الفصل الثامن عشر

غزوتا الخندق وبني قريظة

(حيي بن أخطب وتأليبه العرب جميعًا على المسلمين – عشرة آلاف مقاتل يقصدون المدينة – سلمان الفارسي يشير بحفر الخندق حولها – حصار قريش وغطفان إياها – نقض بني قريظة عهدهم مع المسلمين – ضياع الثقة بين العرب واليهود – انسحاب العرب عن المدينة – محاصرة بني قريظة – القضاء عليهم بالقتل …)

***

آن للمسلمين بعد إجلائهم بني النضير عن المدينة، وبعد بدر الآخرة، وبعد غزوتي غطفان ودومة الجندل، أن يركنوا إلى شيء من الطمأنينة إلى الحياة بالمدينة. وذهبوا ينظِّمون عيشهم، وكان من بعدُ أقل شظفًا بما غنموا في غزواتهم هذه، وإن كانت قد صرفتهم في كثير عن الزرع والتجارة. وكان محمد على طمأنينته حذرًا غدرة العدوِّ، باثًّا دائمًا عيونه وأرصاده في أنحاء شبه الجزيرة ينقلون إليه من أخبار العرب وما يأتمرون به ما يمهد له دائمًا فرصة الأهبة لدفاع المسلمين عن أنفسهم. ومن اليسير عليك أن تقدر ضرورة الحذر والحيطة بعد كل الذي رأيت من غدرات قريش وغير قريش بالمسلمين ومن أن بلاد العرب كلها كانت في ذلك الحين، وكانت من بعد ذلك في أكثر أطوار تاريخها، أشبه بمجموعة جمهوريات مستقلة كل واحدة منها عن سائرها، تتخذ كل واحدة منها نظامًا هو أقرب ما يكون إلى نظام القبائل، وتضطر لذلك إلى الاحتماء بعادات وتقاليد لا يألفها تصورنا في الأمم المنظمة. وكان محمد أشد ما يكون حذرًا أن كان عربيًّا بقدر ما ركِّب في الغريزة العربية من الحرص على الثأر. وقد كانت قريش وكان يهود بني قينقاع ويهود بني النضير وعرب غطفان وهُذيل والقبائل المتاخمة للشام، تتربص كل واحدة منها بمحمد وأصحابه الدوائر، وتود كل واحدة منها لو تستطيع أن تجد الفرصة لإدراك ثأرها من هذا الرجل الذي فرق العرب في دينها شيعًا، والذي خرج من مكة مهاجرًا لا حول له ولا قوة إلا ما يملأ نفسه الكبيرة من الإيمان، وها هو ذا في خمس سنوات قد أصبح له من الحول ومن القوة ما جعله مرهوب الجانب من أشد مدائن العرب ومن أشد قبائلها حولًا وقوةً.

ولقد كان اليهود أبصر خصوم محمد بتعاليمه وبمصير دعوته، وكانوا أكثرهم تقديرًا لما يصيبهم بانتصاره. فهم كانوا في بلاد العرب دعاة التوحيد، وكانوا ينافسون المسيحيين في سلطانهم ويأملون مغالبتهم والتغلب عليهم. ولعلهم كانوا على حق أن كانت السامية أميل بطبعها إلى فكرة التوحيد، على حين كان التثليث المسيحي مما لا يسهل على هذه النفس الحامية مساغه. وهذا محمد من صميم العرب ومن صميم الساميين، يدعو إلى التوحيد بعبارات قوية نفاذة تأخذ بمجامع الفؤاد، وتصل إلى أعماق القلب، وتسمو بالإنسان إلى ما فوق نفسه. وها هو ذا قد بلغ من القوة حتى أخرج بني قينقاع من المدينة، وحتى أجلى بني النضير عن ديارهم؟ فهل يتركونه وشأنه منصرفين إلى الشام وإلى وطنهم الأول بيت المقدس في أرض المعاد، أم تراهم يحاولون تأليب العرب عليه ليأخذوا بالثأر منه؟

كانت فكرة تأليب العرب هي الفكرة التي اختمرت في نفوس أكابر بني النضير. وتنفيذًا لها خرج نفر منهم، ومن بينهم حيي بن أخطب وسلَّام بن أبي الحقيق وكنانة بن أبي الحقيق، ومعهم نفر من بني وائل هوذة بن قيس وأبو عمَّار حتى قدموا على قريش مكة. فسأل أهلها حييًّا عن قومه، فقال: تركتهم بين خيبر والمدينة يترددون حتى تأتوهم فتسيروا معهم إلى محمد وأصحابه. وسألوه عن قريظة، فقال: أقاموا بالمدينة مكرًا بمحمد، حتى تأتوهم فيميلوا معكم. وترددت قريش أتقدم أم تحجم؛ فليس بينها وبين محمد خلاف إلا على الدعوة التي يدعو إلى الله. أليس من الممكن أن يكون على حق ما دامت كلمته تزداد كل يوم رفعة وسموًّا؟! وقالت قريش لليهود: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول وأهل العلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ قالت اليهود: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه. وإلى ذلك يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا.١

وفي موقف اليهود هذا من قريش وتفضيلهم وثنيتهم على توحيد محمد يقول الدكتور إسرائيل ولفنسون في كتابه «تاريخ اليهود في بلاد العرب»: «كان من واجب هؤلاء ألا يتورطوا في مثل هذا الخطأ الفاحش، وألا يصرحوا أمام زعماء قريش بأن عبادة الأصنام أفضل من التوحيد الإسلامي ولو أدى بهم الأمر إلى عدم إجابة مطالبهم؛ لأن بني إسرائيل الذين كانوا مدة قرون حاملي راية التوحيد في العالم بين الأمم الوثنية باسم الآباء الأقدمين، والذين نكبوا بنكبات لا تحصى من تقتيل واضطهاد بسبب إيمانهم بإله واحد في عصور شتى من الأدوار التاريخية، كان من واجبهم أن يضحُّوا بحياتهم وكل عزيز لديهم في سبيل أن يخذلوا المشركين. هذا فضلًا عن أنهم بالتجائهم إلى عبَّاد الأصنام إنما كانوا يحاربون أنفسهم ويناقضون تعاليم التوراة التي توصيهم بالنفور من أصحاب الأصنام وبالوقوف منهم موقف الخصومة.»

لم يكف حيي بن أخطب واليهود الذين معه هذا الذي قالوا لقريش في تفضيل وثنيتها على توحيد محمد حتى تنشط لمحاربته، وأن يأخذوا وإياهم لذلك بعد أشهر موعدًا، بل خرج أولئك اليهود إلى غطفان من قيس عيلان، ومن بني مُرة، ومن بني فزارة، ومن أشجع، ومن سُليم ومن بني سعد، ومن أسد، ومن كل من لهم عند المسلمين ثأر، وما زالوا بهم يحرِّضونهم على الأخذ بثأرهم ويذكرون لهم متابعة قريش إياهم على حرب محمد ويحمدون لهم وثنيتهم، ويعدونهم النصر لا محالة. وخرجت الأحزاب التي جمع اليهود لحرب محمد وأصحابه: خرجت قريش وعلى رأسها أبو سفيان في أربعة آلاف مجند وثلاثمائة جواد وخمسمائة وألف ممتطٍ بعيره. وعقد اللواء في دار الندوة لعثمان بن طلحة الذي قُتل أبوه وهو يحمل لواء قريش في أحُد. وخرجت بنو فزارة وعلى رأسها عيينة بن حصن بن حذيفة في رجال كثيرين وألف بعير. أما أشجع ومُرة فجاء كل منهما في أربعمائة محارب، يتزعَّم الحارث بن عوف مُرة، ويتزعم مسعر بن رُخيلة أشجع. وجاءت سُليم أصحاب بئر معونة في سبعمائة رجل. واجتمع هؤلاء وانحاز إليهم بنو سعد وأسد، فصاروا في عشرة آلاف رجل أو نحوها، وساروا جميعًا تحت إمرة أبي سفيان قاصدين المدينة. فلما بلغوها تداول زعماء هذه القبائل الزعامة أثناء الحرب كلٌّ يومًا على التوالي.

واتصل نبأ هذا السير بمحمد والمسلمين معه في المدينة ففزعوا. ها هي ذي العرب كلها قد أجمعت أمرها لتسحقنهم ولتقضينَّ عليهم ولتستأصلنَّهم. وها هي ذي قد جاءت في عدة وعديد ما لها في حروب العرب جميعًا من قبل مثل. وإذا كانت قريش قد انتصرت في أحُد عليهم لما خرجوا من المدينة وكانت دون هذه الأحزاب بمراحل في العدد والعدة، فماذا عسى أن يصنع المسلمون لمقابلة الألوف المؤلَّفة من رجال وخيل وإبل وأسلحة وذخيرة؟! لم يكن سبيل إلى غير التحصن بيثرب العذراء، على ما وصفها عبد الله بن أبي. ولكن أيكفي هذا التحصن أمام تلك القوة الساحقة؟! وكان سلمان الفارسي يعرف من أساليب الحرب ما لم يكن معروفًا في بلاد العرب، فأشار بحفر الخندق حول المدينة وتحصين داخلها. وسارع المسلمون إلى تنفيذ نصيحته، فحُفر الخندق وعمل فيه النبي — عليه السلام — بيديه، فكان يرفع التراب ويشجِّع المسلمين بذلك أعظم التشجيع، ويدعوهم إلى مضاعفة الجهد. وأخذ المسلمون آلات الحفر، من مساح وكرازين ومكاتل٢ من قريظة: اليهود الذين بقوا على ولائهم، وبهذا الدأب والجهد المتصل تم حفر الخندق في ستة أيام. وفي هذه الأثناء كذلك حُصنت جدران المنازل التي تواجه العدو والتي بينها وبين الخندق نحو فرسخين. وعند ذلك أخليت المساكن التي ظلت فيما وراء الخندق، وجيء بالنساء والأطفال إلى هذه المنازل التي حُصِّنت ووضعت الأحجار إلى جانب الخندق من ناحية المدينة لتكون سلاحًا يُرمى به عند الحاجة إليه.

وأقبلت قريش وأحزابها وهي ترجو أن تلقى محمدًا بأُحُد، فلم تجد عنده أحدًا. فجاوزته إلى المدينة حتى فاجأها الخندق، فعجبت أن لم تكن تتوقع هذا النوع من الدفاع المجهول لها. وبلغ منها الغيظ حتى زعمت أن الاحتماء وراءه جبن لا عهد للعرب به. وعسكرت قريش ومن تابعها بمجتمع الأسيال من رومة، وعسكرت غطفان ومن اتبعها من أهل نجد بذنب نَقَمَى. أما محمد فخرج في ثلاثة آلاف من المسلمين فجعل ظهره إلى هضبة سلع، وجعل الخندق بينه وبين أعدائه، وهناك ضرب عسكره ونصبت له خيمته الحمراء. ورأت قريش والعرب معها أن لا سبيل إلى اجتياز الخندق فاكتفت بتبادل الترامي بالنبال عدة أيام متتابعة.

وأيقن أبو سفيان والذين معه أنهم مقيمون أمام يثرب وخندقها طويلًا دون أن يستطيعوا اقتحامها. وكان الوقت آنئذ شتاءً قارسًا برده، عاصفة رياحه، يخشى في كل وقت مطره. وإذا كان من اليسير أن يحتمي أهل مكة وأهل غطفان من ذلك كله بمنازلهم في مكة وفي غطفان، فالخيام التي ضربوا أمام يثرب لا تحميهم منه فتيلًا. وهم بعد قد جاءوا يرتجون نصرًا ميسورًا لا يكلفهم غير يوم كيوم أحُد، ثم يعودون أدراجهم يتغنون بأناشيد الفوز ويستمتعون باقتسام الغنائم والأسلاب. وماذا عسى أن يُمسك غطفان عن أن تعود أدراجها وهي إنما اشتركت في الحرب لأن اليهود وعدتها متى تم النصر، ثمار سنة كاملة من ثمار مزارع خيبر وحدائقها، وها هي ذي ترى النصر غير ميسور، أو هو على الأقل غير محقق، وهو يحتاج من المشقة في هذا الفصل القارس إلى ما ينسيها الثمار والحدائق! فأما انتقام قريش لنفسها من بدر ومما لحقها بعد بدر من هزائم، فأمره مدرك على الأيام ما دام هذا الخندق يحول دون إمساك محمد بالتلابيب، وما دامت بنو قريظة تمدُّ أهل يثرب بالمئونة إمدادًا يطيل أمد مقاومتهم شهورًا وشهورًا. أفليس خيرًا للأحزاب أن يعودوا أدراجهم؟! نعم! لكن جمع هؤلاء الأحزاب لحرب محمد مرة أخرى ليس بالأمر الميسور. وقد استطاع اليهود، وحيي بن أخطب على رأسهم، أن يجمعوها هذه المرة للانتقام لأنفسهم من محمد وأصحابه عما أوقع بهم وببني قينقاع من قبلهم. فإن أفلتت الفرصة فهيهات هيهات أن تعود، وإن انتصر محمد بانسحاب الأحزاب فالويل ثم الويل لليهود.

قدر حيي بن أخطب هذا كله، وخاف مغبته، ورأى أن لا مفر من أن يقامر بآخر سهم عنده. فأوحى إلى الأحزاب أنه مقنعٌ بني قريظة بنقض عهد موادعتهم محمدًا والمسلمين والانضمام إليهم، وأن قريظة متى فعلت انقطع المدد والميرة عن محمد من ناحية، وفتح الطريق لدخول يثرب من ناحية أخرى. وسرت قريش وغطفان بما ذكر حيي، وسارع هو فذهب يريد كعب بن أسد صاحب عقد بني قريظة، وقد أغلق كعب دونه باب حصنه أول ما عرف مقدمه عليه، مقدِّرًا أن غدر قريظة بمحمد ونقضها عهده وانضمامها إلى عدوه قد يفيده ويفيد اليهود إذا دارت الدوائر على المسلمين، لكنه جدير بأن يمحوها محوًا إذا هُزمت الأحزاب وانصرفت قواتها عن المدينة.

غير أن حييًّا ما زال به حتى فتح له باب الحصن ثم قال له: «ويحك يا كعب! جئتك بعز الدهر وببحر طام. جئتك بقريش وبغطفان مع قادتها وسادتها، وقد عاهدوني وعاقدوني على ألا يبرحوا حتى نستأصل محمدًا ومن معه.» وتردد كعب وذكر وفاء محمد وصدقه لعهده، وخشي مغبة ما يدعوه حيي إليه. لكن حييًّا ما زال به يذكر له ما أصاب اليهود من محمد وما يوشك أن يصيبهم منه إذا لم تنجح الأحزاب في القضاء عليه، ويصف له قوة الأحزاب وعُدتها وعددها، وأنها لم يمنعها غير الخندق أن تقضي في سويعة على المسلمين جميعًا، حتى لان كعب له، فسأله: وماذا يكون إذا ارتدت الأحزاب؟ هناك أعطاه حيي موثقًا إن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدًا أن يدخل معه في حصنه فيشركه في حظه. وتحركت في نفس كعب يهوديته فقبل ما طلب ونقض عهده مع محمد والمسلمين وخرج من حياده.

واتصل نبأ انضمام قريظة إلى الأحزاب بمحمد وأصحابه، فاهتزوا له وخافوا مغبته. وبعث محمد سعد بن معاذ سيِّد الأوس وسعد بن عبادة سيد الخزرج ومعهما عبد الله بن رواحة بن جبير ليقفوا على جلية الأمر، على أن يلحنوا٣ به عند عودتهم إن كان حقًّا؛ حتى لا يفُتُّوا في أعضاد الناس. فلما أتى هؤلاء الرسل ألفوا قريظة على أخبث ما بلغهم عنهم. فلما حاولوا ردهم إلى عهدهم طلب كعب إليهم أن يردوا إخوانهم يهود بني النضير إلى ديارهم. وأراد سعد بن معاذ، وكان حليف قريظة، أن يقنعها مخافة أن يحل بها ما حل ببني النضير أو ما هو شر منه؛ فانطلقت اليهود ووقعوا في محمد — عليه السلام — وقال كعب: من رسول الله؟! لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد. وكاد الفريقان يتشاتمان.
رجع رسل محمد بما رأوا. هنالك عظم البلاء واشتد الخوف، ورأى أهل المدينة طريق قريظة وقد فُتح للأحزاب فدخلوا عليهم واستأصلوهم. ولم يكن ذلك محض خيال ووهم؛ فهم رأوا قريظة تقطع المدد والميرة عنهم، ورأوا قريشًا وغطفان، منذ عاد حيي بن أخطب ينبئهم بانضمام قريظة إليهم، قد تغيرت نفسيتهم وأخذوا يعدون أنفسهم للقتال. وذلك أن قريظة استمهلت الأحزاب عشرة أيام تُعِدُّ فيها عدتها على أن تقاتل الأحزاب المسلمين في هذه الأيام العشرة أشد القتال. وذلك ما فعلوا. فقد ألفوا ثلاث كتائب لمحاربة النبي؛ فأتت كتيبة ابن الأعور السلمي من فوق الوادي، وأتت كتيبة عيينة بن حصن من الجنب، ونصب له أبو سفيان من قبل الخندق. وفي هذا الموقف نزلت هذه الآيات: إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وتظنون بِاللهِ الظنونا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدً * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا.٤

ولأهل يثرب أبلغ العذر إن هم بلغ منهم الفزع وزُلزلت قلوبهم. ولمن قال منهم العذر في أن يقول: كان محمد يعدنا، أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط. وللذين زاغت أبصارهم العذر في أن تزيغ. وللذين بلغت قلوبهم الحناجر العذر في أن تبلغها. أليس هو الموت الذي يرون آتيًا تقدح بالشرر عينه، مصوَّرة في بريق هذه السيوف تلمع في أيدي قريش وفي أيدي غطفان، وتدب إلى القلب مخافته متسللة من منازل بني قريظة الغَدَرَة الخائنين؟! ألا ويل لليهود! ما كان أجدر محمدًا بأن يقضي على بني النضير وأن يستأصلهم بدل أن يذرهم يرتحلون موفورين، وأن يذر حييًّا والذين معه يؤلبون العرب على المسلمين ليستأصلوهم. ألا إنها الطامة الكبرى والفزع الأكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

وسمت روح الأحزاب المعنوية، حتى دفعت بعض فوارس من قريش، منهم عمرو بن عبد ود، وعكرمة بن أبي جهل، وضرار بن الخطاب، أن يقتحموا الخندق، فتيمموا مكانًا منه ضيقًا فضربوا خيلهم فاجتازته فجالت بهم في السبخة بين الخندق، وسلع، وخرج عليُّ بن أبي طالب في نفر من المسلمين فأخذوا عليهم الثغرة التي اقتحمت منها خيلهم، وتقدم عمرو بن عبد وُد ينادي: من يبارز؟ ولما دعاه ابن أبي طالب إلى النزال قال في صلف: لم يا بن أخي؟! فوالله ما أحب أن أقتلك. قال عليٌّ: لكني أحب والله أن أقتلك. فتنازلا فقتله عليٌّ؛ وفرت خيل الأحزاب منهزمة، حتى اقتحمت الخندق من جديد مولية الأدبار لا تلوي على شيء. وأقبل نوفل بن عبد الله بن المغيرة على فرس له بعد ما غربت الشمس يريد أن يجتاز الخندق، فهوى هو والفرس فيه فصرعا وتحطما. وأرسل أبو سفيان يعرض دية جثته مائة من الإبل، فرفض النبي — عليه السلام — وقال: خذوه فإنه خبيث الدية.

وأعظمت الأحزاب نيرانها مبالغةً في تخويف المسلمين وإضعافًا لروحهم، وبدأ المتحمسون من قريظة ينزلون من حصونهم وآطامهم إلى منازل المدينة القريبة منهم، يريدون إرهاب أهلها. كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت، وكان حسان فيه مع النساء والصبيان، فمر بهم يهودي يطيف بالحصن. فقالت صفية مخاطبة حسانًا: إن هذا اليهودي يطيف يا حسان بالحصن كما ترى، وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من اليهود، ورسول الله وأصحابه قد شغلوا عنا، فانزل إليه فاقتله. قال حسَّان: يغفر الله لك يا بنة عبد المطلب! والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا. فأخذت صفية عمودًا ونزلت من الحصن وضربت به اليهودي حتى قتلته. فلما رجعت قالت: يا حسان انزل إليه فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل. قال حسان: ما لي يا بنت عبد المطلب بسَلَبه من حاجة!

وظل أهل المدينة في فزعهم وزلزال قلوبهم، على حين جعل محمد يفكر في الوسيلة إلى الخلاص، ولم تكن الوسيلة مواجهة العدو بطبيعة الحال. فلتكن الحيلة إذن. فبعث إلى غطفان يعدها ثلث ثمار المدينة إن هي ارتحلت. وكانت غطفان قد بدأت تمل، فأظهرت امتعاضًا من طول هذا الحصار وما لقوا من العنت أثناءه لغير شيء إلا إجابة حيي بن أخطب واليهود الذين معه. ثم إن نعيم بن مسعود ذهب بأمر الرسول إلى قريظة، وكانت لا تعرف أنه أسلم، وكان لها نديمًا في الجاهلية، فذكرهم بما بينه وبينهم من مودة، ثم ذكر لهم أنهم ظاهروا قريشًا وغطفان على محمد، وقريش وغطفان ربما لا تطيقان المقام طويلًا فترتحلان فتخليان ما بينهم وبين محمد فينكل بهم، ونصح لهم ألا يقاتلوا مع القوم حتى يأخذوا منهم رهنًا يكونون بأيديهم حتى لا تتنحَّى قريش وغطفان عنهم. واقتنعت قريظة بما قال. ثم ذهب إلى قريش فأسرَّ لهم أن قريظة ندموا على ما فعلوا من نكث عهد محمد، وأنهم عاملون لاسترضائه وكسب مودته بأن يقدموا له من أشراف قريش من يضرب أعناقهم. ولذلك نصح لهم إن بعثت إليهم اليهود يلتمسون رهائن من رجالهم ألا يبعثوا منهم أحدًا.

وصنع نعيم مع غطفان ما صنع مع قريش وحذرهم مثل ما حذرهم. ودبت الشبهة من كلام نعيم إلى نفوس قريش وغطفان فتشاور زعماؤهم، فأرسل أبو سفيان إلى كعب سيد بني قريظة يقول له: قد يا كعب طالت إقامتنا وحصارنا هذا الرجل، وقد رأيت أن تعمدوا إليه في الغد ونحن من ورائكم، فعاد رسول أبي سفيان إليه بقول زعيم قريظة: إن غدًا السبت، وإنا لا نستطيع القتال والعمل يوم السبت. فغضب أبو سفيان وصدق حديث نعيم، وأعاد الرسول يقول لقريظة: اجعلوا سبتًا مكان هذا السبت، فإنه لا بد من قتال محمد غدًا، ولئن خرجنا لقتاله ولستم معنا لنبرأن من حلفكم ولنبدأن بكم قبل محمد. فلما سمعت قريظة كلام أبي سفيان كررت أنها لا تتعدى السبت، وقد غضب الله على قوم منهم تعدوه فجعلهم قردة وخنازير. ثم أشاروا إلى الرهائن حتى يطمئنوا لمصيرهم. فلما سمع ذلك أبو سفيان لم يبق لديه في كلام نعيم ريبة، وبات يفكر ماذا عسى أن يصنع؛ وتحدث إلى غطفان فإذا هي تتردد في الإقدام على قتال محمد متأثرة بما كان قد بدأها به من وعدها ثلث ثمار المدينة وعدًا لم يتم أن اعترضه سعد بن معاذ وسادة المدينة من الأوس والخزرج ومن أصحاب مشورة رسول الله.

فلما كان الليل عصفت ريح شديدة، وهطل المطر غزيرًا، وقصف الرعد، ولمع البرق، واشتدت العاصفة فاقتلعت خيام الأحزاب وكفأت قدورهم وأدخلت الرعب إلى نفوسهم، وخُيل إليهم أن المسلمين انتهزوا فرصة ليعبروا إليهم وليوقعوا فيهم. فقام طليحة بن خويلد فنادى: إن محمدًا قد بدأكم بشر فالنجاة النجاة. وقال أبو سفيان: «يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام. لقد هلك الكراع٥ والخف، وأخلفنا بنو قريظة وبَلَغَنا منهم ما نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون فارتحلوا فإني مرتحل.»

فاستخف القوم ما استطاعوا حمله من متاع وانطلقوا وما تزال الريح تعصف بهم، وفروا وتبعتهم غطفان والأحزاب. وأصبح الصبح ولم يجد محمد أحدًا، فانصرف راجعًا إلى منازل المدينة والمسلمون معه، يرفعون أكف الضراعة إلى الله شكرًا أن كشف الضر عنهم وأن كفى المؤمنين القتال.

عاد محمد بعد رحيل الأحزاب يفكر في موقفه. لقد أذهب الله عنه عدوَّه الذي كان يهدده لكن اليهود قادرون على أن يعودوا لمثلها وأن يختاروا فصلًا من السنة غير الشتاء القارس الذي كان من جند الله في هزيمة عدوه. ثم إن قريظة لولا ارتحال الأحزاب ولولا ما وقع في صفوفهم من شقاق وانقسام، كانت على أهبة النزول إلى المدينة والفتك بالمسلمين والمعاونة على استئصالهم. لا تقطعنَّ إذن ذَنَبَ الأفعى وتتركها. ولا بد من القضاء على بني قريظة بما فعلوا، وأمر — عليه السلام — مؤذنًا فأذن في الناس: من كان سامعًا مطيعًا فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة؛ وقدَّم عليًّا برايته إليها. ومع ما كان عليه المسلمون من نصب بعد طول حصار قريش وغطفان إياهم، فقد خفُّوا لهذا القتال الذي لم يكن لديهم أي شك في نتيجته. صحيح أن بني قريظة يقيمون في حصون محصنة كالتي كانت لبني النضير، لكن هذه الحصون إن أغنتهم في الدفاع عن أنفسهم فلن تغنيهم في مهاجمة المسلمين. والميرة قد أصبحت في متناول أيدي أهل المدينة بعد جلاء الأحزاب عنها. لذلك خف المسلمون فرحين وراء عليٍّ، حتى أتوا بني قريظة، فإذا بهم ومعهم حيي بن أخطب النضيري يقعون في محمد بأقبح مقالة، يكذِّبونه ويطعنون عليه وينالون من أعراض نسائه. وكأنما شعروا بعد انخذال الأحزاب عن المدينة بما هُيئ لهم. ولما جاء الرسول لقيه عليٌّ وطلب إليه ألا يدنو من حصون اليهود. فسأله محمد: ولم؟ أظنك سمعت منهم لي أذًى؟ قال: نعم. قال رسول الله: لو رأوني لما قالوا من ذلك شيئًا. فلما دنا من حصونهم ناداهم: يا إخوان القردة! هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟! قالوا: يا أبا القاسم ما كنت جهولًا. وجعل المسلمون بقية نهارهم يتوافدون على بني قريظة حتى اجتمع جمعهم عندها، فأمرهم محمد بحصارها.

ظل هذا الحصار خمسًا وعشرين ليلة لم يقع خلالها إلا بعض تراشق بالنبل والحجارة، ولم يجرؤ بنو قريظة أن يخرجوا من الآطام لطول مدة الحصار مرة واحدة، فلما جهدوا وأيقنوا أن لن تغني عنهم حصونهم من الهلاك شيئًا، وأنهم لا بد أن يقعوا في قبضة المسلمين وإن طال أمد الحصار، بعثوا إلى الرسول أن ابعث إلينا أبا لبابة لنستشيره في أمرنا. وكان أبو لبابة من الأوس حلفائهم. فلما رأوه قام إليه الرجال وأجهش النسوة والصبيان بالبكاء، حتى رق لهم. فقالوا له: أترى يا أبا لبابة أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم — وأشار بيده إلى حلقه — إنه الذبح إن لم تفعلوا. وقد ندم أبو لبابة على إشارته هذه فيما روت السير. فلما انصرف أبو لبابة عنهم عرض كعب بن أسد أن يتابعوا محمدًا على دينه وأن يُسلموا فيأمنوا على دمائهم وأموالهم وأبنائهم؛ فرفض أصحاب كعب أن يسمعوا هذا الكلام منه وصاحوا به: لا نفارق حكم التوراة، ولا نستبدل به غيره. فعرض عليهم أن يقتلوا نساءهم وأبناءهم وأن يخرجوا إلى محمد وأصحابه رجالًا مصلتين السيوف غير تاركين وراءهم ثقلًا حتى يحكم الله بينهم وبين محمد. فإن هلكوا لم يتركوا وراءهم نسلًا يخشون عليه وإن ظهروا اتخذوا النساء والأبناء، فرفضوا هذا العرض أيضًا قائلين: نقتل هؤلاء المساكين؟! فما خير العيش بعدهم؟! قال لهم كعب: لم يبق إذن إلا أن تنزلوا على حكم محمد وقد سمعتم ما أعدَّ لكم.

وتشاور القوم فيما بينهم وقال قائل منهم: إنهم لن يكونوا أسوأ من بني النضير مصيرًا، وإن أولياءهم من الأوس سيدفعون عنهم الشر، وإنهم إن عرضوا أن يرتحلوا إلى أذرعات بالشام لم يجد محمد بأسًا من قبول عرضهم.

وبعثت قريظة إلى محمد تعرض عليه الخروج إلى أذرعات تاركة وراءها ما تملك، فأبى ذلك عليها إلا أن تنزل على الحكم. فأرسلت إلى الأوس تقول لهم: ألا تأخذون لإخوانكم مثلما أخذت الخزرج لإخوانهم؟! فمشى جماعة من الأوس إلى محمد فقالوا: يا نبي الله، ألا تقبل من حلفائنا مثل الذي قبلت من حلفاء الخزرج؟! قال محمد: يا معشر الأوس، ألا ترضون أن أجعل بيني وبين حلفائكم رجلًا منكم؟! فقالوا: بلى. قال: فقولوا لهم فليختاروا من شاءوا. فاختار اليهود سعد بن معاذ، وكأنما أعماهم القدر عما كتب لهم في لوح حظهم، فأنساهم مقدم سعد إليهم أول نقضهم عهدهم، وتحذيره إياهم، ووقوعهم في محمد أمامه، وسبهم المسلمين بغير حق. وأخذ سعد المواثيق على الفريقين أن يُسلم كلاهما لقضائه وأن يرضى به. فلما أعطوه المواثيق، أمر ببني قريظة أن ينزلوا وأن يضعوا السلاح ففعلوا، فحكم فيهم أن تُقتل المقاتلة، وتقسم الأموال وتسبى الذرية والنساء. فلما سمع محمد هذا الحكم قال: والذي نفسي بيده لقد رضي بحكمك هذا الله والمؤمنون وبه أمرت. ثم خرج إلى سوق المدينة فأمر فحفرت بها خنادق ثم جيء باليهود أرسالًا فضربت أعناقهم، وفي هذه الخنادق دفنوا. ولم يكن بنو قريظة يتوقعون هذا الحكم من سعد بن معاذ حليفهم. بل كان يحسبونه يصنع بهم ما صنع عبد الله بن أبيٍّ مع بني قينقاع. ولعل سعدًا ذكر أن الأحزاب لو انتصرت بخيانة بني قريظة لما كان أمام المسلمين إلا أن يُستأصَلوا وأن يُقتلوا وأن يمثَّل بهم. فجزاهم بمثل ما عرَّضوا المسلمين له.

وقد أظهر اليهود من الجلد أمام القتل ما تراه في حديث حيي بن أخطب حين قُدِّم لضرب عنقه، فقد نظر إليه النبي وقال: ألم يخزك الله يا حيي؟! فأجاب حيي: «كل نفس ذائقة الموت، ولي أجل لا أعدوه ولا ألوم نفسي على عداوتك.» ثم التفت إلى الناس فقال: «أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل.» ثم إن الزبير بن باطا القرظي كان قد منَّ على ثابت بن قيس يوم بُعاث بأن خلَّى سبيله بعد أسره، فأراد ثابت أن يجزيه، بعد حكم ابن معاذ على اليهود، عن يده، فذكر لرسول الله منة الزبير عليه واستوهبه دمه، وأجاب رسول الله طلبته، فلما عرف الزبير ما فعل ثابت قال له: شيخ كبير مثلي لا أهل له ولا ولد ماذا يصنع بالحياة؟! فاستوهب ثابت رسول الله دم امرأته وأولاده فوهبه له، ثم استوهبه ماله فوهبه له كذلك. فلما اطمأن الزبير إلى أهله وولده وماله سأله عن كعب بن أسد وعن حيي بن أخطب وعن عزَّال بن سموءل وعن زعماء بني قريظة، فلما علم أنهم قُتلوا قال: إني أسألك يا ثابت بيدي عندك إلا ألحقتني بالقوم، فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير، فما أنا بصابر لله فتلة دلو ناضح٦ حتى ألقى الأحبَّة، وكذلك ضربت عنقه بمشيئته. وكان المسلمون لا يقتلون في غزواتهم النساء والذراري، ولكنهم يومئذ قتلوا امرأة طرحت الرحا على مسلم فقتلته. وكانت عائشة تقول: والله ما أنسى عجبًا منها طيب نفسها وكثرة ضحكها وقد عرفت أنها تقتل. وأسلم يومئذ من اليهود أربعة فنجوا من القتل.

وفي رأينا أن دم بني قريظة معلق في عنق حيي بن أخطب، وإن كان قد قتل معهم. فهو قد حنث في العهد الذي عاهد قومه من بني النضير حين أجلاهم محمد عن المدينة ولم يقتل منهم بعد النزول على حكمه أحدًا. وهو بتأليبه قريشًا وغطفان وتحزيبه العرب كلها لقتال محمد جسَّم العداوة بين اليهود والمسلمين، وجعل هؤلاء يعتقدون أن بني إسرائيل لا تطيب نفوسهم إلا باستئصال محمد وأصحابه. وهو الذي حمل بني قريظة من بعد ذلك على نقض عهدها والخروج من حيادها، ولو أنها بقيت عليه لما أصابها من الشر. وهو الذي دخل حصن بني قريظة بعد ارتحال الأحزاب ودعاهم لمواجهة المسلمين والدفاع عن أنفسهم بمقاتلهم، ولو أنهم نزلوا على حكم محمد منذ اليوم الأول واعترفوا بخطئهم في نقض عهدهم، لَمَا أهدرت دماؤهم وضُربت أعناقهم. لكن العداوة بلغت من التأصل في نفس حيي وانتقلت منه إلى نفوس بني قريظة حدًّا جعل سعد بن معاذ نفسه، وهو حليفهم، يؤمن بأنهم إن أبقى على حياتهم لم تهدأ لهم نفس حتى يؤلِّبوا الأحزاب من جديد، وحتى يجمعوا العرب لقتال المسلمين، وحتى يقتلوهم عن آخرهم إن ظفروا بهم. فالحكم الذي أصدره على قسوته إنما أصدره متأثرًا بالدفاع عن النفس، معتبرًا بقاء اليهود أو زوالهم مسألة حياة أو موت بالنسبة للمسلمين.

وقسم النبي أموال بني قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين بعد ان أخرج منها الخمس؛ قسمها بأن كان للفارس سهمان، ولفرسه سهم، وللراجل سهم. وكانت الخيل يوم قريظة ستة وثلاثين فرسًا. ثم بعث سعد بن زيد الأنصاري بطائفة من سبايا بني قريظة إلى نجد، فابتاع بها خيلًا وسلاحًا زيادة في قوة المسلمين الحربية.

وكانت ريحانة إحدى سبايا بني قريظة قد وقعت في سهم محمد، فعرض عليها الإسلام فأصرت على يهوديتها، وعرض عليها أن يتزوجها فقالت: بل تتركني في ملكك فهو أخف عليَّ وعليك. ولعل حرصها على اليهودية ورفضها الزواج يرجعان إلى عصبيتها لقومها، وما كان باقيًا في نفسها من كراهية للمسلمين ولنبيهم. ولم يتحدث أحد عن جمال ريحانة ما تحدثوا عن جمال زينب بنت جحش، وإن ذكر بعضهم أنها كانت جميلة وسيمة. وقد اختلفت السير فيها: أضُرب عليها الحجاب كما ضرب على نساء النبي، أم أنها ظلت كسائر نساء العرب يومئذ لم يضرب عليها حجاب. وبقيت ريحانة في ملكه حتى ماتت عنده.

وطَّدت غزوة الأحزاب، ووطَّد القضاء على بني قريظة، للمسلمين في المدينة، فلم يبق للمنافقين فيها صوت قط. وذهبت العرب كلها تتحدث بقوة المسلمين وسلطانهم، وبمقام محمد وقوته ورهبة جانبه. ولكن الرسالة لم تكن للمدينة وحدها بل كانت للعالم بأسره. فما يزال على النبي وأصحابه إذن أن يمهِّدوا لكلمة الله، وأن يدعوا الناس لدينه الحق، وأن يصدوا عنه كل معتد عليه. وهذا ما فعلوا.

١  سورة النساء آيتا ٥١ و٥٢.
٢  المساحي: جمع مسحاة، وهي المجرفة التي يسحى بها الطين؛ أي يجرف. والكرازين: الفئوس. واحدها كرزون وكرزين، والمكاتل: جمع مكتل، وهو الزنبيل (المقطف) الذي يحمل فيه التراب وغيره.
٣  اللحن هنا: الإشارة والتعريض.
٤  سورة الأحزاب الآيات من ١٠ إلى ١٣.
٥  الكراع: اسم جمع للخيل، وقيل الكراع: الخيل والبغال والحمير. والخف: الجمل المسن، والمراد هنا الإبل التي يرحلون عليها.
٦  أي مقدار هوي الدلو في البئر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤