الفصل الأول

بلاد العرب قبل الإسلام

(مهد الحضارة الأولى – اليهودية والمسيحية – الفرق المسيحية وتناحرها – مجوسية فارس – شبه جزيرة العرب – طريقا القوافل فيها – اليمن وحضارتها – بقاء شبه الجزيرة على الوثنية)

***

ما يزال البحث في تاريخ الحضارة الإنسانية وأين كان منشؤها متصلًا إلى عصرنا الحاضر. وكان هذا البحث قد استقر زمانًا طويلًا عند القول بأن مصر كانت مهد هذه الحضارة منذ أكثر من ستة آلاف سنة مضت، وأن ما قبل هذا الزمن يرجع إلى عصور ما قبل التاريخ؛ ولذلك يتعذَّر الكشف عنه بطريقة علمية صحيحة. أما اليوم فقد عاد علماء الآثار ينقبون في العراق وفي سوريا يريدون الوقوف على أصل الحضارة الآشورية والحضارة الفينيقية، وتحقيق العصر الذي ترجع هاتان الحضارتان إليه: أهو سابق عصر الحضارة المصرية الفرعونية مؤثر فيها، أم هو لاحق عصر هذه الحضارة متأثر بها؟

ومهما يسفر تنقيب علماء الآثار عنه، في هذه الناحية من نواحي التاريخ، فهو لا يغير شيئًا من حقيقة لم يكشف التنقيب في آثار الصين والشرق الأقصى عما يخالفها؛ هذه الحقيقة هي أن مهد حضارة الإنسان الأولى، في مصر كان أو في فينيقيا أو في آشور، كان متصلًا بالبحر الأبيض المتوسط؛ وأن مصر كانت أقوى المراكز التي أصدرت الحضارة الأولى إلى اليونان وإلى رومية؛ وأن حضارة عالمنا، في هذا العصر الذي نعيش فيه، ما تزال وثيقة الصلة بتلك الحضارة الأولى؛ وأن ما قد يكشف البحث عنه في الشرق الأقصى من تاريخ الحضارة في تلك الأقطار لم يكن له في عصر ما أثر بيِّن في توجيه الحضارات الفرعونية والآشورية والإغريقية، ولم يغير من اتجاه تلك الحضارات وتطورها إلى أن اتصلت بها حضارة الإسلام، فأثرت فيها وتأثرت بها وتفاعلت وإياها تفاعلًا كانت الحضارة العالمية التي تخضع الإنسانية اليوم لسلطانها بعض أثره.

وقد ازدهرت تلك الحضارات، التي انتشرت على شواطئ البحر الأبيض أو على مقربة منه في مصر وآشور واليونان منذ ألوف السنين، ازدهارًا ما يزال حتى اليوم موضع دهشة العالم وإعجابه. ازدهرت في العلم والصناعة والزراعة والتجارة وفي الحرب وفي كل نواحي النشاط الإنساني. على أن الأصل الذي كانت تصدر تلك الحضارات عنه وكانت تستمد قوتها منه كان أصلًا دينيًّا دائمًا. حقًّا إن هذا الأصل اختلف ما بين التثليث المصري القديم مصورًا في أوزوريس وإيزيس وهورس مشيرًا إلى وحدة الحياة في بِلَاها وتجددها وإلى اتصال خلد الحياة من الآباء إلى الأبناء، وما بين الوثنية اليونانية في تصويرها للحق والخير والجمال تصويرًا مستمدًّا من مظاهر الكون الخاضعة للحس، كما اختلف من بعد ذلك اختلافًا هوى بهذا التصوير في عصور الانحلال المختلفة إلى دنيا المراتب؛ لكنه بقي دائمًا أصل هذه الحضارات التي شكلت مصاير العالم، كما أنه قويُّ الأثر في حضارة هذا العصر الحاضر، وإن حاولت هذه الحضارة أن تتخلص منه وتقف في وجهه وقوفًا ما يزال الحين بعد الحين يستدرجها إليه. ومن يدري؟! لعله سيدمجها فيه في مستقبل قريب أو بعيد مرة أخرى.

في هذه البيئة التي استندت حضارتها منذ ألوف السنين إلى أصل ديني، نشأ أصحاب الرسالة بالأديان المعروفة حتى اليوم. في مصر نشأ موسى، وفي حجر فرعون تُرُبي وهذب وعلى يد كهنته ورجال الدين من أهل دولته عرف الوحدة الإلهية وعرف أسرار الكون. فلما أذن الله له في هداية قومه ببلد كان فرعون يقول لأهله: «أنا ربكم الأعلى.» وقف يجادل فرعون وسحرته، حتى اضطر آخر الأمر فهاجر ومعه بنو إسرائيل إلى فلسطين. وفي فلسطين نشأ عيسى روح الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم. فلما رفع الله عيسى ابن مريم إليه. قام الحواريون من بعده يدعون إلى المسيحية التي دعا إليها. ولقي الحواريون ومن اتبعهم أشد العنت؛ حتى إذا أذن الله للمسيحية أن تنتشر حمل علمها عاهل الروم صاحبة السيادة على العالم يومئذ، فدانت الإمبراطورية الرومانية بدين عيسى؛ وانتشرت المسيحية في مصر والشام واليونان، وامتدت من مصر إلى الحبشة، وظلت من بعد قرونًا يزداد سلطانها توطدًا، ويستظل بلوائها كل من استظل بلواء الروم وكل من طمع في مودتها وفي حسن العلاقة بها.

تجاه المسيحية التي انتشرت في ظل لواء الروم ونفوذها وقفت مجوسية الفرس تؤازرها قوى الشرق الأقصى وقوة الهند المعنوية. وقد ظلت آشور وظلت مدنية مصر الممتدة في فينيقيا عصورًا طويلة حائلة دون انتطاح عقائد الغرب والشرق وحضارتيهما. على أن دخول مصر وفينيقيا في المسيحية أذاب هذا الحائل ووقف مسيحية الغرب ومجوسية الشرق وجهًا لوجه. وقد ظل الشرق والغرب عصورًا متصلة وفي نفس كل من الهيبة لدين الآخر ما أقام مكان ذلك الحائل الطبيعي الأول حائلًا آخر معنويًّا، اقتضى كلتا قوتيه أن توجه جهودها وغزواتها الروحية في ناحيتها، وألا تفكر في دعوة الأخرى إلى عقيدتها أو حضارتها، مع ما اتصل بينهما على مر القرون من حروب. ومع أن فارس انتصرت على الروم وحكمت الشام ومصر ووقفت على أبواب بزنطية، لم يفكر ملوكها في نشر المجوسية أو إحلالها محل النصرانية. بل احترم الغزاة عقائد المحكومين، وعاونوهم على تشييد ما خربت الحرب من معابدهم، وتركوا لهم الحرية في إقامة شعائرهم. وكل ما صنع الفرس أن أخذوا الصليب الأعظم وأبقوه عندهم، حتى دارت دائرة الحرب عليهم واسترده الروم منهم، وكذلك ظلت غزوات الغرب الروحية في الغرب، وغزوات الشرق في الشرق؛ وبذلك كان الحائل المعنوي في مثل منعة الحائل الطبيعي، وكفل تكافؤ القوتين من الناحية الروحية عدم تصادمهما.

وظلت الحال كذلك إلى القرن السادس المسيحي. وفي هذه الأثناء اشتدت المنافسة بين رومية وبزنطية. أما رومية، التي أظلت أعلامها ربوع أوروبا إلى الغال وإلى السلت في إنكلترا أجيالًا عدة، والتي فاخرت العالم — وما زالت تفاخره — بعهد يوليوس قيصر، فقد بدأ مجدها ينزوي رويدًا رويدًا، حتى انفردت بزنطية بالسلطان وأصبحت وارثة الإمبراطورية الرومانية المترامية الأطراف. وبلغ من انحلال رومية من بعد أن أغار الفندال الهمج عليها وأخذوا بأيديهم مقاليد حكمها. وكان لهذه الأحداث أثرها الطبيعي في المسيحية التي نشأت في أحضان رومية، وذاق الذين آمنوا بعيسى أكبر تضحياتهم هولًا في ظلالها.

بدأت هذه المسيحية تتعدد مذاهبها وينقسم كل مذهب على توالي الزمن فرقًا وأحزابًا؛ وسار لكل شيعة في أوضاع الدين وأسسه رأي يخالف رأي الشيعة الأخرى. وتنكرت هذه الطوائف بعضها لبعض بسبب خلافها في الرأي تنكرًا أنتج العداوة الشخصية التي تلمسها حيثما دب الضعف الخُلقي والذهني إلى النفوس فجعلها سريعة إلى الخوف، سريعة لذلك إلى التعصب الأعمى والجمود القتَّال. كان من بين صفوف طوائف المسيحية في تلك الأزمان من ينكرون أن لعيسى جسدًا يزيد على طيف يتبدى به للناس. وكان من بينها من يزاوجون بين شخصه ونفسه زواجًا روحيًّا يحتاج إلى كثير من كدِّ الخيال والذهن لتصوره، وغير هؤلاء وأولئك من كانوا يعبدون مريم، على حين كان ينكر غيرهم بقاءها عذراء بعد وضع المسيح. وكذلك كان الجدل بين أتباع عيسى جدل أيام الانحلال في كل أمة وعصر: يقف عند الألفاظ والأعداد، يسبغ على كل لفظ وكل عدد من المعاني، ويضفي عليه من الأسرار، ويحيطه من ألوان الخيال، بما يعجز عنه المنطق ولا تسيغه إلا سفسطة الجدل العقيم.

قال أحد رهبان الكنيسة: «كانت أطراف المدينة جميعًا ملأى بالجدل، ترى ذلك في الأسواق، وعند باعة الملابس، وصيارفة النقود، وباعة الأطعمة، فأنت تريد أن تبدل قطعة من ذهب فإذا بك في جدل عما خلق وعما لم يخلق! وأنت تريد أن تقف على ثمن الخبز فيجيبك من تسأله: الأب أعظم من الابن والابن خاضع له. وأنت تسأل عن حمَّامك وهل ماؤه ساخن، فيجيبك غلامك: لقد خلق الابن من العدم.»

على أن هذا الانحلال الذي طرأ على المسيحية فجعلها أحزابًا وشيعًا، لم يكن ذا أثر قوي في كيان الإمبراطورية الرومانية السياسي؛ بل ظلت هذه الإمبراطورية قوية متماسكة، وظلت هذه الفرق تعيش في كنفها في نوع من النضال لم يتعد الجدل الكلامي ولم يتعد المؤتمرات اللاهوتية التي كانت تعقد لتبت في مسألة من المسائل فلا يكون لقرار طائفة ما من السلطان ما يلزم الطوائف أو الفرق الأخرى. وأظلت الإمبراطورية هذه الفرق جميعًا بحمايتها، ومدَّت لها جميعًا في حرية الجدل بما زاد في سلطان الإمبراطور المدني من غير أن يضعف من هيبته الدينية. فقد كانت كل فرقة تعتمد على عطفه عليها، بل تذهب إلى الزعم بأنها تعتمد على تأييده إياها، وهذا التماسك في كيان الإمبراطورية هو الذي طوع للمسيحية أن يظل انتشارها في مسيره، وأن تصل من مصر الرومانية إلى الحبشة المستقلة المحالفة للروم فتجعل لحوض البحر الأحمر من المكانة ما لحوض البحر الأبيض، وأن تنتقل من الشام وفلسطين، حيث دان بها أهلها ودان بها العرب الغساسنة الذين هاجروا إليها، إلى شاطئ الفرات ليدين بها أهل الحيرة ويؤمن بها اللخميون والمناذرة الذين ارتحلوا من جدب الصحراء وباديتها ليستقروا في هذه المدائن الخصبة العامرة وليكونوا مستقلين زمنًا لتحكمهم الفرس المجوسية من بعده.

ولقد أصاب المجوسية في الفرس من أسباب الانحلال في هذه الأثناء ما أصاب المسيحية في الإمبراطورية الرومانية. وإذا كانت عبادة النار قد ظلت الظاهرة المجوسية البادية للعيان، فإن آلهة الخير والشر وأتباعها قد انقسمت كذلك عند المجوس فرقًا وطوائف، وليس ها هنا مكان عرضها. مع ذلك ظل كيان الفرس السياسي قويًّا، لم يؤثر فيه هذا الجدل الديني حول صور الآلهة والأفكار المطلقة التي ترتسم وراء هذه الصور. واحتمت الفرق الدينية المختلفة بعاهل الفرس الذي أظلها جميعًا بلوائه، والذي ازداد باختلافها قوة على قوة، إذ جعل من اختلافها وسيلة لضرب بعضها ببعض كلما خيف أن تقوى شوكة إحداها على حساب الملك أو على حساب الفرق الأخرى.

هاتان القوتان المتقابلتان: قوة المسيحية وقوة المجوسية، قوة الغرب وقوة الشرق، ومعهما الدويلات المتصلة بهما والخاضعة لنفوذهما، كانتا في أوائل القرن السادس الميلادي تحيطان بشبه جزيرة العرب. لقد كان لكل واحدة منهما مطامع في الاستعمار والتوسع. وكان رجال الدين في كلتيهما يبذلون الجهود لنشر الدعوة إلى العقيدة التي يؤمنون بها؛ مع ذلك ظلت شبه الجزيرة وكأنها واحة حصينة آمنة من الغزو إلا في بعض أطرافها، آمنة من انتشار الدعوة الدينية، مسيحية أو مجوسية، إلا في قليل من قبائلها. وهذه ظاهرة قد تبدو في التاريخ عجيبة، لولا ما يفسرها من موقع بلاد العرب ومن طبيعتها، وما للموقع والطبيعة من أثر في حياة أهلها وفي أخلاقهم وميولهم ونزعاتهم.

فشبه جزيرة العرب مستطيل غير متوازي الأضلاع، شماله فلسطين وبادية الشام، وشرقه الحيرة ودجلة والفرات وخليج فارس، وجنوبه المحيط الهندي وخليج عدن، وغربه بحر القلزم «البحر الأحمر». فهو إذن حصين بالبحر من غربه وجنوبه، وحصين بالصحراء من شماله، وبالصحراء وخليج فارس من شرقه. وليست هذه المناعة هي وحدها التي عصمته من الغزو الاستعماري أو الغزو الديني، بل عصمه كذلك ترامي أطرافه، فطول شبه الجزيرة يبلغ أكثر من ألف كيلومتر وعرضه يبلغ نحو الألف من الكيلومترات وعصمه أكثر من هذا جدبه جدبًا صرف عين كل مستعمر عنه. فليس في هذه الناحية الفسيحة من الأرض نهر واحد، وليست لأمطارها فصول معروفة يمكن الاعتماد عليها وتنظيم الصناعة إياها. وفيما خلال اليمن الواقعة جنوب شبه الجزيرة والممتازة بخصب أرضها وكثرة نزول المطر فيها، فسائر بلاد العرب جبال ونجود وأودية غير ذات زرع وطبيعة جرداء لا تيسر الاستقرار ولا تجلب الحضارة، وهي لا تشجع على حياة غير حياة البادية وما تقضي به من الارتحال الدائم واتخاذ الجمل سفينة للصحراء، وانتجاع مراعي الإبل، والاستقرار عندها ريثما تأتي الإبل عليها، ثم الارتحال من جديد انتجاعًا لمرعى جديد. وهذه المراعي ينتجعها بدو شبه الجزيرة إنما تدور حول عين من العيون، تتفجر عن ماء المطر الذي يتسلل خلال أرض البلاد الحجرية، فينبت تفجره الخضرة المنتشرة ها هنا وهناك في واحات تحيط بهذه العيون.

طبيعي في بلاد هذه حالها أن تكون كصحراء إفريقية الكبرى لا يقيم بها مقيم، ولا تعرف الحياة الإنسانية إليها سبيلًا، وطبيعي ألا يكون لمن يحل بهذه الصحراء غرض أكثر من ارتيادها والنجاة بنفسه منها، إلا في هذه النواحي القليلة التي تنبت الكلأ والمرعى. وطبيعي أن تظل هذه النواحي مجهولة من الناس لقلة من يغامر بحياته لارتيادها. وقد كانت بلاد العرب فيما سوى اليمن مجهولة بالفعل من أهل تلك العصور القديمة.

لكن موقعها أنجاها من الإقفار وأمسك عليها أهلها. ففي تلك العصور القديمة لم يكن الناس قد أمنوا البحر ليتخذوه مركبًا لتجارتهم أو لأسفارهم. وما تزال أمثال العرب تحت أنظارنا تُنبئنا بما كان من خوف الناس البحر كخوفهم الموت، فلم يكن بدٌّ إذن للاتجار من أن تجد التجارة لها وسيلة انتقال غير هذا المركب الخطر المخوف. وكان أهم انتقال التجارة يومئذ بين الشرق والغرب: بين الروم وما وراءها، والهند وما وراءها. وكانت بلاد العرب طريق هذه التجارة التي كانت تجتاز إليها عن طريق مصر أو عن طريق الخليج الفارسي متخطية البوغاز الواقع على مدخل خليج فارس. فكان طبيعيًّا إذن أن يكون بدو شبه جزيرة العرب هم أمراء الصحراء كما أصبح رجال السفن في العصور التي تلت والتي طغى الماء فيها على اليابسة هم أمراء البحر.

وكان طبيعيًّا إذن أن يرسم أمراء الصحراء هؤلاء طرق القوافل من أنحائها فيما لا يخاف خطره، كما يرسم رجال البحر خطوط سير السفن بعيدة عن شعاب البحر ومخاطره. يقول هيرن: «لم يكن طريق القافلة شيئًا متروكًا للاختيار بل كان مقررًا بالعادة. ففي هذه المراحل الفسيحة من الصحراء الرملية التي كان رجال القوافل يجتازونها، حبت الطبيعة المسافر بضعة أماكن مبعثرة في جدب البادية يتخذها موئلًا لراحته. وهناك، في ظلال أشجار النخيل وإلى جانب المياه العذبة التي تجري من حولها، يستطيع التاجر ودابَّة حمله أن ينهلا من صيِّبها ما أحوجهما إليه العنت الذي لقيا. وأصبحت منازل الراحة هذه مستودعات للتجارة، وصار بعضها مقامًا للهياكل والمحاريب، يتابع التاجر في حمايتها تجارته، ويلجأ الحاج إليها لالتماس العون منها.»١

كانت شبه الجزيرة تموج بطرق القوافل. وكان منها طريقان رئيسيان. فأما أحدهما فيتاخم الخليج الفارسي، ويتاخم دجلة، ويقتحم بادية الشام إلى فلسطين؛ ويصح لمجاورته حدود البلاد الشرقية أن يسمى طريق الشرق. وأما الآخر فيتاخم البحر الأحمر؛ ويصح لذلك أن يسمى طريق الغرب، وعن هذين الطريقين كانت تنتقل مصنوعات الغرب إلى الشرق ومتاجر الشرق إلى الغرب، وكانت تُجبى إلى البادية أسباب الرخاء والرفاهية. على أن ذلك لم يزد أهل الغرب معرفة بهذه البلاد التي تجتازها تجارتهم. فقد كان الذين يعبرونها من أهل الشرق والغرب قليلين؛ لما في عبورها من مشقة لا يحتملها إلا الذين اعتادوها منذ نعومة أظفارهم، والمجازفون الذين يستهينون بالحياة، حتى أضاعها كثير منهم في هذه المهامه والفدافد عبثًا. وما احتمال رجل اعتاد بلهنية الحضر لوعثاء هذه الجبال الجرداء التي تفصل تهامة بينها وبين شاطئ البحر الأحمر بفاصل ضيق؛ فإذا بلغها المسافر في تلك الأيام، التي لم تعرف غير الجمل مطية للسفر، ظل يصعد بين قممها حتى تقذفه إلى هضاب نجد الصحراوية القليلة الغَناء؟! وما احتمال رجل اعتاد النظام السياسي الذي يكفل للناس جميعًا طمأنينتهم لِعَنَت هذه البادية التي لا يعرف أهلها نظامًا سياسيًّا بل تعيش كل قبيلة، بل كل أسرة، بل كل فرد وليس ما ينظم علاقته بغيره إلا روابط عصبية الأسرة والقبيلة، أو قوة الحلف، أو حمى الجوار يرجو الضعيف به رعاية قوي إياه؟! فقد كانت حياة البادية في كل العصور حياة خارجة على كل نظام عرفه الحضر، مطمئنة إلى العيش في حمى مبادئ القصاص، ودفع العدوان بالعدوان، واغتيال الضعيف ما لم يجد من يجيره. وليست هذه بالحياة التي تشجع على التطلع إلى استكناه أخبارها والتحقق من تفاصيل نظمها. لذلك ظلت شبه الجزيرة مجهولة عند سائر العالم يومئذ، إلى أن أتاحت لها الأقدار، بعد ظهور محمد عليه الصلاة والسلام فيها، أن يقص أخبارها من نزح عنها من أهلها، وأن يقف العالم على كثير مما كان العالم من قبل ذلك في أتم الجهل به.

لم يَنِدَّ من بلاد العرب عن جهالة العالم سوى اليمن وما جاورها من البلاد المتاخمة للخليج الفارسي. وليس يرجع ذلك إلى متاخمتها الخليج الفارسي أو المحيط الهندي أو البحر وكفى، ولكنه يرجع قبل ذلك وأكثر منه إلى أنها لم تكن كسائر شبه الجزيرة صحراوية جرداء لا تلفت العالم ولا تجعل لدولة من صداقتها فائدة ولا لمستعمر فيها مطمعًا. بل كانت على الضد من ذلك موطن خصب في الأرض ومطر منتظم الفصول في تهتانه، ومن ثم موطن حضارة مستقرة ذات مدائن عامرة ومعابد قوية على نضال الزمان. وكان سكانها من بني حمير ذوي فطنة وذكاء وعلم هداهم إلى حسن الاستفادة من الأمطار حتى لا تتسرب إلى البحر فوق الأرض المنحدرة إلى ناحيته؛ ولذلك أقاموا سد مأرب، فحولوا اتجاه المياه الطبيعي تحويلًا تقتضيه حياة الحضارة والاستقرار، فقد كانت الأمطار، إلى أن أقيم هذا السد، تنزل بجبال اليمن المرتفعة، ثم تنحدر في أودية واقعة إلى شرق مدينة مأرب، وكانت في انحدارها الأول تنزل بين جبلين يقومان عن جانب هذه الأودية يفصل بينهما أربعمائة متر تقريبًا؛ فإذا بلغت مأرب انفرج الوادي انفراجًا تضيع المياه فيه كما تضيع في منطقة السدود بأعالي النيل. فلما هدى العلم والذكاء أهل اليمن إلى إقامة سد مأرب شيد بالحجر عند مضيق الوادي، وجُعلت له فتحات يمكن تصريف المياه منها وتوزيعها إلى حيث يشاء الناس لتروي الأرض وتزيدها خصبًا وإثمارًا.

وإن ما كشف وما يزال يكشف عنه حتى اليوم من آثار هذه الحضارة الحميرية في اليمن ليدل على أنها بلغت في بعض العصور مكانًا محمودًا، وأنها ثبتت لقسوة الزمان في عصور قسا على اليمن فيها الزمان.

على أن هذه الحضارة وليدة الخصب والاستقرار جلبت على اليمن من الأذى ما منع الجدب منه أواسط شبه الجزيرة. فقد ظل ملك اليمن في بني حمير يتوارثونه حينًا ويثب عليه حميري من الشعب حينًا آخر حتى ملِكِهم ذي نواس الحميري. وكان ذو نواس هذا ميَّالًا إلى دين موسى، راغبًا عن الوثنية التي تورط فيها قومه، وكان قد أخذ هذا الدين عن اليهود الذين هاجروا إلى اليمن وأقاموا بها. وذو نواس الحميري هذا هو — فيما يذكر المؤرخون — صاحب قصة أصحاب الأخدود التي نزل فيها قوله تعالى: قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ٢ وخلاصة هذه القصة أن رجلًا صالحًا من أتباع عيسى يدعى قيميون، كان قد هاجر من بلاد الروم واستقر بنجران، فاتَّبعه أهلها لما رأوا صلاحه وظل عددهم يزداد حتى استفحل أمرهم. فلما نمى خبرهم إلى ذي نواس سار إلى نجران، ودعا أهلها إلى الدخول في اليهودية أو يقتلوا. فلما أبوا شق لهم أخدودًا أوقد فيه النار ثم ألقى بهم فيها، ومن لم يمت بالنار قتل بالسيف ومثله به. وقد هلك منهم، على رواية كتب السيرة، عشرون ألفًا.
ثم إن أحد هؤلاء النصارى فر من القتل من ذي نواس وسار حتى أتى قيصر الروم جوستنيان فاستنصره على ذي نواس. ولما كانت الروم بعيدة عن اليمن كتب القيصر إلى النجاشي ليأخذ بالثأر من ملك اليمن. ويومئذ (في القرن السادس الميلادي) كانت الحبشة والنجاشي على رأسها في ذروة مجدها تجري بأمرها على البحار تجارة واسعة، ويمخر لها العباب أسطول قوي٣ يجعلها تتسلط بنفوذها على ما حاذاها من البلاد؛ وكانت حليفة الإمبراطورية البزنطية ورافعة علم المسيحية على البحر الأحمر، كما كانت بزنطية رافعة علمها على البحر الأبيض. فلما بلغت النجاشي رسالة القيصر بعث مع اليمني، الذي حمل إليه هذه الرسالة، جيشًا جعل على رأسه وفي جنده أبرهة الأشرم. وغزا أرياط اليمن وملكها باسم عاهل الحبشة وظل على حكمها حتى قتله أبرهة وتولى الأمر مكانه. وأبرهة هذا هو صاحب الفيل، وهو الذي غزا مكة ليهدم الكعبة فأخفق، على نحو ما سيرى القارئ في الفصل الآتي.٤

وملك أبناء أبرهة اليمن من بعده وفشا فيها استبدادهم. فلما طال على الناس البلاء خرج سيف بن ذي يزن الحميري حتى قدم على ملك الروم، فشكا إليه ما هم فيه، وسأله أن يبعث إليهم من الروم من يكون له ملك اليمن. لكن حلف القيصر والنجاشي حال دون سماعه شكاية ابن ذي يزن؛ فخرج من عند القيصر حتى أتى النعمان بن المنذر، وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العراق.

فلما دخل النعمان على كسرى أبرويز دخل سيف بن ذي يزن معه. وكان كسرى يجلس في إيوان مجلسه وقد جمع فيه أجزاء عرش دارا. وكان موشَّاة بصور نجوم المجرة. فإذا كان في مشتاه وضعت هذه الأجزاء يحيط بها ستار من أنفس الفراء تتدلى أثناءه ثريات من فضة وأخرى من ذهب، ملئت بالماء الفاتر ونصب فوقها تاجه العظيم، يضرب فيه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ بالذهب والفضة مشدودًا إلى السقف بسلسلة من ذهب. وكان يلبس نسيج الذهب ويتشح بحلي الذهب؛ فما يلبث من يدخل إلى مجلسه أن تأخذه هيبته حين يراه. وكذلك كان شأن سيف بن ذي يزن. فلما تطامن وسأله كسرى عن أمره وما جاء فيه قص عليه أمر الحبشة وظلمها اليمن. وتردد كسرى بادي الرأي، ثم بعث معه جيشًا على رأسه وهرز من خير بيوت فارس وأكثرها فروسية وشجاعة. وتغلب الفرس وأجلوا الحبشان عن اليمن بعد أن ملكوها اثنتين وسبعين سنة. وظلت اليمن في حكم فارس حتى كان الإسلام ودخلت سائر البلاد العربية في دين الله وفي الإمبراطورية الإسلامية.

على أن الأعاجم الذين تولوا أمر اليمن لم يكونوا خاضعين مباشرةً لسلطان ملك فارس. وكان الأمر كذلك بنوع خاص بعد أن قتل شيرويه أباه كسرى أبرويز وقام في الملك مقامه؛ فقد خيل إليه في غرارته أن العوالم تسير على هواه، وأن ممالك الأرض تعمل لملء خزانته ولتزيد فيما أغرق فيه نفسه من نعيم. ثم إن هذا الملك الشاب انصرف عن كثير من شئون الملك إلى متعه وملذاته؛ فكان يخرج للصيد في ترف لم تسمع بمثله أذن: كان يخرج يحيط به الشبان الأمراء في ثياب حمر وصفر وبنفسجية ومن حولهم حملة البزاة والخدم يمسكون الفهود الأليفة بالكمامات: والعبيد حملة الطيب ومطاردو الذباب والموسيقيون. وليشعر نفسه في قر الشتاء ببهاء الربيع، كان يجلس وحاشيته على بساط فسيح صورت عليه طرق المملكة ومزارعها وفيها الأزهار المختلفة الألوان من ورائها الأحراش والغابات الخضر والأنهار ذات اللون الفضي، ومع ما كان من انصراف شيرويه إلى مسراته، ظلت فارس محتفظة بمجدها، وظلت المنافس القوي لسلطان بزنطية ولانتشار المسيحية، وإن آذن اعتلاء شيرويه عرشها بأفول هذا المجد ومهد للمسلمين من بعد غزوها ونشر الإسلام فيها.

هذا النزاع الذي كانت اليمن مسرحه منذ القرن الرابع المسيحي كان عميق الأثر في تاريخ شبه جزيرة العرب من جهة توزيع سكانها: فلقد قيل إن سد مأرب الذي غيَّر الحميريون الطبيعة به لفائدة بلادهم، قد طغى عليه سيل العرم فحطمه؛ لأن هذه المنازعات المستمرة صرفت الناس وصرفت الحكومات المتعاقبة عن تعهده والاستمرار في تقويته، فضعف فلم يقو على صد هذا السيل. وقيل: إن ملك الروم لما رأى اليمن موطن نزاع بينه وبين فارس، وأن تجارته مهددة من جراء هذا النزاع، جهز أسطولًا يشق البحر الأحمر ما بين مصر وبلاد الشرق البعيدة ليجلب التجارة التي تحتاج إليها بزنطية، ويستغني بذلك عن طريق القوافل. ويذكر المؤرخون واقعة يتفقون عليها ويختلفون في السبب الذي أدى إليها. هذه الواقعة هي هجرة أزد اليمن إلى الشمال؛ فكلهم يقول بهذه الهجرة، وإن نسبها بعضهم إلى إقفار كثير من مدائن اليمن بسبب اضمحلال التجارة التي كانت تمر بها، وعزاها آخرون إلى انقطاع سد مأرب واضطرار كثير من القبائل إلى الهجرة مخافة الهلاك. وأيًّا ما كانت الحقيقة فهذه الهجرة هي السبب في اتصال اليمن بسائر العرب، اتصال نسب واختلاط ما يزال الباحثون يحاولون اليوم تحديده.

إذا كان النظام السياسي قد اضطرب في اليمن على نحو ما رأيت بسبب الظروف التي مرت بلاد الحميريين بها، والغزوات التي كانت تلك البلاد ميدانًا لها، فقد كان هذا النظام السياسي غير معروف في سائر بلاد شبه الجزيرة. وكل نظام يمكن أن يوصف بأنه نظام سياسي، على المعنى الذي نفهمه نحن اليوم أو الذي كانت الأمم المتحضرة تفهمه في تلك الأيام، كان مجهولًا في ربوع تهامة والحجاز ونجد وتلك المساحات الشاسعة التي منها كانت تتكون بلاد العرب. فقد كان أبناؤه، كما لا يزال أكثرهم حتى اليوم، أهل بادية لا يألفون الحضر، ولا يطيب لهم المقام ولا الاستقرار بأرض، ولا يعرفون غير دوام الارتحال والنقلة طلبًا للمرعى وإرضاءً لهوى نفوسهم التي لم تعرف غير حياة البادية ولا تطيق حياة غيرها. وأساس حياة البادية، حيث وجدت من بقاع الأرض، إنما هي القبيلة. والقبائل الدائمة التجول والترحال لا تعرف قانونًا كالذي نعرف، ولا تخضع لنظام كالذي نخضع له، ولا تصبر على ما دون الحرية كاملة للفرد وللأسرة وللقبيلة كلها. وأهل الحضر يرضون النزول باسم النظام عن جانب من حريتهم للمجموع أو للحاكم المطلق مقابل ما ينعمون به من طمأنينة ورخاء.

أما رجل البادية الزاهد في الرخاء، البرم بطمأنينة الاستقرار، فلا يخدعه عن شيء من حريته الكاملة رجاء فيما يفرح به أهل المدن من جاه أو مال، ولا يرضى بما دون المساواة الكاملة بينه وبين أفراد قبيلته جميعًا وبين قبيلته وغيرها من القبائل. وإنما ينتظم حياته ما ينتظم سائر الخلق من حب البقاء والحرص عليه والدفاع عنه، على أن يكون ذلك كله متفقًا مع قواعد الشرف التي تمليها عليه حياة البادية الحرة؛ لذلك لم يكن أهل هذه البادية يقيمون على ضيم يراد بهم، بل كانوا يدفعونه بقوتهم، فإن لم يستطيعوا دفعه تخلوا عن مواطنهم وارتحلوا عن شبه الجزيرة كلها إذا لم يكن من هذا الارتحال بد. ولذلك لم يكن شيء أيسر عند هذه القبائل من القتال إذا نبت خلاف لم يتيسر في ظلال قواعد الكرامة والمروءة والشرف والفصل فيه.

من ثم نجمت في كثير من هذه القبائل خلال الكرم والشجاعة والنجدة وحماية الجار والعفو عند المقدرة، وما إلى هذه من خلال تقوى في النفس كلما قاربت حياة البادية، وتضعف وتضمحل فيها كلما أوغلت في أسباب الحضارة. لذلك ولما قدمنا من أسباب اقتصادية، لم تطمع بزنطية، ولا طمعت فارس، فيما سوى اليمن من بلاد شبه الجزيرة التي لم تكن لتخضع، لأنها تؤثر على الخضوع هجرة الوطن، ولأن أفرادها وقبائلها لا يدينون بالطاعة لنظام قائم ولا لهيئة حاكمة تتسلط عليهم.

ولقد أثرت هذه الطبائع البدوية، إلى حد كبير، في البلاد القليلة الصغيرة التي نشأت في أنحاء شبه الجزيرة بسبب تجارة القوافل على نحو ما قدمناه، والتي يأوي إليها التجار يقطعون عندها متاعب رحلاتهم المضنية، ويجدون بها هياكل عبادة يشكرون فيها الآلهة أن منَّت عليهم بالنجاة من أخطار الفلوات، وأن جلبت تجارتهم سالمة إلى حيث وصلوا. من هذه البلاد مكة والطائف ويثرب، وأشباهها من الواحات المنتثرة بين الجبال أو خلال رمال الصحراء. تأثرت هذه البلاد بطبائع البادية؛ فكانت أقرب إلى البداوة منها إلى الحضارة في نظام قبائلها وطوائفها، وفي أخلاق أهلها وعاداتهم وفي شدة نفورهم من كل حد لحريتهم، وإن أكرهتهم حياة الاستقرار على نوع من الحياة غير ما اعتاد أهل البادية. وسترى شيئًا من تفصيل ذلك عند الكلام في الفصول الآتية عن مكة وعن يثرب.

هذه البيئة الطبيعية وما ترتب عليها من هذه الأحوال الخُلقية والسياسية والاجتماعية كان لها أثر مشابه في الحال الدينية. فهل تأثرت اليمن — بطبيعة اتصالها بمسيحية الروم ومجوسية الفرس — بهذين الدينين وأثرت بهما في سائر بلاد شبه الجزيرة؟ هذا ما يتبادر إلى الذهن؛ وهو كذلك بنوع خاص في أمر المسيحية. فالمبشرون بدين عيسى كان لهم في ذلك العصر ما لهم اليوم من نشاط في الدعوة إلى دينهم والتبشير به. وفي طبيعة حياة البادية من تحريك المعاني الدينية في النفس ما ليس في طبيعة حياة الحضر. في حياة البادية يتصل الإنسان بالكون ويحس لا نهاية الكون في مختلف صورها، ويشعر بضرورة تنظيم ما بينه وبين الوجود في لا نهايته. أما رجل الحاضر فمحجوب عن اللانهاية بمشاغله، محجوب عنها بحماية الجماعة إياه لقاء نزوله للجماعة عن جانب من حريته. وإذعانه لسلطان الحاكم كي ينال حمايته يقصر به عن الاتصال بما وراء الحاكم من القوى الطبيعية القوية الأثر في الحياة، ويضعف لذلك عنده روح الاتصال بعناصر الطبيعة المحيطة به. ولا شيء من ذلك يحول بين رجل البادية والمعاني الدينية التي تحركها حياة البادية في النفس.

تُرى هل أفادت المسيحية الجمَّة النشاط منذ عصورها الأولى من هذه الظروف كلها في سبيل ذيوعها وانتشارها؟ ربما انتهى الأمر إلى ذلك لولا أمور أخرى حالت دونه، وأبقت بلاد العرب كلها واليمن معها على الوثنية دين آبائها وأجدادها، إلا قليلًا كان من القبائل التي لانت للدعوة المسيحية.

فقد كانت أقوى مظاهر الحضارة العالمية في ذلك العصر تحيط، كما رأيت، بحوضي البحر الأبيض «بحر الروم» والبحر الأحمر «بحر القلزم». وكانت المسيحية واليهودية تتجاوران في ذلك المحيط تجاورًا إلا يكن فيه عداء ظاهر فليست فيه مودة ظاهرة. وكان اليهود إلى يومئذ، كما لا يزالون، يذكرون ثورة عيسى بهم وخروجه على دينهم. فكانوا يعملون في الخفية ما استطاعوا لصد تيار المسيحية التي أخرجتهم من أرض المعاد، والتي استظلت بلواء الروم في إمبراطوريتها الفسيحة المترامية الأطراف. وكان لليهود في بلاد العرب جاليات كبيرة يقيم أكثرها في اليمن وفي يثرب.

ثم كانت مجوسية الفرس تقف في وجه القوات المسيحية حتى لا تعبر الفرات إلى فارس، وتؤيد بقوتها المعنوية أوضاع الوثنية حيثما وجدت الوثنية. وكان سقوط رومية وزوال سلطانها بعد انتقال عاصمة حضارة العالم إلى بزنطية وما تلا ذلك من بوادر التحلل، قد أكثر الشيع في المسيحية كثرة جعلتها — كما قدمنا — تتناحر وتقتتل وتهوي من عُليا مراتب الإيمان إلى الجدل في الصور والألفاظ وفي مبلغ قدس مريم وتقدمها على ابنها المسيح أو تقدمه عليها. جدلًا هو النذير أنى وجد بتدهور ما يجري في شأنه وما يحتدم من أجله؛ ذلك بأنه يذر اللب ويأخذ بالقشور، ويظل يكدس من هذه القشور فوق اللب ما يخفيه وما يجعل من المحال على الناس إدراكه أو اختراق حجب القشور إليه.

وقد كان ما يحتدم جدل نصارى الشام حوله غير ما يحتدم جدل أهل الحيرة أو أهل الحبشة حوله. ولم يكن اليهود بطبيعة صلتهم بالنصارى ليعملوا على تهدئة هذا الجدل أو التسكين من حدته. لذلك كان طبيعيًّا أن يظل العرب الذين يتصلون بنصارى الشام وبنصارى اليمن في رحلتي الشتاء والصيف وبمن يفدون عليهم من نصارى الحبشة بعيدين عن أن ينتصروا لفريق على فريق مطمئنين إلى وثنيتهم التي ولدوا فيها وتابعوا آباءهم عليها. ولذلك ظلت عبادة الأصنام مزدهرة عندهم، حتى امتد شيء من أثرها إلى جيرانهم نصارى نجران ويهود يثرب الذين تسامحوا في أمرها ثم احتملوها ثم اطمأنوا إليها، أن كانت من صلات التجارة الحسنة بينهم وبين هؤلاء العرب الذين يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى.

ولعل تناحر الفرق المسيحية لم يكن وحده السبب في إصرار العرب على وثنيتهم؛ فقد كانت الوثنيات المختلفة ما تزال لها بقايا في الأمم التي انتشرت المسيحية فيها. كانت الوثنية المصرية والوثنية الإغريقية ما تزالان تتبديان من خلال المذاهب المختلفة، ومن خلال بعض المذاهب المسيحية نفسها، وكانت مدرسة الإسكندرية وفلسفتها ما تزال ذات أثر، إن يكن أقل كثيرًا مما كان في عهد البطالسة وفي أول العهد المسيحي، فقد كان على كل حال ما يزال متغلغلًا في النفوس، وما يزال منطقه البراق المظهر، وإن يكن سفسطائي الجوهر، يغري الوثنية المتعددة الآلهة، القريبة بآلهتها إلى سلطان الإنسان، المحببة لذلك إليه. وأكبر ظني أن هذا هو ما يشد النفوس الضعيفة إلى الحرص على الوثنية في كل الأزمان، وفي زماننا هذا. فالنفوس الضعيفة أعجز من أن تسمو حتى تتصل بالوجود كله كيما تدرك وحدته ممثلة فيما هو أسمى من كل ما في الوجود، ممثلة في الله ذي الجلال. وهي لذلك تقف عند مظهر من مظاهر هذا الوجود كالشمس أو كالقمر أو كالنار، ثم تضعف عن السمو إلى تصوُّر ما يدل هذا المظهر عليه من وحدة الوجود.

هذه النفوس الضعيفة تكتفي بوثن يتمثل لها في معنى مبهم وضيع من الوجود ووحدته، فتتصل بهذا الوثن وتخلع عليه من صور التقديس ما لا نزال نراه في بلاد العالم جميعًا، مع ما يزعم هذا العالم من تقدم في العلم وسمو في الحضارة. من ذلك ما يراه الذين يزورون كنيسة القديس بطرس رومية؛ فهم يرون قدم التمثال المقام بها للقديس تبريها قبلات عباده المؤمنين، ثم تضطر الكنيسة إلى تغييرها كلما انبرت. وما نحسبنا ونحن نرى ذلك إلا نلتمس العذر لأولئك الذين لما يكن الله قد هداهم إلى الإيمان، والذين كانوا يرون تناحر جيرانهم النصارى وبقاء أوضاع الوثنية بينهم، حتى يقيمون على عبادة الأوثان التي كان يعبد آباؤهم. وكيف لا نعذرهم وهذه الأوضاع متأصلة في العالم باقية بقاءً لم ينقطع حتى اليوم وما أحسبه ينقطع أبدًا؛ بقاءً يفسر هذه الوثنية التي يرتضيها المسلمون اليوم في دينهم، وهو الذي جاء حربًا على الوثنية، وهو الذي قضى على كل عبادة غير عبادة الله ذي الجلال.

ولقد كانت للعرب في عبادة الأوثان أفانين شتى يصعب على باحث اليوم أن يحيط بها. فقد حطم النبي الأصنام وأمر أصحابه بتحطيمها حيثما ثقفوها؛ وتناهى المسلمون عن التحدث عنها بعد أن عفَّوْا على آثارها وأزالوا من الوجود في التاريخ وفي الأدب كل ما يتصل بها. على أن ما ورد من ذكرها في القرآن وما تناقلته الروايات في القرن الثاني للهجرة عنها، بعد إذ أمن المسلمون فتنتها. ينبئ عما كان لها قبل الإسلام من جليل المكانة وما كانت عليه من مختلف الصور، ويدل على أنها كانت تتفاوت في درجات التقديس. وقد كان لكل قبيلة صنم تدين له بالعبادة. وكانت هذه المعبودات الجاهلية تختلف ما بين الصنم والوثن والنصب؛ فالصنم ما كان على شكل الإنسان من معدن أو خشب والوثن ما كان على شكله من حجر. أما النصب فصخرة ليست لها صورة معينة، تجرى عليها قبيلة من القبائل أوضاع العبادة، لما تزعمه من أصلها السماوي أن كانت حجرًا بركانيًّا أو ما يشبهه. ولعل أدق الأصنام صنعًا ما كان لأهل اليمن. ولا عجب فحظهم من الحضارة لم يعرف أهل الحجاز ولا عرفه أهل نجد وكندة. على أن كتب الأصنام لا تشير بالدقة إلى شيء من صور هذه الأصنام إلا ما قيل عن هبل من أنه كان من العقيق على صورة الإنسان، وأن ذراعه كسرت فأبدله القرشيون منها ذراعًا من ذهب. وهبل كان كبير آلهة العرب وساكن الكعبة بمكة، فكان الناس يحجون إليه من كل فج عميق.

ولم يكن العرب ليكتفوا بهذه الأصنام الكبرى يقدمون إليها صلواتهم وقرابينهم، بل كان أكثرهم يتخذ له صنمًا أو نصبًا في بيته، يطوف به حين خروجه وساعة أوبته، ويأخذه معه عند سفره إذا أذن له هذا الصنم في السفر.

وهذه الأصنام جميعًا، سواء منها ما كان بالكعبة أو حولها وما كان في مختلف جهات بلاد العرب وبين مختلف قبائلها، كانت تعتبر الوسيط بين عبادها وبين الإله الأكبر. وكان العرب لذلك يعتبرون عبادتهم إياها زلفى يتقربون بها إلى الله وإن كانوا قد نسوا عبادة الله لعبادتهم هذه الأصنام.

ومع أن اليمن كانت أرقى بلاد شبه الجزيرة كلها حضارةً بسبب خصبها وحسن تنظيم انحدار المياه إلى أرضها، لم تكن مع ذلك مطمح النظر لأهل هذه البلاد الصحراوية المترامية الأطراف، ولم يكن إلى معابدها حجهم؛ وإنما كانت مكة وكانت كعبتها بيت إسماعيل مثابة الحاج، إليها كانت تشد الرحال وتشخص الأبصار، وفيها أكثر من كل جهة سواها كانت ترعى الأشهر الحرم. لذلك ولمركزها الممتاز في تجارة العرب كلها، كانت تعتبر عاصمة شبه الجزيرة. ثم أراد القدر من بعد أن تكون مسقط رأس محمد النبي العربي، فتكون بذلك متجه نظر العالم على توالي القرون، ويظل لبيتها العتيق تقديسه، وتبقى لقريش فيها المكانة السامية، وإن ظلت وظلوا جميعًا أدنى إلى خشونة البداوة التي كانوا عليها منذ عشرات القرون.

١  نقله موير في كتابه «حياة محمد» صxc.
٢  سورة البروج الآيات من ٤ إلى ٨.
٣  هذه الرواية وردت في أكثر الكتب والمراجع. سجلتها دائرة المعارف البريطانية وأخذ بها مؤرخو كتاب Historian’s History of the world واعتمدها درمنجم في كتاب «حياة محمد» على أن الطبري روى عن هشام بن محمد أنه لما ذهب اليمني يستنجد النجاشي على ذي نواس وأنبأه بما فعل نصير اليهودية بالنصارى وأراه الإنجيل قد أحرقت النار بعضه، قال له النجاشي: «الرجال عندي كثير وليست عندي سفن، وأنا كاتب إلى قيصر في البعثة إليَّ بسفن أحمل فيها الرجال. فكتب إلى قيصر في ذلك وبعث إليه بالإنجيل المحرَّق. فبعث إليه قيصر بسفن كثيرة.» ويضيف الطبري: «وأما هشام بن محمد فإنه زعم أن السفن لما قدمت على النجاشي من عند قيصر حمل جيشه فيها فخرجوا في ساحل المندب.» (راجع الطبري طبعة المطبعة الحسينية جزء٢ ص١٠٦ و١٠٨).
٤  تجري بعض كتب التاريخ برواية أخرى عن سبب غزو الحبشة اليمن. وهذه الرواية تذهب إلى أن التجارة كانت متصلة بين العرب المستعربة بالحجاز وبين اليمن والحبشة، وكانت الحبشة يومئذ ذات شواطئ ممتدة على البحر الأحمر وصاحبة أسطول للتجارة. وقد طمعت الروم في طريق اليمن، للاستفادة من ثروتها وخصبها. فجهز إيلياس جالس. حاكم مصر من قبل إمبراطور الروم، لغزو اليمن وضمها إلى الإمبراطورية، وركب الجيش البحر الأحمر إلى اليمن وغزاها وبلغ نجران، ولكن الأمراض فتكت به ويسرت لأهل اليمن مقاومته فارتد عنها عائدًا إلى مصر. ثم كانت بعد هذه الغزوة غزوات قام بها الروم ضد العرب في اليمن وفي غير اليمن. ولكنها لم تكن أيمن من غزوة جالس حظًّا، إذ ذاك بدا لنجاشي الحبشة أن ينتقم من اليمن التي فشت فيها اليهودية للروم المسيحيين مثله فجهز جيش أرباط فغزا اليمن واستقر بها إلى أن أجلاه الفرس عنها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤