جوته والأدب العربي

لشاعر الألمان الأكبر كتاب يتضوع بعبير الشرق وأنفاسه، وتسري فيه روح الإسلام بسماحتها وحكمتها، وقناعتها واعتدالها. ويُعدُّ هذا الكتاب الذي سماه الديوان الشرقي-الغربي أو الديوان الشرقي للمؤلف الغربي من أجمل أعماله وأكثرها رقة وسخرية وعذوبة. ولقد شاء الشاعر الكبير أن يتقمص شخصية الباحث التاريخي والحضاري المتمكن، فعقَّب على ديوانه تعليقات وافية، أضاف إليها عددًا من البحوث والتعليقات التي تُعين قارئه الغربي على تفهُّم عالم الشرق والإسلام، وتعرُّف شعرائه من عرب وعجم، بقدر ما أسعفته مذكرات الرحَّالة ودراسات المستشرقين وترجماتهم التي استطاع التوصُّل إليها في ذلك الحين.

ومع أن جوته قد اقتصر في كلامه عن العرب على الحديث عن المعلقات وشعرائها، وعلى ترجمة قصيدة مشهورة لشاعر جاهلي هو «تأبط شرًّا» وجد أنه لا يختلف في روحه اختلافًا كبيرًا عن أولئك الشعراء الكبار، فإن أوراقه ودراساته التي مهَّدت للديوان تشهد بأن معلوماته عن الأدب العربي تفوق ذلك بكثير، فهو مثلًا قد عرف بعض المجموعات الشعرية العربية — منها حماسة أبي تمام — كما عرف مجموعة من الأمثال والحِكم العربية، وقرأ جزءًا كبيرًا من ألف ليلة وليلة، إلى جانب أنه ذكر اسم المتنبي ذكرًا عابرًا في معرض كلامه عن الرسول ، وفي إحدى قصائد الديوان الشرقي، وإن لم يعرف في الحقيقة شيئًا يُذكَر عن شاعر العربية الأكبر. ونستطيع أن نقول اليوم في شيء من الحسرة والأسف إنه لو قُدِّر له أن يعرف شيئًا عن الترجمات الألمانية المتأخرة لشعر المتنبي والمعرِّي ومقامات الحريري وغيرها، فربما كان اهتمامه وحماسه للأدب العربي قد زاد أضعافًا مضاعفة عما نعرف عنه في اليوم. مهما يكن من شيء فسوف أقصر حديثي هنا على تأثره بشعراء المعلقات، وبروح الإسلام من كتابه الكريم، محاولًا أن أبيِّن مدى تأثره بهما في إنتاجه.

والمعلقات هي أعلى كنوز الأدب العربي قبل الإسلام، وقد يختلف مؤرخو الأدب في عدد هذه القصائد المشهورة بالقصائد السبع الطوال وفي مدى أصالتها، وذلك منذ أثار طه حسين الشك حولها في كتابه المعروف عن الأدب الجاهلي، إلا أنهم سيتفقون بلا جدال عن الإعجاب بشاعر غربي اهتم بهذه القصائد أيما اهتمام، وراح يبحث عنها في ترجماتها المختلفة بكل الوسائل التي تيسرت له في عهده، بل بلغ إعجابه بها أن ترجم عددًا من أبيات معلقة امرئ القيس ثُمَّ تأثر بها بعض التأثر في إنتاجه. ويبدو أن التفسير اللفظي لكلمة المعلقات من أنها قصائد تُكتَب بالذهب ويعتز بها العرب في الجاهلية فيعلقونها على الكعبة الشريفة، لعل هذا التفسير الخرافي الجميل كان من أقوى الأسباب التي جعلت الشاعر الألماني يُعجب بها كل هذا الإعجاب.

عرف جوته سبع معلقات، وصلت إليه في ترجمة لاتينية قام بها المستشرق الإنجليزي وليم جونز وظهرت مع الأصل العربي في لندن سنة ١٧٨٣م تحت هذا العنوان: «المعلقات أو القصائد العربية السبع التي كان معلقة على الكعبة». ولعل أوفى تعليق على هذه القصائد هو ما نجده في التعليقات والبحوث التي ألحقها جوته بالديوان الشرقي في الفصل الذي خصصه للعرب حيث يقول:١

ونحن نجد لدى العرب كنوزًا رائعةً في المعلقات. وهي قصائد مديح فازت في المباريات الشعرية، ونُظمت قبل عهد محمد، وكُتبت بحروف من ذهب وعُلِّقت على أبوب بيت الله الحرام في مكة. وهي تُعبر عن أمة بدوية محاربة، تعذبها من الداخل المنازعات المستمرة بين القبائل المتعددة، وتُصوِّر التعلق الراسخ برفاق القبيلة، كما تصور حب الشرف والشجاعة، والشهوة العارمة للأخذ بالثأر التي يخفف منها الحزن في الحب والكرم والتضحية، وكل هذا بغير حدود. وهذه الأشعار تعطينا فكرة وافية عن الثقافة العالمية التي تميزت بها قبيلة قريش التي نشأ فيها محمد نفسه، وتزداد قيمة هذه القصائد البديعة وعددها سبع، بما يغلب عليها من تنوع شديد.

ثُمَّ يعزز قوله بما ذكره عنها وليم جونز عندما وصفها بقوله:

إن معلقة «امرئ القيس» لينة، مرحة، ناصعة، أنيقة، متنوعة الأغراض، رشيقة. أمَّا معلقة «طرفة» فجريئة، جيَّاشة بالعاطفة، متوثبة، ومع ذلك يشعُّ فيها شيء من البهجة. ومعلقة «زهير» حادة، جادة، عفيفة، حافلة بالوصايا الأخلاقية والحِكم المهيبة. ومعلقة «لبيد» خفيفة، غرامية، أنيقة، رقيقة، وهي تذكرنا بالرعوية الثانية لفرجيل؛ لأنه يشكو من كبرياء الحبيبة وتكبُّرها، ويتخذ من ذلك فرصة لتعداد فضائله والتفاخر بقبيلته. ومعلقة «عنترة» تبدو متكبرة، متوعدة، رصينة، فخمة، وإن كانت لا تخلو من جمال الأوصاف والصور. وعمرو (ابن كلثوم) عنيف، سامٍ، ميَّال إلى الفخر. أمَّا الحارث (ابن حلِّزة) فهو على العكس غني بالحكمة، والذكاء، والكرامة، كذلك تبدو هاتان القصيدتان الأخيرتان أشبه بخطبتين شعريتين سياسيتين مما كان يُلقى في الأسواق أمام جمهور من العرب لتسكين الحقد والعداوة المدمرة بين قبيلتين.

هنا يعبِّر جوته عن مختلف العواطف التي تصورها المعلقات، وأهمها ما يسميه «الحزن في الحب»، وهو قريب من البكاء على الأطلال الذي اشتركت فيه كل المعلقات، واختلف الشُّراح وما زالوا مختلفين حول تفسيره. ويظهر أن جوته قد أحس بهذه العاطفة أشد الإحساس وأقواه في معلقة امرئ القيس، الأمر الذي دفعه إلى الاهتمام بها، بل ترجمة جزء لا بأس به منها، مما كان له تأثيره بعد ذلك على إحدى قصائد الديوان الشرقي.٢

يرجع اهتمام جوته بهذه المعلقة إلى فترة مبكرة من حياته، عندما كان يبلغ من العمر أربعًا وثلاثين سنة. ويكفي أن نعلم أنه أرسل في نوفمبر سنة ١٧٨٣م إلى صديقه كارل فون كنييل رسالة يخبره فيها أن جونز المشهور (وهو المستشرق وليم جونز الذي سبق ذكره) قد ترجم القصائد السبع للشعراء العظام. ثُمَّ يقول عن القصائد: «إنها في مجموعها عجيبة مدهشة، وتحتوي على أجزاء بالغة اللطف والروعة، ولقد صممنا (وهو بهذا يقصد نفسه وصديقه هِرْدَر) على الاشتراك في ترجمتها.»

ونفَّذ جوته بالفعل ما صمم عليه، فترجم من معلقة امرئ القيس ثمانية عشر بيتًا مع تصرُّف قليل فيها. فلنرجع أوَّلًا لبعض منها لنرى بعد ذلك كيف تبدو في ترجمة جوته:

قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل
بسَقط اللِّوى بين الدخول فحوملِ
فتوضح فالمقراة لم يعفُ رسمها
لما نسجتها من نوب وشمألِ
وقوفًا بها صحبي عليَّ مطيهم
يقولون لا تهلك أسًى وتجمَّلِ
وإن شفائي عَبرةٌ مُهراقةٌ
فهل عند رسمٍ دارسٍ من مُعوَّلِ

وسنرى من ترجمة جوته لهذه الأبيات — أو بالأحرى من تعبيره عن معناها وانطباعها في نفسه! — التصرف الجميل فيها، وكيف أسقط أسماء الأماكن الكثيرة ليقتصر على إبراز العاطفة الأساسية:

قفا وخلِّنا نبكي هنا في مكان الذكرى
هناك كانت خيمتها على حافة الكثيب الرملي المتمايل
وما زالت الآثار قائمة لم تختفِ
وإن جعلت ريح الشمال وريح الجنوب
تنثر الرمال هنا وهناك
وبجانبي وقف الرفاق صامتين
وقالوا لا تهلك من الأسى وتجمَّل
فهتفت قائلًا: إن الدموع هي عزائي الوحيد.

(لا شك أن النتيجة محزنة ومضحكة معًا، فترجمة الشعر في حد ذاتها مشكلة عسيرة قلما توفق في أية لغة، فكيف الحال إذا كانت هذه الترجمة عربية لنص بالألمانية مترجم عن اللاتينية؟!)

مهما يكن من شيء، فهي شاهد على اهتمام شاعرنا المبكر بالمعلقات. ونحن نعلم اليوم أنه عاد إلى الاهتمام بها عام ١٨١٥م، أي بعد مرور أكثر من ثلاثين عامًا، عندما قرأ بعضًا منها للأميرة لويزة أميرة فيمار وغيرها من أصدقائه. ويبدو أن ما يقرؤه شاعر وينطبع على نفسه لا يمكن أن يمضي بغير أثر قريب أو بعيد. فها هي ذي الأيام والسنون تمرُّ بعد ترجمته القديمة لبعض أبيات امرئ القيس، وها هو ذا نفس الإحساس يتردد صداه مرة أخرى عن وعي في واحدة من أجمل قصائده في الديوان الشرقي، يُرجِّح معظم النقاد أنها كُتبت بعد وداعه لماريانة فون فيلليمير، وهي المحبوبة التي هام بها قلبه بعد أن شاخ وتجاوز الستين، وهذه القصيدة التي نُشرت بعد وفاته وضمها بعض ناشري الديوان الشرقي لكتاب العشق، يتردد فيها موضوع البكاء على الأحباب الذين فارقوه، والرغبة في ذرف الدموع التي لا ينفع معها عزاء. تقول القصيدة:

دعوني أبكي، يحوطني الليل
في الصحراء الشاسعة.
الجِمال راقدة، الرعاة كذلك راقدون.
والأرمني سهران يحسب في هدوء.
أمَّا أنا فأرقد إلى جواره، وأعدُّ الأميال
التي تفصلني عن زليخا، وأتفكر باستمرار
في الدروب الملتوية المزعجة التي تطيل الطريق.
دعوني أبكي، فليس هذا عارًّا.
الرجال الذين يبكون طيبون.
لقد بكى أخيل حبيبته بريزيس
والإسكندر بكى رفيق عمره الذي قتله بنفسه
دعوني أبكي، إن الدموع تُحيي التراب،
وها هو ذا يخضرُّ.

فالموضوع هنا هو فراق الأحباب، والعاطفة الغالبة هي الرغبة في إطلاق الدموع دون حاجة إلى خجل أو تبرير. وغنيٌّ عن الذكر أن هذا الموضوع الأساسي الذي تبدأ به المعلقات، ألا وهو البكاء على الأطلال، وسواء أكان جوته قد تنبه إليه بإحساسه كشاعر أم عرفه من ملاحظات المستشرق الألماني تيودور هارتمان ومن مقدمة ترجمته للمعلقات التي عكف عليها جوته في الفترة التي كان فيها مشغولًا بتأليف ديوانه الشرقي، فإن تأثير معلقة امرئ القيس على قصيدة السالفة وكذلك مطلع معلقتَي «طرفة بن العبد» و«الحارث بن حلزة» تأثير واضح لا شكل فيه. ولست أحب أن أحسب هذا التأثير بطريقة تشبه أن تكون رياضية كما فعلت الباحثة كاترينا مومزن التي أخذت توازن موازنة دقيقة بين أبيات قصيدة جوته وبين أبيات امرئ القيس وطرفة وغيرهما من شعراء المعلقات. ففي اعتقادي أن مثل هذه الطريقة المضنية ربما لا تؤتي الثمار التي توازي ما بُذل فيها من جهد وعناء. إن الشاعر العظيم يتأثر من هنا ومن هناك، ومن العبث أن نحسب مقدار هذا التأثر بالقلم والمسطرة. ثُمَّ إن القصيدة الشعرية الجديرة بهذا الاسم تنطوي على شيء لا يمكن قياسه أو تحليله وتشريحه، شيء ينبعث من انطباعها الإنساني والجمالي في نفوسنا؛ لأنه كالحياة ذاتها لا سبيل إلى قياسه أو تحديده. والمهم على كل حال أن نعرف أن المعلقات كانت الأثر الأدبي الذي استطاع أكثر من أي أثر في الأدب العالمي أن يلفت انتباه شاعرنا إلى هذه التجربة الخالدة، تجربة فراق الأحباب والبكاء عليهم، وليس هذا بالشيء القليل.

وهناك قصيدتان أخريان من قصائد الديوان الشرقي، الأولى: هي قصيدة «هجرة» التي يفتتح بها الديوان، والثانية هي قصيدة «من أين لك هذا، وكيف جاء إليك» من كتاب الضيق أو كتاب السخط وسوء المزاج (رنج نامه) في نفس الديوان. والقصيدة الأولى توحي بجو الشرق عامة وبالحياة البدوية بوجه خاص بكل ما فيها من شهامة وكرم وشجاعة ونزوع إلى الحرب والأخذ بالثأر. وكلتا القصيدتين تشير إلى الجو العربي الذي عاش فيه الشاعر في أثناء تفكيره فيهما وكتابته لهما. وسأكتفي هنا بالقصيدة الأولى نظرًا لضيق المقام. وأكرر ما ذكرته من أنني لا أحب أن أضل بالقراء في متاهات البحث والمقارنة والتحليل التفصيلي لهذه القصيدة، فأنا من المؤمنين بأن الخلق الفني — بعد كل تحليل ودراسة علمية مشروعة! — ينبغي أن يحتفظ بسره المعجز، ولو جردناه من هذا السر لفقد أغلى ما فيه، ولذلك فسوف أكتفي بذكر الأثر العام الذي تركته الحياة البدوية والفطرية على هذه القصيدة؛ لأعفي القراء من تفصيلات مرهقة.

تقول قصيدة الهجرة (وهي من كتاب المغنِّي):

الشمالُ والغرب والجنوب تتناثر وتنهار
العروش تُثَلُّ، والممالك تضطرب،
فهاجِر أنت إلى الشرق الطهور
لتستروح نسيمَ الآباء الأولين،
هنالك حيث الحبُّ والشراب والغناء
سيردُّ عليك نبع الخضْر ريعان صِباك.
إلى هناك حيث النقاء والحق،
أريد أن أتغلغلَ بأجناسِ البشر
إلى أعماق الأصل البعيد
حيث كانوا يتلقَّون منَ الله
وحيَ السماء بلغات الأرض
ولم يحطِّموا رءوسهم بالتفكير،
وحيث كانوا يُجلُّون الآباء
ويأبون الخضوع للغرباء،
هنالك أودُّ أن أتملَّى من أفق الفطرة المحدود،
حيث الإيمانُ واسع، والفكر قانعٌ محدود
وحيث الكلمةُ ذات شأن كبير
لأنها كلمة مُنزَّلة تنطق به الشفاه،
أريد أن أُعاشر الرعاة
وأستروحَ ظلالَ الواحات
حين أرتحل مع القوافل
وأتاجر في البن والمسك والشيلان.
أريد أن أسلك كلَّ سبيلٍ
من البوادي والقِفار إلى المدن والحواضر
وبينما أصعدُ النِّجادَ وأهبِطُ الوِهاد
تبعث أغانيك، يا حافظ، السلوى والعزاء.
وحين يترنم الحادي
من فوق ظهر دابته بغنائه المسحور
ليُوقظ النجوم ويُفزعَ اللصوص والأشقياء
أريد أن أحيِّي ذكراك، يا حافظ المُقدس
في الحمَّامات وفي الحانات
عندما ترفعُ المحبوبةُ الخِمار
وتهزه فتفوح غَدائلها برائحة العنبر.
أجل إن همسات الشاعر بنجوى الحب
لتدفع الحوريات أنفسهن إلى العشق
إن أردتم أن تحسدوه على هذا النعيم
أو شئتم أن تُعكِّروا عليه صَفوه
فاعلموا أن كلمات الشاعر
تحوم دائمًا حول أبواب الفردوس
تطرُقها في همسٍ وهدوء
وتطلب حياة الخلود.

والنظرة العاجلة تبيِّن لنا كيف تعبِّر هذه القصيدة عن تجربة دينية شاملة كوَّنها جوته على مدى عمره الطويل، وامتزجت فيها روحُ الديانات الكبرى مع حكمة الحياة التي قضاها في النشاط والعمل والإقبال على مباهج الدنيا وأسرار الكون. وعنوان القصيدة نفسه مكتوب بنطقه العربي ورسمه الفرنسي، وفيه إشارة واضحة إلى هجرة النبي ، فضلًا عن الحنين الظاهر إلى الشرق، وشوق الشاعر للارتحال مع القوافل إلى بلاد الآباء والرسُل والهُداة، والحياة بعيدًا عن اضطرابات القارة الأوروبية وحروبها في تلك الفترة العصيبة بين سنتَي ١٨١٢م و١٨١٤م؛ ليتملي من عادات الشرق وأحواله، ويتنسَّم عطره وطُهره وصفاءه، ويرجع إلى المصدر الأصلي للوحدة والنقاء. وليس ما يمنع أيضًا من أن يتاجر في نفائسه وبضائعه، ولو أدَّى الأمر إلى أن يصبح واحدًا من الرعاة والأعراب! وتردُّد أسماء كالخضر صاحب موسى الكليم في الروايات الإسلامية (التي تقول إنه كان قائد جيش ذي القرنين ووزيره، والوحيد الذي أُتيح له أن يشرب من عين الحياة فيُكتب له الخلود) ثُمَّ تردُّد كلمات الفردوس والقوافل والعنبر والجِمال وخمار الحبيبة، كل هذا يدل على تأثير الشرق بوجه عام. فهل توحي القصيدة مع هذا بتأثير الشعر الجاهلي؟ إن النظر السريع يشير إلى شوق الشاعر إلى بلاد تعيش على الفطرة والطبيعية والبساطة الأولى، وتسير فيها قوافل البدو منتقلة بين الحضر والبادية، أي يعيشون كما نقول اليوم في عصر الحضارة الشفاهية لا الكتابية، ويحيون حياة أبيَّة ترفض الذل والخضوع للطغاة والغرباء. وهذا كله يوحي بتأثير الشاعر بما قرأه عن الحياة العربية في الجاهلية، وما عرفه من ترجمة المستشرق هارتمان للمعلقات ومن تعليقاته عليها ومقدمته الوافية لها، ثُمَّ مناقشته اليومية الطويلة مع المستشرق «باولوس» في أثناء زيارته لمدينة هيدلبرج (بين ٢٤ سبتمبر و٩ أكتوبر سنة ١٨١٤م) عن الحياة العربية والأدب العربي.

لا مجال هنا للوقوف عند الرسائل والمذكرات اليومية وسجلات المكتبات التي استعار منها الشاعر هذا الكتاب أو ذاك. فلا شك في تأثُّر جوته بعالم الشرق بوجه عام، سواء في ذلك شعر حافظ والجامي والسعدي أو قراءته في القرآن الكريم وسيرة الرسول . والشيء الذي أحب أن ألفت الانتباه إليه هو أن قصيدة الهجرة بالذات بالغة الدلالة على الديوان الشرقي كله، بل إنها — على حد قول الشاعر نفسه — تعطينا على الفور فكرة كافية عن معنى الديوان وغايته. وهي إلى جانب هذا بالغة الدلالة على حنينه إلى حياة الفطرة والأصالة والطبيعة التي يتميز بها الشعر في نشأته الأولى، كما يتميز بها شعرنا العربي في الجاهلية. ولقد تكلم الشُّراح كثيرًا عن أوجه الشبه بين قصيدة الهجرة وبين قصيدة «دعوني أبكي» التي ذكرناها من قبل، وبخاصة أن الموقف فيهما واحد، وهو موقف الشاعر الذي يرتحل مع القوافل، ويجد نفسه سعيدًا بين الرعاة والحُداة في الصحراء. ولعل المقطوعة الثالثة من القصيدة أن تكون أقرب أجزائها إلى جو الحياة البدوية التي تُعدُّ المعلقات أو في سِجلٍّ لها، كما هي أوضحها في الثناء على حياة الفطرة المحدودة التي يتسع فيها الإيمان ويضيق الفكر، وإبراز فضل الكلمة المنطوقة التي هي من وحي السماء على الكلمة المكتوبة أو المطبوعة التي تزهو بها حضارتنا اليوم أكثر مما ينبغي.

أريد أن أبتهج بحدود الشباب
حيث الإيمانُ واسعٌ والفكر ضيقٌ قانع
وحيث الكلمةُ ذات خطرٍ كبير
لأنها كانت كلمة تفوهُ بها الشفاه.

وقد يكون صحيحًا ما أثبته البحث التاريخي الذي قامت به السيدة كاترينا مومزن من تأثر جوته تأثُّرًا مباشرًا بالمقدمة التي كتبها المستشرق هارتمان لترجمته للمعلقات وأشار فيها إلى اتساع الإيمان وضيق الفكر عند الشعوب التي تعيش على حال الفطرة والطفولة، ثُمَّ إشارته إلى أهمية الكلمة المنطوقة عند أصحاب هذه الحضارات الفطرية التي لم تتقدم تقدُّمًا ماديًّا ولا عقليًّا كبيرًا.

قد يكون هذا صحيحًا، فالعمل الفني الحق يحتمل تفسيرات كثيرة، وهذا دليل خصوبته وغناه.

ولكن لا مجال هنا للسير في هذا الطريق الطويل، ويكفي أن نعلم أن شاعرنا تأثر بجو الحياة العربية الجاهلية وبالمعلقات بوجه خاص. وإن أردنا مزيدًا من الدقة فيما يتصل بهذه القصيدة، فإن البيتين الثالث عشر والرابع عشر اللذين يقول فيهما:

هناك حيث كانوا يُجلُّون الآباء
ويأبون على أنفسهم طاعة الغرباء.

يتردد فيهما صدى موضوع من أحب الموضوعات إلى شعراء الجاهلية، وهو الإباء والكبرياء وعزة النفس التي ترفض الخضوع للطغاة والغرباء، وهو موضوع يتردد في المعلقات وبالأخص في معلقات «لبيد» و«عمرو بن كلثوم» و«الحارث بن حلزة»، ويكفينا أن نقرأ هذه الأبيات من معلقة عمرو بن كلثوم.

ألا يعلم الأقوام أنَّا
تضعضعنا وأنَّا وقد ونينا
بأي مشيئةٍ عمرو بن هند
تُطيع بنا الوشاة وتزدرينا
تهدَّدنا وأوعدَنا رويدًا
متى كُنَّا لأمك مقتوينا
فإن قناتنا يا عمرو أعيت
على الأعداء قبلك أن تلينا

ومن العبث أن نسترسل وراء النصوص التي تشير بعزة العربي وإبائه وكرمه، فذلك شيء ليس له آخر، ويكفي أن نذكر هذا البيت المشهور الذي تنتهي به المعلقة السابقة:

إذا بلغ الفطامَ لنا رضيعٌ
تخرُّ له الجبابرُ ساجدينا

وحسبنا على كل حال أن الشاعر الكبير قد عبَّر عن حنينه إلى الشرق الطاهر الصافي، حيث يتنسم ريح الآباء والأجداد والمرسلين والهداة، ولا يُكره أن يوصف بأنه مسلم يسافر مع القوافل إلى حيث تسافر، ويتاجر في الشيلان والبن والمسك والعنبر. فالمهم أن قصيدة «الهجرة» توحي بجو المعلقات، وأن ربطها بها ييُسِّرُ لنا فهمها ويزيده عمقًا.

ولا نستطيع أن نترك هذا الموضوع قبل أن نذكر قصيدة «تأبَّط شرًّا» التي أُعجب بها جوته أيما إعجاب عندما قرأها في ترجمة لاتينية للمستشرق الألماني فرايتاج، ثُمَّ ترجمها بتصرف يليق بشاعر كبيره مثله، وضمها إلى تعليقاته وبحوثه التي ألحقها بالديوان الشرقي في الفصل القصير الذي تكلم فيه عن العرب، ومهَّد لها بكلمة موجزة عنها فوصفها بأنها قاتمة، بل مشبوبة نهمة إلى الأخذ بالثأر والانتشاء به. وقراءة النص الأصلي للقصيدة يحتاج إلى شرح كلماتها العسيرة، فلنكتفِ بذكر هذين البيتين اللذين تبدأ بهما:

إن بالشِّعْب الذي دون سَلْع
لقتيلًا دمه ما يطل
خلَّف العبء عليَّ وولَّى
أنا بالعبء له مستقل

أقبل جوته على ترجمة القصيدة بحماس وحب لا نظير له، وقسَّم ترجمته لكل بيت منها إلى مقطعات تقع كل منها في أربعة أسطر، تؤلف في جملتها ثماني وعشرين مقطوعة.

والمدهش حقًّا أن الشاعر فهم القصيدة فهمًا تامًّا، واستطاع أن يتمثَّل معانيها الغريبة عليه، ويعبر عنها بشعر سلس بسيط، لا يكاد يترك معنًى من معاني تأبط شرًّا دون أن يسجله. إنه يقول معبِّرًا عن مدى إعجابه بالشاعر العربي وعن صدقه في الانفعال بقصيدته: «يكفي القليل لفهم هذه القصيدة، فإن عظمة الخلق، والصرامة، والقسوة المشروعة للفعل هي عصب هذا الشعر.»

والمقطوعتان الأوليان تقدِّمان عرض الواضح، وفي الثالثة والرابعة يتكلم الميت ويلقي على قريبه عبء الثأر له. والخامسة والسادسة ترتبطان من حيث المعنى بالأولى، وتقفان من الناحية الشعرية الغنائية في غير موضعيهما. ومن السابعة حتى الثالثة عشرة نجد تمجيدًا للميت يهدف إلى الإحساس بفداحة الخسارة، ومن الرابعة عشرة حتى السابعة عشرة نجد وصفًا للغارة على الأعداء. والثامنة عشرة ترجع القهقري، والتاسعة عشرة والعشرون كان من الممكن أن توضعا مباشرة بعد المقطوعة الأولى، والحادية والعشرون والثانية والعشرون يمكن أن توضعا بعد المقطوعة السابعة عشرة، ثُمَّ تأتي نشوة الانتصار والمتعة في مأدبة الاحتفال، أمَّا الخاتمة فنجد فيها اللذة المخيفة لرؤية الأعداء فرائس للضباع والنسور. وأروع ما في هذه القصيدة في رأينا هو أن النثر الخالص الذي يصور الفعل يصير شعريًّا بنقله مختلف الحوادث من مواضعها. ولهذا السبب، ولأنها تكاد تخلو خلوًّا تامًّا من كل تزويق خارجي، يزداد جلال القصيدة، ومن يقرؤها بإمعان لا بُدَّ أن يرى الأحداث من البداية حتى النهاية وهي تنمو وتتشكل أمام خياله.٣
وننتقل إلى ميدان آخر فنجد مجموعة من الحِكم المنظومة التي كتبها جوته في أواخر حياته وسجَّل فيها حكمة شيخوخته وسخطه على معاصريه من شعراء وعلماء وأدعياء، في حِكم لاذعة ساخرة. واسم هذه المجموعة هو Zahme Xenien، أي الحِكَم الساخرة الأليفة، تمييزًا لها عن مجموعة أخرى نَظَمها قبل ذلك بسنوات طويلة بالاشتراك مع صديقه شيلر. وتاريخ نشأة هذه الأشعار القصيرة يحوطه الغموض من كل ناحية. وإذا كُنَّا نعلم اليوم أنه بدأ في نشرها سنة ١٨٢٠م، فإننا لا نعلم على وجه التحديد متى بدأ في كتابتها. ولكن الشواهد تدل على كل حال على أنه شُغل بها ابتداء من سنة ١٨١٥م، فنحن نجد في مذكراته اليومية (بتاريخ ٢٥ من ديسمبر سنة ١٨١٦م) هذه الملاحظة العجيبة «زهير»، وبهذا يسجل للمرة الأولى بوضوح اسم أحد شعراء المعلقات. وقد ثبت للباحثين أنه كان مشغولًا في تلك الفترة — التي تدفقت عليه فيها أغاني الديوان! — بقراءة المعلقات. والظاهر أن زهيرًا بالذات كان قريبًا من فكره وإحساسه في ذلك الحين.

ومُعلَّقة زهير تفيض بالأبيات التي تصور حكمته، كما تعبر عن سأم الشيخوخة وزُهدها وصرامتها وتأملاتها في مصائر البشر والقَدَر والموت والحياة. وهذا الموضوع نفسه هو الذي يأتي في المقام الأول في حِكَم جوته اللاذعة. ولو قارنَّا بين بعض أبيات زهير وبين بعض هذه الحكم لوجدنا تقابلًا مذهلًا، يسمح لنا أن نفترض وجود تأثر مباشر لا شك فيه.

فحين يقول زهير:

وإن سفاه الشيخ لا حِلْم بعده
وإنَّ الفتى بعد السفاهة يَحلُم

فإن جوته يتحدث عن أخطاء الشيخوخة التي لا تُغتفر ويقول:

إذا كان الشابُّ أحمق سفيهًا
عانى من ذلك أشد عناء
والشيخ لا ينبغي أن يكون سفيهًا
لأن الحياة عنده أقصر من ذاك.

وكلا الشاعرين يردد كلمة الشيخ والشاب، كما أنهما يوشكان أن يعبرا عن نفس الموضوع بنفس الكلمات. وجوته قد انشغل في هذه الحِكَم كما قلت بالشيخوخة وآلامها وأخطائها، وكيف أن هذه الأخطاء لا تُحتمل من شيخ ولا تليق به، في حين أنها عند الشاب أمر يمكن تداركه في المستقبل.

ويكفي أن نقرأ هاتين الحكمتين لنتأكد من ذلك مرة أخرى:

كُفَّ عن التفاخر بالحكمة
فربما كان التواضع أخلق بالثناء
إنك لا تكاد تقترف أخطاء الشباب
حتى تراك مضطرًّا لاقتراف أخطاء الشيخوخة.

أو حين يقول:

إن الشباب يطولُ به العجب
إذا رأى أخطاء تتسبب في أذاه،
هنالك يثوب إلى نفسه، ويفكِّر في الندم
أمَّا في الشيخوخة فلا يندهش المرء ولا يندم.

وإذا كان أحد أبيات معلقة طرفة يقول:

أرى الموتَ أعداء النفوس ولا أرى
بعيدًا غدًا ما أقرب اليومَ من غد

وكان البيت الثاني عشر من معلقة عمرو بن كلثوم (في شرح الزوزني) يقول:

وإن غدًا وإن اليوم رهنٌ
وبعد غد بما لا تعلمينا

وإذا رأينا زُهيرًا يعبِّر عن هذه المعاني نفسها بصورة أوضح وأدل في البيت القائل (وإن سفاه الشيخ …) ثُمَّ رأينا جوته يطرق هذه المعاني في مجموعة من حِكمه السابقة، فلا يمكن أن يكون ذلك بمحض المصادفة بعد أن أثبت البحث أنه كان مشغولًا بالمعلقات عندما نظم تلك الحِكَم الأليفة اللاذعة. ها هو ذا يقول في البيت الثاني والخمسين والأبيات التالية له من القسم الأول من حِكَمِه ما يؤكد الشبه الشديد في اختيار الكلمات وفي الفكرة نفسها، بحيث لا يمكن كما قلت أن يكون هذا التشابه بينهما وبين أبيات زهير وليد الصدفة:

دائمًا ما يكون الشيخ هو الملك لير
فما تعاون يدًا في يد، وما كافح
قد انقضى من زمن بعيد
وما أحب معك أو فيك وتعذب
قد تعلق بشيء آخر.
الشبابُ هنا موجودٌ لذاته
ومن الحُمق أن أسألك فأقول:
تعال، وشِخ أنت معي.

وإذا كان زهير قد ضجر من طول العمر وسَئِم تكاليف الحياة بعد أن بلغ الثمانين:

سئمتُ تكاليف الحياة ومَن يعشْ
ثمانين حولًا لا أبَا لك يسأم

فيبدو أن هذا قد حفزَ جوته إلى معارضته، وتأكيد حبه واحترامه للحياة. ويكفي أن نقرأ معًا هذه الأبيات لنجد أنها تعيش في جو زهير ولبيد:

يحب أبناؤك أن يسألوك
نودُّ لو طال بنا العمر.
بأي درس تراك تنصحنا؟
ليس من الفن أن تشيخا
فالفنُّ في الصبر والصمود.

أو حين يقول في موضع آخر:

تركتُ نفسي عن طيب خاطر
أتعلم من الصالحين والحكماء
ولكنني كنت أريد الاختصار
فلست أطيق الأحاديثَ الطوال.
ما الذي يتوق إليه المرءُ في آخر المطاف؟
أن يعرف العالم ولا يحتقره.

أو حين يقول أخيرًا في هذا البيت:

إن كنت مثلي قد خبرتَ الحياة
حاول إذن مثلي حب الحياة.

ويتوِّج هذا كله الرباعية الأخيرة من القسم الرابع من الحِكَم اللاذعة وهي التي تقول:

كلما كان أمسُك واضحًا وصريحًا
استطعت اليوم أن تُقْبلَ على العمل في قوة وحرية
كما استطعت أن تأمل في غد
لا يقلُّ عنه سعادةً وبهجة.

وهناك حكمة تكاد تلتقي التقاءً تامًّا مع إحدى حِكم زهير عن الشيخوخة، بحيث نستطيع أن نقول إن جوته لا بُدَّ أن يكون قد فكَّر فيها كثيرًا وهو يكتب أبياته، وأعني بها الحكمة التي يعبر عنها البيت المشهور لزهير — لا في المضمون وحده بل كذلك في الكلمات — فقد عبَّر عن هذا التأثير تعبيرًا يتفق مع أصالته وذاتيته. وإن جاز لنا أن نعجب للتقابل بين الحكمتين، فلا يصح أن نُفاجأ بالتعارض بينهما في النهاية. تقول حكمة جوته، وهي الحكمة قبل الأخيرة من القسم الرابع من مجموعة الحكم اللاذعة:

إن أسوأ ما نلقاه
نتعلَّمه من اليوم الذي نحياه
من رأى في الأمس يومه
فلن يكون يومه شديدَ القرب منه
أمَّا من رأى غده في يومه
فذلك الذي ينشط ولا يهتم.

وتكرار كلمات كالأمس واليوم والغد موجود لدى الشاعرين، بل إن الشاعر الألماني يتفق مع الشاعر العربي اتفاقًا حرفيًّا في التعلم من اليوم أو العلم به، حتى لنستطيع أن نقول إن جوته قد كتب الأبيات الأولى وهو يفكِّر تفكيرًا واضحًا في أبيات زهير. ولكن الشاعرين لا يلبثان أن يختلفا وتتفرق بهما السبل، وهذا أمر طبيعي كما قلت. فكلاهما يتعلم من الأمس واليوم، وكلاهما يسأل عن الغد المجهول، وكيف ينبغي أن يقف الإنسان منه. والشاعر العربي يجهل كل شيء عن هذا الغد، ويؤكد في مرارة واستسلام أنه عن عِلم ما في غدٍ عَمٍ، أمَّا الشاعر الألماني الذي عاش حياته يؤكد قيمة اللحظة الحاضرة ويُمجِّد من يملئونها بالنشاط والعمل المثمر (وفاوست كلها تدور حول هذا المعنى!) فلا يلبث أن يخالف صاحبه العربي، فنراه يعبر من جديد عن حبه واحترامه للحياة وإيمانه بأن من يُنصف الحاضر ويؤدي واجبه فيه فلن يظلمه الغد أبدًا ولن يخزيه. وهكذا ينتهي جوته نهاية تتفق مع تجربة حياته وروح أدبه، في حين انتهى زهير نهاية تتفق كذلك مع تجاربه وروح عصره المضطرب.

هنا أتوقف عن هذه الموازنة لأكرر ما سبق أن أكدته من إيماني بسر الخلق والإبداع، فالمقارنات والمقابلات قد تلقي الضوء على هذا الأثر الأدبي أو ذاك، ولكنها لن تستطيع أن تكشف النقاب عن سره الدفين. وربما كانت قوة هذا السر وغموضه في أنه يخاطبنا بوصفنا بشرًا نتعذب نفس العذاب ونحس نفس المصير، أعني أن يعلو فوق اختلاف القوميات واللغات وأشكال التعبير. ولو سأل سائل: ما الفائدة من المقارنات السابقة لأجبته: ليس القصد منها أن نتباهى بفضل أجدادنا على غيرنا، فهذا شيء لا يلجأ إليه إلا المفلسون الذين يُنقِّبون في ماضيهم الخصيب عن شيء يُبرر حاضرهم الجديب، وأرجو ألا نكون قد وصلنا إلى هذه الحال! إنما القصد أن نُجرِّب كيف تعيش الفكرة الواحدة في ضميرين وعند القصد أن شاعرين يختلف كل منهما في ثقافته ومزاجه ولغته وجنسه، فربما نتعلم من هذا كيف ننظر إلى لحظات الخَلْق والإبداع نظرة الاحترام والإجلال، كما نتعلم أن الفن الحقيقي هو الشيء الذي يستطيع أن يوحِّد بين البشر، ويجمعهم على التفاهم والمحبة والاحترام والإنصاف.

(١) جوته والإسلام

وأخيرًا نسأل: ما علاقة جوته بالإسلام؟

والسؤال بديهي، فلا يمكن أن يكون الشاعر الألماني الأكبر قد عرف شيئًا عن الأدب العربي دون أن يعرف شيئًا عن الإسلام أو يتخذ موقفًا منه، أضف إلى هذا أن اللغة العربية قد شَرُفَت بالإسلام الذي جعل منها لغة حضارية انتشرت في آفاق الأرض، ونسخت غيرها من اللغات القديمة، وفتحت لها ملايين العقول والأفئدة. ومستحيل أن يكون الشاعر قد اهتم بالأدب العربي دون أن يكون قد اهتم بالإسلام، وسوف أقصر كلامي هنا على جانب واحد هو مدى تأثير الدين الإسلامي على أدبه.

الحق إن صلة جوته بالإسلام ونبيه الكريم بدأت منذ شبابه المبكر وصاحبتْه في كهولته وشيخوخته، ونستطيع أن نقول بوجه عام إنه كان يشعر بتعاطف عميق مع الإسلام أكثر من غيره من الديانات غير المسيحية.

فهو في الرابعة والعشرين من عمره يؤلف أغنية تُمجد الرسول وتصوِّره في صورة نهر رائع متدفق، وهو في السبعين من عمره يعترف صراحةً بأنه يفكر منذ زمن طويل في أن يحتفي في خشوع بتلك الليلة المقدسة التي نزل فيها القرآن على النبي ، وبين السنتين حياة طويلة خصبة أظهر فيها الشاعر احترامه وتقديره للإسلام بمختلف الطرق. وتجلَّى هذا كما قلت في كتاب يُعدُّ إلى جانب فاوست من أعذب وأنقى أعماله، وهو الديوان الشرقي، الذي لم يكن ممكنًا أن يظهر إلى الوجود لولا صلته الحميمة بروح الإسلام التي تشيع فيه، ويكفي أن نتذكر العبارة التي كتبها في إعلانه عن ظهور هذا الكتاب وقال فيها إنه لا يكره أن يُشاع عنه أنه مسلم.

وليس مرجع هذه العلاقة الحميمة بالإسلام ونبيه الكريم أنه درس القرآن منذ شبابه دراسة وافية في ترجماته اللاتينية والإنجليزية والألمانية، بل حاول أن يتعلم اللغة العربية ويُجرب الكتابة العربية. وليس مرجعه أنه تأثر بأفكار عصر التنوير وما دعت إليه من تسامح ديني، بل لعل السبب الأكبر أنه وجد في الإسلام من الآراء والأفكار ما تصوَّر أنه يتفق مع عقيدته وفكره ومذهبه في الحياة (الذي نعلم اليوم مدى تأثره بفلسفة اسبنيوزا).

وأول ما يخطر على البال في هذا الصدد أن اهتمامه في شبابه بدراسة القرآن الكريم قد أوحى إليه بمشروع كتابة مأساة أو تراجيديا عن النبي. ولا شك أننا نأسف اليوم لأن هذه المأساة ظلت شذرة لم تكتمل ولم يبقَ منها إلا أغنية محمد التي كانت فاتحة الفصل الأول.

ومع ذلك يتضح من الأجزاء التي لدينا مدى إعجاب الشاعر بشخصية الرسول الذي رأى فيه نموذجًا للنبي الذي لم ينشر دعوته بالكلمة وحدها، بل عمد وجاهد وتحمَّل الأذى في سبيلها. ويتَّضح لنا هذا الحب والإعجاب بشخصية النبي الكريم في الأغنية المشهورة «أغنية محمد» التي كتبها وهو في الرابعة والعشرين من عمره، وكان يقصد بها في البداية أن تكون حوارًا بين علي وفاطمة. وهو يصور النبي في صورة النهر القوي المتدفق الذي يبدأ رقيقًا هادئًا ثُمَّ يصل إلى أقصى قوته وعنفوانه ويتسع حتى يصب في البحر المحيط (رمز الألوهية). ولعل هذه الصورة — وبخاصة عند جوته الشاب المعتز بعبقريته، المؤمن بأن له رسالة إلهية لا تقل شأنًا عن رسالة الأنبياء! — لعلها أن تكون تعبيرًا عن الشاعر نفسه، وهذه هي الأبيات التي تتمثل فيها هذه الصورة:

ها هو يجري في الوادي
متلألئًا بهيًّا،
والأنهار الجارية في الوِهاد
والجداول الهابطة من الجبال
تهتفُ به صائحةً: يا أخانا،
يا أخانا، خذ إخوتك معك،
خذنا إلى أبيك الخالد
إلى المحيط الأزلِّي،
الذي ينتظرنا
بذراعين مفتوحتين.

ثُمَّ تقول الأغنية بعد قليل:

خذ إخوتك من الوادي،
خذ إخوتك من الجبال،
خذهم معك إلى أبيك.

إلى أن تنتهي بهذه الأبيات:

هكذا يضم إخوته،
كُنوزه، أطفاله؛
إلى صدره الجيَّاش بالفرح
ليسلمهم إلى الإله المنتظر.

هذه الصورة لا تعبِّر كما قلت عن شخصية النبي وحده، بل تعبر كذلك عن شخصية الشاعر نفسه. فهو أيضًا قد عرف رسالته، وآمن بأنه يهدي الناس على طريقته، ويرقى بإخوته من البشر إلى حياة أسمى وأرفع. والحق أن جوته لم يتخلَّ عن هذه العقيدة طوال حياته، فظلت شاعريته تحمل هذا الطابع الديني، أو إن شئت هذا الطابع التربوي والأخلاقي الذي لا ينفصل عن الرسالة النبوية، كما ظل الملايين من الناس حتى يومنا هذا يعتبرونه هاديًا روحيًّا، أعني بالمعنى الأرحب بالكلمة.

ولا تكشف أغنية محمد عن إعجاب شاعرنا بشخصية النبي وحسب، بل تكشف كذلك عن إعجابه بركن أركان الإسلام، وهو التوحيد. ويظهر هذا في النشيد الذي يتغنى به محمد وحده في بداية المسرحية، تحت سماء ساجية متألقة بالكواكب والنجوم:

ليس في مقدوري أن أُفضي إليكم بهذا الإحساس،
ليس في مقدوري أن أُشعركم بهذا الشعور.
من يُصيخ السمعَ لضراعتي؟
من ينظر للعين المبتهلة؟
انظروا! ها هو يسطع في السماء، المُشتري النجمُ الصديق
كُن أنت سيدي، كن إلهي! إنه يلوح لي في حنان.
انتظر، انتظر، أتُحوِّل عينيك؟
ماذا؟ أيمكن أن أحب من يتخفَّى عني؟
مبارك أنت أيها القمرُ، يا هادي النجوم،
كُن أنت سيدي، كن إلهي أنت تضيء الطريق.
لا تتركني، لا تتركني في الظلام،
أيتها الشمس، أنت أيتها الشعلة المتوهِّجة التي يتبتَّل لها الفؤاد المشتعل
كوني أنت إلهي، قودي خُطاي، يا من تطَّلعين على كل شيء.
أوَتأفلين أنتِ أيضًا، أيتها الرائعة؟
إن الظلام العميق يُخيِم عليَّ.
ارتفع أيها القلب العامر بالحب لخالقك.
كُن أنت مولاي، كن إلهي، أنت يا من تُحبُّ الخلق أجمعين،
يا من خلقتني وخلقت الشمس والقمر
والنجوم والأرض والسماء.

هذه الأبيات تذكرنا بما جاء في القرآن الكريم في سورة الأنعام (٧٤–٧٩) في مناجاة إبراهيم لربه: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ.

والغريب أن هذه السورة وُجدت ضمن السور التي ترجمها جوته نفسه عن ترجمة ماراتشي اللاتينية، وتظهر فيها دقةُ الفهم وجمال الأداء وشاعريته، كما تتجلى تقواه وإيمانه بالطبيعية كمظهر من مظاهر القدرة الإلهية. ولعل عقيدته التي صاحبته طوال حياته وتأثر فيها أبلغ التأثر بمذهب اسبينوزا في وحدة الوجود — وهو المذهب الذي يتلخص في هذه العبارة المشهورة «الله أو الطبيعة» — لعل هذه العقيدة هي التي قرَّبته من الإسلام وجعلت له هذه المكانة في قلبه. ولا يصح أن نتهمه بعد هذا بأنه خلط في فهمه للإسلام بين وحدة الوجود — وهو شيء بعيد كل البعد عن روح الإسلام — وبين التوحيد. فربما يُغفر له أنه وجد في قراءاته للقرآن الكريم آيات كثيرة تؤيد إيمانه بأن الله يتجلى في كل مخلوقاته على اختلاف مظاهرها. ويكفي أنه أنصف الإسلام وقدَّره في وقت كان فيه المستشرقون يكادون يُجمعون على الافتراء عليه، ولم تكن الدراسات الإسلامية والعربية قد برئت بعدُ من التعصب، ولا وصلت — على الأقل عند عدد لا يُستهان به من الدارسين الغربيين — إلى درجة كافية من الحياد والإنصاف. ويكفي كذلك أن نعلم أن هذه الشذرة من مسرحيته التي لم تتم تختلف تمام الاختلاف عن مسرحية أخرى عن محمد كتبها فولتير وهاجم فيها الرسول أشد الهجوم. وإذا كان جوته قد ترجم هذه المسرحية الأخيرة وعرضها على مسرح «فيمار» الذي كان يتولى الإشراف عليه، فقد أثبت البحث الحديث أنه اضطر إلى ذلك تنفيذًا لرغبة كل من صديقه وراعيه كارل أوجوست أمير فيمار ووالدته وزوجته.

ولعل أكثر ما أعجب جوته في الإسلام وصادف هوًى من نفسه هو هذا التسليم المطلق لمشيئة الله، كما لاحظه في القرآن الكريم وفي أخلاق المسلمين. والأغرب من هذا أنه عاش طوال حياته مؤمنًا بهذه الروح الإسلامية التي أخطأ فهمها الغربيون والمسلمون أنفسهم في عصور التدهور، فكانت عزاءه في المحن والملمَّات. وما أكثر ما كان يقول حين تصيبه مصيبة فلا يجد أمامها سوى الصبر والإذعان والتسليم: «ليس لديَّ ما أقوله سوى أنني ألجأ هنا أيضًا إلى الإسلام.» قال هذا عندما مرضت زوجة ابنه مرضًا خطيرًا، كما كتب أيضًا في رسالة إلى إحدى صديقاته حين انتشر وباء الكوليرا من حوله في سنة ١٨٣١م:

لا يستطيع أحد أن يُشير على أحد بشيء، فليقرر كل امرئ بنفسه ما يشاء، نحن جميعًا نحيا في الإسلام أيًّا كانت وسيلتنا في التذرع بالصبر والشجاعة.

كان رأي جوته دائمًا أن الاطمئنان والتسليم بمشيئة عالية هما الأساس المكين الذي يقوم عليه التدين الصحيح، وهي مشيئة تدبر حياتنا وأقدارنا، ولا نستطيع أن ندرك كنهها لأنها تسمو على أفهامنا ومداركنا. وقد تمثَّلت له هذه العقيدة في الإسلام قبل أي دين آخر، فكان هذا هو سر احترامه له واهتمامه الطويل به. ويظهر أن اقتناعه بفلسفة اسبينوزا منذ شبابه، وإيمانه بمذهب الحتمية الذي قال به الفيلسوف الهولندي٤ ثُمَّ تصوره الخاطئ للتلاقي بين هذا المذهب وبين العقيدة الإسلامية في هذا الصدد، هو أحد الأسباب التي دفعته إلى دراسة الشرق بوجه عام والإسلام بوجه خاص. ومن الطريف أن نذكر أنه أقبل على العمل في ديوانه الشرقي على أثر مشاهدته لصلاة أُقيمت في إحدى المدارس في مدينة فيمار. فقد مرت بالمدينة في أوائل سنة ١٨١٤م فرقة من فرسان البشكير من رعايا الروس المسلمين كانت تتعقب جيوش نابليون المهزومة، فأُتيح له ولغيره من السكان أن يحيُّوهم ويشاهدوا صلاتهم عن كثب ويسمعوا آيات القرآن الكريم تُرتَّل أمامهم. وتصادف قبل ذلك بشهور معدودة أن رجع جماعة من الجنود الألمان إلى وطنهم فيمار بعد اشتراكهم في الحرب الإسبانية، وكانوا يحملون معهم صفحة من مصحف مخطوط عليها سورة «الناس»، وهي آخر سورة في ترتيب سور المصحف (١١٤). سُرَّ الشاعر أيما سرور بهذه الهدية، وطلب من المستشرق «لورزباخ» الذي كان أستاذًا بجامعة فينا أن يترجمها له، بل ذهب إلى أبعد من هذا وحاول أن ينسخها بنفسه.

كان هذا كله، إلى جانب قراءاته المتصلة في القرآن الكريم وعنايته بالاطلاع على سيرة الرسول، مما أعانه على أن يعيش في جو الإسلام، ويألف عالمه الفكري والروحي. ونستطيع اليوم أن نقول إنه لولا هذه الصلة الحميمة بالإسلام ما قُدِّر له أن يكتب ديوانه الشرقي، ولا قُدِّر له كذلك أن يتحرك في هذا العالم الغريب عنه بحرية وصفاء فيجدد شاعريته وشبابه، ويخلط الجد بالدعابة، ويعبِّر عن إعجابه بحافظ الشيرازي وحنينه للشرق واحترامه للإسلام، دون أن نسمع في الديوان كله نغمة شاذة أو نقرأ كلمة واحدة تؤذي شعور المسلمين. ولا بُدَّ أن إمعانه في دراسة القرآن هو الذي ألهمه بعدد كبير من قصائده، ويكفي أن نقرأ هذه الأبيات الأربعة المعروفة:

لله المشرق
لله المغرب،
الأرض شمالًا
والأرض جنوبًا
تسكنُ آمنة
ما بين يديه.

يكفي أن نقرأها لنتذكر هذه الآية الكريمة من سورة البقرة (١١٥): وَلِلهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.

وثمة أبيات أخرى من كتاب «المغنِّي» من الديوان الشرقي تقوم على سورة الفاتحة، ولعل الشاعر أن يكون قد كتبها وفي ذاكرته كذلك سورة «الناس» الذي ذكرت قصتها:

ينازعني الغيُّ والضلال
لكنك تعرف كيف تهديني.
اهدني أنت في أعمالي
وفي أشعاري الصراط المستقيم.

وهناك أبيات أخرى من نفس الديوان يبدو أن الشاعر قد تأثر فيه تأثُّرًا مباشرًا بهذه الآية الكريمة من سورة الأنعام (٩٧): وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ:

جعل لكم الكواكبَ والنجومَ
لتهتدوا بها في البر والبحر،
لكي تنعموا بزينتها
وتنظروا دائمًا إلى السماء.

كل هذه القصائد تردد صوتًا واحدًا، ألا وهو التسليم بالقَدر الذي رسمته مشيئة الله. ولو أردنا أن نتتبع هذا الصوت في ثنايا الديوان لطال بنا القول، ويكفي أن نشير إلى هذه الأبيات من كتاب الأمثال:

ربُّ الخلق قد دبَّر كل شيء
تحدد نصيبُك، فاتَّبعِ السبيل،
بدأ الطريق، فأتمَّ الرحلة.

أو إلى هذا البيت من كتاب التفكير على لسان جلال الدين الرومي:

إن أقمتَ في العالم فِر كالحلم،
وإن رحلت حدِّد القدر طريقك.

فمشيئة الله هي التي تحدد طريقنا وترسم حياتنا، ولولا إيمان جوته بوجود قُدرة عالية مدبِّرة للكون ولمصير الإنسان فيه، ولولا أنه وجد في العقيدة الإسلامية ما زاد من اطمئنانه إلى هذا الإيمان وقوَّاه في نفسه، لما كان من الممكن أن تشيع هذه الروح السمحة التقية في قصائد الديوان الشرقي، ولا أن يسري فيها سُموُّ التدين حتى حين يلجأ للمرح والدعابة الصافية. ويبدو أن الشاعر قد آمن أيضًا بأنه ليس من سبيل للإنسان أمام المشيئة الإلهية إلا التسليم بالقدر والاطمئنان لما يصيبه على يديه، والتذرُّع بالتسامح في الفعل والقول والشعور. ولعل أروع ما قاله في هذا الموضوع هو الأبيات التي جاءت في كتاب الحكمة (والترجمة للشاعر الكبير المرحوم الأستاذ عبد الرحمن صدقي):

مِن حماقة الإنسان في دنياه
أن يتعصَّب كلٌّ مِنَّا لما يراه،
وإذا الإسلام كان معناه أن لله التسليم
فإننا أجمعين، نحيا ونموت مسلمين.

ولا يجوز أن نحمِّلَ البيتين أكثر مما يحتملان، فالواجب يدعونا أن نفهمها على ضوء ما سبق من الكلام عن إيمان الشاعر بمشيئة عالية ينبغي على الإنسان أن يسلم أمره إليها، وارتياحه إلى هذه العقيدة التي وافقت شخصيته وطبعه، كما أكدت ما سبق قوله أكثر من مرة عن اقتناعه بفلسفة اسبينوزا. والمهم أن الشاعر الكبير قد بدا في شيخوخته وكأنه يريد أن يغيِّر حياته كلها ويستقبل شبابًا جديدًا ويتفتح على عالم جديد. فها هو ذا يقتبس من القرآن الكريم ما يوافق مزاجه وشاعريته، وها هو ذا يترك «هوميروس، وهيلينا، وإيفيجينيا» لينعم بصحبة «زليخا» و«حاتم» و«المجنون» والندامى و«الحور» و«الدراويش» والمغنِّين! وإذا كان من غير الجائز أن نبالغ في هذا التحوُّل إلى الشرق أو نفهم منه أنه يدل على تحول تام عن الغرب، فمن الواجب في الوقت نفسه أن نقرر أنه لم يسبق في تاريخ الفكر الغربي أن وجدنا شاعرًا مثله يتجه بكل روحه إلى الشرق ويطلق خياله فيه بكل حريته تاركًا وراءه ميراث ألفَي سنة من التراث القديم والوسيط والحديث.

ويزداد إعجابنا وإكبارنا لهذا الشاعر إذا عرفنا أنه لم يكن في سن الشباب الجريء المتهور، بل في سن الخامسة والستين عندما راح يتجول في رحاب الشرق كأنما وُلد من جديد. وخليق بنا نحن العرب أن نتذكر هذا الشاعر الجليل كما صوَّر نفسه في إحدى قصائد ديوانه وهو يقطع الصحاري الشاسعة على ظهر جواده وليس فوق رأسه إلا النجوم، ولا في قلبه غير الحب والتسامح، والاطمئنان والصفاء، والإيمان برسالة الدين والأدب والفن في توحيد بني الإنسان على التآخي والسلام.

(٢) قصة الديوان الشرقي

كثيرة هي الكتب التي نقرؤها ونادرة هي الكتب التي نعيش معها، والديوان الشرقي هو أحد هذه الكتب التي تصحبنا في رحلة العمر، نرجع إليها بين الحين والحين لنستمد منه العزاء والإيمان، وننهل منه الحكمة والحب، ونجد في أشعاره النقية وألحانه العذبة من الصفاء والمرح والجمال ما يرد إلينا الانسجام المفقود في عالمنا اليومي المزدحم بالقبح والفوضى والأنانية والضغائن.٥ ثُمَّ إنه — بجانب فاوست — أهم ما أبدع هذا الشاعر المطبوع القديم وأصدقه تعبيرًا عن قلبه الرقيق وفكره العميق وتجربته الوجدانية بالحياة. وربما كُنَّا — نحن القراء في الشرق — أحق بهذا الديوان من قرائه الغربيين وأقدر منهم على تذوقه وإنصافه والإحساس بصوره ورموزه وإشاراته. فكم من قصيدة تهبُّ علينا منها أنفاس الصحراء العربية، أو تستوحي روح الإسلام وعالمه السَّمح. وكم من حكاية أو نادرة مُستوحاة من حياة النبي الكريم وأولياء الله الصالحين أو الشهداء المجاهدين في سبيله. وكم من اسم يُتلى من شعراء العرب والفرس الذين نعرفهم، أو على الأقل نسمع عنهم ونألف صورهم وأخيلتهم ولا نجد مشقة في التعاطف معهم والابتسام لدعابتهم ومشاركتهم حبهم ولهوهم وغنائهم.

لن نتصور هذا كله — كما قد يتصوره القارئ الغربي — مجرد تلاعب حركي بأقنعة شرقية يتوارى خلفها شاعر كهل ليعكس عليها لواعج حبه المشبوب لفتاة في عمر أبنائه. بل سيزداد عجبنا وإعجابنا بهذا الشاعر الذي يستقبل «النور الطالع من الشرق»، ويجدد شبابه وشاعريته ينطلق فوق جواده «ولا شيء فوق رأسه إلا النجوم» ليسافر مع القوافل ويحضر مجالس الشراب في الحانات، ويخالط الندامى والعشاق والدراويش، ويُغنِّي بلسان حافظ والمجنون وزُليخا وهدهد سليمان وحوريات الفردوس، ويُقيم جسورًا من الحب والعرفان والتسامح بين الشرق والغرب الذي ظل شعراؤه قرونًا طويلةً يتغنون بآلهة الأوليمب ويلهثون في آثار هوميروس وبندار دون أن يحفلوا بروح الشرق أو يحاولوا طرق أبوابه الموصدة، حتى جاء هذا الشاعر فبدأ عهدٌ جديدًا للاهتمام بتراث الشرق واستلهامه ودراسته دراسة علمية جادة.

لم يسبق لشاعر غربي قبل جوته أن فتح هذه الأبواب لينفذ إلى عالم الشرق الفسيح، ويتجوَّل بين شعوبه وحضاراته المختلفة على مر العصور، ويسافر في بحاره ومدنه وصحاريه، ويفتح قلبه وعينيه على كتبه وأسراره، ويدير في النهاية هذا الحوار الشائق بين القارات والقرون والآداب والأديان والعادات.

ومع ذلك — وهذه هي معجزة الاستلهام الأصيل! — لم يضيِّع الشاعر نفسه في الغُربة، ولم ينسَ ذاته في الفيافي ومضارب الخيام. لقد سجل يوميات رحلته الشرقية شعرًا في هذا الديوان، ولكنه بقي ديوان شاعر غربي تتغنى قصائده الخالدة بالمدن والحانات التي زارها، والخمور التي ذاقها، ونعمة الحب أو مرارة الهجرة والفراق التي جربها. وكما تدل كلمة الديوان الفارسية الأصل على الجمع أو المجموع، كذلك تؤلف أشعار الديوان بين الشرق والغرب، والعام والخاص، وأقدار الطغاة الجبابرة والشعوب والحضارات الغاربة، كأنها مرايا تعكس هذا الحوار العابث الجاد في اثني عشر كتابًا أشبه باثني عشر وترًا تتوافق لعزف لحن واحد ينبعث من آلة واحدة.٦ ولهذا لم يخطئ بعض النقاد عندما وصفوا الديوان بأنه سيمفونية شعرية ترتبط فيها البداية بالنهاية، ويظهر اللحن ليختفي ثُمَّ يتكرر ظهوره، أو عندما شبهه الشاعر نفسه بسجادة فارسية تتشابك فيها القصائد كما تتشابك الخيوط والزخارف، وتُستغرَقُ الأجزاء في الكل كما يشتمل الكل على الأجزاء.

•••

ما قصة هذا الديوان؟ متى بدأ جوته في كتابته؟ ما الذي حرَّك قلبه ومدَّ يده إلى أساطير الشرق وأغانيه وحِكمه وأمثاله وصوره وحكاياته للتعبير عن أشواقه وآلامه؟ متى بدأت تجربة لقائه مع الشرق؟ وما البحوث التي اعتمد عليها والترجمات التي قرأها واستوحاها؟ ثُمَّ ما موضوعات هذا الديوان، وكيف استقبله الناس؟ لنَدُرْ قليلًا مع عجلة التاريخ قبل أن نتوقف معًا عند القصائد التي يضمها الديوان الشرقي-الغربي.

أعلن جوته عن «الديوان الشرقي للمؤلف الغربي» لأول مرة في أواخر شهر فبراير سنة ١٨١٦م في «صحيفة الصباح» التي كان يصدرها كوتا ناشر أعماله، وذلك لتعريف القراء بكتبه وموضوعاته. وكان العنوان الأصلي الذي وضعه له هو: «الديوان الغربي-الشرقي أو مجموعة قصائد ألمانية تتصل اتصالًا مستمرًّا بالشرق»، وكان قد اطَّلع قبل ذلك بسنتين على ديوان حافظ الشيرازي في ترجمة المستشرق النمساوي «يوسف فون هامر بورجشتال». ولا شك أن الأمر لم يكن مجرد اطلاع على مجموعة من الشعر الفارسي، وإنما كان لقاءً حقيقيًّا بدأت معه مرحلة حاسمة في حياته وإنتاجه تفتحت في ظلها زهرات هذه القصائد النادرة التي تُعد أخلد تعبير عن تجربة اللقاء بين الغرب والشرق. ولعلها لو تمت قبل ذلك أو بعده لما أثرت عليه كل هذا التأثير. فقد صادفت فيه وجدانًا متوهجًا بالشباب والحب وبهجة الخلق والإبداع، وعقلًا صافيًا صقلته حكمة الشيخوخة وتجاربها، وكيانًا مهيَّأً لتقبل المزيج من العاطفة والعقل الذي وجده في الشعر الشرقي.

ولم يكن عالم الشرق في يوم من الأيام غريبًا عليه، صحيح أن منابع التراث الإغريقي والروماني ظلت دائمًا مصدر وحيه وثقافته، ولكن منابع الشرق لم تنقطع أبدًا عن جذب عينيه إلى بريقها وغموضها. ونحن نعرف أن هردر٧ وجَّهه إلى قراءة الكتاب المقدس بوصفه تاريخًا حضاريًّا للشرق القديم، كما نبَّهه ونبَّه أمته بوجه عام إلى الآداب الشرقية وأغانيها الشعبية الأصلية، بفضل ترجماته العديدة عن الآداب الفارسية والهندية والصينية، ورؤيته الحضارية الشاملة التي تضم مختلف العصور والشعوب، وتصور تاريخ البشرية في وحدة عضوية حية نامية. وكان هردر يعرف حافظ الشيرازي، كما ترجم بعض قصائد سعدي، واهتم بالأغنية الشعبية و«أصوات الشعوب في أغانيها» وضم هذه العناصر كلها إلى الصورة الرحبة التي قدمها عن تاريخ البشرية في كتابه المشهور «أفكار عن فلسفة تاريخ البشرية». وعكف جوته في أثناء دراسته في ستراسبورج على ترجمة أجزاء من نشيد الإنشاد. واهتم منذ سنة ١٧٧٣م بالحضارة العربية والاطلاع على ترجمات القرآن الكريم وسيرة الرسول لإعداد مسرحية عنه كانت تشغله في ذلك الوقت كما أسلفنا القول، ولم يتمكن من إتمامها، وقام سنة ١٧٨٣م بترجمة أبيات من الشعر الجاهلي استعان فيها — كما ذكرنا — بترجمات المستشرق الإنجليزي وليم جونز، كما كتب في سنة ١٧٩٧م بحثًا عن «إسرائيل في الصحراء» ضمه بعد ذلك إلى تعليقاته على الديوان، وحاول أن يثبت فيه أن رحلة بني إسرائيل في الصحراء بعد خروجهم من مصر لم تستغرق أكثر من سنتين، وأن خرافة التيه لمدة أربعين سنة قد اخترعها اليهود في وقت متأخر. وظل منذ شبابه يضع الشرق نُصْبَ عينيه، فهو يقرأ مذكرات الرحَّالة بكل الشوق والإعجاب، ويتابع جهود المستشرقين الذين كان بعضهم من أعز أصدقائه، في اللغات الألمانية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية واللاتينية، حتى استحق في النهاية أن يُستشار في شغل كرسي الآداب الشرقية في جامعة يينا، وقد كانت كعبة الأدب والفلسفة في ذلك الحين.
كان سعدي الشيرازي٨ مؤلف «جلستان» و«بستان» هو أول من عرفه الأدب الألماني من شعراء الفرس العظام الذين ازدهروا من القرن الحادي عشر إلى القرن الخامس عشر؛ فقد ترجم له آدم أولياروس،٩ كما نقل هردر بعض قصائده وأمثاله. ثُمَّ ظهرت ترجمة حافظة الشيرازي (من حوالي ٧٢٦ﻫ/١٣٢٦م إلى حوالي ٧٩٢ﻫ/١٣٩٠م) التي أشرنا إليها سنة ١٨١٢م واطَّلع عليها جوته فأخذته الدهشة والإعجاب «بتوءم روحه» ها هو ذا يجد نفسه في شاعر قديم نشأ في ظل حضارة أخرى، نفس البهجة بالحياة والحب لهذا العالم، واستغراق العين في صور الكون وألوانه وأشكاله، ورويه الأبدي الخالد منعكسًا في كل ما هو أرضي، والشوق الديني الغامر، والحب الصوفي الذي يُنبتُ أجنحة للمحدود فيسمو للا محدود، وقصائد الحب والخمر، والبلبل والوردة، تشتعل بنار العاطفة وفي الوقت نفسه تُصفِّيها أنوار العقل، لا بل تلعب معها وتداعبها، لا مادة هنا ولا دوافع مظلمة، بل يتنفس عطر الروح، كما يشبهه هذا الصوفي المبتهج بأفراح العالم وأعاجيبه، وكم سبح مثله في تيار حضارة غنية سعيدة، وكم هاجمه المتشددون من رجال الدين فرد عليه في حدة وترفُّع. ثُمَّ جاء عصر العسف والطغيان — مع جراد تيمورلنك! — فغيَّر العالم دون أن يغيره. أوجه شبه عدة: هنا الحياة الرخية في إمارة فيمار الصغيرة في ظل الأمير كارل أوجست الذي أحبه كصديق وتوَّج جبينه بإكليل أرباب الأوليمب، وهناك الحظوة والهناء في ظل أسرة مَظَفَّر، هنا المحنة القاسية تحت نير جيوش طاغية العصر الحديث نابليون، وهناك المحنة الرهيبة تحت سنابك خيول تيمور ونيرانه ودماره، ثُمَّ قبل كل شيء هذا التوافق في الرؤية والمضمون والمزج بين الموضوعية والرمز، وهنا وهناك قصائد تبدو في ظاهرها غزليات فاضحة تتعبَّد حُسن زليخا «أو مريانة» في محراب الحب، لكنها قد تكون كذلك صورًا للحب الإلهي. فالخمر هي الخمر، وهو نشوة المتصوف بالمحبوب الأسمى. أهي هذا أم ذاك؟ هي الأمران معًا: حِس وروح، أرض وسماء، كونٌ وإله، جسد وتصوف. العالم ينكشف لنور الروح، ويعلن عن أعماقه، لكن عالمه يظل غريبًا على الفريقين، على المتزمتين ذوي الأفق الضيق، وعلى الغائبين في المواجِد والأشواق.
أوَلا يَصدُق هذا أيضًا على شاعر الغرب؟ ألم يكن العالم عنده سرًّا مُقدَّسًا مكشوفًا، فالأبدي الواحد يتكشف له في مختلف الأشكال، والشاعر الأرضي لم يوجد إلا لكي يندهش به؟ ألم يكن العالم عنده «انعكاس اللامتناهي» و«رمزًا لله»؟ ألم يقل مرة (في بحثه عن نظرية الطقس والأنواء) إن الحق — وهو الألوهية نفسها — لا يمكننا من معرفته مباشرة، وإنما نعاينه نراه في الانعكاس، والمثل، والرمز، ألم يكن مثله يملك القدرة على الرؤية الصوفية التي ترى المحدود بعين اللامحدود، ويملك مع ذلك الوعي بحدوده البشرية التي تعبر عن نفسها في حرية الدعابة والتهكم؟ استمع إليه وهو يتحدث في تعليقاته على ديوانه الشرقي١٠ فيقول عن قصائد حافظ:١١

لن نقول إلا القليل عن هذه الأشعار؛ إذ لا بُدَّ أن يتذوقها القارئ ويتناغم معها. إن الحيوية المتدفقة المعتدلة تنساب منها. كان (حافظ) يعيش قانعًا راضيًا مبتهج الطبع حكيمًا، يشارك بنصيبه في خيرات العالم الوفيرة، ويتطلع من بعيد إلى أسرار الألوهية، منصرفًا في الوقت نفسه عن أداء الشعائر الدينية وعن لذات الحِس. وإذا كان يبدو في الظاهر أن الفن الشعري يعظ ويعلم، إنه يحتفظ بالضرورة بنوع من مرونة التشكك وحريته.

وفي موضع آخر من تعليقاته يقول:

إن الطابَع الأسمى للشعر الشرقي هو ما نسميه نحن الألمان بالروح، ذلك المبدأ الذي يوجه الإنسان ويهديه، وتنتمي الروح بوجه خاص للشيخوخة أو لعصر كوني تُثقله أعباؤها. وأهم ما تتَّسم به هو النظرة المحيطة بالكون والدعابة والاستخدام الحر للمواهب، وكلها خصائص مشتركة بين شعراء الشرق.

ولا يصح أن نُسيء فهم عبارة ما «نسميه نحن الألمان بالروح»، فالشاعر لا يقصد بها «الروح المطلق» بالمعنى الميتافزيقي الذي أشاعته الفلسفة المثالية الألمانية وبخاصة عند هيجل، وإنما يقصد ما يفهمه هو نفسه من الروح، فهي تعبر عن شخصيته أتمَّ تعبير حتى تدل على الوعي الذي جعله لا يفزع من شيء مخيف، والمرح الذي يحركه للتعبير عن كل شيء في صورة مبهجة. ثُمَّ إن الروح تصوِّر مهمة الشاعر في هذه العبارات الكلاسيكية (التي تعبر عن رؤيته الفنية أفضل تعبير): إن تفكير الشاعر يتعلق في الحقيقة بالشكل. أمَّا المادة فيعطيها له العالم فيجزل العطاء، وأمَّا المضمون فيصدر صدورًا حرًّا عن ثروة وجدانه الباطن، ويلتقي الاثنان لقاء غير واعٍ، بحيث لا يدري الإنسان في النهاية لمن يعود الفضل في هذه الثروة. غير أن الشكل، وإن كان يكمن في العبقرية بوجه خاص، يريد أن يُعرف ويُتأمل، وهنا تظهر الحاجة إلى التدبُّر والتفكير لكي يتلاءم الشكل والمادة والمضمون، وتتناغم مع بعضها، وتنفذ بعضها في بعض.

لا شك أن خصوبة شعراء الفرس وتنوعهم الذي يتدفق من رحابة العالم الخارجي وثروته التي لا حدَّ لثراء ألوانها هو الذي جذبه إلى قراءتهم والإعجاب بهم. فهو يشيد بعنايتهم بالتفاصيل، ونظرتهم النافذة والمُحبَّة التي تستخلص من كل شيء أهم خصائصه، وتصور الكائنات الطبيعية الساكنة في صور شعرية يمكن أن توضع بجانب الصور واللوحات التي أبدعها الرسامون الهولنديون، بل ربما تفوقت عليها بسمُوها المعنوي. إنهم لا يسأمون تكرار الموضوعات الأثيرة لديهم، ولا يعمل الواحد منهم تصوير نور المصباح الباهر وضوء الشمعة الساكن، حتى إن الأشياء الطبيعية تصبح عندهم بديلًا للأساطير، كما تحتل الوردة والبلبل مكان أبوللو ودافني عند الإغريق. وإذا تذكرنا أنهم لم يعرفوا المسرح ولا فن النحت، فإن موهبتهم الشعرية لم تكن أقل من أية موهبة عرفها التاريخ، وكل من يأنس عالمهم الخاص لا بُدَّ أن يزداد إعجابًا بهم.

لم يكن غريبًا على «هوميروس العصر الحديث» أن تلتقط عينه المبصرة — كعين النسر الإلهي! — هذه السمات المميزة للشعر الشرقي. ولكن يبدو أن «المغناطيس» الحقيقي الذي جذبه إليهم وهو على أعتاب الشيخوخة، هو صوفيتهم التي وصفها بأنها صوفية أرضية أو دنيوية. لقد كانت جديرة بأن تلمس وجدانه، وأن يحس روحها الحادة العميقة، ويشعر بقربها من تفكيره وإنتاجه بعد أن بلغ الخامسة والستين من عمره. ووصفه للأسلوب الذي عبَّر به هؤلاء الشعراء عن روحهم الصوفية بحيث لا يضير الشاعر منهم أن يُحلِّق بنا إلى السماء ثُمَّ يهوي بنا إلى الأرض أو العكس، وقيامه على التوحيد بالله والتسليم بمشيئته. كل هذا كان خليقًا أن يحركه إلى كتابة قصائد أخرى تدور في فَلَكه الروحي، وها هو ذا يحدد في رسالة إلى صديقه تسلتر١٢ أوجه التلاقي بينه وبين شعراء الشرق فيقول:

إن الدين الإسلامي بما فيه من أساطير وأخلاق يتيح لي أن أكتب شعرًا يوافق سِنِّي. فالتسليم المطلق بإرادة الله الخافية علينا، والنظرة المرحة المحيطة بالحياة الأرضية التي تبدأ وتعود على الدوام في صورة دائرية يستخفها اللعب، والحب والميل اللذان يرفَّان بين عالمين، والواقع الذي يصفى وينحل في الرمز ما الذي يريده الجد العجوز أكثر من هذا؟! هذه العبارات التي يمتزج فيها الجد بالدعابة تذكرنا بأسلوب شعره في الديوان «بالبعد عن الانفعال»، بالجدية العميقة التي يتخللها المرح المكشوف، بالتهكم على النفس و«مرونة التشكك»، «بالروح» التي ذكرها بنفسه في أثناء حديثه السابق عن شعراء الشرق، أو التي عبر عنها في إحدى قصائد الديوان من كتبا زليخا «لأن الحياة هي الحب، وحياة الحياة هي الروح» في الحادي عشر من شهر مايو سنة ١٨٢٠م.

لهذا أمكنه أن يقول عن قصائد ديوانه في تعريف القراء بها إن بعضها لا يتنكَّر للنزعة الحسية، ولكن بعضها الآخر يمكن أن يُئوَّل تأويلًا روحيًّا، فالإنسان الغني بالروح يتأمل كل ما يُقدم للحواس كنوع من التنكر الذي تختفي وراءه حياة روحية أسمى على نحو مضحك عجيب، وذلك لكي يجذبنا إلى مناطق أكثر نبلًا.

•••

كيف استطاع هذا الشاعر الغربي أن يتذوق الشعر الشرقي؟ ألم يجد فيه شيئًا غريبًا عليه أو منفرًا له؟ هل أمكنه أن يوفِّق بين صوره الغريبة واعتماده إلى حد كبير على القافية والإيقاع في توليد هذه الصور وبين القيم المألوفة في شعره؟ هل افتقد فيه التجربة والوحدة والنظام الذي عرفه في تراثه؟ وما الذي أعجبه فيه أو صدمه منه؟

كان الشعر عند المصريين القدماء وعند أول شاعرة غنائية في التراث الغربي وهي «سافو» أو عند شاعر روماني مثل «كاتول»، بل عند الألمان أنفسهم منذ عهد جوته نفسه هو شعر التجربة. فالقلب يعترف للقلب. والشعر العربي والفارسي لا يخلوان بطبيعة الحال من التجربة، ولكن الإيقاع والقافية التي تستدعي قافية أخرى ظلت تحددهما إلى حد كبير حتى حاول المجددون في أيامنا أن يتحرروا من العمود ووحدة القافية بالإضافة إلى محاولات أقدم في الشعر الشعبي والزجل والموشح. والتصورات والأفكار التي تضمنها في عهوده الأولى نشأت في دائرة الوجود الذي لم تُعقِّده الثقافة العقلية، ولهذا كان الإيمان رحبًا واسعًا — كما تقول قصيدة الهجرة التي يبدأ بها الديوان — وكانت للكلمة أهميتها القصوى لأنها كانت كلمة فاهت بها الشفاه. ولعل هذا هو الذي جعل جوته يقول إن اللغة العربية كانت في ذاتها ولذاتها لغة منتجة أو خلَّاقة، فهي خطابية بليغة بقدر ما تستجيب للفكرة، وهي شاعرية بقدر ما تلائم ملكة التخيُّل. ولا بُدَّ أنه كان يفكر عندما قال هذا في الصيغة السحرية التي نبع منها كل شعر، كما تصور أن هذا السحر كان لا يزال يؤثر على الشاعر الشرقي بحيث أصبح نطلق الكلمة نفسه فعلًا من أفعال الخَلق والإيجاد. ولهذا راح يؤكد أن لغته تعتمد على الجَرْس والإيقاع، مما يُضعف علاقتهما بنظام الواقع أو يلغيها، كما أن القافية تقوم بدور كبير في بعث الصور وتسلسلها أو تضادها، مما يحيِّر القارئ الغربي ويخالف ذوقه، ويُنفره في بعض الأحيان من الصنعة والتكلُّف.

غير أنه إذا كان من الطبيعي أن يجد جوته في الشعر الشرقي بعض الغرائب والمفارقات التي تخالف ذوقه وذوق قُرائه، فإننا نراه يبذل كل جهده للاعتذار عنه ومحاولة تجربته في ظل الظروف والضرورات التاريخية التي نشأ فيها. ولم يكن من قَبيل المصادفة أن يضع هذه الأبيات في مقدمة تعليقاته على الديوان، وكأنها شعار ينبئ عن تسامحه ونزاهة حكمه وسعة أفقه وبُعده عن التعالي والغرور:

مَنْ أراد أن يفهم الشعر
فليذهب إلى بلد الشعر
من أراد أن يفهم الشاعر
فليذهب إلى بلد الشاعر.
ولم يُقدَّر لجوته أن يذهب إلى شعراء الشرق في بلادهم، ولا أن يقرأهم في لغتهم، ولكنه التقى بهم فيما تيسَّر له من ترجمات في لغته أو في لغات أوروبية أخرى (على الرغم من استحالة ترجمة الشعر التي تقضي على روحه وجسده جميعًا ولا تُبقي منه — مهما تكن موهبة المترجم! — إلا على ظل الظل وانعكاس الانعكاس) ها هو ذا يتحدث عن «أنوري» شاعر المديح الأكبر عند الفرس١٣ فيقول:

إننا لن ننصفه إذا جعلنا من الظروف التي عاش في ظلها وعبر فيها عن موهبته جريمة تُحسب عليه. وهل كان ينبغي أن نطلب منه أن يتولى وظيفة عامل رصف للشوارع، على ما في هذه الوظيفة من نفع كبير؟

كما يقول عن جلال الدين الرومي (تُوفِّي سنة ١٢٦٢م) بعد عرض قصير لشعره الصوفي: «لا يصح أن نأخذ عن هذا الروح العظيم أنه اتجه إلى الإغراب والإلغاز.»

أمَّا عن حافظ فهو يفسر التناقض بين وظيفته الدينية وبين شعره المفعم بالبهجة بأن الشاعر في الشرق كان يمكنه في الوقت نفسه أن يكون راوية للحكايات، ولم يكن من الضروري أن يفكر في كل ما يعبر عنه ولا أن يحياه بنفسه.

مهما يكن من نفور شاعرنا من الصنعة الشكلية، فقد انجذب إلى شكل القصيدة الغزلية التي أسرف الشاعر المستشرق ركرت (١٧٨٨–١٨٦٦م) في كتابه «أزهار شرقية» والشاعر الرومانسي فون بلاتن (١٧٩٦–١٨٣٥م) في كتابه «غزليات» في محاكاتها وتقليد أوزانها وقوافيها. فنحن نجد في الديوان الشرقي غزليتين جميلتين، تكرِّر إحداهما (وهي بعنوان: الرضا الأسمى من كتاب التفكير) كلمة توجد في آخر كل بيت وبيت، كما تكرِّر الأخرى (وهي من كتاب الساقي) كلمة السُّكْر، ومن يقرأ القصيدتين يحس بنبض التجربة الصادقة التي تطبع شعره؛ إذ لم يكن مجرد مقلد لهذا الفن الشعري كما فعل مواطناه السابقان.

وإذا كانت مثل هذه المحاولات أقرب إلى اللعب والتسلي بإظهار البراعة في الشكل، فالمؤكد أن مضمون شعر حافظ الشيرازي هو الذي أثَّر عليه أكبر الأثر. لقد وجد لديه نفس الموضوعات التي كانت تشغله، واستوحى شعره على طريقة بعض شعراء العصر الوسيط الذين كان يحلو لهم أن يتناولوا قصائد الحب والقصائد الشعبية المعروفة فيبدلوا كلماتها «الدنيوية» بكلمات روحية أو صوفية مع الإبقاء على شكلها ووزنها. ولو قارنَّا بين بعض قصائد الديوان الشرقي وبين أشعار حافظ لوجدنا أوجه شبه مذهلة في المعنى والصورة والرمز، وإن لم يمنعه هذا التقارب الشديد من المحافظة على شخصيته وأصالته. فقصيدة «حنين مبارك»، التي تُعد من أهم قصائد الديوان بل من أهم قصائده على الإطلاق، مستوحاة من قصيدة مشابهة وردت في ديوان حافظ (في حرف الصاد، الغزليَّة الأولى) وتقول أبياتها التي أحاول أن أنقل إليك معناها:
روحي كالشمعة تحترق بنيران الحب، بالحس الطاهر ضحيت بجسمي، بنقاء القلب، وإذا لم تصبح كفراش يشتعل بنار الوجد، فمحال أن تنجو أبدًا من وهم الحب، هل يدري العامة يا حافظ ما ثمن اللؤلؤ؟ حاذرِ يا حافظ من أن تعطي جوهرتك إلا لمريد.١٤

ويكفي أن تقرأ قصيدة «الحنين المبارك» في كتاب المغنِّي لترى أن القصيدتين متقاربتان ومتباعدتان في آنٍ واحد، والواقع أن هذه القصيدة هي دُرة أشعار الديوان ومرآة مراياه، فهي توحد بين الطريق إلى الحب — بالتضحية والفداء — والطريق إلى الله بالفناء في ذاته العليَّة فناء الفراشة في نور الشمعة. وهي كذلك توجه أبصارنا — وكأنها واسطة العقد — إلى كتابَي العشق وزليخا من ناحية، وكتابي البارسي والفردوس من ناحية أخرى، ففي الحب تَديُّن، وفي التدين حب.

ويمكن أن نقدم مثلًا آخر على هذا الاستلهام الأصيل لشعراء الفرس. فقد قرأ جوته في الجزء الثاني من كتاب المستشرق فون دييز «تذكارات آسيوية» هذه القصيدة للشاعر التركي نشاني:١٥

عندما كنت مبتدئًا في فن الحب قرأت بعناية عدة فصول، من كتاب مملوء بمتون الأحزان وفقرات الهجران، وقد أوجز فصول الوفاق، وأسهب في شرح هموم الفِراق، آه يا نظامي! في النهاية هداك إلى الدرب الصحيح معلم الحب، والأسئلة التي لا حل لها لن يجيب عنها إلا حبيب القلب.

ولو قرأت قصيدة «كتاب مطالعة» — وهي من كتاب المغنِّي — للاحظت القرب الشديد بينهما، ولَما غاب عنك أيضًا أن الأخيرة شيء جديد مختلف الروح والإيقاع (ولو شاء حظك أن تقرأهما في لغتهما الأصلية لكانت الملاحظة أدق، لكن لا حيلة لي أو لك في هذا!) ولسنا نقلل من تأثير النماذج العديدة التي اهتدى بها الشاعر، وإنما نقصد أنها نبهت مادة الإحساس التي كانت راقدة في وجدانه دون أن تعثر على الشكل الملائم، وكأنما أزاحت السدود فتدفق التيار وشق مجراه. وقد كانت اليد المباركة التي أزاحتها هي يد حافظ، فاندفع توءم روحه الغربي في طريقه دون حاجة إلى تقليد.

•••

نشأ الديوان الشرقي أيام الكفاح في سبيل التحرر من قبضة نابليون وطغيانه. وكان جوته يعلم أن عددًا كبيرًا من قرائه سيكون من الشباب الذين تطوعوا تحت لواء «فون لتسوف» وفي صفوف «فرسان فيمار» لمطاردة جيوش نابليون الغازية (وقد انهزم أمام الجيوش الأوروبية المتحالفة في يونيو من ١٨١٥م في واترلو) وعندما كان الشاعر يجمع مادة تعليقاته وبحوثه عن الديوان — وكان ذلك سنة ١٨١٧م — كان هؤلاء الشبان يتظاهرون ويتصايحون حول قلعة فارتبورج المشهورة ويهتفون بسقوط الملوك والأمراء والنبلاء، هل يمكن في هذا الجو العاصف أن يحدِّثهم عن الساسانيين والخلفاء والبرامكة؟ وكيف يستقبلون كلامه عن استبداد الحكام والسلاطين في الشرق ونفاق المدَّاحين من شعراء البلاط؟ وهل يتورَّع أحد عندئذٍ عن اتهامه بالبعد عن الشعب والتعالي عليه كما حدث له بالفعل قبل ذلك وبعده؟

إن هذا كله لم يمنعه مِن أن يفرد فقرة من «تعليقاته» عن استبداد الحكام في الشرق وعن شعر المديح الذي يلازمه ولا ينفصل عنه. وهو في هذه الفقرة يعرض الاتهام لكي يرد عليه بعد ذلك بدفاع مستفيض. فالحاكم الشرقي مُدَّعٍ مغرور، يضع نفسه على رأس الأدعياء. الجميع خاضعون له، وهو السيد الذي لا يقبل من أحد أمرًا، بل إن إرادته لتخلق بقية العالم، بحيث يسعه أن يشبِّه نفسه بالشمس أو الكون كله، والغريب أنه يختار شريكًا في الحكم يشد أزره ويدعم عرشه، وليس هذا الشريك إلا شاعره الذي يرفع شعره فوق جميع الفانين، وإذا اجتمع في البلاط عدد آخر من أصحاب المواهب الشعرية عيَّن عليهم «أمير الشعراء» وقرَّبه إليه. وقد يشتد الغرور بهذا الأمير الشاعر فيظن نفسه قرين الحاكم والسلطان، وربما أطبق عليه جنون الغضب أو اليأس والمرارة إذا خاب أمله وطموحه وأخفق رجاؤه في الحكام (كالفردوسي والمتنبي!) هذا الادعاء والتسلط يهبط به من أعلى درجات العرش حتى يبلغ الدرويش المسكين القابع في زاوية شارع حقير (وهي نفس ملاحظة الكواكبي في طبائع الاستبداد؛ إذ يجرف الطغيان كل شيء من المستبد الأعلى حتى الشرطي في الطريق!) ولعل هذا هو الذي جعل جوته يفضِّل لنفسه (في تقديمه لكتاب زليخا) أن يكون درويشًا قانعًا مكتفيًا بنفسه؛ لأن الشحاذ الحقيقي مَلِكٌ حر، ولأنه لا يملك شيء ومع ذلك يمكنه بالفكر والخيال أن يوزع الممالك والكنوز ويسخر ممن كان يملكها حقًّا ثُمَّ ضيَّعها! ولهذا نراه يتطوع بتقمص شخصية الدرويش الفقير في هذا الكتاب لكي يظهر في كبريائه أمام الحبيبة التي تبادله حبًّا بحب. ولا بُدَّ أن شاعرنا كتب هذه الفقرة عن الاستبداد الشرقي العريق وفي ضميره ذكرى رعب الإغريق من جيوش الفرس الجرَّارة التي كانت تدمر مدنهم ومعابدهم بلا رحمة، وسخريتهم من طغيان حكامهم الذين يضعون أنفسهم في مكان الآلهة، وعبودية محكوميهم الذين يسجدون لهم وينافقونهم نفاق الكلاب. ولهذا كان الإغريقي يعتز بحريته في وجه كل غريب غير إغريقي — أو بربري كما كانوا يسمونه! — مهما يكن شأنه (وقصة الحكماء اليونان السبعة وعلى رأسهم المُشرِّع صولون مع كرويزوس ملك الليديين أشهر من أن تُروى — فقد أبى صولون حتى أن يصفه بأنه سعيد على الرغم من كنوزه التي جعلته أغنى أغنياء زمانه؛ إذ كيف يمكن لغير الحر أن يكون سعيدًا؟) ولعله أيضًا كان يفكر فيما كتبه معاصره هيجل عن جدل السيد العبد في ظاهريات الروح أو في محاضراته عن فلسفة التاريخ.

مهما يكن من شيء فإنه لا يلبث أن يرد على الاتهام بدفاع متسامح بليغ. وهو يقدم هذا الدفاع على لسان «رجلين مُتَّزنين»، أحدهما عالم إنجليزي والآخر ناقد ألماني. ولم يتوصل الباحثون إلى اليوم إلى معرفة شخصيتهما. ولعل الأرجح أن يكونا قِناعَين وضعهما الشاعر نفسه للدفاع عن نفسه وعن علاقته الحميمة بأمير فيمار كما يدل على ذلك أسلوبه وتفكيره. إنه يبتعد على كل حال عن التعميم الظالم ويحاول أن يلتمس العذر لبعض شعراء المديح الذين اضطرتهم الضرورات التاريخية والحياتية إلى الخضوع لمشيئة السلطان، واستطاعوا في الوقت نفسه أن يعبِّروا تعبيرًا حُرًّا عن مواهبهم، لم يكن جميع هؤلاء الشعراء منافقين، ولم يمدحوا المستبدين دائمًا عن خوف من جبروتهم أو عن جهل بقيمة الحرية، وإنما صدروا في ذلك عن تقدير لبعض هؤلاء الحكام الذين اعترفوا بالكرامة الإنسانية وتحمسوا للفن الذي سيخلِّد ذكرهم. ويقلِّب جوته الطرْف في أشكال الحُكم عبر التاريخ فيجد أن الحرية والعبودية تتمثَّل فيها جميعًا في تعارض يشبه تعارض القطبين المتضادين. فإن كانت السلطة في يد شخص واحد، كان الجمهور ميَّالًا للخضوع، وإن كانت في يد الجمهور، كان ذلك في غير صالح الفرد. ويسري هذا على كل المستويات حتى يتصادف أن يتم التوازن في مكان ما، وإن يكن ذلك لأمد قصير. ثُمَّ يورد أمثلة من حياة الطغاة ليثبت أن الطبيعة الإنسانية لا تُقهر أبدًا، وأنها على الدوام تواجه الاضطهاد وتصمد للضغط والإرهاب. فالإسكندر الأكبر أعمته نشوة الانتصار فتصوَّر نفسه إلهًا وفرض على مَن حوله أن يعاملوه معاملة المعبود. وعندما يحتدم النقاش ذات يوم بينه وبين كليتوس صديق طفولته وأخيه في الرضاع، يندفع في غضبه كالمجنون فينزع حربة من على الجدار ويغرزها في صدره. وعندما يكتشف أنه لن يجد بعد ذلك من يقول له «لا» يهيم وحيدًا باكيًا في الصحراء كوحش يائس جريح، والسفَّاح الطاغية الأكبر تيمورلنك، ذو العين الواحدة والقدم العرجاء، ينظر إلى وجهه في المرآة ويكتشف قبحه الفظيع فيجهش بالبكاء! ويقدم المرآة لأنيسه وجليسه «جحا» فيشاركه البكاء. ولكن السفاح يكف بعد لحظات عن بكائه وجحا لا ينقطع عن النشيج والبكاء. وسأله السفاح لماذا يبكي والمرآة لم تره وجهًا قبيحًا كوجهه، فيقول الساخر الأبدي: يا سيدي أنت رأيت وجهك مرة واحدة فبكيت، فكيف نحن المقضي علينا أن نرى وجهك كل صباح ومساء؟ ويرتفع صوت السفاح بالضحك دون أن يخطر بباله أن الدعابة من أقوى أسلحة التحدي والمقاومة.١٦

هكذا تتمكن روح التحرر والعناد والثقة بالنفس والكبرياء عند الأفراد من إحداث التوازن مع السلطان المطلق للسيد الأوحد.

فهم عبيده، ولكنهم غير خاضعين له. كذلك كان شعراء المديح عند الفرس والعرب خاضعين للسلطة العليا التي تتدفق منها كل إساءة أو إحسان. ومع ذلك كانت لبعضهم على الأقل طبائع معتدلة، ثابتة، متماسكة، واستطاعوا أن يعيشوا ويعملوا في صدق معها، ويستخدموا مواهبهم في التعبير عنها بحرية، بقدر ما تسمح بذلك ضرورات البيئة والتاريخ وأكل العيش.

(٣) جاء الديوان في أوانه

ففي صيف ١٨١٤م، شعرَ جوته بأن ربيع الشباب يعود إليه، وأن وجدانه يحن للخَلق حنين الأرض العطشى للأمطار، والنبع الفائض للفوران. وكانت سنوات الحرب بثقلها وسوادها قد مرت وضجيج السلاح قد سكت. وها هو ذا يفرغ من القسم الثالث من سيرة حياته «شعر وحقيقة»، كما يعيد ترتيب قصائده لطبعة جديدة لأعماله الكاملة توشك على الظهور. وضاقت به الحياة في «فيمار» المحدودة، وسئم الملل اليومي والمهام الرسمية ونظرات الناس المثبَّتة عليه وكيد الخصوم وحسد الصغار له. وغالبه الشوق القديم إلى السفر. ولمن يشتاق إلا إلى الوطن، إلى مهد الطفولة الذي لم يره منذ سنوات طويلة؟ شدَّ الرحال وركب عربة السفر. وفي الطريق عرج على قرية «بيركا» الصغيرة بجوار فيمار للاستشفاء والاستجمام. ولبث فيها حتى أواخر يوليو. سكون الريف، وموسيقى باخ وموزارت في الأمسيات الهادئة، هل من شيء آخر يسمح للوجدان بأن يعتكف ويرتد إلى نفسه، قبل أن يطلق ويفيض؟ وأقبل لأول مرة على قراءة حافظ. همست أسرار الشعر بداخله، وامتلأ بأحلام الخلق كما يمتلئ كيان الأم بأسرار جنين. واجتذبه الراين: نسيمه ومروجه، خمائله وكرومه، خمره وخبزه، مجموعة الكنوز الفنية من الفن الجرماني القديم عند صديقَيه الأخوين سوليس وملكيور بواساريه. ثُمَّ الترحال من بلد إلى بلد، حيث يُحييه الناس ويُكَرِّمون فيه شاعرهم الأكبر، وحافظ رفيق سفره، وديوانه لا يترك مكانه بجانبه. وفجأة تتحرك المعجزة وتثب من الرحم المظلم والنبع الجيَّاش بأغوار الباطن، فيكتب عدة قصائد في طريقه إلى بلدة «أيزيناخ» تُصوِّر التناقض بين سكون الطبيعة وضجيج الحرب، وترتدُّ إلى الماضي ثُمَّ تستبشر بالمستقبل. فهو في إحداها — وهي قصيدة ظاهرة من كتاب المغنِّي — يخاطب نفسه بقوله:

«أبعدْ عنك الحزن، يا شيخي المرح الطيب، إن كان الشَّعر كساه الشيب، فقريبًا سوف تحب.» وفي اليوم التالي في طريقه إلى مدينة فولدا، يعاوده طوفان الخَلق فيصل عدد القصائد إلى تسعة، ويلتقي وهج الشباب ووعي الشيخوخة والحنين إلى اللعب والإحساس الطاغي بالتفوق. «تزدهر الوردة والزنبقة بأنداء الصبح، بينما كيوبيد يشدو فوق الناي على شط الجدول، يهزم رعد الحرب وينفخ مارس في بوقه» (وكلاهما من كتاب المغنِّي).

ويستمر تدفق النبع في الأيام التالية. وعندما يبلغ مدينة فيسبادن في التاسع والعشرين من يوليو يكون قد دوَّن قصيدة «الحياة الكلية»، وبعدها بيومين لؤلؤة أشعار الديوان: «حنين مبارك». وتأتي أيام الصيف والخريف التي أمضاها على ضفاف الراين بما كانت نفسه تتمناه. فهو يشارك في الاحتفال بعيد القديس روخوس في «بنجن»، ويملأ عينيه وقلبه بأفراح الشعب. ويسافر إلى ضيعة أسرة برنتانو في «فنكل» فيستمتع بالريف والخمر والأصدقاء، ويزور سوق الخريف في فرانكفورت فيستسلم لدوامة المهرجان، ويزور هيدلبرج زيارة قصيرة ويتحمس لمجموعة الرسوم الجرمانية والمسيحية القديمة عند صديقه القديم بواساريه. وتتوالى قصائد كتاب الساقي واحدة بعد الأخرى. ويرجع في أكتوبر إلى فرانكفورت فيلتقي بصاحبه القديم رجل المال والأعمال يوهان ياكوب فيليمر وزوجته الثالثة — التي لم تكد تتم الثلاثين ربيعًا — «مريانة» الشاعرة الرقيقة التي خلَّد حبه لها في الديوان فسماها زُليخا، وسمَّى نفسه «حاتم» الذي فتنته كما فتنت امرأة العزيز يوسف الصدِّيق، وفي مساء الثامن عشر من الشهر نفسه، يجتمع معها في بيتهما الريفي «الجربرميلة» وسط خمائل الكروم على شاطئ نهر الماين في ضواحي فرانكفورت، ويشاهدان معًا أنوار الاحتفال بذكرى مرور السنة الأولى على معركة ليبزج، ولا بُدَّ أن يكون رب الحب قد جمع بينهما في هذه الليلة بقيده الذهبي الساحر، فكم احتفلا به بعد ذلك كل مع نفسه وذكرياته. ولا بُدَّ أيضًا أن تكون ربة اللحظة الأسطورية المواتية قد أسلمت لهما خصلة من شعرها الذهبي وشفتيها الحلوتين، ولكن اللقاء لم يَطُل، فلم يلبث أن رجع بعد يومين إلى فيمار.

وازداد عدد القصائد التي يناجي فيها حافظ على غير ما كان يتوقع. وشدَّد الشرق قبضته الساحرة عليه. وبدأ ينظم قراءاته لأعمال المستشرقين ومذكرات الرحَّالة إلى بلاد الشرق. فهو يطالع كتاب الأقدمين مثل أولياريوس، أو كتب المحدَثين مثل جونزودييز، كما يعكف على المجلدات الستة التي نشرها النمسوي «هامر-بورجشتال» تحت عنوان «كنوز الشرق» ويعاوده الحنين إلى «بريق الغرب وإشراقه» فيستقل العربة في الرابع والعشرين من شهر مايو. وتنبثق نافورة الشعر من جديد، ويواصل الخيط الرقيق الذي كان قد انقطع في الأيام الأخيرة من زيارته السابقة لفرانكفورت فيكتب عددًا من القصائد، منها قصيدتاه المشهورتان: «إن زليخا سحرتها فتنة يوسف، لم يكُ أمرًا عجبًا، لما كنت تُسمَّين زليخا، فخليق بي أن أحمل اسمًا.» ثُمَّ يستجم عدة أسابيع في مدينة الحماماة «فيزبادن» ويكتمل «كتاب الساقي» ويرتب جميع القصائد — التي كان يحرص على كتابته التاريخ والمكان تحتها، في فهرس لا يزال محفوظًا في مكتبته. ويدعو صديقه «بواساريه» ليكون أنيسه وجليسه فيلبِّي دعوته، ويحيا في جواره من أوائل شهر أغسطس حتى أوائل أكتوبر، ويسجل الصديق أحاديثه وذكرياته الغالية عن هذه الأسابيع القليلة في سطور تفيض بالتواضع والذكاء والحياة. ثُمَّ تأتيه الدعوة التي كان يتشوَّق إليها من فلليمر، فيستجيب لها من فوره ويقضي شهرًا في بيته الريفي على ضفاف الماين١٧ (وهو البيت الذي اشتهر في تاريخ الأدب كما سبق باسم الجربرميلة أو طاحونة الدباغين) لا تقطعه إلا سفرة أيام قليلة إلى بيت صاحبه في فرانكفورت. لم ينسَ بطبيعة الحال أن يأخذ معه ديوان رفيق سفره حافظ إلى «الجربرميلة». وكيف ينساه وهو الذي سيكون رسول الغرام بينه وبين «حوريته» الهاربة من الجنة؟ قدمه لها هدية وأقبلت عليه بعاطفة المحب وإحساس الفنان، واكتشفت ببصيرتها سحر العالم الذي أثَّر عليه، فلم تتوانَ عن مشاركة وحدته، واهتزت أوتار قلبها على أنغام حافظ وصوره ورموزه — أو بالأحرى على ما يبقى منها في ترجمة هامر الذي لم يرحم شيئًا شرقيًّا من ترجمته! — وراح الحبيبان في هذه الأسابيع القليلة يقلِّبان في صفحات ديوان حافظ، ويختاران منه القصائد التي توافق حالهما النفسية. ويبدو أنهما اتفقا على هذه القصائد «الرياضية» في رسائلهما التي سيتبادلانها بعد ذلك، بحيث تتألف الرسالة من مجموعة من الأعداد التي تشير إلى رقم الصفحة والبيت المناسب فلا يستطيع «عذول» أن يحل أسرار الشفرة التي لا يعرف مفتاحها!
ولا بُدَّ أن تكون «مريانة» الجميلة قد بعثت إليه بعدد كبير من هذه الرسائل السرية التي كان لها فضل اكتشافها، مما جعله يكتب عنها في إحدى فقرات تعليقه على الديوان. فقد بعثت إليه على سبيل المثال برسالة تتألف من هذه الأعداد:
٤٠٤، ٢٠-١٩.
٢٠١، ٢٤-٢٣.

وحل هذه الشفرة العاطفية هو هذه المقطوعة التي وردت في ترجمة ديوان حافظ، وكان من السهل على الحبيب أن يجدها في لحظات بعد أن عرف رقم الصفحة والأبيات على الترتيب:

من زمنٍ لم يكتب لي صاحبي رسالة،
من زمن لم يبعث لي بتحية،
لم يذكرني بسلام أو برسالة،
طوبى لمريضٍ يبلغه نبأ من أحبابه.

هكذا أصبح جوته يجد نفسه وحبيبته في ديوان حافظ، كما أصبح هذا الديوان أشبه بلحن اشتركا في عزفه، فلا يكاد أحدهما يسمعه بعد ذلك بسنوات حتى تعيش «الأنا» مع «الأنت»، وتشعر أنها ليست وحدها في وحشة العالم، ولم تكتفِ الحبيبة بأن ترافق وحدته في عالم الشرق، بل وجدت نفسها — تحت لهيب أنفاسه — ترد على زفراته الشعرية بزفرات لا تقل عنها رقةً ودفئًا، بل ربما فاقتها في بعض الأحيان صدقًا وعذوبة (ومنها قصيدتاها للريح الشرقية والريح الغربية اللتان ضمهما إلى ديوانه بعد أن أجرى عليهما بعض التعديلات الطفيفة التي ربما أغضبت الحبيبة والنقاد جميعًا).

وسافر الشاعر في الثامن عشر من سبتمبر إلى هيدلبرج وتبعه فيللمر ومريانة بعدها بخمسة أيام، وتفتحت في أيام اللقاء الثلاثة قصائد ثلاث (على فروع الأغصان الممتلئة، لقاء الشعب والخدم والحكام، وتجد الأخيرة في كتاب زليخا) كما أوشك كتاب «زليخا» على التمام، وكل قصائده تعبِّر عن نعمة الحب الكبرى التي غمرت فؤاده بسعادة لا توصف، وفتحت فيه جراحًا عميقة لن تندمل، ورجع إلى مستقره في فيمار فوصل إليها في الحادي عشر من أكتوبر، وبدأت سحب الشتاء ولياليه الطويلة وأمطاره فانهمرت معها ألحان الديوان الموجعة (صورة سامية، وصدًى، وكتاب مطالعة، وتجدها في كتاب زليخا وكتاب العشق).

وفجأة يغيض النبع وتنطفئ الشرارة، فما أبعده الآن عن بريق عينَي الحبيبة التي كانت تُدفئه، عن أنفاسها التي كانت تُحييه. لم يبقَ إلا أن يزيد من عدد الحِكَم والأمثال التي لن يعجز عنها العقل، وأن يفزع لجمع مادة التعليقات والملاحظات التي لا تحتاج لدفء القلب. ويرتب القصائد في اثني عشر كتابًا، ولا تكاد عربة «هليوس» تبدأ سيرها في طريق العام الجديد حتى يبدأ الطبع. غير أن معجزات الشعر تأتي بغير أوان. فها هي ذي أطياف الذكرى تزوره فجأة، تحمل معها زاد الحب، وتقدم نعمة الأخذ والعطاء، وترتفع به على جناحَي الدين والتصوف، ويدوِّن القصائد الثلاث: تأخذ منك السنوات «من كتاب التفكير» بهرامجور — كما قيل — اخترع القافية «من كتاب زليخا» وأعلى والأعلى «من كتاب الفردوس». ولعل السطور التالية التي أحاول فيها أن أنقل إليك معنى القصيدة الأولى أن تعطيك فكرة عابرة عن حسرته على الحب الضائع، وحزنه الذي فاض وبلغ حد اليأس، وتمسُّكه بصخرة الفكرة والذكرى حتى لا يغرقه الموج:

«أخذتْ منكَ السنوات، كما قلت، كثيرًا:
متعة ألعاب الحس
وذكرى عبث الأمس،
وحُرمت من التجوال طويلًا
بين مغاني الأرض (ونور الشمس)،
مِن شرف كان يسُرُّ النفس
جفَّ معينُ الخلْق وغاض النبع،
فغامِر «وانفضْ عنك غبارَ اليأس».
قل لي ماذا يبقى لك؟»
يبقى ما يكفيني، تبقى الفكرة والحب.

وظهر الديوان سنة ١٨١٩م. ولكن لحنه لم يكن قد توقف، وشكله لم يكن قد تم، فلم يلبث النبع أن فاض مرة أخرى بخمس قصائد جديدة من كتاب الفردوس، وهي: تذوق، وسماح، وحيوانات مرضيٌّ عنها، وهي في الحقيقة أصداء لألحان سابقة تعزف على وترى الحب والدين اللذين انبعثت منهما أغنيات الديوان كله. ولا بُدَّ أن الشاعر تفكَّر طويلًا في السراب الذي فتن عينيه في صحراء الكهولة، فقرر أن يعيد بلبل القلب الطائش إلى قفصه. تشهد على ذلك الرسالة السابقة الذكر التي كتبها إلى صديقه تسلتر وتحدث فيها عن التسليم المطلق بإرادة الله الخافية.

قلت إن الديوان أشبه بمجموعة من المرايا، كل قصيدة فيها تعكس القصيدة الأخرى، وتتبادل معها الحوار بحيث تنمو نموًّا عُضويًّا لتشكيل كلٍّ متكامل مدهش في تجانسه وجمعه بين الأضواء والأقطاب والعناصر المتقلبة. وهو كذلك الدائرة التي تستمد وحدتها من وحدة الشخصية المتزنة التي أبدعتها وسرت في كل نقطة فيها، ولهذا فهو يكاد يكون كونًا صغيرًا، دائرة روحية تمتد إلى كل مجالات العالم والنفس، منطلقة من مركز تشغله «الأنا» الشاعرة التي احتوت العالم في داخلها، وضمَّت تراث البشرية إلى صدرها، وعاشت حياة جادة غنية خصبة متنوعة. هو دائرة شعرية رسمته يد رجل مجرِّب حكيم، لا يدَ شاب مهتاج ثائر، بمداد تمتزج فيه نار القلب الذي نسي قانون الزمن (وكذلك قلب الفنان!) بنور العقل المتفوق الساخر. وقد سار الشاعر على هذا التكوين الدائري في ترتيب كُتب الديوان، وإن يكن قد التزم فيه بالترتيب الموضوعي، لا بالترتيب الذاتي الذي يعكس ظروف حياته وكتابته. يؤكد هذا ما قاله بنفسه لصديقه تسلتر:١٨

إن كل جزء من أجزاء الديوان يتغلغل فيه معنى الكل، وهو في صميمه ذو طابع شرقي حميم، ولا بُدَّ أن يُفهم معنى القصيدة عن طريق القصيدة المتقدمة عليها، إذا أُريد له أن يُحدث أثره على الخيال أو الشعور، إنني أنا نفسي لم أكن أعرف أي كُلٍّ عجيب صنعته منه.

هذا التكوين الدائري للديوان هو نفس التكوين الذي يميز إنتاج الشاعر المتأخر. ولا نقصد بهذا طابع الاتزان والوعي الواضح الذي يسري فيه وحَسْب، بل نريد به كذلك طابع التضاد الذي ينتج عن تقابل قطبين أحدهما سالب والآخر موجب، إذ لا يمكن أن يخلو أي نظام أو نسق (كما كشفت أخيرًا أبحاث البنيويين وأصحاب نظرية المنظومة) من صراع أو توتر جدلي — أو بالأحرى حواري — داخل هذا النسق. ولا أظن أحدًا يختلف معنا في أن العمل الفني الخليق بهذا الاسم يمثل نسقًا. ولا أظن أيضًا أنه ينكر صراع القوى الدرامي الحي الذي لا بُدَّ أن يدور بداخله. وقد أكد الشاعر نفسه هذا التضاد القطبي في طبيعة الوجود نفسه، وفي كل شكل من أشكال الحياة والفكر. ولهذا كان القبض والبسط، والشهيق والزفير من التعبيرات التي يستخدمها باستمرار ويعبر عنها في العديد من أعماله.١٩ ولكن هذا التضاد لم يمنعه من رؤية الكل السابق على صراع الأطراف والأجزاء. بل إن هذا الكل — كما أكد أرسطو ويؤكد المحدثون أيضًا — شيء أسبق من أجزائه وأشمل، ولا يمكن أن يكون مجرد حصيلة ناتجة عنها مجموع مؤلف منها. ولهذا كان الديوان كما قلنا دائرة كبرى تشتمل على دوائر صغرى عديدة، وكان التضاد الذي يحركه ويبعث الحياة فيه هو التضاد بين قطبي الحب والدين، اللذين يجتذبان عناصر أخرى تدخل كلها في هذا المجال الشعري المفعم بالسحر والحياة. والكلمات التي يقولها الشاعر عن ديوان حافظ تصدُق على أشعاره المتأخرة، وبخاصة مجموعة شعره الفلسفي، كما تصدُق على ديوانه الشرقي، فهو يقول في قصيدة جميلة من كتاب حافظ بعنوان «بغير حدود»:
شعرك يا حافظُ دار دورةَ السماء
البدء فيه دائمًا والمنتهى سواء.٢٠
في داخل هذه «الدورة الكونية» يتصارع القطبان الأزليان: الحب والدين. فالحنين الديني — أو الصوفي! — يغلب بوجه خاص على «كتاب المغنِّي» والكتب الثلاثة الأخيرة من الديوان، وهي كتب: «الأمثال» و«البارسي» (أي الفرس القدماء من المجوس عَبدة الشمس والنار) والفردوس، كما يسري في سائر الكتب. والحنين إلى الحب يغلب على كتب العشق وزليخا والساقي الفردوس (على غير ما كُنَّا نتوقع!) كما تتكرر تنويعاته المختلفة في الديوان كله، سواء كان يعبر عن عاطفة شخصية، أو تاريخية، أو كونية، أو غزل بين الشاعر والحورية في الفردوس، ولهذا كانت قصيدتاه «عودة اللقاء»:٢١
أمن الممكن يا نجم النجوم
أن ألاقيكَ وللقلب أضمُّك
آه منها ليلة الهجر الأليم
حفرت هاوية بيني وبينك
و«حنين مبارك» من أهم قصائد الديوان، بل لعلهما في رأي معظم النقاد من أروع شعره على الإطلاق وأكثره دلالة على شخصيته وفكره. ولا يقتصر موضوع الحب على هذه الكتب والقصائد وحدها، بل يتغلغل أيضًا في قصائد الحِكم والأمثال، فما يعبِّر مرة عن القلب بصورة طبيعية مباشرة يعبر مرة أخرى عن الأشياء عن طريق التأمل العقلي المتزن. وفي كل الأحوال تتفتح شخصية الشاعر وتمتد في كل اتجاه كأنها قد أصبحت دائرة كبرى تضم وجوده كشاعر كما تضم نظرته إلى الكون (وبخاصة في الكتب الثلاثة الأولى من الديوان، وهي: المغنِّي وحافظ والعشق) وتصوره في علاقاته وصراعاته، مع غيره من الناس ومن صغار الشعراء (من الكتاب الرابع إلى السادس، أي كتب التفكير والضيق والحكم) سواء في صورتها السلبية وهو يقاوم ظواهر الطغيان (الكتاب السابع من تيمور والشتاء) أو في صورتها الإيجابية وهو يتحقق بنعمة الحب والرضا والسعادة (من الكتاب الثامن إلى التاسع، أي كتابَي زليخا والساقي)، وتأتي الكتب الثلاثة الأخيرة فتكتمل الملامح الدينية التي تكسو الديوان كله. فالعالم يرمز لله، و«الله» حاضر في جميع العناصر، وعبادة الطبيعة عند الفرس الأقدمين وعقيدة التوحيد عند المسلمين وإيمانهم بالآخرة ينطقان بلغة رمزية واحدة تُعبِّر عن وحدة التجربة الدينية الأولى، أو عن دين أصلي ينشر فروعه وأوراقه كتعريشة الكروم فوق بيت العالم، وهكذا تتلاقى الأرض مع السماء، والوثنية مع الرسالات السماوية، والإنسان مع العالم، والحب والشباب المتجدد مع الدين، والعقل والإحساس بالتفوق والتعاظم مع الميل إلى الدعابة الماكرة، تجد هذه الموضوعات المتفرقة في قصائد متفرقة، وقد تجدها مجتمعة في قصيدة بذاتها (مثل قصيدَتي الهجرة والحنين المبارك اللتين ورد ذكرهما أكثر من مرة) ويصبح الديوان دائرة واحدة ووحدة دائرية، تعكس كل قصيدة منها سائر القصائد على صفحة مرآتها، وتكشف للمنتبه عن المعنى الكامن للأشياء٢٢ كأنها (مونادة) ليبنتز الوحيدة الحبيسة بين جدرانها، ومع ذلك فهي أشبه بمرآة تعكس العالم كله من وجهة نظرها وبقدر وضوح إدراكها. فلو عرفت مونادة واحدة — أي لو عرفت أي كائن فرد مستقل من بين جميع الكائنات الفردية المستقلة معرفة تامة — لأمكنك أن تصل منها إلى معرفة كل ماضيه وحاضره ومستقبله، ولو تذوقت قصيدة واحدة من قصائد الديوان لعرفت الديوان كله، ومن يدري؟ ربما أحسست بروح الكون كما جربه هذا الشاعر وحاول أن يكشف عن معناه وسره، وأن يملأ بالفعل والوعي والإبداع كل لحظة من لحظات الزمن الذي أُتيح له فيه.

•••

لا شك أن الديوان الشرقي تعبير ذاتي عن جوته في كهولته وشيخوخته، وهو يكشف بمضمونه ولغته عن شخصية صاحبه وينفذ إلى صميم جدرانه، ولكننا نخطئ خطأً كبيرًا لو تصورنا بعد هذا التتبع التاريخي أنه مجرد سيرة شعرية ذاتية لحياته. فليس حاتم هو جوته، ولا مريانة هي زليخا. صحيح أنه يرتبط بمادته الشرقية ارتباطًا يوشك أن يكون في بعض الأحيان حرفيًّا، ويتأثر بشعر حافظ الشيرازي — توءم الروح — في بعض المواضع إلى حد التقليد، ولكن الديوان عمل فني قبل كل شيء، يشكِّل عالمه الأسطوري بنفسه، ويستخدم الموضوعات الشرقية لتكون بمثابة أقنعة يخفي الشاعر فيها نفسه كما يكشف عنها في وقت واحد، ويأخذ المضمون لكي يتصرف فيه بحريته الفنية وقدرته على التشكيل.

إن العنصر الشرقي يعبِّر عن عنصر عام يجمع بين الشرق والغرب، والروح الشرقي يتجاوب مع منطقة روحية مماثلة في باطن الشاعر نفسه. لقد وجد في الشرق كنوزًا رأى أن من حقه استغلالها فراح يستخدمها ببساطة كأنها شيء بديهي أو جزء حي لا يتجزأ من كيانه الشعري. ربما تعجَّب قارئه الغربي من الأسماء الشرقية، وربما سأل نفسه من هو المتنبي أو المجنون، ومن هي ليلى أو بثينة، ومن هو شهاب الدين (السهروردي) الذي خلع ثيابه في عرفات ليدخل الحرم،٢٣ وغيرها وغيرها من الأسماء التي ربما لا يعرفها غير المختصين بالآداب الشرقية، ولم يعرفها الشاعر نفسه إلا قبل العكوف على العمل في ديوانه بزمن قصير. ولكنه سيفطن أثناء قراءته إلى أنه أمام شاعر غربي يتجول في ربوع الشرق ويتقمص في الوقت نفسه شخصية شاعر شرقي. إنه يسهر في خيمته مع الساقي في ليلة صيف، ولكنه يتحدث عن هسبيروس (نجمة المساء) وأورورا (الفجر) ويذكر إجلال المسلمين للقرآن الكريم لكي يَنحَى باللائمة على صغار الأدباء في عصره ممن فقدوا كل إحساس بالاحترام والخشوع والتوقير. ويصف نعيم الفردوس وحوريات الجنة لكي يتمنى أن يحدثهن بلغته الألمانية … إلخ. فالمادة الشرقية مجرد مناسبة لا قيمة لها في ذاتها، والمهم هو الشكل الفني الذي يعطيه لها، واللعب الحر الذي يجعله يتصرف فيها. إن الشاعر يعرف أنه يلعب وهو يريد أيضًا أن يستمتع بهذا اللعب.

ومن هنا كان الوعي والوضوح اللذان يغمران قصائد الديوان، ويُحدِثان التوازن بين المادة والشكل، بين مرح الشيخوخة ونزواتها الفاضحة ولوعة الحب وجراحه التي لم تعد تليق بمن في سِنَّه. وفي مقابل هذا الوعي الناصع نجد النشوة التي تسري في جميع كتب الديوان، فهي نشوة السُّكْر، والعشق، والشعر، والإيمان العميق بالله. ولكنها نشوة لا تعمي الحس، بل تضيء الرؤية. أضف إلى هذا كله المرح السامي والدعابة الساحرة، التي لا تبلغ أبدًا حد التهكم الجارح (حتى في الفردوس تغلبه النكتة! راجع قصيدة سماح ضمن كتاب الفردوس) والخفة التي يتناول بها أصعب مشكلات الحياة وأسمى أسرار الدين، فيُسقط عليها نور العقل وبسمة الحكمة.

أمَّا العاطفة الجريحة والشكوى المُرة من قَدَره في الحب، فنجدها في القصائد قليلة (مثل عزاء سيئ و«صدًى» بالإضافة إلى القصائد المنسوبة لحبيبته مريانة) تخلو تمامًا من المرح والتحرر الروحي اللذين يشيعان في الديوان، على نحوِ ما تخلو منها قصائد قليلة ترين عليها الجدية والقتامة (مثل «وصية الديانة الفارسية القديمة» و«حنين مبارك» و«عودة اللقاء») غير أن الرغبة في اللعب الحر، والميل إلى الخفة والمرح، هما اللذان يسيطران على الروح العامة للديوان، لأنه يكشف في كل قصائده عن «الاستقطاب» الكامن في كل حياة، عن جدل الحب الذي يقوم على الوجود وعدم الوجود، وجدل العقل الذي يقوم على المعرفة والعلم بحدود هذه المعرفة، وكأنما هي جميعًا أبعاد من قوس الأنا الشاعرة التي تحيط بكل شيء إحاطة قُبَّة الفلك بالأرض وما عليها، فالشاعر يتجلى في شعره، ولكنه في الوقت نفسه يرتفع فوقهن ليرى نفسه وقصيدته في الوقت نفسه. وقد كان من شأن هذا الوعي الواضح، العابث، المتفوق، العميق في آن واحد أن يحدد أسلوب الشعر وشكله وإيقاعه. فهو خفيف، متدفق، يكاد يقتصر على مقطوعات قصيرة من أربعة أبيات، تعرض لغة حافلة بالصور المتنوعة — كصندوق الدنيا! — مستمدة من عصور أدبية مختلفة، ومن لغة الشرق وتشبيهاته (حيات الشعر، وجه القمر، احتراق الشمعة … إلخ) وفي قصائد متعددة متنوعة الأغراض، تجمع بين الحِكَم الموجزة والأنغام الفخمة، والصور الزاهية الألوان، والنوادر العجيبة، والروح الصوفية العميقة، ولهذا يحتاج الديوان، كما يحتاج الشعر عمومًا، إلى مشاركة القارئ وصبره، كما يتطلب تجربة روحية تعينه على الإحساس بتجربته.

إنه قبل كل شيء كتاب تعيش معه وتحياه، وتردد ألحانه وتتناغم معها، لأنه كُتب للناضجين والمحبين.٢٤ ومن أسف أن أي ترجمة في أية لغة لن تعينك على هذا؛ لأن أقصى ما يمكنها أن تعطيه هو الظل العابر والطيف الزائل. ولو استطاعت ترجمتي لقصائد الديوان أن تنقل إليك شيئًا من هذا الظل وهذا الطيف، فستشعر بالحرية التي كانت وراء خلقه، وستشعر أيضًا بعذاب الحب ومتعته، وستجد حبيبك فيه-إن كنت تحب! قد تسألني الآن: لِمَ تكتب عن هذا الديوان؟ لِمَ لَمْ تنقله كله ما دمت تؤكد ضرورة قراءته كله؟
ولماذا تقتصر على بعض القصائد القليلة (وقد بلغ مجموعها ثلاثمائة وخمسًا وثلاثين لم تختر منها إلا نيِّفًا وخمسين). ثُمَّ لماذا تنقل هذا الشعر بعد أن قلت أكثر من مرة إن الشعر لا يُترجم؟!٢٥

وجوابي على هذا أنني وجدت نفسي أهيم في رحلة مع هذا الديوان، كما فعل صاحبه في رحاب الشرق. امتدت يدي إليه في أثناء البحث عن قارب النجاة وسط بحار الهموم التي تغرقنا ليلَ نهار، وفي لحظات البحث عن الذات وسط عالم لا ينجح إلا في إبعادنا عن أنفسنا. عشت معه ليالي وحدةٍ طويلة. ودون أن أشعر وجدت بعض قصائده تفرض نفسها عليَّ فأنظمها شعرًا بجانب الأصل (مع أني طلَّقت الشعر وطلَّقني منذ سنين!) ومعظمها يلح عليَّ أن أنقله نثرًا سلسًا بسيطًا حتى يوحي بعبير الشرق وأنفاسه، وكنت منذ سنين — لا تقل عن عشر — قد شُغلت باهتمام جوته بالأدب العربي وبالإسلام، فأعدت النظر فيما كتبت وأضفت إليه. أمَّا في السنوات الأخيرة، فتشغلني حالة الركود التي أصابت الأدب وقوة الإبداع عندنا، كما تشغل كل المُخلِصين المشفقين عليه — بحيث خُيِّلَ إليَّ في ساعات الاكتئاب أنه يرقد مُسَجًّى على فراش السأم والأدباء من حوله يرتلون أغنيات الرثاء لكي يعينوه على آلام الاحتضار، وفكرت — لنفسي دائمًا — ولكي أطرد عني الصورة الموحشة التي أرجو ألا تُعدي أحدًا غيري! أنه قد يحتاج إليه إلى نبع مُلهم. ورأيت أن الديوان الشرقي نموذج عالمي رائع على الاستلهام وتجديد شباب الخلق وربيع الإبداع. سألت نفسي — وما زلت أتابع هذه المناجاة التي لا تلزم أحدًا! — ماذا لو قدَّمت هذا النموذج وأغريت البعض مِنَّا بالتجربة؟ ألا يمكن أن يكون الانفتاح الحقيقي على التراث العالمي علاجًا لبعض همومنا الأدبية كما نرجو الآن للانفتاح الاقتصادي والثقافي والعلمي؟

صحيح أن المحاولات السابقة كما قلت كثيرة، وقد نجح أقلها وأخفق أكثرها. ولكن يبدو أن مبدأ الاستلهام نفسه لا عيب فيه، ما دامت كل الآداب والشعوب قد أخذت به في كل البلاد والعصور، وما دام الأثر الفني الخالد يُستقبل في مختلف الآداب بل عند مختلف الأفراد بطرق مختلفة، تحكمها ظروف العصر وهموم الأديب وصدقه مع نفسه وواقعه. ماذا لو أقبلنا على استغلال هذه الكنوز كما استغل شاعر الألمان أكبر كنوز الشرق، ولم يجد ما يمنعه من أن «يركب بُراق محمد ويحلق في السموات الفسيحة، ويحتفل بتلك الليلة المقدسة التي أُنزل فيها القرآن على النبي.»٢٦ صحيح أن لهذه التجربة شروطًا تحتمها كل تجربة فنية: الضرورة التي تدفع الكاتب إلى تناول موضوع سبقه إلى غيره، والصدق الذي يجعله أصيلًا في تناوله لا مقلِّدًا، ومعبِّرًا عن صميم ذاته لا مُزَيفًا من هواة الاستعراض الذين ابتُليت بهم حياتنا العربية في كل مجال. إنها ليست دعوة للآخرين، بقدر ما هي محاولة تقديم نموذج. ويبقى للأديب والفنان بعد ذلك حريته التي لا يكون بغيرها أدب ولا فن. فليس حتمًا أن يبعد في رحلة إلى الشرق كما فعل جوته، ولا أن يمدَّ عينه إلى الغرب أو الشمال أو الجنوب. ربما تكون الكنوز تحت قدميه، في تراثه الشعبي أو «الرسمي»، في تاريخه القديم أو الحديث، وفي واقعه البائس حوله وتحت بصره وقدميه. ألا يمكن أن تحمل التجربة أملًا في ري النبع الذي غاض، وبعث الدماء في الجسد المريض، أو تخليصه على أقل تقدير من المسكنات الرخيصة؟

ونأتي إلى سؤال عن نقل الديوان فأقول: وما الداعي إلى هذا؟ إن القلب ليتمزَّق وهو يحاول نقل الشعر من جسده الذي وُلد فيه — أي من نظام اللغة والصور والإيقاع والنغم الحي — إلى جسد آخر غريب عنه. ولا بُدَّ أن تكون لدى الإنسان قدرة شيطان مُلهم أو براعة ساحر لينجح كل النجاح في هذا، وهو محال. ويكفي أن يقتصر الجهد على إظهار القارئ على معنى هذا الشعر — أو حتى ظِل المعنى — وإيقاظ حنينه إلى لقاء الأصل الأول إذا استطاع. والأمر في النهاية لا يخرج عن أداء واجب ثقافي وإنساني تقوم به كل الآداب في كل العصور مهما تفاوتت حظوظها من التوفيق. أضف إلى هذا أن الديوان الشرقي قد نُقل بالفعل إلى العربية. وقد تعهَّد بهذا العمل الشاق رائد كبير لا يخشى المُحال. فقد ظهرت ترجمته منذ سنوات بقلم أستاذنا الكبير الدكتور عبد الرحمن بدوي. ومع أن حب الحقيقة يضطرني إلى القول بإنها مزدحمة بالأخطاء — التي لا شك في أنها جاءت نتيجة التسرع وعدم الرفق بالشعر! — فإن حب الحقيقة أيضًا يدفعني إلى الإشادة بهذه المحاولة والإعجاب بما تنطوي عليه من جهد وصبر وطاقة فذة تجلَّت في التعليقات الوافية والشروح المستفيضة التي لا غنى عن الرجوع إليها. وبجانب هذه الترجمة التي أعترف بفضلها أود أن أسجل واجب الشكر والعرفان للكتاب الممتع الذي أحبه القراء وما برحوا يُقبِلون على قراءته منذ ظهوره قبل أكثر من عشر سنوات، وهو كتاب «الشرق والإسلام في أدب جوته» للمرحوم الشاعر عبد الرحمن صدقي الذي استحق عليه جائزة الدولة في الأدب. وهو يقدِّم لوحة بديعة عن حياة جوته وشعره و«هجرته» إلى الشرق. كما يتخلله عدد كبير من قصائد الديوان وغيرها من القصائد المعبِّرة عن الشاعر في تجارب حبة المختلفة، تُرجمت جميعها ترجمة رصينة بليغة (وإن كانت هذه البلاغة قد كلفت صاحبها البعد عن الأصل).

لقد كانت محاولتي أكثر تواضعًا؛ فهي لم تخرج عن تقديم نموذج للاستلهام الأصيل وإثارة القضية نفسها أمام القراء وأصحاب المواهب الشابة. ولهذا اكتفيت بتقديم كل ما هو ضروري للإلمام بهذه التجربة الفريدة التي عاشها جوته وفي لقائه مع أدب الشرق وروحه، كما رويت قصة الديوان الشرقي نفسه التي لم تكن مجرد نَهَم إلى المعرفة والاطلاع على عالم غريب، بل كانت بحثًا عن الذات وتجديدًا لمنابع الخَلق والإبداع، وشهادة على معجزة الحب التي مَكَّنته من هذه «الهجرة الشرقية» إلى الكنوز الدفينة في صدره. وقد توخَّيت أن يكون هذا كله في حدود كتاب صغير قصدت منه إلى الإمتاع وإثارة الفكر والخيال أكثر من سرد الحقائق والمعلومات. ولهذا عدلت عن التعليقات المستفيضة، التي يجدها القارئ في طبعات الديوان المختلفة في لغته الأصلية أو في ترجماته العديدة ومن بينها الترجمة العربية، واكتفيت ببعض الإشارات الموجزة التي أرجو أن تنجح في وضع القصائد المختارة في سياق تفكير الشاعر ورؤيته وسائر إنتاجه.

لو سألتني بعد قراءة ما قدمت إليك من المختارات (في حسرة لا أشك فيها): هل هذا هو جوته؟ لأجبتك على الفور: بالطبع لا! إنك لن تلقى هذا الشاعر أو أي شاعر آخر إلا في لغته، فالشعر لا يُستطاع أن يترجم.٢٧ والشعر كما قلت وزن وموسيقى، وجَرس وإيقاع، وصور ورموز مرتبطة بالألفاظ. إنما هو انفعال بالشعر الأصلي، وصور ورموز مرتبطة بالألفاظ، إنما هو انفعال بالشعر الأصلي، راعيت فيه الأمانة بقدر الإمكان، وكل زيادة من جانبي وضعتها بين قوسين، هو ظِلٌّ شاحب من ظلِّ ذلك الجسد الذهبي البرَّاق، وهو — إن شئت — نوع من الاستلهام.

هل هذا عذرٌ مقبول؟

الرأي أخيرًا لك.

فلتمضِ الآن إلى الأشعار.

١  عن ترجمة أستاذنا الدكتور عبد الرحمن بدوي مع بعض التعديلات الضرورية (ص٣٧٥-٣٧٦) من ترجمته للديوان الشرقي للمؤلف الغربي، القاهرة، دار النهضة العربية، ١٩٦٧م.
٢  يستطيع القارئ أن يتابع هذا الموضوع بالتفصيل في كتاب «جوته والعالم العربي للباحثة السيدة كاترينا مومزن»، الفصل الأول (جوته والشعر الجاهلي)، من ص٥٥ إلى ص١٧٥، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد ١٩٤، فبراير ١٩٩٥م، وهو الكتاب الذي ترجمه الدكتور عدنان عباس علي وتشرَّفت بمراجعته.
٣  عن ترجمة أستاذنا عبد الرحمن بدوي مع تعديلات طفيفة (مرجع سابق، ص٣٨١).
٤  انظر على سبيل المثال كتابه الأخلاق، القسم الأول، القضية ١٩، والقسم الثاني القضية ٤٨.
٥  فالشعر يستطيع دائمًا أن ينقذنا، ونجاة البشرية — كما يقول جوته نفسه في التعليقات — كامنة فيه على الدوام، وقد كان رأيي — ولا يزال — أنه يساعدنا على التغلب على الفوضى والقبح والظلام والاضطراب في أنفسنا وفي علاقتنا بالعالم، ليتنا نُحيي أسواق الشعر العربي القديمة في كل مدينة وقرية، وليت الأمم المتحدة تحوِّل بعض مؤتمراتها المملة إلى أعياد للشعر والفن تستعيد فيها البشرية — ولو لساعات! — سلامها المفقود.
٦  وهي على الترتيب كتب: المغنِّي، وحافظ، والعشق، والتفكير، والضيق، والحكمة، وتيمور، وزليخا، والساقي، والأمثال، والبارسي، والفردوس، وكلها تضيف إلى الاسم كلمة «نامه» الفارسية، أي كتاب.
٧  (١٧٤٤–١٨٠٣م)، هو الأديب المفكر وفيلسوف التاريخ وباعث الحركة الأدبية التي تُعرف بحركة العصف والدفع ومترجم الشعر الشرقي الذي رعى جوته وأثَّر عليه أكبر الأثر عندما التقى به سنة ١٧٧٠م وهو لا يزال يطلب العلم في مدينة ستراسبورج.
٨  وُلد حوالي سنة ٥٨٠ﻫ/١١٨٤م، وتُوفِّي سنة ٦٩١ﻫ/١٢٩١م.
٩  من حوالي ١٥٩٩م إلى ١٦٧١م، أديب من عصر الباروك، عمل مع البعثة الدبلوماسية التي أرسلها أمير هولشتين-جوثورب إلى إيران من سنة ١٦٣٥م إلى سنة ١٦٣٩م واشتهر برحلته إلى الشرق وبترجمته لجلستان سعدي.
١٠  انظر تعليقات جوته وبحوثه الملحقة بالديوان الشرقي، طبعة بوتيلر، ص١٨٧-١٨٨. وكذلك طبعة «هامبورج»، المجلد الثاني، ص١٥٩، وطبعة بدوي، ص٤١٠.
١١  أي حافظ القرآن الكريم الذي قال عن نفسه: لقد حققت بالقرآن كل ما وصلت إليه.
١٢  زليخا: «لأن الحياة هي الحب، وحياة الحياة هي الروح.»
١٣  تُوفِّي حوالي سنة ٥٨٥–٥٨٧ﻫ/١١٨٩–١١٩١م.
١٤  هل يدري العوام ما قيمة الدر الكريم؟ كلا، لا تعطِ الجواهر إلا للعالمين (بدوي، ص٩١).
١٥  وقد عاش في عهد سليمان الأول (١٥١٩–١٥٦٦م) وخلط جوته في التعليقات وفي القصيدة نفسها بينه وبين الشاعر الفارسي نظامي الكنجوي (من حوالي ٥٣٥ﻫ إلى حوالي ٥٩٩ﻫ).
١٦  استوحى كاتب السطور من هذه النادرة الطريفة مسرحية ذات فصل واحد بعنوان «المرآة»، وتقوم على الحوار بين تيمورلنك الجبار وجحا المسكين، راجع المجموعة المسرحية «زائر من الجنة» ضمن سلسلة المسرح العربي، القاهرة، الهيئة العامة للكتاب، ١٩٨٧م.
١٧  من ١٢ أغسطس إلى ١٨ سبتمبر. والجدير بالذكر هنا أن عنوان الديوان قد تغيَّر مع تتابع تدفق قصائده من قلب الشاعر إلى قلمه على غير ما كان يتوقع، فقد سمَّاه في صيف عام ١٨١٤م، وكان ما دوَّنه منه لا يزيد على ثلاثين قصيدة، بقصائد إلى حافظ، وفي أواخر عام ١٨١٦م أعلن عن قرب صدوره في صحيفة الصباح وجعل عنوان الديوان الشرقي الغربي أو مجموعة أشعار ألمانية ذات صلة مستمرة بالشرق، وأخيرًا لم يُبقِ من العنوان الطويل إلا على ثلاث كلمات هي «الديوان الشرقي-الغربي» أو كما سمَّاه بنفسه في عنوان وضع بالعربية على غلاف طبعته التي صدرت في عام ١٩١٩م «الديوان الشرقي للمؤلف الغربي» (راجع طبعة هانز فايتس للديوان الشرقي، فرانكفورت على نهر الماين، دار النشر، إنزل، الطبعة الثامنة، ١٩٨٦م، ص٢٩٧).
١٨  في رسالة كتبها له في أوائل مايو سنة ١٨٢٠م.
١٩  انظر مثلًا قصيدته في التنفس نعمتان (من كتاب المغنِّي).
٢٠  تجد ترجمتها الكاملة في كتاب المرحوم الشاعر الأستاذ عبد الرحمن صدقي، ص١٢٤-١٢٥، وفي ترجمة أستاذنا الدكتور بدوي، ص١٠٤، كما تجدها بطبيعة الحال في هذه الترجمة الكاملة للديوان الشرقي.
٢١  راجع ترجمة أستاذنا الدكتور عبد الرحمن بدوي لها وتعليقه الرائع عليها، ص٢٥٣–٢٥٧ من ترجمته للديوان.
٢٢  كما يقول الشاعر نفسه في رسالة إلى المستشرق «أيكن» في السابع والعشرين من شهر سبتمبر سنة ١٨٢٧م، أي قبل وفاته بحوالي خمس سنوات.
٢٣  وردت الحكاية في قصيدة «سر أعمق» من كتاب العشق، وتجدها في ترجمة الديوان للدكتور عبد الرحمن بدوي من صفحة ١٣٤–١٣٦ وفي هذه الترجمة.
٢٤  كما كُتب أيضًا للأصدقاء، على نحوِ ما قال جوته نفسه عن الديوان، ولهذا لا يمكننا أن نصادقه إلا بعد أن نصادق الشاعر نفسه، بهذا المعنى أيضًا قال في رسالة إلى أوتيليه زوجة ابنه — التي كان يعزها ويتألم من سوء معاملة ابنه لها ونفوره منها: «إن الهدف من هذه القصائد هو أن تحررنا من قيود الحاضر، وأن تشعرنا في لحظة (قراءتها) بالحرية غير المحدودة» (من رسالته إليها في ٢١ / ٦ / ١٨١٨م).
٢٥  يلاحظ القارئ أن هذه السطور قد كُتبت قبل أن يعزم الكاتب على نقل الديوان في ترجمة جديدة إلى العربية ثُمَّ يحقق عزمه بالفعل، على الرغم من إيمانه بصدق عبارة الجاحظ الشهيرة من أن الشعر لا يُترجم، وإنما يمدُّ جسورًا تصلنا بالشعراء الكبار.
٢٦  التعليقات على الديوان، ص٢٤١ من طبعة بويتل، وترجمة بدوي، ص٤٦٥.
٢٧  وهي عبارة الجاحظ المعروفة: «ولا يجوز عليه النقل، ومتى حُوِّل تقطع نظمه، وبطل وزنه، وذهب حسنه، وسقط موضع التعجب.» الحيوان، ج١، ص٧٥.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠