاجِكَ بِي. عَجِّلْ إلَيْهِ بِهذِهِ البُشْرَى، واشْكُرِ الحَظَّ السَّعِيدَ الَّذِي أَفْرَدَكُما منْ بَيْنِ إِخْوانِكُما بالنَّجاةِ مِنَ الهَلاكِ، وَأَتاحَ لِكِلَيْكُما أنْ تَنْعَما بالسَّعادَةِ الكامِلَةِ. طِيبا نَفْسًا، وَقَرَّا عيْنًا؛ فَإنِّي مُحَقِّقَةٌ لَكُما رَجاءَكما، وَمُبَلِّغَتُكُما أُمْنِيَّتَكُما، وَسَتَتَعَشَّيانِ مَعِي هذِهِ اللَّيْلةَ حِينَ تَكُفُّ شُعْلةُ النَّهارِ عَنْ إِضاءَةِ الجَزِيرةِ السَّعِيدَةِ. وَلْيُبارِكْ مَعْبُودُنا الأُفْعُوَانُ العَظيمُ فِي حَياتِنا المَدِيدَةِ.»

فَتَظاهَرْتُ بِشُكْرِ «هُسْنارا» أَمِيرَةِ الهَمَجِ، عَلَى ما أَسْدَتْهُ منْ فَضْلٍ عَميمٍ، وأَنا أَلْعَنُها في نَفْسِي، وَأُفَضِّلُ المَوْتَ عَلَى الزَّوَاجِ بِهذِهِ الشَّيْطانَةِ. ثُمَّ نادَتِ الأَمِيرَةُ بَعْضَ خَدَمِها لِيَذْهَبَ بي إلى خَيْمَتي.

(٩) مُناقَشَةٌ حَزِينَةٌ

وَلا تَسَلْ عَنْ فَرَحِ «كاشِفٍ» حِينَ رآني قادِمًا عَلَيْهِ بَعْدَ يَأسٍ مِنْ تَلاقِينا، فَقَدْ عاوَدَهُ الأَمَلُ في النَّجاةِ، بَعْدَ أنْ يَئِسَ مِنَ الحَياةِ، فَقالَ: «ما أَسْعَدَها مُفاجَأَةً! وا فَرْحَتاهُ! ها أَنْتَ ذا يا أمِيرِيَ العَزِيزَ، لا تَزالُ عَلى قَيْدِ الحَياةِ، فَهَلْ أَطْمعُ في نَجاتِكَ مِنَ الأُفْعُوَانِ وَعَوْدَتِكَ إلى مَمْلكَتِكَ؟!»

فقلتُ لهُ مَحْزُونًا: «لَقَدْ كُتِبَتْ لِي السَّلامَةُ منَ الهَلاكِ، وَالنَّجاةُ منَ الخاتِمَةِ الفاجِعَةِ الَّتي انْتَهَتْ بِها حَياةُ رِفاقِنا الأعِزَّاءِ. وَلكنْ …»

فَقاطَعنِي قائلًا: «يا لَها مِنْ مُفاجأَةٍ سَعِيدَةٍ! وَلكنْ خَبِّرْني: أَوَاثِقٌ أنْتَ مِمَّا تَقُولُ؟ أَتُراكَ نَجَوْتَ منَ الأُفْعُوَانِ؟ حَبَّذَا لَوْ صَدَقَتِ الأمانِيُّ وَصَحَّتِ الأحْلامُ!»

فأَجَبْتُهُ مُتَجَهِّمَ الوَجْهِ عابِسًا: «لَيْتَكَ تُصْغِي إلى بَقِيَّةِ الحَدِيثِ! قُلْتُ لَكَ: إِنَّني نَجَوتُ مِنَ الأُفْعُوَانِ، وَلكنَّ تَحْقِيقَ هذِهِ الأُمْنِيَّةِ سَيُكلِّفُنِي أَفْدَحَ الأثمانِ. وَسَتَرَى كيْفَ يَتَبَدَّلُ سُرُورُكَ حُزْنًا إذا عَرَفْتَ أنَّ فِقْدانَ الحَياةِ أيْسَرُ مِنْ أداءِ هذا الثَّمَنِ!»

فَقالَ لِي «كاشِفٌ» مُتَعَجِّبًا: «شَدَّ ما غَلَوْتَ يا سَيِّدِي الأمِيرَ وَأَسْرَفْتَ! وَهَلْ في الدُّنْيا أثْمَنُ مِنَ الحَياةِ؟»

فَقُلْتُ لهُ: «لا تَعْجَلْ بِحُكمِكَ.» وَقَصَصْتُ عَلَيْهِ ما فاجَأَتْني بِهِ الأمِيرَةُ منْ رَغْبَةٍ في الزَّواجِ بِي.

فَقالَ لِي مُؤَسِّيًا: «لا رَيْبَ أنَّكَ عَلى حَقٍّ. وَلكنَّ الحَياةَ جَمِيلَةٌ عَلى كلِّ حالٍ. وَعَزِيزٌ عَلى الإِنْسانِ أنْ يَمُوتَ في مُقْتَبَلِ شَبابِهِ، فَجاهِدْ في التَّغلُّبِ عَلى نَفْسِكَ، وَأَذْعِنْ لِحُكْمِ الضّرُورَةِ. وَلا تَنْسَ أنَّ الحازِمَ هُوَ مَنْ يُوازِنُ بَيْنَ المُصِيبَتيْنِ، فَيَخْتارُ أَهْوَنَ الشَّرَّيْنِ!»

فَصِحْتُ بِهِ قائِلًا: «أَيُّ نَصِيحَةٍ هذِهِ الَّتِي تُقَدِّمُها لِي؟ هَلْ يَدُورُ بِخَلَدِكَ أنَّني أسْتَطيعُ اتِّباعَها وَالعَملَ بِها؟ سَنَرَى ماذا أَنْتَ صانعٌ؟ وَهَلْ سَتَّتبِعُ الرَّأْيَ الَّذِي تُشِيرُ بِهِ عَلَيَّ، حِينَ تَعْلَمُ أنَّ «مَهْرَڨْيا» وَصِيفَةَ «هُسْنارا» قَدِ اخْتارَتْكَ زَوْجًا لَها، وَجَعَلَتْ ذلِكَ ثَمنًا لِخَلاصِكَ منَ الهَلاكِ؟ فَماذا أَنْتَ قائِلٌ؟ لَقَدِ اخْتارَتْكَ وَهِيَ لَيْسَتْ أكْثَرَ جَمالًا منْ مَوْلاتِها. أَتُرَاكَ مُسْتعِدًّا لانْتِهازِ هذِهِ الفُرْصَةِ الذَّهَبِيَّةِ النَّادِرَةِ؟»

وَسُرْعانَ ما انْتَفضَ «كاشِفٌ» مُتَفَزِّعًا، وامْتُقِعَ لِهَوْلِ ما يَسْمَعُ، فَابْتَدَرَنِي قائِلًا: «وا حَسْرَتاهُ! يا لَهُ مِنْ خَبَرٍ صاعِقٍ! أَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَوْلايَ جادًّا فِيما يَقُولُ؟ إِنَّ لِقاءَ الأُفْعُوَانِ أَهْوَنُ عَلَى نَفْسِي مِنْ لِقاءِ هذِهِ الغُولِ! بَلْ إِنِّي لأُفَضِّلُ أَنْ يَكُونَ لِي أَلْفُ نَفْسٍ — يَلْتَهِمُها الثُّعْبانُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى — عَلَى أنْ أُبْتَلَى بِهذِهِ المُصِيبَةِ!»

فَقُلْتُ لَهُ مُداعِبًا ساخِرًا: «ما أَعْجَبَ أمْرَكَ! وَما أَسْرَعَ ما نَسِيتَ نَصِيحَتَكَ وَتَنَكَّرْتَ لِرَأْيِكَ! أَلَمْ تَقُلْ لِي: إنَّ الحَياةَ جَمِيلَةٌ عَلَى أَيِّ حالٍ، وَإنَّ بَعْضَ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضٍ، وإنَّ الحازِمَ الفَطِنَ هُوَ مَنْ يَعْرِفُ كَيْفَ يَخْتارُ بَيْنهُما؟ فَإِذا كانَ المَوْتُ لا يُخِيفُكَ، فَكَيْفَ تُرِيدُنِي عَلَى أنْ أَخافَهُ؟ أَنَسِيتَ ما قالَهُ الحَكِيمُ العَظِيمُ «بُزُرْجَمِهْرُ» لِمَلِيكهِ، حِينَ سَأَلَهُ ذاتَ يَوْمٍ: «ما الذي هُوَ خَيْرٌ مِنَ الحَياةِ؟ وَما الَّذِي هُوَ شَرٌّ مِنَ المَوْتِ؟ أَتَعْرِفُ بِماذا أَجابَهُ؟»

فَقالَ «كاشِفٌ»: «أَمَّا الَّذِي هُوَ شَرٌّ مِنَ المَوْتِ فَهُوَ الزَّواجُ بِمِثْلِ هذِهِ الشَّيْطانَةِ! فَكَيْفَ قالَ الحَكِيمُ؟»

فَقُلْتُ لَهُ: «كانَ نِصْفُ جَوابِهِ قَرِيبًا مِمَّا سَمِعْتُهُ مِنْكَ؛ فَقَدْ قالَ لِمَلِيكِه: «أمَّا الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنَ الحَياةِ فَهُوَ ما لا تَطِيبُ الحَياةُ إِلَّا بِهِ. وَأَمَّا الَّذِي هُوَ شَرٌّ مِنَ المَوْتِ فَهُوَ ما يُتَمَنَّى المَوْتُ مِنْ أَجْلِهِ!»

فَقالَ لِي «كاشِفٌ»: «ما أصْدَقَ ما قالَ!»

(١٠) الفِرارُ مِنَ الجَزيرَةِ

وَلَبِثْتُ مَعَ «كاشِفٍ» نُقَلِّبُ آراءَنا عَلَى كُلِّ وَجْهٍ، حَتَّى أَحْكَمْنا خُطَّةً لِلْفِرارِ مِنَ الجَزِيرَةِ المَشْئُومَةِ. وَسَنَحَتْ لَنا الفُرْصَةُ لِتَحْقِيقِ ما أرَدْنا، بَعْدَ أنْ وَثِقتْ بِنا الأميرَةُ وَمُسْتَشارَتُها، وَأطْلَقَتانا مِنَ الأَسْرِ، وَأذِنَتا لَنا فِي التَّجْوالِ، وَارْتِيادِ أَنْحاءِ الجَزِيرَةِ كَما نَشاءُ. وَساعَفَنا الحَظُّ بَعْدَ ساعاتٍ، فَوَجَدْنا زَوْرَقًا صَغِيرًا مِنْ زَوَارِقِ الصَّيَّادِينَ مَرْبُوطًا إلى وَتِدٍ بِحَبْلٍ مَتِينٍ، فَحَلَلْناهُ وَانْطَلَقْنا بِهِ في عُرْضِ البَحْرِ مُسْرِعَيْنِ، وَما إِنْ بَعُدْنا عَنِ الشَّاطِئِ حتَّى فَطَنَ بَعْضُ الهَمَجِ إلى فِرارِنا، فانْدَفَعُوا إلى الشَّاطِئِ غاضِبين، وَراحُوا يَتَوَعَّدُونَنا مُزَمْجِرِينَ. وَسَمِعْنا وَزِيرَ الهَمَجِ يُبَرْطِمُ وَيَرْطُنُ، فَلَمْ نُبالِ بِوعِيدِهِ، وَلَمْ نَعْبَأْ بِتَهْدِيدِهِ بَعْدَ أنْ أَوْغَلْنا في البَحْرِ، وَأَصْبَحْنا بِمَنْجاةٍ مِنْ شَرِّ الهَمَجِ. وعِنْدَما أقْبَلَ اللَّيْلُ كانَتِ الجَزِيرةُ قَدْ غابَتْ عَنْ ناظِرَيْنا.

•••

فَشَكَرْنا اللهَ — سُبْحانَهُ وَتَعالى — لِنَجاتِنا، وَشَعَرْنا بِسُرُورٍ عَظِيمٍ. وَشَغَلَنا فَرَحُنا بِالخَلاصِ مِنَ الهَمَجِ عَمَّا يُواجِهُنا مِنْ نَفادِ الزَّادِ وَأَخْطارِ البَحْرِ وَثَوْرَةِ الأَمْواجِ، وَما يَتَهَدَّدُ زَوْرَقَنا مِنَ الغَرَقِ بَيْنَ حِينٍ وَحِينٍ.

وَلا عَجَبَ في ذلِكَ؛ فَقَدْ كانَ المَوْتُ غَرَقًا أَيْسَرَ عَلَيْنا، وَأَبْهَجَ لِقَلْبَيْنا، مِنْ إِلْقائِنا بَيْنَ فَكَّيِ الثُّعْبانِ، أَوْ مُصاهَرَتِنا لِذلِكَ السُّلْطانِ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤