الفصل الثاني

الموائع

(١) سيَّارات السباق على السَّقف

تعتمد السيارة التي تنطلِق في منعطفٍ مستوٍ في سباق سيارات الجائزة الكبرى على الاحتكاك كي تبقى في المُنعطف. أما إذا كانت السيارة مسرعة للغاية، فإن الاحتكاك يتوقَّف وتنزلق السيارة من على المنعطف. في السابق، كان لزامًا على السيارة أن تقطع المنعطفات المستوية ببطءٍ نسبي. إلا أن سيارات السباق الحديثة مُصمَّمة بحيث تندفِع إلى الأسفل على المضمار حرفيًّا كي تمنح الإطارات قدرةً جيدة على التمسُّك بالطريق. وفي الحقيقة، هذا الدفع السُّفلي، أو ما يطلق عليه «الرفع السالب» قوي للغاية حتى إن بعض السائقين يتفاخرون بأنهم يستطيعون قيادة السيارات مقلوبةً رأسًا على عقب على سقْفٍ طويل. فما الذي يُسبِّب الرفع السالب؟ وهل من الممكن حقًّا قيادة سيارة سباق مقلوبة رأسًا على عقب كما حدث خياليًّا مع سيارة سيدان في أول أفلام «رجال ذوي بزات سوداء»؟

يمكن الاعتماد على الرفع السالب عندما تكون السيارة هي السيارة الوحيدة التي تقطع أحد المُنعطفات، كما هي الحال في التجارب التأهيلية، غير أنَّ السائق الماهر يعرف أن الرفع السالب يُمكن أن يختفي أثناء السباق. فما الذي يجعله يختفي؟

fig56
شكل ٢-١: بند ٢-١.
الجواب: حوالي ٧٠ في المائة من الرفع السالب في السيارة ناتج عن جناحٍ واحد أو أكثر يعكسون اتجاه الهواء المار فوقها. يُطلَق على بقية الرفع السالب «تأثير الأرض» ويتعلَّق بتدفُّق الهواء أسفل السيارة. وكلما زادت سرعة السيارة، زاد كلا النوعَين من الرفع السالب. في حالة السرعات العالية المُعتادة في سباقات السيارات مثل سباق الجائزة الكبرى يكون الرفع السالب أكبر من تأثير قوة الجاذبية على السيارة. ولذلك، إذا تحرَّكتِ السيارة من مضمارٍ طبيعي إلى السقف (دون إبطاء السرعة)، فإن الرفع السالب العُلوي حاليًّا سيُوازِن قوة الجاذبية السُّفلية ويزيد. ومِن ثَمَّ، فإن السيارة يمكن بالفعل قيادتها رأسًا على عقِب كما حدَث في فيلم «رجال ذوي بزات سوداء».

ينتج تأثير الأرض عن التدفُّق الضيِّق للهواء أسفل السيارة. فعند ضغط الهواء في ممرٍّ صغير أسفل السيارة، تزداد سرعته على حساب ضغطه. ولذلك، يُوجَد ضغط هواء أقلُّ أسفل السيارة مقارنةً بأعلاها، والاختلاف في الضغط يُثَبِّت السيارة على المضمار. في السباق، يمكن للسائق تقليل المقاومة الهوائية في السيارة باتِّباع سيارة أخرى عن كثَب، ويُعرَف هذا الإجراء باسم «التعقُّب». رغم ذلك، تستطيع السيارة القائدة قطع تدفُّق الهواء المُنتظِم أسفل السيارة المُتعقِّبة، فتمنع تأثير الأرض عليها. وإذا لم يتوقَّع سائق السيارة المُتعقِّبة منع تدفُّق الهواء ومن ثَم يُبطِّئ من سرعته، فمن المُحتمَل أن ينزلق من على المضمار.

كانت «تشابرال ٢ جيه» أول سيارة سباق تستخدِم تأثير الأرض. كان لدَيها مروحتان في المُؤخِّرة لامتصاص الهواء أسفل السيارة من فتحات في المقدمة. كما كانت مزوَّدة برفرفٍ سفلي قريب من الطريق على كلا الجانبَين منع هواء الجانبَين من الدخول إلى التدفُّق. كان الضغط المُنخفِض أسفل السيارة يُبقي السيارة على المضمار عند المنعطفات السريعة، وقلَّلَ تدفُّق الهواء من المروحتَين من تكوُّن الدوَّامات المعتادة خلْف السيارة، فقلَّل مقاومة الهواء في السيارة. ونتيجة لذلك، كانت السيارة سريعة على نحوٍ معقول في أجزاء المضمار المستقيمة وسريعة على نحوِ لا نظير له في المنعطفات. لقد كانت جيدة جدًّا في واقع الأمر حتى إنها مُنعت من السباقات.

(٢) التعقب

يستفيد سائقو سيَّارات السباق، باختلاف أساليب السباق، بعضهم من بعض عن طريق التعقُّب، حيث تكون السيارة المُتعقِّبة خلف السيارة القائدة على نحوٍ شبه مباشر. من الواضح أن هذا الأمر خطير. فما الفائدة التي يُقدِّمها؟

الجواب: على الرغم من التصميم الديناميكي الهوائي لسيارة السباق، فإنها تواجه مقاومةً كبيرة. أحد مصادر هذه المقاومة هو الاختلاف في الضغط بين مقدمة السيارة ومؤخِّرتها؛ ففي المقدمة يخلق تأثير الهواء ضغطًا عاليًا، وفي المؤخِّرة يتكسَّر تدفُّق الهواء إلى دوَّامات تُقلِّل من ضغط الهواء. ومِن ثَمَّ، فإن فرق الضغط بين المقدمة والمُؤخِّرة يعمل على إبطاء السيارة، مما يجعل السيارة في حاجةٍ إلى استهلاك قدْر أكبر من الوقود كي تُحافِظ على سرعتها العالية.

وإذا سارت السيارة المُتعقِّبة خلف السيارة القائدة، فإنَّ الفائدة ستعود على كلتا السيارتَين؛ فالسيارة المُتعقِّبة تمنع تكوُّن الدوامات عند مؤخرة السيارة القائدة، ويقلُّ فرق الضغط بين مُقدِّمة السيارة القائدة ومؤخِّرتها. يقلُّ تأثير الهواء على مقدمة السيارة المُتعقِّبة؛ ومِن ثمَّ يقلُّ فرق الضغط بين مقدمة السيارة المُتعقِّبة ومؤخِّرتها.

يمكن أن يَستخدِم سائق السيارة المُتعقِّبة أسلوب «اجتياز المقلاع» للدوَران حول سائق السيارة القائدة؛ حيث يتراجع السائق المُتعقِّب نسبيًّا عن السيارة القائدة فيسمح ببدء تكوُّن الدوَّامات خلف السيارة القائدة. تعمل دوَّامات الضغط المُنخفِض على إبطاء السيارة القائدة وسحب السيارة المُتعقِّبة للأمام. وباختيار التوقيت الدقيق يستطيع السائق المتعقب الاندفاع نحوَ منطقة الدوَّامة ثم الالتفات إلى جانب السيارة القائدة.

ويُقال إن جونيور جونسون كان أول من استخدم هذه الأساليب الديناميكية الهوائية في سباق دايتونا ٥٠٠ ناسكار عام ١٩٦٠، الذي ربِحَه رغم أن سيارته صُنِّفت أبطأ سيارة بين سيارات السباق.

ويُستخدَم التعقُّب في رياضات أخرى أبرزها سباق الدراجات. بالإضافة إلى ذلك، فالحيوانات أيضًا تُمارِسه كما يحدُث حين تقود البطَّة الأم صغارها في طابور عبْر البحيرة. بطبيعة الحال لا يتحرك البطُّ بسرعة كافية للقلق بشأن الديناميكا الهوائية، لكن صغار البط يستفيدون من الأثر الهادئ الذي تترُكه البطة الأم خلفَها وهي تتقدَّم الطريق.

(٣) الديناميكا الهوائية للقطارات العابرة

يُنتج القطار فائق السرعة الذي يتحرك بسرعة ٢٧٠ كيلومترًا في الساعة أو أسرع، موجةَ ضغطٍ أثناء اندفاعه في الهواء، فيُجبر الهواء على التدفُّق حول جانبَي القطار وفوقه. ماذا يحدث عندما يسير القطار في نقق؟ ماذا يحدُث عندما يمر قطاران بالمواصفات نفسها مُتقاربَين في اتجاهَين مُتضادَّين؟ إذا مر قطار فائق السرعة أمام شخص يقف بالقُرب من خط السكة الحديدية (مثلما يمكن أن يحدث في محطة لا يتوقَّف فيها القطار)، هل سيكون هذا الشخص مُعرضًا للخطر؟

الجواب: عندما يدخل قطار أحد الأنفاق مُسرعًا، يُمكننا تبسيط الصورة إذا افترضنا أنَّ القطار ساكن وأن الهواء يتدفق مارًّا به. بينما يُجبر الهواء على الاندفاع داخل المكان الضيق المحصور بين القطار وجدار النفق فإن سرعته تزداد. قد يشعر المسافر داخل القطار بانخفاض هذا الضغط في أُذنَيه؛ لأن الهواء المحبوس داخل الأذن يضغط إلى الخارج على طبلة الأذن. (هذا الإحساس شبيه بما تشعر به عندما ترتفع بك الطائرة بسرعة.)

عند مرور قطارَين متجاورَين يقلُّ أيضًا الضغط الموجود بينهما. وإذا كان القطاران داخل نفق، فمن الممكن أن ينخفض الضغط أكثر. في السابق، عندما كانت سرعة القطارات آخذةً في الزيادة، كانت النوافذ تنخلع من القطارات أثناء مرورها في بعض الأحيان.

وسواء أكان المرور في نفق أم في الهواء الطلق، فإن تدفق الهواء حول قطارَين يقترب كلٌّ منهما من الآخر، ويمر أحدهما إلى جوار الآخر ثم يغادر أحدهما الآخر، إنما هو عملية معقدة وتتطلب محاكاة حاسوبية. رغم ذلك، فمن الممكن أن نستخدم توضيحًا بسيطًا لانخفاض الضغط. إن كل قطار يقاوم الهواء من المساحة الموجودة بينهما؛ ومِن ثمَّ ينخفض الضغط بسبب قِلَّة الهواء.

وفي حالة مرور قطار فائق السرعة أمام شخص، فإن موجة الضغط الصادرة عن مقدمة القطار وتدفُّق الهواء الشديد الاضطراب الناتج يمكن أن يُسقِطا الشخص أرضًا، أو يُسقِطاه نحو القطار أو على السكة الحديدية (وهو الاحتمال الأسوأ).

(٤) انهيار جسر تاكوما ناروز القديم

يُظهِر أحد أكثر الفيديوهات الفيزيائية إثارةً الالتِواء العنيف الذي أصاب الجسر القديم في بلدة تاكوما ناروز في السابع من نوفمبر عام ١٩٤١. كانت الرياح معتدلة في ذلك الصباح (حيث بلغت ما يقرب من ٦٨ كيلومترًا في الساعة؛ أي ما يعادل ٤٢ ميلًا في الساعة)، إلا أن الجسر المتين للغاية تَدَمَّرَ في غضون ساعاتٍ قليلة بعد بدء حركات التأرجُح الملتوية.

أثناء تشييد الجسر، أطلق عمَّال البناء عليه اسم الفرس الراكض بسبب مَيله إلى التأرجُح، ممَّا جعل الجسر يُشبه مسار القطار الأفعواني. في الواقع، بعد افتتاح الجسر رسميًّا كان السائقون يتجمَّعون على الجسر بسبب غرابة حركات التأرجُح التي كانت كافيةً في بعض الأحيان لجعل العربات تختفي من زاوية رؤية السائق. وعلى الرغم من أنَّ كثيرًا من الناس أرجعوا انهيار الجسر إلى مَيله إلى التمايُل الشديد، فمن الواضح أنَّ التمايُل ليس له علاقة بانهيار الجسر. فما الذي سبب الانهيار؟

الجواب: كانت عارضة الجسر على شكل حرف H سميك، ومزوَّدة بدعامة تقوية تمتدُّ على طول كل جانب. عندما واجهت الرياح الواجهة المُصمتة لجانب الجسر المُواجه للرياح، تكونت الدوَّامات فوق الجزء الأفقي من الجسر وأسفله. ومع اندفاع هذه الدوَّامات على طول الجزء الأفقي كان الجسر يضطرب حيث تأرجح رأسيًّا مثل العلَم الذي يرفرف في الرياح. كان تصميم الجسر مَعيبًا (وإن لم يكن باستطاعة أحد معرفة هذا الأمر في ذلك الوقت) حيث كان هيكله ضعيفًا في مقاومة كلٍّ من ذبذبات الاهتزاز والالتِواء التي يمكن أن نراها في فيديو انهيار الجسر.

وعندما أصبحت الذبذبات عنيفة (ومخيفة) اضطر شخصان إلى الزَّحف على أطرافهم الأربعة للنزول من الجسر. وصعد أحد أساتذة الجامعة الجسر لإنقاذ كلبٍ تُرِكَ وحدَه في سيارة مهجورة، لكنه تراجع عندما حاول الكلب المذعور عَضَّه. يُوضِّح الفيديو أنه عاد من السيارة محاولًا السير على الخط المركزي المُستقِر نسبيًّا الذي كان الجسر يلتوي حوله. بعد فترة قصيرة، سقط جزء من الجسر وكفَّ الجزء المُتبقي عن التأرجُح، لكن بعد ذلك بدأ التأرجُح من جديد، وسقط جزء كبير من الجزء المُتبقي من الجسر المُمتد على النهر.

رغم أن كثيرًا من مُعلمي الفيزياء استخدموا انهيار الجسر كمثالٍ مُثير على الرنين، فإن انهيار الجسر كان بسبب التأرجُح والالتِواء وليس بسبب الرنين والتمايُل. في الواقع، كان سبب الانهيار رياحًا مُستقِرة نسبيًّا، وليس رياحًا متقطِّعة مُتوافقة مع تردُّد رنين الجسر. أطلق الجسر دوَّامات على نحوٍ شديد الشبَه بالكبل المُعلق في الرياح. ويمكن أن تتسبب هذه الدوامات في تمايل الجسر إذا كان تردُّد ظهورها يساوي تردد رنين اهتزاز الكبل. ورغم ذلك، فلم يكن من شأن التمايل أن يتَّسم بالقوة الكافية لتدمير الجسر.

(٥) الديناميكا الهوائية للمباني

في الأيام التي تكثُر فيها الرياح، لماذا تكون الرياح عاصفة جدًّا بالنسبة للأشخاص الذين يسيرون قريبًا من المباني؟ إذا أردتَ أن تتجنَّب الرياح العاصفة وكنت مُضطرًّا إلى البقاء قُرب المبنى، فأين يجِب أن تقف؟ لماذا تتمايل بعض المباني في الرياح؟ بعض المباني بها منطقة مفتوحة في الدور الأرضي إمَّا للسيارات أو للمُشاة. فلماذا يمكن أن تكون الرياح في هذه المنطقة المفتوحة شديدة القوة؟

الجواب: تدور الرياح حول المبنى وتتكسَّر إلى دوَّامات (أو دوَّارات) عند اجتياز أركان المبنى. (شكل ٢-٢أ). لذلك سيجد الشخص الذي يسير على الرصيف أنَّ الرياح شديدة للغاية عند هذه الأركان أو قريبًا منها. ستكون الرياح في أقلِّ مستويات الشدَّة خلف المبنى؛ حيث يمكن أن يسود هناك هدوء نسبي. ومن المُحتمَل أن يكون ضغط الهواء في تلك المنطقة أقل، ممَّا يمكن أن يُسبِّب نتوء النوافذ للخارج. وفي الظروف القصوى يمكن أن تنخلع النوافذ.

بالإضافة إلى ذلك، ستصبح الرياح العاصفة أقلَّ شِدةً عند النقطة الواقعة على الجانب المُواجِه للرياح؛ حيث تنقسِم الرياح إلى نصفَين، بحيث يلتفُّ النصف حول المبنى من جانب ويلتفُّ النصف الآخر حول الجانب المُقابل.

وإذا كان المبنى له ممر مفتوح — يمكن للرياح أن تسير فيه — فسوف تزداد سرعة الرياح؛ لأنها تمرُّ عبْر ممرٍّ ضيق. وهذه الزيادة في سرعة الرياح تُسفر عن نتيجتَين؛ أولًا: يمكن أن تُسبب الرياح انحناء المُشاة (بل تطرحهم أرضًا)، ويمكن أن يكون من الصعب فتح الأبواب المُطلَّة على هذا الممر إذا كان لا بدَّ أن تتمايل في الرياح القادمة. ثانيًا: يقلُّ ضغط الهواء في الممرِّ نظرًا لتغيُّر الطاقة لمواجهة الزيادة المطلوبة في سرعة الرياح. لذلك تُصبح النوافذ والأبواب المُطلة على الممر بارزةً للخارج في الممر. وفي بعض الحالات تتكسَّر النوافذ ويتعذَّر إغلاق الأبواب.

fig57
شكل ٢-٢: بند ٢-٥: (أ) منظر علوي لرياح تتكسَّر إلى دوَّامات عند اجتياز أركان المبنى. (ب) المنطقة الواقعة بين المباني المُتعاقبة يمكن أن تكون عاصفة جدًّا.
عندما تتجمع العديد من المباني المُرتفعة يمكن أن يكون تفريق الرياح وتكوين الدوَّامات مُعقدًا. على سبيل المثال، إذا هبَّت الرياح على مبنيَين وكان المبنى الموجود في اتجاه الرياح على مستوًى مائل عن المبنى الموجود عكس اتجاه الرياح، فإن منطقة الضغط المنخفض الواقعة خلف المبنى الموجود عكس اتجاه الرياح يمكن أن تسحب الرياح بعيدًا عن وجه المبنى الموجود في اتجاه الرياح (انظر شكل ٢-٢ب). وفي مواقف أخرى، عندما تكون المباني المرتفعة مُتجمِّعة في شكل مُستطيلات مع وجود شوارع بين التجمعات، فإن الشوارع الموازية للرياح يمكن أن تُصبح أنفاق رياح فعليًّا. وعندما تسير من الجانب المَحميِّ من الرياح الخاص بأحد هذه المباني مُتوجهًا إلى أحد هذه الشوارع التي تحوَّلت إلى أنفاق رياح، فمن الممكن أن تُطرَح أرضًا. علاوة على ذلك، نظرًا لأنَّ الرياح مُوجَّهة إلى الشارع، فإن ضغط الهواء هناك يقلُّ ويجعل النوافذ المواجهة للشارع تبرُز للخارج.

يمكن أن يتسبَّب اختلاف ضغط الرياح عند جانب المبنى المُواجه للرياح في ترنُّح المبنى أو تأرجُحه، وتصبح قمة المبنى هي الجزء الأكثر حركة. يمكن لهذا الترنُّح أن يصيب السكان بالغثيان، ويمكن أن يُصابوا بالغثيان من صوت الهبوب ذي الموجات دون الصوتية والموجات الصوتية المسموعة الذي تُحدِثه الرياح القوية عندما تصنع دوامات عند زوايا المبنى. والمباني المرتفعة المُعرَّضة للترنُّح في الرياح الشديدة تكون مزوَّدة عادة بأجهزة مُضادة للترنُّح، مثل الكتلة المركبة على النوابض المُثبَّتة فوق السطح بحيث تتحرك الكتلة الثقيلة في اتجاهٍ معاكس لحركة المبنى.

يمكن للرياح الشديدة الناتجة عن إعصارٍ استوائي أو إعصارٍ قمعي أن تُسقط منزلًا أو أي مبنًى كبير نسبيًّا. ويمكن أيضًا أن تقتلِع السقف إما عن طريق الهبوب عليه تحت الحافة المواجهة للرياح أو عن طريق تقليل ضغط الهواء الجوي للغاية فوق السقف بحيث تشدُّ الرياح أجزاءً منه للأعلى وتسحبها بعيدًا. بالإضافة إلى ذلك، فهذه الرياح العاتية لا تستطيع فقط ضرب النوافذ الموجودة في المبنى الموجود على الجانب المواجه للرياح، بل تستطيع أيضًا اقتلاع النوافذ على الجانب المُعاكس للرياح أو على جوانب تكوُّن الدوَّامات.

(٦) الطائرات الورَقية

ما الذي يجعل طائرةً ورقية تُحلق عاليًا؟ وما الذي يحدد الطيران المُستقر مقارنة بالطيران الفوضوي الذي تستمرُّ فيه الطائرة الورقية في الدوَران والرفرفة؟

الجواب: الطائرة الورقية المُثلثة هي سطح مرِن يقابل الرياح وهو مائل بزاوية يُطلَق عليها «زاوية الهبوب». تؤثر على الطائرة الورقية أربعة عوامل: (١) قوة الجاذبية تسحبها للأسفل بطبيعة الحال. (٢) نظرًا لأنَّ وجه الطائرة الورقية يعكس الرياح لأسفل فإنَّ الطائرة تشهد «رفعًا» لأعلى. (٣) تُنتج الرياح أيضًا قوة مقاومة في اتجاهها. (٤) يُصدر الحبل قوةً هابطة في اتجاه الرياح.

وإذا كانت الطائرة الورقية لا تطير طيرانًا مُتزنًا، فإن عزم الدوران الناتج عن هذه القوى يجعل الطائرة تدور تلقائيًّا حول «نقطة الزمام» (نقطة افتراق الحبل الطويل الأساسي إلى خيوطٍ مُتجهة إلى نقاطٍ مُتعدِّدة على إطار الطائرة الورقية). يُغيِّر الدوَران زاوية هجوم الطائرة الورقية ومِن ثَمَّ يُغير الرفع والمقاومة. نتيجة لذلك، لا تدور الطائرة فحسب بل تتحرَّك رأسيًّا أيضًا. تُغير الحركة الرأسية زاوية سحب الحبل لنقطة الزمام ومِن ثَمَّ السحب الأفقي والرأسي للحبل.

يحدُث الطيران المُتزن إذا اختفت ثلاث كميات: (١) عزم الدوران. (٢) القوة العمودية الصافية. (٣) القوة الأفقية الصافية. ولكي تختفي هذه الكميَّات فلا بدَّ من التوجيه الصحيح للطائرة، بالإضافة إلى ضرورة سحْب الخيط بالزاوية الصحيحة وبالقوة الصحيحة، عندها تُصبح الطائرة في «حالة اتزان». يمكن أن تُوجد أكثر من حالة اتِّزان على أي سرعةٍ من سرعات الرياح. وإذا تغيَّرت سرعة الرياح يجب تغيير كلٍّ من توجيه الطائرة وزاوية الخيط كي تصير الطائرة الورقية في حالة اتزان جديدة.

(٧) القفز التَّزَلُّجي

لماذا يستطيع مُمارس القفز التزلُّجي قطع ٢٠٠ متر تقريبًا إذا قفز في هيئةٍ جيدة، بينما يقطع مسافةً أصغر بكثيرٍ إذا قفز بهيئة سيئة؟ لماذا تنتهي بعض القفزات بسقوطٍ خطير، وكيف يتجنَّب القافز السقوط؟

الجواب: يرجع الطيران الطويل للقافز المُتزلِّج إلى قوة الرفع الواقعة على جِسمه وعلى الزلَّاجة، اللذَين يتِّخذان شكل حرف V مفتوح في مواجهة الهواء القادم. إذا تمَّت القفزة بطريقةٍ صحيحة، فإن القافز المُتزلِّج ينزلق في الهواء مثل الدبور الورقي. ومع ذلك، فإن قوة الهواء المار تُشكِّل خطرًا بالغًا؛ لأن الهواء من المُمكن أن يُحدِث فجأةً ارتفاعًا في مُقدِّمة الزلَّاجة يفوق ارتفاع مُؤخِّرتها. يتسبب انعدام التوازن بين القوى في خلق عزم دوران يُسبب بالتبعية دوران القافز، وسرعان ما يُصبح عدم التوازن أسوأ ويفقد القافز السيطرة ويبدأ في السقوط. ومن الممكن أن يؤدي الهبوط الخارج عن السيطرة إلى الوفاة.

يعرف القافز الماهر كيف يُوجِّه جسده والزلَّاجة سريعًا على النحو الصحيح لزيادة الرفع مُبكرًا في بداية القفزة. يكمُن السرُّ في القفزة العلوية عند نهاية مُنحدَر الإقلاع. يجب أن تُنتج تلك القفزة دورانًا إلى الأمام لجعل القافز والزلَّاجة في اتجاه الهبوط الصحيح، بحيث تتَّخِذ الزلَّاجة والجسم الزاوية الصحيحة في مواجهة الهواء المار. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يضبط القافز توقيت الدوَران للأمام بحيث يختفي العزم الواقع على الزلَّاجة والجسم لحظة وصول القافز إلى الاتجاه الصحيح. كل هذه المناورات ضرورية لقفزة جيدة آمنة، لكن ما يُصعِّبها هو الاعتماد على كثافة الهواء، التي تُحدِّد جزئيًّا شدَّة الهواء الذي يواجهه القافز. فإذا كان القافز معتادًا على كثافة الهواء عند ارتفاعٍ منخفض على سبيل المثال وحاول القفز عند ارتفاعٍ مُرتفِع حيث كثافة الهواء أقل فمن الممكن أن يحدُث خطأ في التوقيت والقفزة.

(٨) سرعة المُتزلِّج على المُنحدرات الثلجية

السرعة هي هدف الكثير من مسابقات التزلُّج على المُنحدرات، لا سيما بالنسبة للمُتزلِّجين الساعِين إلى تحطيم الرقم القياسي العالمي في سرعة التزلُّج (أسرع من ٢٤٠ كيلومترًا في الساعة). ومقاومة الهواء هي العقبة الرئيسة في هذه المنافسات، وهي في واقع الأمر أكثر أهميةً من الاحتكاك الواقع على الزلَّاجة. فكيف يمكن للمُتزلِّج تقليل مقاومة الهواء؟

الجواب: إليكم بعض الأمور التي يفعلها المُتزلِّج لتقليل مقاومة الهواء: تكون البذلة ضيِّقة جدًّا للتقليل من رفرفة الملابس. لا تتَّخِذ الخوذة شكلًا انسيابيًّا لتفريق الهواء المار فحسب، بل إنها تُوضَع أيضًا فوق الكتِفَين بحيث لا يجد الهواء ارتفاعًا مُفاجئًا عند الكتِفَين أو الظهر؛ ومِن ثمَّ لا يتكسَّر الهواء إلى دوَّامات أسفل مؤخِّرة الخوذة. (قد يستطيع المُتزلِّج ضئيل الحجم إخفاء معظم الكتِفَين تحت الخوذة.) أما الساقان فيُقابلان الهواء بواقٍ مُصمَّم لتفريق الهواء وتجنُّب تكسُّر الدوَّامات خلف الساقين. هذه الدوَّامات نقاط ضغط مُنخفض. ومِن ثَمَّ ففي وجود ضغط مرتفع عند مقدِّمة الساقَين وضغط مُنخفض خلفهما من الممكن أن يشكل اختلاف الضغط مقاومة هوائية كبيرة. وتنحني عَصَوَا التزلُّج حول الجسم بدلًا من أن تَبرُزا في مواجهة الهواء المار. كما يُقَرْفِص المُتزلِّج في «وضعية البيضة» ليُقلِّل المنطقة الأمامية المواجهة للهواء القادم.

ومن الصعوبات الكثيرة لسباقات سرعة التزلُّج على المُنحدرات الثلجية ضرورة بذل جهد للحفاظ على الساقَين في الوضعيَّات الصحيحة. فنظرًا لدخول الهواء بين الفخذَين، فإن سرعة الهواء تكون أكبر ممَّا عليه الحال خارج الفخذَين. تأتي الطاقة المطلوبة لزيادة السرعة من ضغط الهواء. وهكذا يكون ضغط الهواء بين الفخذَين أقلَّ مقارنةً بخارجهما، ويميل الفخذان إلى الالتصاق. يجِب أن يقاوم المُتزلِّج هذا المَيل باستمرار.

(٩) البومرانج

لماذا يرتدُّ البومرانج؟ بعض عِصِي البومرانج قد تقوم بجولة دائرية لمسافة ٢٠٠ متر، وبعضها يمكن أن تقوم بعدة دورات قبل الهبوط. حيت تُلقى عصا البومرانج وسطحها شِبه عمودي؛ فلماذا يميل السطح للأسفل عادةً أثناء الطيران؟ لعِصي قطع البومرانج أشكالٌ مُتعددة إلى جانب شكلها التقليدي الذي يُشبه الموزة المَحنيَّة. فهل من الممكن أن تُصبح عصًا مستقيمةً عصَا بومرانج؟

الجواب: يُشبه ذراعا البومرانج «الجناح الحامل» التقليدي (الشكل المُميز لجناح الطائرة قديمة الطراز). إنَّ الحافة الأمامية كليلة فتخترق الهواء والحافة الخلفية أرفع، والسطح العلوي مُحدَّب والسطح الخلفي مُسطح. وعندما يطير البومرانج، يُغيِّر هذا الجناح الحامل اتجاه الهواء المار ونتيجة لذلك يرتفع البومرانج في الاتجاه المعاكس.

كي تُلقي البومرانج بيدك اليُمنى أمسِكْه أولًا بالقُرب من رأسك مع جعل السطح المحدَّب مواجهًا لك وجعل سطح البومرانج مائلًا قليلًا إلى اليمين على المستوى العمودي. بعد ذلك مُدَّ ذراع القذف للأمام سريعًا مُحركًا يدَك بقوة حول معصمك. عندئذٍ تنشأ قوة رفع على البومرانج إلى أعلى وإلى يسارك، والجزء العلوي من القوة هو ما يُبقِي البومرانج طائرًا.

يعتمد حجم قوَّة الرفع الواقعة على ذراع البومرانج على سرعة مرور الهواء بالذراع. ونظرًا لأنَّ الذراع العلوية تلفُّ دائمًا للأمام (في نفس اتجاه طيران البومرانج نفسه) والذراع السُّفلية تلفُّ للخلف، فإن قوة الرفع على الذراع العلوية تكون أكبر دائمًا من تلك الواقعة على الذراع السُّفلية.

نظرًا لوجود قوة رافعة إلى أعلى على الذراع العلوية فإنها تَخْلُق، على مسافة من مركز البومرانج، عزمَ دورانٍ يحاول لَفَّ سطح البومرانج. ولأنَّ البومرانج يدور سريعًا، فإن عزم الدوران يلفُّ المحور الذي يدور حوله البومرانج بحيث يُشير المحور نحوَكَ أكثر، وترى قدرًا أكبر من الوجه العُلوي للبومرانج. مع دوَران البومرانج ينحني مسار طيرانه، والنتيجة مسار مُنْحَنٍ يجعل البومرانج يعود إليك.

ويُمكن تحويل العصا المُستقيمة إلى بومرانج إذا أُلقِيَت بالطريقة التي يُلقى بها البومرانج. يكون الدَّوَران المبدئي حول المحور القصير المار بالمركز غير مُستقر، ويتحوَّل الدوَران إلى المحور الطويل المُمتدِّ على طول العصا. هذا التحوُّل يعيد توجيه العصا، لكن الاتجاه الذي تدور حوله العصا لا يتغيَّر. وأثناء طيران العودة يغير الدوَران اتجاه تيار الهواء العابر إلى الأسفل، وهذا يؤدِّي إلى رفع العصا.

(١٠) رمي البطاقات

ارْمِ بطاقة ائتمان (أو غيرها من البطاقات الصُّلبة) مع جعل حافتها الطولية للأسفل وعلى مستوًى أفقي (اجعل وجهَيْها صوب اليسار واليمين). لماذا لا تنزلق البطاقة ببساطة عبر الهواء لتصطدم بالأرض أسفل نقطة الرمي مباشرةً؟

من الخدع الشائعة إلقاء بطاقات اللعب على صندوق مفتوح من أعلى. أستخدمُ بطاقات الائتمان البلاستيكية. وإذا ألقيتُها عشوائيًّا، فإنها تترنَّح على الفور تقريبًا، وتتوقَّف ثم تسقط على الأرض. هل من طريقة لتحقيق التوازُن للبطاقة أثناء طيرانها في الهواء بحيث أحظى بفرصة جيدة في إصابة الهدَف؟

الجواب: من الصعب للغاية تفسير طيران بطاقة مقذوفة وحافتها الطولية للأسفل، وأُجْرِيَتْ محاولات رياضية لفعلها منذ عام ١٨٥٤. من المُمكن أن يكون الطيران عشوائيًّا لكن من المُمكن أن تظهر الأنماط التالية: (١) «الرفرفة»، وذلك عندما تنزلق البطاقة عبْر الهواء، وتُبدِّل ما بين الانزلاق صوب اليسار والانزلاق صوب اليمين. (٢) «التدحرُج»، ويحدُث ذلك عندما تدور البطاقة حول محورٍ مع انزلاقها أيضًا إما صوب اليسار أو صوب اليمين. ويعتمد حدوث أيِّ سلوك من السلوكَين على أبعاد البطاقة. تتدحرَج بطاقة اللعب العادية باستمرار عادةً، مع الانحراف بزاوية مُعيَّنة على المستوى العمودي. وبداية من الاتجاه العمودي المبدئي يُغيِّر الرمي اتجاه الطرف السُّفلي إما صوب اليسار أو صوب اليمين. ومع انزلاق البطاقة بزاوية على المستوى العمودي، يخلُق تدفُّق الهواء المُواجه لها نقطة ضغط مرتفع أسفل الطرف الأمامي وأعلى الطرف الخلفي. هذه المناطق مُرتفعة الضغط تجعل البطاقة تدور حول المحور المركزي على طولها. وعندما تصِل البطاقة للاتجاه الذي يكون الوجه فيه لأسفل، يتباطأ سقوطها لكن يستمر الدوران حتى تقترب البطاقة من استعادة الوضع العمودي. في هذه الأثناء، تنزلق البطاقة في الهواء بمزيدٍ من السهولة؛ ومِن ثمَّ تزداد سرعتها الهابطة. ثم تتكرَّر العملية.

الحيلة في رمي البطاقة تكمُن في موازنة البطاقة بحيث لا تتعرَّض للرفرفة أو التدحرُج. ومن الطرق الشائعة لتحقيق ذلك مَسْك البطاقة ووجهُها إلى الأسفل ووَضْع الإبهام أعلاها، والسبابة على الحافة الطولية، ووضع الإصبع الوسطى بالأسفل. بثني الرسغ ترجع البطاقة للوراء إلى أن تلمس قاعدة راحة اليد. ثم بدفع الرسغ للأمام تنطلق البطاقة مع الدوَران حول محورٍ عمودي. القوة المؤثرة على البطاقة من الهواء تجعلها تدور بحيث تُصبح عمودية، وتدور حول محورٍ أفقي. في هذه الحالة يُمكن أن يكون الطيران مُستقيمًا على نحوٍ مذهل، ويمكن للبطاقة أن تُصيب الهدف بقوة. في الواقع، يجِب أن تتوخَّى الحذر كي لا تُصيب البطاقة عين أحد الأشخاص.

بعض المؤدِّين ماهرون للغاية في رمي بطاقات اللعب على الجمهور في المسرح، وصولًا إلى قسم الشرفات، أو حتى جعلها تدور كالبومرانج.

(١١) البذور الدوَّارة

كيف تتمكن بذور شجر المران والدردار والقيقب من البقاء في الهواء لفترة طويلة قد تسمح للنسيم بحمْلها بعيدًا عن الشجرة الأم؟

الجواب: تطير بذرة أيٍّ من هذه الأشجار وتطيل مدة سقوطها من خلال الدوَران. على سبيل المثال، تدور الثمرة الجناحية لشجرة القيقب حول مركز الكتلة (مركز توزيع كتلتها)، الذي يُوجَد بين الجزء الناتئ والجزء ذي الجناح المُسطح. قد يميل سطح الجناح بزاوية تصل إلى ٤٥ درجة. بينما يدور الجناح أثناء سقوط البذرة، فإنه يدفع الهواء «إلى الأسفل»؛ ومِن ثمَّ تؤثر على البذرة قوَّة «صاعدة». من الممكن أيضًا أن تدفع القوة البذرة إلى الجانب بحيث تتَّخِذ مسارًا لولبيًّا في طريقها إلى الأرض (الشكل ٢-٣).
fig58
شكل ٢-٣: بند ٢-١١: مسار مُحتمَل لبذرة مُجنَّحة تدور عكس اتجاه الدوَران في مسار لولبي.

ربما يكون الفعل أسهل في التصوُّر إذا رَكِبْتَ إلى جانب البذرة. بينما يأتي الهواء في اتجاهك فإنه يندفع صوب الجانب السُّفلي من الجزء المُجنَّح. و«قوة الرفع» هي العنصر أو «الجزء» العمودي على الجناح من اندفاع الهواء، وتساعد هذه القوة في دعم البذرة. يجعل اندفاع الهواء الجناحَ يدور مثل ريشة الطائرة المروحية، ويسمح أيضًا للبذرة بالانزلاق إلى أحد الجوانب. وغالبًا ما يسمح الجمع بين الدوَران والانزلاق بهبوط البذرة في صورة حلزونية مع الدوران أيضًا حول مركز كتلتها.

(١٢) الثعابين الطائرة

بالنسبة لأولئك الذين يخافون الثعابين يُوجَد ثعبان يمكن أن يسبب لهم الكوابيس مدى الحياة. يستطيع ثعبان شجرة الجنة (كريسوبيليا بارادايس) تسلُّق إحدى الأشجار والقفز من مسافة عالية، ثم الانزلاق نحو الأرض. ومن الممكن أن يُغيِّر مسار انزلاقه أثناء الطيران نحوَ هدفٍ جديد قد يكون شجرة أخرى. فكيف يمكن للثعبان أن ينزلق في الهواء؟

الجواب: يقفز الثعبان المُتدلِّي من الفرع عاليًا وبعيدًا عن الفرع. وعندما يكون جسمُه مفرودًا يُصبح الجانب السفلي مُسطحًا بداية من الرأس وصولًا إلى الذيل (لكن الذيل نفسه لا يشترك في العملية). بالإضافة إلى ذلك، يُصبح الجانب السفلي على طول النصف الخلفي من الثعبان مُقعَّرًا نسبيًّا، مع بقاء مُعظمه مسطحًا لكن مع وجود حواف هابطة عند الجانبَين الأيسر والأيمن. ويتضاعف العرض الأُفقي للثعبان عند منتصف الطول.
وتعمل المنطقة المسطحة من جسم الثعبان كجناحٍ حامل يمنحه قوَّة الرفع. لذلك فإن انزلاق الثعبان في الهواء يُشبه انزلاق الدبُّور الورقي. ورغم ذلك، بعد أن يكتسب الثعبان السرعة فإنه يفعل أمرًا مختلفًا تمامًا، إذ يتَّخذ شكل حرف S ويبدأ في التذبذُب أفقيًّا بتردُّد يُعادل ١٫٣ مرة في الثانية. وعلى الفور يُصبح مساره الانزلاقي أكثر ضحالة. بهذه الصورة، يتعيَّن على التذبذب أن يزيد من رفع الثعبان نسبيًّا. تبلغ سرعة الثعبان في الهواء حوالَي ٨ أمتار في الثانية، ويهبط بسرعة تُعادل ٥ أمتار في الثانية، وينزلق بزاوية تُقدَّر بنحو ٣٠ درجة. ويمكنه تغيير الاتجاهات بإمالة النصف الخلفي من جسدِه في وقت تحرُّك الرأس في الاتجاه الجديد أثناء تذبذُب الرأس.

وإن الرفع الناتج عن تذبذب الثعبان ليس مفهومًا جيدًا بعد. ورغم ذلك، لنا أن نفترض أنه أثناء حركة النصف الخلفي المُتقعِّر من الجسم إلى اليسار واليمين يُمكن أن يتغيَّر اتجاه الجانب السُّفلي. وإذا تبدَّل من خلال المَيل إلى اليسار والميل إلى اليمين فمن الممكن أن يزيد قوة الرفع.

(١٣) تأثير مقاومة الهواء على كُرات التنس

لماذا تصِل كُرة التنس المُستعملة عادةً على المُستقبِل أسرعَ من كرة التنس الجديدة المضروبة بالطريقة نفسها بالضبط؟

الجواب: يتحدَّد وقت طيران كُرة التنس عن طريق تأثير مقاومة الهواء على الكرة. وإذا تكرَّرت ضربة مُعيَّنة (بنفس السرعة والزاوية) مرات كثيرة، بدايةً بِكُرةٍ جديدة، فإنَّ مقاومة الهواء تزيد في البداية ثم تقلُّ تدريجيًّا إلى أقلِّ قيمة. يبدو أنَّ السبب يكمن في الوبَر (زغب سطح الكرة). الضربات الأولى تستثير الوبر الذي «يمسك» قدرًا أكبر من الهواء ومِن ثَمَّ يزيد مقاومة الهواء. رغم ذلك، يَبلى الوبَر في النهاية أو يُصبح مسطحًا، وتقلُّ مقاومة الهواء. ومِن ثَمَّ فمن يبدأ بضرب الكرة لدَيه ميزة بسيطة عندما يلعب بكرةٍ بالِيَة؛ لأنَّ الكرة تُقابل مقاومة هواءً أقل من الكرة الجديدة وتصل إلى اللاعب المستقبِل في وقتٍ أقلَّ مما يجعل ردَّ الكرة أكثر صعوبة.

(١٤) انحراف كرة القدم حول حائطٍ دفاعي

كيف يمكن أن يستخدم لاعب كرة القدم ركلةً حُرة لإرسال الكرة في مسارٍ «مُنْحَنٍ» حول حائط دفاعي من اللاعبين ويُدخلها إلى شبكة المرمى؟ هذه الركلة، المُسمَّاة «ركلة الموزة» بسبب شكل مسار طيران الكرة، تبدو غريبة، ومن الممكن أن تُفاجئ حارس المرمى تمامًا في أغلب الأحيان، لا سيما عندما يُعيق الحائط رؤية المرحلة الأولى من تحليق الكرة.

الجواب: يُوضِّح شكل ٢-٤أ نظرة فوقية لكرة طائرة عبْر هواء ساكن. لنركب مع الكرة بحيث يمرُّ بيننا الهواء كما في شكل ٢-٤ب. إذا لم تَدُر الكرة حول نفسها، فإنَّ الهواء يمرُّ بطريقةٍ مُتماثلة على جانبي الكرة، ثم في مكانٍ ما على الجانب الخلفي يترُك تيارَا الهواء الكرةَ ويشكِّلان دوَّاماتٍ خلفها. وإذا دارت الكرة حول نفسها — في اتجاه عقارب الساعة مثلًا كما في شكل ٢-٤ﺟ — فإن التيارَين الهوائيَّين يكونان غير مُتماثلَين. يتكسَّر تيار الهواء الذي يتحرَّك عكس سطح الكرة الدوَّار إلى دوَّامات في فترةٍ مبكرة، في حين يتعلق التيار المُتحرِّك مع سطح الكرة الدوار بالسطح وينفصل بعد فترة متأخرة. يمكن النظر إلى اندفاع التيار الهوائي بعيدًا عن الكرة الدوارة بوصفه يُشبه اندفاع الطين بعيدًا عن إطار السيارة. فنظرًا لأنَّ دوران الكرة يُجبر التيارات الهوائية على تغيير مسارها، فإن الكرة تُوَجَّه إلى الاتجاه المعاكس. هذا يعني أن تغيير اتجاه الهواء بسبب دوران الكرة حول نفسها يجعل الكرة تنحرِف لأحد الجوانب. يُطلق في العموم على النتيجة اسم «تأثير ماجنوس» نسبةً إلى أول من درس هذه الظاهرة.
fig59
شكل ٢-٤: البند ٢-١٤: (أ) تحليق الكرة. (ب) من منظور الكرة. (ﺟ) الكرة الدوَّارة تغير اتجاه الهواء المار. تغير الكرة اتجاهها إلى أحد الجوانب. (د) يؤدي تغيير الاتجاه إلى انحراف الكرة حول الحائط الدفاعي وصوب المرمى.
عند تنفيذ ركلة حرة، لنفترض أن الكرة رُكِلَت صوب الجانب الأيسر من الحائط الدفاعي وبدوران جانبي في اتِّجاه عقارب الساعة (انظر شكل ٢-٤ب). يجب إطلاق الكرة بزاوية ١٧ درجة تقريبًا مع الأرض، وتوجيهها بعيدًا عن مُتناول ذراعِ آخِرِ لاعبٍ في الحائط الدفاعي. ومع انطلاق الكرة عبْر الهواء يتسبَّب دوَرانها في تغيير اتجاه تيار الهواء إلى اليسار ومِن ثَمَّ انحراف الكرة نحوَ اليمين. وفي حالة تسديد الضربة جيدًا، فإن الكرة تنحرف بدقَّة حول نهاية الحائط الدفاعي بعيدًا عن متناول اللاعبين ثم تتَّجِه إلى المرمى.

أما الجزء السحري من الركلة فقد يكون ناتجًا عن تغيير سرعة الكرة أثناء التحليق. فمقاومة الهواء على الكرة تعود إلى حدٍّ بعيد إلى الاختلاف ما بين تأثير ضغط الهواء المُرتفِع على السطح الأمامي للكرة ودوَّامات الضغط المُنخفض على السطح الخلفي. عندما تُبطِّئ الكرة يتغيَّر مدى منطقة الدوَّامات، فيزيد في البداية ثم يقل؛ ومِن ثمَّ تختلف مقاومة الهواء بالطريقة نفسها. ومِن ثَمَّ، فإنَّ بطء الكرة يزداد في البداية ثم يقل، وهو ما يُمكن أن يَخدَع حارس المرمى.

وتنحرِف كرات رياضات أخرى أثناء التحليق في حالة الدوَران حول نفسها، مثل كرات التنس، وكرات تنس الطاولة، وكرات رياضة الكرة الطائرة. (لُوحظ الانحراف منذ وقتٍ مُبكر في طيران القذائف المدفعية ورصاصات البنادق الدوَّارة.) بطبيعة الحال، إن إرسال الكرة في مسارٍ منحنٍ في أيِّ اتجاه من المُمكن أن يُربك الخصم. وتتميز الكرة الدوَّارة أيضًا بالارتداد من الملعب أو الحائط في اتجاهٍ مُفاجئ. إلا أن كرة الشاطئ الملساء تبدو مختلفة من حيث إنها تستطيع الانحراف في البداية في اتجاهٍ معين ثم الانحراف في اتجاهٍ آخر، مُتَّبِعةً مسارًا أشبَهَ بحرف S أكثر منه شبهًا بالموزة. يحدُث الانحراف الأخير المُربك الذي يُطلق عليه «منعكس تأثير ماجنوس» عندما ينخفِض معدَّل سرعة الكرة ودوَرانها إلى أدنى المعدَّلات.

(١٥) الديناميكا الهوائية لكُرة الجولف

لماذا تُوجَد نقرات على سطح كرة الجولف؟ إذا ضربت كرة جولف ودارت إلى الأمام (حيث تدور قمَّة الكرة في اتجاه مسيرة الكرة)، فإن الكرة سوف تدور للأمام عندما تصطدم بالأرض الخضراء. هل هذا أمر مرغوب من جانبٍ لاعبٍ عادةً ما يسدِّد ضربات تسقُط على مسافة أقصر كثيرًا من الحفرة؟

الجواب: في البداية كانت كرات الجولف ملساء، ثم لاحظ لاعبو الجولف أنه بمجرَّد أن تُصبح الكرة مُثلَّمة وبالِية فإنها تحلق لمسافة أبعد بالدفعة نفسها المُكتسبة من عصا الجولف. وفي النهاية تحسنت التصاميم الحديثة المنقورة، فسمحَتْ بقذف كرات الجولف لمسافةٍ أبعد بكثيرٍ مما تُحققه الكرات الملساء المشابهة.

الوظيفة الأساسية للنقرات هي تقليل مقاومة الهواء على الكرة من خلال تقليل فرق الضغط بين مقدِّمة الكرة ومؤخِّرتها. في المقدمة يكون الضغط مرتفعًا بسبب اصطدام الكرة بالهواء. فأثناء انزلاق الكرة في الهواء يتعلق الهواء بالكرة ثُم ينفصل عنها عند نقطة مُعيَّنة، وعندما ينفصل عنها يُشكل دوَّامات يكون فيها ضغط الهواء أقل. وإذا كانت منطقة تكوُّن الدوَّامات عند مؤخِّرة الكرة مُمتدة، فإن فرق الضغط بين مقدمة الكرة ومؤخرتها يمكن أن يكون كبيرًا. وهذا يعني أن مقاومة الهواء تصير كبيرة ولا تطير الكرة لمسافة بعيدة. أما عندما تصبح الكرة مُغطَّاة بالنقرات (أو مُثلَّمة)، فإن الهواء الموجود على جوانب الكرة يتخلخل، ممَّا يسمح بتعلُّق الهواء بسطح الكرة بطريقة أفضل والوصول لمسافةٍ أبعد عند سطحها الخلفي قبل انفصاله وتكوين الدوَّامات. ومِن ثَمَّ، فالكرة ذات النقرات تمتلك منطقةً تُشكُّل دوَّامات أصغر في المؤخِّرة (ومِن ثَمَّ مقاومة هواء أقل) مقارنةً بالكرة الملساء.

وعلى الرغم من أنَّ الكرة ذات النقرات تُحلق لمسافة أبعد على الملعب، فمن الممكن أن تحلق لمسافة بعيدة خارج الملعب عند تسديد ضربة مُنحنية. وهذا يعني أن النقرات تزيد المسافة وليس التحكُّم.

تشهد الكرة الدوَّارة قوة «رفع». وإذا ضربتْ عصا الجولف الكرة في موضعٍ منخفض بحيث تدور الكرة «دورانًا خلفيًّا» (أو «دورانًا لأسفل»)، فسيكون الرفع موجبًا، ومتجهًا لأعلى، ومِن ثَمَّ تُبقِي قوة الرفع الكرة في الهواء وتحلق الكرة لمسافة أبعد. وإذا ضربت عصا الجولف الكرة في موضعٍ مرتفع بحيث تدور الكرة «دورانًا أماميًّا» (أو «دورانًا لأعلى»)، فسيكون الرفع سالبًا، ومُتجهًا لأسفل؛ ومِن ثمَّ تُسبب قوة الرفع دفع الكرة لأسفل مبكرًا. ومِن ثَمَّ، فإن الدوران لأعلى يسمح بتدحرُج الكرة لمسافةٍ أطول على العشب، لكنه يُقَصِّر تحليق الكرة في الهواء.

fig60
شكل ٢-٥: بند ٢-١٥: كرة جولف متجهة إلى اليمين. الهواء يمر إلى اليسار ويغير اتجاهه للأسفل بسبب دوران الكرة. وتشهد الكرة رفعًا.
تعود قوة رفع كرة الجولف (الموجب والسالب) إلى طريقة اندفاع الهواء حول الكرة الدوَّارة. فعند الدوران الخلفي يندفع الهواء لأسفل بسبب دوران الكرة (انظر شكل ٢-٥). ونظرًا لأن الهواء مدفوع لأسفل بسبب الدوران، فإن الكرة تندفع لأعلى؛ أي تحظى برفعٍ مُوجَب. أما في حالة الدوران الأمامي، فالهواء يندفع لأعلى وتندفع الكرة لأسفل؛ أي تحصل على رفع سالب.

(١٦) الديناميكا الهوائية لكرة البيسبول

كيف يرمي الرامي في لعبة البيسبول كرة سريعة لا تسقط فيها الكرة فعليًّا بفعل الجاذبية وحدَها أثناء طيرانها إلى الضارب؟ إذا لم يتوقَّع الضارب بطريقةٍ صحيحة كرةً سريعة، فمن المُمكن أن تكون الضربة المائلة منخفضة جدًّا بحيث لا يتحقق احتكاكٌ جيد مع الكرة. فكيف يرمي الرامي كرة مُنحنية ينحني فيها مسار الطيران صَوب الضارب أو بعيدًا عنه، أو صوب الأرض؟

الجواب: تُقذَف الكرة السريعة عن طريق تحريك المعصم مباشرةً صوب الضارب بعد دفع الكرة للأمام عن طريق حركة رفعٍ قوية للذراع فوق مستوى الكتِف. هذا الإجراء يجعل الكرة تدور للخلف؛ أي إنَّ سطح الكرة يدور للخلف صوب الرامي. ومع تحرُّك الكرة في الهواء، يُقذَف الهواء المار فوق سطح الكرة صوب الأرض بسبب الدوران. يتسبب انحراف الهواء للأسفل في انحراف الكرة لأعلى (أي يتسبَّب في «رفعٍ موجب»). لا تتحرَّك الكرة فعليًّا لأعلى لأنها تسقط أثناء طيرانها. لكن الكرة لا تسقط بعيدًا مثلما كانت ستسقُط لو لم تكن تدور، وهذا من المُمكن أن يخدع الضارب.

بالإضافة إلى هذا الانحراف الأساسي، فإنَّ الخياطة على الكرة الدوارة تتعرَّض لمقاومة الهواء، وهذا يُمكن أن يُغيِّر من اتجاه حركة الكرة ويُبطِّئها. تلتفُّ الخياطة حول الكرة لتُمسك قطعتَي الجلد المُكوِّنتَين لسطح الكرة. عادة ما تُوصف طريقة مسك الكرة ورميها من منظور الضارب. في إحدى الرميات الأساسية التي يُطلق عليها الكرة السريعة ثنائية الخياطة، يرى الضارب دائمًا جزأين من الخياطة في الكرة أثناء دوَرانها في رحلتها. وفي «الكرة السريعة رباعية الخياطة»، يرى الضارب أجزاء مُتعاقبة من الكرة تدور أمام ناظريه أثناء طيران الكرة في الهواء. وعلى الرغم من أنَّ كِلا النوعَين من الكرة السريعة يمنحان الرفع الموجب نفسه، فإن بعض الرُّماة يزعمون أن أحد النوعَين أو الآخر هو الأفضل.

تُلقى الكرة المُنحنية إما بدوَران جانبي أو دوران علوي. وإذا تسبَّب الدوران الجانبي في قذف الهواء إلى يسار الرامي، فإنَّ الكرة سوف تنحرف يمينًا إما ناحية الضارب أو بعيدًا عنه، اعتمادًا على إذا ما كان الضارب أيمن أم أعسر. وإذا كانت الكرة تدور دوَرانًا علويًّا، وهي الرمية التي تُعرَف باسم رمية «الإسقاط»، فإنَّ الهواء يُقذف لأعلى فيسبب انحرافًا لأسفل (رفعًا سالبًا). أما الرمية «المُنزلقة» فهي رمية ذات دوَران جانبي لكن بدوَران أقل بحيث يكون الانحراف أقل، مما يمكن أن يخدع الضارب.

هذه هي الرميات الأساسية. ويُمكن للرامي الماهر إمالة دوَران الكرة للحصول على اتجاه الرفع والانحراف المرغوبَين، بحيث يُغيرهما ما بين كلِّ رمية وأخرى لإرباك الضارب. يبحث لاعبو البيسبول المُحترفون عندما يحين دَورهم في ضرب الكرة عن أدلَّة حول الرمية القادمة في الطريق، ومن هذه الأدلة التوجيه الأخير ليَدِ الرامي أو الخياطة الدوَّارة في الكرة. وهذه المهمة صعبة؛ لأن الضارب يمكن أن يرى الكرة بوضوح فقط في الجزء الأول من رحلتها، وبعد ذلك تُصبح الكرة ضبابية ويبدأ التأرجُح.

(١٧) ديناميكا الكريكيت

في لعبة الكريكيت «يرمي» الرامي الكرة برمية ذراع مستقيمة، فيلقي الكرة على الأرض بحيث ترتدُّ في الاتجاه العام للضارب الذي يحاول بعد ذلك ضربها بالمضرب. وعلى الرغم من أن الوصف الأساسي لا يبدو مُثيرًا، فإن اللعبة يمكن أن تكون مليئةً بالمفاجآت، وتجلس أُمَم كاملة مشدوهةً تُتابع هذه المباريات. فكيف يمكن للرامي السيطرة (ولو تقريبيًّا) على اتجاه الكرة؟

الجواب: أمام الرامي عدة طرق لإرباك الضارب: (١) يمكنه أن يجعل الكرة تقفز على الأرض بطريقة غير مُتوقَّعة عن طريق رمي الكرة بدوران. (٢) يمكنه أن يجعل الكرة «تتأرجح» (تنحرِف) في طريقها إلى الأرض بضبط وضعيَّة الخياطة الموجودة على الكرة. (٣) يُمكنه أن يجعل الكرة تتأرجَح بأن يجعلها تدور. وبطبيعة الحال، يُمكنه أيضًا المزج بين هذه الأساليب.
fig61
شكل ٢-٦: بند ٢-١٧: تدفق الهواء أمام كرة كريكيت مرمية وقوة انحراف الكرة. (أ) كرة جديدة. (ب) كرة أصبح سطحها خشنًا من الاستعمال، ومصقولة من أحد الجوانب على يد الرامي.
في الأسلوب الثاني، تتعرَّض الكرة إلى الهواء بواجهةٍ شِبه ثابتة. في الصورة الفوقية المُبيَّنة في شكل ٢-٦أ، تُعدُّ الكرة في وضعٍ ثابت والهواء في وضعٍ مُتحرِّك جهة اليسار. وفي تلك الصورة، تكون الخياطة الموجودة على الكرة في الجزء السُّفلي من الواجهة الأمامية ويمرُّ الهواء فوق الكرة ومن أسفلها. وعلى الجزء العلوي، يتدفَّق تيَّار الهواء بسلاسةٍ تامة؛ وبذلك يترك الطبقة المُجاورة مباشرةً للكرة في حالة اضطراب. ويتحرَّر الهواء من على سطح الكرة قبل أن يصِل إلى الجانب الخلفي. وفي الجزء السُّفلي، يكون التدفُّق سلسًا تمامًا في البداية، ولكن الخياطة «تعرقل» التيار وتُحوِّله إلى مطبَّات هوائية. والمزيج المُضطرب للهواء المجاوِر مباشرةً للكرة يتيح لتيار الهواء أن يلتصق بالكرة حتى يصِل إلى الجانب الخلفي؛ حيث يتحرَّر. ويُمكننا القول بأن الخياطة تجعل تيَّار الهواء يرتفع إلى أعلى كما هو مُبيَّن في الشكل، إلى يسار الرامي؛ ومن ثَمَّ، من منظور الرامي، الهواء يتَّجِه ناحية يساره، وتتجه الكرة عنوةً ناحية يمينه، بمعنى أن الكرة تتأرجح جهة اليمين.
وفي حالة «التأرجُح العكسي» يكون انحراف الكرة عكس ما نراه في شكل ٢-٦أ. يصقل الضارب الكرة في سرواله على نحوٍ مُتكرِّر ليجعل أحد وجهَيْها مصقولًا ويترك الوجه المُقابل خشنًا من الاستعمال المُتكرِّر. ثم يرمي الكرة ووجهها الخشن للأمام (انظر شكل ٢-٦ب). عندئذٍ فإن تيارات الهواء المارة على كلا وجهَي الكرة يحدُث لها على الفور حالة تدفق مُضطرب فتميل إلى التمسك بالكرة. ورغم ذلك، فإن الخياطة الموجودة على الجانب الأيمن تعمل كمنصة إطلاق حيث ترسل التدفُّق المضطرب بعيدًا عن الكرة. والنتيجة هي أن التدفق القادم حول الجانب العلوي (في منظور الشكل) يغادر عند مؤخرة الكرة، والتدفق القادم حول الجانب السفلي يغادر عند الخياطة. من منظور الضارب، فإن تدفق الهواء يندفع نحو اليمين ومِن ثَمَّ تندفع الكرة نحو اليسار، وهذا هو التأرجح العكسي.

(١٨) الطيور التي تطير في تشكيل على هيئة حرف V

عندما تطير الطيور في سرب لمسافة طويلة، لماذا تتخذ الكثير من أسراب الطيور هيئة الحرف V؟
الجواب: عندما يطير الطائر عن طريق رفرفة جناحَيه (بدلًا من الانزلاق)، فإن كلَّ دفعة للأسفل بجناحه تخلُق دوَّامة رأسية في الهواء تتعقَّب الطائر. تدور الدوَّامة للأسفل على جانب الطائر، وللخارج عند جانبه السفلي، وللأعلى على أقصى جنبه، وللداخل على جانبه العلوي. وإذا وضع الطائر المتعقِّب نفسه في الجزء المتدفِّق لأعلى من الدوَّامة فإنه يتلقَّى رفعًا مجانيًّا. سيظلُّ مضطرًّا إلى الرفرفة ليظل طافيًا، لكنه لن يضطر للرفرفة بقوة شديدة؛ ومِن ثمَّ لن يكون الجهد المبذول كثيرًا جدًّا. ويمكن أن يكون القدْر الموفَّر من الطاقة كبيرًا جدًّا في الرحلة الطويلة.
ولكي يكون الطائر المتعقِّب في التدفق العلوي يجب أن يكون على جانب الطائر القائد، وتشكيل السرب على شكل الحرف V يُعدُّ واحدًا من أفضل التشكيلات التي تضع الطيور في مواقع صحيحة. بالإضافة إلى ذلك فهو يسمح لها بالتواصل البصري. ورغم ذلك، فنادرًا ما تكون الطيور في أفضل موقع يُتيح لها توفير الطاقة، والمسافة بين الطيور في تشكيل الحرف V تكون في الغالب غير مُتساوية، مما يوضح أن الطيران في أي تشكيلٍ أمر صعب للغاية في الواقع.
وعلى الرغم من أن الطائر الموجود في المُقدمة يتعرَّض إلى تدفق علوي من الطيور الموجودة على يساره وعلى يمينه، فإن الموقع الأمامي يكون هو الأكثر إرهاقًا عادةً. وعلى الأرجح يتناوب عددٌ كبير من الطيور في السرب على القيادة. وبدلًا من ذلك، يمكن أن تطير الطيور على هيئة حرف V مسطح أو هيئة خط مستقيم، وبهذه الطريقة لن يكون موقع المقدمة مرهقًا بهذا القدر.

وقد يكون توفير الطاقة أحد الأسباب التي تجعل السمك يسبح أيضًا في أسراب. وتشكيلات الدوامات الناتجة عن السمكة القائدة يمكن أن تساعد في تقليل الجهد المطلوب من الأسماك الموجودة في مؤخرة السرب.

(١٩) السباحة في سائل لزج

يجب أن يدفع السباح الماء أو يسحبه كي يشق طريقه فيه. والماء من الموائع بطبيعة الحال؛ ومِن ثمَّ فإن دفع أو جذب الماء ليس بكفاءة دفع أو جذب شيء صلب. إذا أضفنا شيئًا إلى الماء ليصبح أكثر لزوجة؛ ومِن ثمَّ يُصبح أقلَّ ميوعة، فهل يستطيع الشخص أن يسبح في هذا الماء على نحوٍ أسرع؟

الجواب: في إحدى التجارب أُضيف الجوار إلى حمَّام سباحة كي تصبح لزوجته ضعف لزوجة الماء النقي. ثم قيس الوقت الذي استغرقه السباحون في سباحة ٢٥ ياردة. كانت النتيجة أن زيادة اللزوجة لم تغير سرعة السباحة. لقد منحت اللزوجة دفعًا أو جذبًا أفضل للسباح، لكنها زادت أيضًا من المقاومة الواقعة على السباح، وأبطل كلا التأثيرَين الآخر.

(٢٠) خطوط التكثُّف

لماذا تترك الطائرات في بعض الأحيان خطوطًا بيضاء خلفها في السماء؟ لماذا تتضخم هذه الآثار في بعض الأحيان أو تُصبح لولبية؟

الجواب: عندما تطير الطائرة في بُخار ماءٍ كثيف على ارتفاعات عالية، فإنها من الممكن أن تكوِّن سحابة خلفها تُسمَّى «خطوط التكثف» (أي أثر التكثيف). وفي العادة يتكوَّن خط التكثف من خطَّيْن أبيضَين على الأقل يبدآن خلف الطائرة بمسافة بسيطة. ومع اندفاع الطائرة في الهواء تُكَوِّن أطراف الجناحَين (وغيرها من الأجزاء البارزة) دوامات. ويتحرك الهواء عند طرف الجناح للأعلى، وصوب الطائرة، وللأسفل، ثم للخارج. تفرز المُحركات سخامًا في التدفق المحيط، مما يجعل بخار الماء يكوِّن قطرات أو بلُّورات ثلجية تُشتت ضوء الشمس بشدة، فتصبح آثار الدوامات مرئية. ونظرًا لأن تشتيت الضوء لا يعتمد عادةً على الطول المَوجي (أو اللون) فإن آثار التكثُّف تكون بيضاء في المُعتاد.

وهذه الدوامات يمكن أن تُشكل خطورة على الطائرات الأخرى، لا سيما الطائرات الأصغر حجمًا والأخف التي من الممكن أن تنقلب بسبب إحدى هذه الدوامات. لذلك يتوخَّى طيارو الطائرات الصغيرة حذرًا بالغًا في تجنُّب آثار الطائرات الأكبر حجمًا. رغم ذلك، يُقال إن دوَّامات أطراف الأجنحة استُخدمت استخدامًا نافعًا في السموات الإنجليزية أثناء الحرب العالمية الثانية؛ فعند حدوث إحدى هجمات القنابل الطائرة فاو-١، كان الطيار الإنجليزي يطير إلى جانب إحدى هذه القنابل ويستخدِم دوَّامة طرف الجناح في قلبها كي تتحطم.

عادة ما يكون طول خطِّ التكثُّف المكوَّن من قطرات الماء قصيرًا؛ لأن القطرات تتبخر. أما الثلج فيمكن أن يشكل خط تكثُّف طويلًا، وطويل الأجل، شريطة ألا يصبح الثلج كبيرًا لدرجة تسمح بسقوطه. يمكن لخط التكثف طويل الأجل أن يتمدد عندما يُكَوِّن بخار الماء قطرات أو بلورات إضافية. وفي بعض مناطق الطيران عالية الكثافة يمكن أن تتداخل خطوط التكاثف المُمتدة وتُغطي جزءًا كبيرًا من السماء.

وفي بعض الأحيان تتحوَّل خطوط التكاثف إلى حلقات عندما تبدأ في التحلل، وعندها تبقى أسس الدوامات هي المرئية. ويمكن أيضًا أن تتحوَّل خطوط التكاثف إلى أشكال (منفوشة) تشبه «الفشار» في حالة هبوط أجزاء منها، مما يجعلها تتمدَّد.

وإذا كان خط التكثُّف تحت ضوء ساطع وألقى ظلًّا على الهباء الجوي أسفله (مثل الدخان أو الضباب أو الشبورة)، فإنَّ الظلَّ يبدو خطًّا داكنًا في السماء. وعندما تكون الشمس خلف الطائرة، ربما يبدو الخط الداكن أمام الطائرة، كما لو كان امتدادًا داكنًا لخط التكثُّف الصادر عن الطائرة.

يمكن أيضًا أن تُصدِر الطائرة خطًّا داكنًا يُعرف باسم «خط التبديد» عندما تطير عبر سحابة رقيقة نسبيًّا، فتتخلص من قطرات الماء وبلورات الثلج في السحابة عن طريق تبخيرها، إما من خلال الطاقة الحرارية الصادرة عن المحركات أو بمزج الهواء الدافئ بالأعلى بالسحابة الموجودة بالأسفل. ويمكن أيضًا أن تنتج الطائرة خط تبديد إذا أطلقت المحركات على السحابة رطوبة كافية تجعل البلورات الثلجية يزداد حجمها لدرجة سقوطها من السحابة.

(٢١) رفرفة ستار حوض الاستحمام للداخل

أثناء الاستحمام دائمًا ما يرفرف ستار حوض الاستحمام للداخل ويحتك بساقي. ليس ستاري شيئًا استثنائيًّا؛ لأن معظم الستائر تتسم بهذه السمة المزعجة إلا لو كانت مثبتة بثقل أو مزودة بقطع مغناطيس صغيرة. فما الذي يدفعها للداخل؟

fig62
شكل ٢-٧: بند ٢-٢١: مقاومة الهواء تجعل ستار حوض الاستحمام يرفرف للداخل.
الجواب: من التفسيرات الشائعة أنه عندما يصبح الهواء ساخنًا بفعل الماء الساخن فإنه يرتفع فوق الستار؛ ومِن ثمَّ يجب أن يهب هواء الغرفة البارد على حوض الاستحمام من أسفل الستار. هذا التدفق الذي يشبه المدخنة يحدث بالتأكيد عندما تأخذ حمامًا ساخنًا، ورغم ذلك، فإن الستار يرفرف إلى الداخل كذلك عندما تأخذ حمامًا بماء أبرد من هواء الغرفة.
السبب الأساسي لحركة الستار هو أن الماء عند سقوطه «يسحب» الهواء المجاور (أي يحبسه ويدفعه) (انظر شكل ٢-٧). لذلك يجب أن يُوجد تدفُّق هوائي مُستمر نحو التيار الساقط لتجديد الهواء المجاور. جزء من هذا التدفق يمرُّ أسفل ستار الحمام، والتدفق يدفع الستار للداخل. إذا كان الماء ساخنًا، فإن بِركة الماء أسفل حوض الاستحمام تسخن الهواء الذي فوقها مباشرةً، ويرتفع هذا الهواء لأعلى صوب الستار الذي يتحرَّك للداخل، فيساعد في دعم الستارة.

ويمكن أيضًا لحركة الهواء الناتجة عن مقاومة الهواء بفعل تدفق المياه أن تحدُث عندما يتدفَّق الماء مُشكلًا ما يُشبه نظام الكهف؛ فالسَّحْب يحمل الهواء إلى الكهف على امتداد مسار الماء، مما يعني ضرورة تدفق كمية مساوية من الهواء خارج الكهف. وفي بعض الأنظمة، يمكن أن يشعر مستكشف الكهف بتدفق الهواء إلى الخارج.

(٢٢) كلب البراري وأعشاش النمل العملاقة

كلب البراري نوع من القوارض يعيش في السهول المفتوحة في الغرب الأوسط الأمريكي وكثير من المناطق السكنية، ويبني جحورًا طويلة يتراوح عمقها ما بين متر إلى خمسة أمتار، يكون لها مدخلان أو أكثر. لا تستطيع الرياح أن تهبَّ في هذه الأنفاق لإدخال الأكسجين لكلاب البراري. فلماذا لا تختنق في جُحورها؟

يبني النمل القاطع الأوراق أعشاشًا ضخمة يصل عُمقها إلى ستة أمتار تقريبًا لإسكان ما يقرب من خمسة ملايين نملة. يجب أن يتنفَّس النمل داخل المتاهة المُعقدة المكونة من الممرَّات المحفورة تحت الأرض، كما تحتاج الفطريات التي يزرعها من أجل الصغار إلى الأكسجين، ولا يمكنها مقاومة درجات الحرارة التي تزيد على ثلاثين درجة مئوية. يمكن أن يرفع نشاط كل هذا النمل داخل العش درجة الحرارة بسهولة عن هذه القيمة. فكيف تجري تهوية هذا العش للتحكم في كل من الأكسحين ودرجة الحرارة؟

fig63
شكل ٢-٨: بند ٢-٢٢: رياح تمر عبْر تَلَّتَيْ أحد جحور كلب البراري.
الجواب: يبني كلب البراري تلالًا حول كل مدخل من مداخل الجُحر، وعادةً ما يكون أحدها مستديرًا يُشبه القبة عند أحد المداخل، والآخر منحدرًا يُشبه المخروط عند مدخل آخر (انظر شكل ٢-٨). هذه التلال المصنوعة من تُراب حفْر الجحور والقاذورات المُحيطة (التي ينظفونها بعناية)، يمكن أن تكون بمنزلة منصَّة مراقبة للحيوان، لكن غرضها الأساسي هو تهوية الجُحر. فعندما تهبُّ الرياح على إحدى هذه الفتحات، فإنها تميل إلى «سَحْب» (جذب وإزالة) جزيئات الهواء الموجودة عند المدخل. ونظرًا لاختلاف أشكال وارتفاعات التلال، فإن السَّحْب يكون أكثر وضوحًا عند أحد المداخل مقارنة بالآخر. وعلى هذا النحو، يُجذَب الهواء من خلال إحدى الفتحات فيدخل الهواء من الفتحة الأخرى ويتدفق عبْر الجحر. وبفضل هذا القدر الذي يعتمد عليه من الأكسجين لا يختنق الحيوان.

يُولِّد النمل والفطريات في الأعشاش العملاقة للنمل قاطع الأوراق الكثيرَ من الطاقة الحرارية؛ ومِن ثمَّ ترفع درجة حرارة كثيرًا داخل الأعشاش. وعلى الرغم من أن هذا الهواء الدافئ يميل إلى الارتفاع بحيث يخرج من العش فإن هذه الأعشاش أكبر وأعقد من أن تجري تهويتها بهذه الطريقة. بدلًا من ذلك تحصل هذه الأعشاش على التهوية بفضل مقاومة الهواء، من خلال الرياح التي تهبُّ أمام فتحات السطح بطريقة مشابهة كثيرًا لطريقة تهوية جحور كلاب البراري.

(٢٣) دوَّامة حوض الاستحمام

عند تصريف الماء من حوض الاستحمام لماذا يدور فوق البالوعة في شكل حلزوني ويتحول لدوَّامة، وما هو اتجاه الدوران: أهو في اتجاه عقارب الساعة أم عكس اتجاه عقارب الساعة؟ إذا كان اتجاه الدوران يعتمد على نصف الكرة الأرضية الواقع فيه حوض الاستحمام، فماذا سيكون اتجاه الدوران إذا كان حوض الاستحمام يقع في مكان قريب من خط الاستواء؟ هل الماء يتدفق إلى الدوَّامة من السطح العلوي بالضرورة، كما لو كانت الدوامة ميزابًا يصرف الماء من السطح العلوي؟ ما الذي يُحدد عمق الدوامة؟ (يمكن أن تكون الدوامة تجويفًا هوائيًّا بسيطًا على سطح الماء، أو يمكن أن تكون عمودًا هوائيًّا مُمتدًّا للأسفل إلى البالوعة.) لماذا أحيانًا ينعكس اتجاه الدوران فجأة في الدقائق الأخيرة لتصريف المياه من الحوض؟ لماذا يصدر صوت عن بعض دوامات حوض الاستحمام؟

الجواب: تقوم أسطورة اتجاه الدوران في حوض الاستحمام على دوران الغلاف الجوي العام الذي نراه في الأنظمة واسعة النطاق مثل الأعاصير؛ فعندما يتدفق الهواء على نطاق شاسع يُسبب دوران الأرض انحرافًا واضحًا في الرياح فيما يُطلق عليه «تأثير كوريوليس». وهذه الانحرافات تعطي تدفقًا معاكسًا لاتجاه عقارب الساعة في نصف الكرة الشمالي وتدفقًا في اتجاه عقارب الساعة في نصف الكرة الجنوبي.

الماء المُتدفق في حوض التصريف هو نظام ضيق المدى للغاية تحكُمه عوامل أكبر من تأثير كوريوليس. ويُحدِّد اتجاه الدوران في الأساس الاتجاه العام لدوران الماء عند تدفُّقه في الحوض أو عندما يُدَوِّره أحد الأشخاص. فمثلًا، إذا كان الماء يسيطر عليه تدفق في اتجاه عقارب الساعة، فإن الماء يمكن أن يحتفظ بجزء من اتجاه هذا التدفق لساعة أو ربما أكثر. وفي حالة تصريف الماء أثناء دورانه في اتجاه عقارب الساعة، فإن الدوامة المكونة فوق البالوعة ستكون في اتجاه عقارب الساعة. من العوامل الأخرى التي يمكن أن تُحدد اتجاه التدفُّق انعدام التناظُر في حوض الاستحمام (فمن الممكن أن يكون موقع البالوعة غير مُتناظر)، والاضطراب الناتج عن سَحب السدادة، واختلاف درجات الحرارة بين الماء بين ناحية (مثلًا الناحية المُطلَّة على بقية الحمام) والناحية المُقابلة (الجدار).

أُجريَت تجربة تأثير كوريوليس في حوض استحمام خاص وفي ظلِّ اتخاذ احتياطات مُعينة؛ إذ كان الحوض دائريًّا، وكانت البالوعة موجودة في مُنتصفه، وترك الماء ليستقرَّ لفترةٍ طويلة في الحوض، وكانت درجة حرارة الماء ثابتة، وعُزل الماء عن أي اضطرابٍ مُحتمل قد يُسببه الأشخاص الموجودون في الغرفة، وسحبت سدادة البالوعة بحذَر بالغ. في ظل هذه الاحتياطات حدد تأثير كوريوليس حركة الدوران، ولأن الحوض كان موجودًا في بوسطن فقد كان تصريف المياه عكس اتجاه عقارب الساعة.

معظم الماء الذي ينزل في البالوعة يتحرك نحو البالوعة القريبة من قاعدة حوض الاستحمام. وعندما يصل الماء إلى البالوعة، ينزل بعضه في البالوعة على الفور، لكنَّ كثيرًا من الماء يدور ﻟ «الأعلى» قبل أن ينزل البالوعة. والماء الذي ينزل في مركز البالوعة يأتي من سطح الماء العلوي؛ أي من التجويف الذي نراه على البالوعة. إذا كانت الدوَّامة قوية، يكون قاع التجويف رفيعًا وغير مُستقر، وتتصاعد منه فقاقيع هواء.

أما مدى الدوامة (أي عمق عمود الهواء في الدوامة) فيُحدده جزئيًّا قُطر البالوعة. عادة ما تُسفر البالوعة العريضة عن تجويفٍ ضحل على سطح الماء. أما البالوعة الضيقة فإنها تنتج عادةً دوامة قوية ضيقة يمتدُّ فيها عمود الهواء إلى البالوعة. ويمكن للبالوعة متوسطة الحجم أن تنتج دوَّامة تتَّجِه لأسفل في البداية ثم تتراجع لأعلى.

أما سبب عكس اتجاه الدوَران في الدقيقة الأخيرة فهو غير مفهوم جيدًا. أحد التفسيرات يقضي بأنه عندما تُصبح طبقة الماء ضحلةً جدًّا، فإن تدفق الماء في الدوامة يكون صعبًا بسبب الاحتكاك بقاع الحوض.

ويمكن أن تصدر دوامة حوض الاستحمام صوتًا إذا كانت قوية لدرجة تسمح ﺑ «حبس» (أسر) الهواء في صورة فقاعات تُصدر صوتًا أثناء تذبذُبها وانهيارها. ومن الممكن أن يهتزَّ سطح الماء أيضًا، فيصدر اختلافات في ضغط الهواء في صورة موجات صوتية.

(٢٤) دوَّامة في فنجان قهوة

قَلِّب فنجان قهوة سادة برفق ثم أزل الملعقة. أثناء دوران القهوة في الفنجان. صُبَّ ببطء وبرفق لبنًا باردًا أو قشدة باردة في المنتصف. لماذا يظهر تجويف في المنتصف؟ لماذا لا يظهر التجويف إذا كان اللبَن دافئًا أو ساخنًا؟

الجواب: أنت تترُك الكثير من الدوامات الصغيرة راسخة في الدوران الأصلي الذي تراه في القهوة. ونظرًا لأن اللبن البارد أكثر كثافة من القهوة، فإنه يغوص إلى الأسفل على طول المحور المركزي للدوامة، ساحبًا معه هذه الدوَّامات إلى المركز، ويجعلها تمتدُّ إلى الأسفل. هذا التجمع والامتداد يزيد سرعة دوران السائل قرب المركز. عندها يُصبح السطح القريب من المركز مقعرًا، أو مجوفًا، مثلما يحدث عادةً مع السائل في حالة الدوَران، إلا أن هذا الشكل المُقعَّر يكون أكثر وضوحًا في هذه الحالة.

(٢٥) تَجَمُّع أوراق الشاي، دوَران الزيتون

إذا قلبتَ فنجانًا من الشاي تتناثر فيه أوراق الشاي عبْر القاع (ثم أزلتَ الملعقة) لماذا تتجمَّع أوراق الشاي في المركز السفلي؟ ولماذا قبل الوصول إلى المركز تُشكل الأوراق ما يُشبه الحلقة حول المركز ثم تتحرَّك للداخل؟

في حالة تقليب كأس من المارتيني يحتوي على زيتونة، فإن الزيتونة سوف تتحرَّك حول محور الكأس مع السائل الدوَّار لكنها ستدور أيضًا حول محور داخلي. لماذا يكون اتجاه الدوران مُعاكسًا لاتجاه الدوَّامة؟

الجواب: كما أوضح أينشتاين فإن حركة أوراق الشاي تعكس نمَط دوَران ماء الشاي في الفنجان. ولأن التقليب يجعل الماء يدور حول المحور المركزي الرأسي، فإن الماء يَميل إلى الدوران للخارج. وهذا يعني أن كل جزيءٍ من الماء يتحرَّك كما لو كان على دوَّامة خيل مُسطحة دوَّارة.
fig64
شكل ٢-٩: بند ٢-٢٥: تدفق ثانوي عند تقليب الشاي.
رغم ذلك، ففي حالة فنجان الشاي، يتأخَّر الماء المُلاصِق للسطح السفلي بسبب الاحتكاك ومن ثم لا يدور بقوة الماء الموجود على السطح العلوي. ومِن ثَمَّ، فإن الميل للدوران إلى الخارج يكون قويًّا على السطح العلوي وضعيفًا عند السطح السفلي. يُطلِق هذا الاختلاف نظام دوران يُطلَق عليه «التدفق الثانوي»؛ فعندما يدور السائل حول محور مركزي، فإنه يتحرك أيضًا للخارج على طول السطح العلوي، ويتحرك لأسفل على طول جانب الفنجان، ويتحرك للداخل على طول السطح السفلي، ثم يتحرك لأعلى على طول المحور المركزي (انظر شكل ٢-٩). يسحب التدفق على امتداد السطح السفلي أوراق الشاي إلى المركز ثم يتركها.

ما لم يُلاحظه أينشتاين هو أن أوراق الشاي سرعان ما تشكل حلقة بعد إزالة الملعقة قبل أن تصل إلى المركز في النهاية. فالأوراق البعيدة عن هذه الحلقة تنجذب نحوها بفعل التدفق الثانوي، وأوراق الشاي الأقرب للمركز تدور بعيدًا عنه. وعندما يخبو دوران الماء في الفنجان، يقلُّ نصف قُطر هذه الحلقة؛ ومِن ثمَّ تتحرك الأوراق تدريجيًّا نحو المركز، وتستقر فيه في النهاية.

وإذا حدث تقليب الشاي من خلال وضع الفنجان على طاولة دوَّارة، مثل مُشغل الأسطوانات الموسيقية، فسيبدأ التقليب عند قاع السائل بسبب الاحتكاك بين السائل الموجود هناك وبين سطح الفنجان. وتدريجيًّا سيصعد دوران السائل إلى السطح العلوي. وأثناء هذا الصعود، سَيَلِفُّ السائل الموجود في السطح السُّفلي للخارج، ولن يميل السائل في السطح العلوي إلى الدوران. ونتيجة لذلك سيحدُث تدفُّق ثانوي: إلى الخارج عند القاع، وللأعلى عند الجدار، وللداخل عند القمة، وللأسفل عند المحور المركزي. هذا التدفُّق معاكس للتدفُّق الناتج عن تقليب الملعقة، والآن سوف تنتهي الحال بأوراق الشاي أسفل جانب الفنجان.

عند تقليب كأس من المارتيني به زيتونة فإن الزيتونة تكون بين السائل الذي يتحرَّك بسرعة قرب مركز الكأس وبين السائل الذي يتحرك ببطء بعيدًا عن المركز. ومِن ثَمَّ، فإن تأثير السحب على الزيتونة يمكن أن يكون كبيرًا عند النقطة الأقرب للمركز، مما يجعل الزيتونة تدور في الاتجاه المُعاكس للدوامة. (ونظرًا لوجود عوامل كثيرة مثل توزيع الكتلة في الزيتونة المثقوبة المَحشيَّة، فإن الزيتونة يمكن أن تدور في اتجاه الدوامة أو تدور عشوائيًّا.)

(٢٦) الأنهار المُتعرِّجة

لماذا يميل النهر إلى التعرُّج (تكوين مسار يُشبه نير الثور) بدلًا من السير في خط مُستقيم؟ إذا نظرتَ من الطائرة يمكن أن تجد أن بعض الأنهار تسير على نحوٍ شديد التعرُّج. ما الذي يُسبب حلقات الماء المنفصلة التي يُطلَق عليها «البُحيرات القوسية»، والموجودة على جانب النهر شديد التعرُّج؟

fig65
شكل ٢-١٠: بند ٢-٢٦: (أ) منظر علوي لتعرُّج نهرِي (نير الثور). (ب) تدفق ثانوي في قطاع عرضي داخل أحد التعرجات.
الجواب: يبدأ التعرُّج بفعل الصدفة في أثناء التدفق المُعقد للنهر، إلا أنه بمجرَّد حدوث أدنى قدْر من التغير في الاتجاه يمكن لتدفق الماء تعزيز هذا التغيير فيُحْدِث انحناءً ثم حلقة. يُحدِث تدفق الماء هذه التغيرات من خلال نحْت التربة أو الصخور على طول الشاطئ وعلى طول قاع النهر. يمكن أن تكون هذه العميلة بالغة التعقيد ويمكن أن تعتمد على الظروف الخاصة بالنهر، لكن إليك هذا التفسير البسيط: يوضح شكل ٢-١٠أ منظورًا علويًّا لانحناءٍ في أحد الأنهار، ويظهر شكل ٢-١٠ب مقطعًا عرضيًّا رأسيًّا مأخوذًا من الانحناء. عندما يتدفق الماء في هذا الانحناء يميل إلى الدوَران للخارج كما لو كان قد قُذف للخارج. يتأخَّر التدفُّق في قاع النهر بسبب الاحتكاك بالقاع، ممَّا يُقلل الحركة للخارج. ولا يتأخَّر التدفُّق على السطح العلوي للنهر. ومِن ثَمَّ، فمع تدفُّق الماء مع التيار عمومًا فإنه يتبع أيضًا «تدفقًا ثانويًّا» يكون للخارج عند السطح العلوي، وللأسفل على طول الضفة الخارجية، وللداخل على طول القاع، ولأعلى على طول الضفة الداخلية. ينحت هذا التدفق الثانوي المواد في الضفة الخارجية ويُرسِّبها في اتجاه التيار على الضفة الداخلية. ومِن ثَمَّ يزيد اتجاه الانحناء للخارج مع تآكُل الضفة الخارجية تدريجيًّا.

وإذا أصبحت الحلقة كبيرة، فإنَّ النحت على طول التعاريج المؤدية للحلقة يُمكن أن يفصل الحلقة مكونًا بحيرةً قَوسية.

(٢٧) دوَران الطائر في الماء

لماذا يدور طائر الفلروب (طائر مخوض صغير) بقوة في الماء أثناء تدلِيَةِ رأسه لأسفل لينقُر في سطح الماء؟

الجواب: عندما لا تُوجد فرائس كافية على سطح الماء فإن الفلروب الطافي يدور بسرعة من خلال دفع الماء بقوة مع مد أصابع القدمَين ثم طيِّها بعيدًا وهو يقبِضُ قدَمه. تُسفر جهوده عن تدفق المياه التحتية لأعلى جالبةً معها الفرائس على السطح وتجعلها تدور في الاتجاه «المعاكس» للطائر. ينقُر الطائر الفرائس سريعًا عند وصولها للسطح، وعلى الأرجح فإنَّ أفضل النتائج تتحقق عندما يجمع التدفق فرائس من قاعٍ ضحْل نسبيًّا، ما كان الطائر ليَصِل إليه لولا ذلك.

(٢٨) صعود الماء جوانب البيضة الدوَّارة

إذا أدرتَ بيضة مسلوقة مثلما تدير لعبة النحلة الدوارة، فإنها ستقِف على أحد طرفَيْها. فلماذا إذا أدرتَها في بِركة ماء ضحلة (عُمقها بضعة مليمترات) يصعد الماء جانب البيضة قبل أن يسقط عنها؟

الجواب: في العادة عندما تُقلب الماء كما في فنجان الشاي فإن الماء يدور للخارج تاركًا تجويفًا في المركز؛ ومِن ثمَّ يدلُّ على وجود دوَّامة في هذا المكان. وعندما تدير البيضة في الماء، فإن الماء يميل للتحرك للخارج لكنه يتمسك أيضًا بالبيضة. وعن طريق صعود الجانب السفلي للقشرة المُنحنية فإنه يستطيع التمسك بالبيضة مع التحرك للخارج أيضًا. وفي نقطة مُعينة على منحنى القشرة، يبتعد الماء عن قشرة البيضة بفعل قوة الجاذبية وعدم التوازن العام. حينها يتطاير الماء في الهواء في صورة قطرات تسقط حول البيضة في دائرة.

(٢٩) نسَق تدفق الماء في صورة دائرة داخل الحوض

عند سقوط تيار ماء يتدفق بانسيابية من صنبور على حوض مسطح مفتوح البالوعة، لماذا تتكون دائرة حول نقطة التصادم يكون الماء فيها أعمق في الجزء الخارجي من الدائرة؟

fig66
شكل ٢-١١: بند ٢-٢٩: جدار ماء دائري حول نقطة تصادم التيار داخل الحوض.
الجواب: عندما يصطدم ماء الصنبور بالحوض فإنه ينتشر شعاعيًّا بمعدلٍ يُوصف بأنه «فوق حرِج»؛ لأن الماء يتحرك بمعدلٍ أسرع من قدرة الأمواج على التحرك على سطح الماء. في البداية يكون التدفق ثابتًا نظرًا لأن أي فرصة لحدوث اضطراب يجري التخلُّص منها بسرعة. إلا أنه مع انتشار الماء للخارج تُصبح آثار لزوجة الماء مهمة ويُصبح التدفق غير ثابت. هذا يعني أن التدفق اللزِج يبدأ على سطح الحوض ثم يمتد تدريجيًّا للأعلى. وعند قُطر معين من نقطة التصادم يصل التدفق اللزِج إلى السطح ويزداد عمق الماء فجأة، ويُعرف هذا التأثير باسم «القفزة الهيدروليكية» (انظر شكل ٢-١١). بعيدًا عن هذا الجدار، تكون سرعة الماء أكثر بطئًا (دون حرجة). وعلى هذا النحو فإن القفزة الهيدروليكية هي الانتقال من التدفُّق الأسرع والأكثر ضحالةً إلى التدفق الأبطأ والأعمق.

غالبًا ما تظهر القفزات الهيدروليكية في كثيرٍ من المجاري المائية الشائعة، كما يحدث عندما يتدفق الماء إلى الطريق عبْر حافة الرصيف، ومن خلال مواسير الصرف الصحي الموجودة تحت الأرض، وعبر قنوات الري المائلة. ابحثْ عن موجة ثابتة عند تدفق الماء لا سيما عند وجود عائق أمام هذا التدفق. تنشأ الموجات عند تدفق الماء على العائق أو بعيدًا عنه. معظم هذه الموجات تفقد طاقتها ببساطة وتختفي، لكن موجةً واحدة ذات طول موجي مُعين تعلو المجرى وتتحرك بسرعة تَحرُّكِ الماء في أسفل المجرى؛ ومِن ثمَّ تصبح الموجة ثابتة. إن الاضطراب المُستمر للماء الذي يسببه العائق يُغذي الموجة بالطاقة باستمرار، مما يجعلها تستمر. يمكنك أن تتأمَّل سلسلةً ثابتة من القِمَم والوديان بدلًا من الجدار الواحد الذي تراه في الحوض. يُمكن أن تمثل القفزات الهيدروليكية في المجاري السريعة الجريان مشكلة خطيرة (وربما قاتلة) عند ركوب الطوف على الأمواج؛ إذ مِن الممكن أن يصبح الطوف محصورًا عند القفزة أو قد ينقلب بسبب اضطراب الماء.

إذا وضعت بحرصٍ قطرة ماء أعلى مجرى القفزة الهيدروليكية في حوض المطبخ، فمن الممكن أن تصبح القطرة محصورة عند جدار القفزة وتظلَّ طافيةً لمدة طويلة (دون أن تندمج في الماء فحسب) بسبب استمرار مقاومة الهواء أسفلها بفعل الماء المتدفق.

ويمكن لمجرى أحد الموائع اللزِجة، مثل مانع التجمد (إيثيلين جليكول)، أن يكوِّن قفزة هيدروليكية دائرية، لكن يمكن أيضًا أن يتحوَّل تلقائيًّا إلى قفزة هيدروليكية مُضلعة ذات حوافَّ مُستقيمةٍ وأركانٍ حادة.

(٣٠) مستوى الماء في القنوات

لنفترض أنك في قاربٍ يتحرك في قناةٍ ضيقة وضحلة جدًّا. عندما تمرُّ مقدمة القارب على نقطة على جانب القناة، هل يرتفع منسوب المياه في تلك النقطة أم ينخفض؟

الجواب: عند تحرُّك القارب في القناة لا بدَّ من سحْب المياه في مقدمة القارب عبْر المساحة المفتوحة الضيقة على جانبَي القارب لتصبح خلف القارب في النهاية. ويصاحب حركة الماء تلك انحسارٌ مُستمر في الماء عند مقدمة القارب. ونظرًا لأن ضغط الماء منخفض عند الانحسار، فإن الانحسار يسحب الماء بكفاءةٍ من مقدمة القارب ويُرسلها إلى جانبَي القارب، وتُعرَف هذه العملية باسم «سَحْب المياه»؛ وعلى هذا النحو، كلما تقدَّم القارب انحسر الماء على جانبَي القناة فيما يُعرف باسم «تأثير القناة». والاختلاف الناتج في ضغط الماء ومُعدَّل التدفُّق على جانبَي القارب يمكن أن يجعل الملاحة في القناة صعبة، ونبض الضغط المُنخفِض يمكن أن يؤثر على المعدَّات على جانبَي القناة أو على الفروع المائية المُتلاصِقة.

(٣١) الأمواج المُنعزلة

في عام ١٨٣٤ شهد المهندس ومعماري البحرية البريطاني جون سكوت راسل موجةً غريبة في قناة مائية بالقُرب من إدنبرة. فقد كان هناك خيول تجرُّ أحد القوارب بسرعة في الماء، وفجأةً توقَّفت الخيول وتوقَّف القارب. رغم ذلك، لم تتوقَّف الموجة التي كانت عند مُقدمة القارب، بل استمرَّت في التقدُّم في القناة بسرعة ٤ أمتار في الثانية. تمكَّن راسل من اتباع هذه الموجة على صهوة جواده، وبلغ ارتفاعها حوالي ثُلث متر وطولها حوالي عشرة أمتار (بعرض القناة)، لمسافة تقرُب من ثلاثة كيلومترات قبل أن تغيب عن نظره في «انعطافات القناة». اندهش راسل من عدم تضاؤل المَوجة أثناء سفرِها. فإذا ضربتَ الماء في مجرًى مائيٍّ فإن الأمواج التي تصنعها تتضاءل سريعًا جدًّا ولا تستطيع بالتأكيد أن تُسافر عدة كيلومترات حتى على سطح مسطحٍ مائي عريض. فما الذي كان مختلفًا في موجة راسل؟

الجواب: إذا سار قارب في القناة بسرعةٍ أكبر من سرعة الأمواج على الماء، فإن مُقدمة القارب تميل إلى دفع الماء أمام القارب. وإذا كانت سرعة القارب أسرع قليلًا من سرعة الموجة، فإن الماء يُكوِّن العديد من القمم والأودية المُنفصلة. وإذا أسرع القارب، فإن الأودية تفيض بالماء ويصبح الماء المدفوع كتلةً واحدة بارزة تُسمَّى «الموجة المُنعزلة» أو «السوليتون».

رأى راسل موجة منعزلة انطلقتْ من القارب عندما توقف فجأة. وعلى الرغم من أن الحسابات الرياضية الخاصة بهذه الموجة تُشتَهر بالصعوبة، فإن الموجة المنعزلة نفسها بسيطة. في العادة تخضع الموجات المُرسَلة عبْر الماء إلى التصنيف وفقَ الطول المَوجي، وتُعرَف هذه العملية بالتشتُّت؛ ولذلك، إذا أرسل الارتطام مجموعة أمواج مختلفة في الطول الموجي، فإن الأمواج تتشتَّت وتتلاشى أيضًا مع المسافة. أما في حالة الموجة المنعزلة، فإن اضطراب مستوى الماء يزيد بفعل الموجة نفسها؛ مما يمنع التشتُّت، ومن ثَمَّ تحتفظ الموجة بشكلها. في الواقع، من المُفترض أن تسافر الموجة المنعزلة لمسافةٍ طويلةٍ جدًّا لأنها تفقد طاقتها تدريجيًّا بفعل انخفاض لُزوجة الماء (الاحتكاك الداخلي).

وفي الموجة العادية يتحرك جزء من الماء في مسارٍ دائري أو بيضاوي، لكن لا ينتقل في اتجاه حركة الموجة. على سبيل المثال، إذا ضربتَ الماء لإرسال الأمواج في بحيرة، فإن الموجات فقط، وليس الماء، هي ما يتحرك على سطح البحيرة. أما الموجة المنعزلة فمختلفة لأنها «تنقل» الماء بالفعل. ولتوضيح ذلك، جعل راسل قوارب كثيرة تجرُّها الخيول تُرسِل موجاتٍ مُنعزلةً على طول إحدى القنوات. ووجد راسل أن عُمق الماء زاد عند طرف القناة البعيد وانخفض (بالقدر نفسه) عند الطرف القريب.

(٣٢) أمواج المد

عندما يدخل المدُّ ثم يغمر أنهارًا مُعينة، لماذا تُكَوِّن المياه الداخلة جدارًا مضطربًا يُطلَق عليه «موجة المد»، التي يُمكن أن تزيد عُمق المياه للغاية أثناء تجاوزها نقطةً معينة في النهر؟ في بعض الأنهار (مثل نهر سيفرن في إنجلترا) وفي بعض المناسبات (عندما يكون المد مناسبًا)، يمكن أن تكون الموجة التي تكتسح النهر مرتفعةً بدرجةٍ كافية تجعل المُتزلِّجين على الأمواج يركبونها لمسافة عدة كيلومترات.

ولوقتٍ طويل قبل أن يُصبح ركوب الأمواج رياضةً كان الصيادون يضعون قواربهم عادةً عند مَصبِّ النهر ليحصلوا على ركوبةٍ إلى أعلى النهر على ظهر موجة المَد. من الواضح أن هذا الاستخدام كان غير معروف لقادة وطواقم سفن البحرية الملكية التي استكشفت نهر تشيانتانج في الصين عام ١٨٨٨. ذاتَ ليلةٍ بينما كانت السفن راسيةً في النهر، سمعَت الطواقم دويًّا هائلًا. وبعد حوالي ثلاثين دقيقة، أسرتْ موجةُ مدٍّ السفنَ وحملتها ضدَّ التيار لمسافةٍ تقرُب من كيلومتر رغم تشغيل محركات السفن بكامل طاقتها لمواجهة الحركة. كان الدويُّ ناتجًا عن اضطراب موجة المد، ذلك الاضطراب الذي كان من الممكن أن يقلِب السفن.

الجواب: يُمكن أن تَحدُث موجة المد عندما تتدفق كمية كبيرة من الماء ضد تيار النهر مُكوِّنةً إما جدارًا مائيًّا مضطربًا واحدًا أو سلسلة انسيابية قصيرة من القِمَم والوديان. والشروط المثالية لموجة المد هي: (١) اختلافات كبيرة في ارتفاع ماء المدِّ في المُسطَّح المائي الذي يصبُّ فيه النهر. (٢) يجب أن يكون النهر ضحلًا، له جوانب مُنحدِرة ومصبٌّ يُشبه القُمع. بينما تُدفَع الأمواج ذات الطول الموجي الطويل والموجودة في الماء الأعمق إلى الماء الضحل في المصبِّ ثم إلى النهر، يُكوِّن الماء جبهة أو جدارًا. في «القفزة الموجية» تزداد القِمم والوديان في الارتفاع والعمق وتصبح مُقدِّمة القِمم أكثر انحدارًا إلى أن تغمر القِمَم الوديان. والنتيجة هي تَكوُّن جدار مائي واحد أو تَموُّجٍ مائي يُطلق عليه «الموجة المنعزلة»، التي تتحرك ضد التيار معاكسةً لتدفُّق النهر العادي. ومن الأمثلة التاريخية لهذه الموجة، سقوط ابنة كاتب القرن التاسع عشر الشهير فيكتور هوجو من فوق قاربها في نهر السين الأدنى بسبب موجة مدٍّ لزجةٍ مفاجئة، وغرقتْ بسبب عدم قُدرتها على السباحة.

(٣٣) المدُّ والجزْر

ما الذي يُسبِّب المد والجزر؟ لماذا يحدث في بعض المواقع الشاطئية ذروتَا مدٍّ يوميًّا ويحدُث في المواقع الأخرى ذروة واحدة فقط؟

الجواب: إليكم جوابًا بسيطًا؛ السبب الرئيس للمد والجزْر هو تأثير قوة جاذبية القمر على مُحيطات الأرض، على الرغم من أن تلك القوة ليست كافية لرفع المياه. ونظرًا لاختلاف هذه القوة عبْر سطح الأرض (فهي أقوى على الجانب المُواجِه للقمر، وأضعف عند الجانب المُقابل)، فإن هذه القوة تُعيد تشكيل توزيع المياه من خلال بسطها بصورة موازية للخط الذي يربط الأرض بالقمر. ويُسفِر البسط عن نتوءَين في توزيع الماء؛ أحدهما على الجانب المُواجه للقمر، والآخر على الجانب المُقابل. لو لم تكن الأرض تدور لأصبح مستوى الماء في أي موقعٍ شاطئي عند النتوء المُواجِه للقمر عاليًا (مد) طوال اليوم، وسيحدُث المِثل أيضًا في الموقع الموجود عند النتوء المُقابل. إلا أن دوران الأرض يعني أن أيَّ موقعٍ شاطئي يدور ما بين كِلا النتوءَين في يومٍ واحد تقريبًا؛ ومِن ثَمَّ سوف يشهد ارتفاع الماء مرَّتَين.

وتُوجَد بعض العوامل التي تزيد الأمر تعقيدًا؛ فالنتوءات ليست موجودةً على نحوٍ دقيق تمامًا على خطٍّ يربط بين الأرض والقمر؛ لأنَّ حركة الماء تشهد احتكاكًا داخل الماء ومع حوافِّ الشواطئ. هذا الاحتكاك يؤخِّر استجابة الماء للبسط الصادر عن القمر. وبهذا فإن نقطة المد العالي في مدينة ساحلية قد تحدُث بعد ساعة أو أكثر من وصول القمر إلى أعلى نقطة في السماء. على سبيل المثال، تتأخَّر نقطة المد العالي في بحر المانش لساعاتٍ كثيرة لأن حركة الماء تجد مقاوَمة كبيرة.

ويُوجَد عامل تعقيد آخر يتمثل في أن قوة جاذبية الشمس تميل أيضًا إلى بسط توزيع الماء. إلا أن تأثير الشمس يقلُّ عن نصف تأثير القمر بشكلٍ تقريبي. وعلى الرغم من أن الشمس أكبر كثيرًا من القمر، فإنها أبعد كثيرًا عن الأرض. وعندما يكون القمر محاقًا وبدرًا، تكون الشمس والقمر على استقامةٍ واحدة ويُطلَق على تأثير الجاذبية المجتمِع للشمس والقمر، الذي يُسفر عن فائضٍ في المدِّ والجزْر، اسم «المد والجزر التام». وعندما تفصل بين اتجاه الشمس والقمر زاويةٌ مقدارها ٩٠ درجة، ينتج عن تأثير جاذبية الشمس والقمر معًا «المد والجزر الناقص». وبسبب عوامل التعقيد المختلفة، من المُمكن أن تشهد بعض المواقع الشاطئية مدًّا وجَزرًا واحدًا ملحوظًا يوميًّا.

(٣٤) المدُّ والجزْر في خليج فندي

ظاهرة المدِّ والجزر في خليج فندي (نوفا سكوشا، كندا) مُثيرة للغاية؛ ففي بعض الأحيان يصل نطاق الفرق في منسوب المياه بين أدنى مستويات الجزْر وأعلى مستويات المدِّ إلى ١٥ مترًا خلال ساعات قليلة. فلماذا يمكن أن يكون نطاق المدِّ والجزْر كبيرًا لهذه الدرجة في هذا المكان ولا يكون كبيرًا لهذه الدرجة في أماكن أخرى؟

الجواب: يمكن أن تجعل الماء الموضوع في حوض يتذبذب (يهتز) إذا ضربْتَه (ضخَخْتَه) بمجدافٍ بانتظام. وستحصل على أقوى ذبذباتٍ إذا ضبطتَ وقت الدفع بحيث تحدث كل ضخَّة في كل مرة يكون فيها الماء في أعلى نقطة عند أحد طرفَي الحوض. بهذا التوقيت يمكن القول إنك تضخُّ الماء على نحوٍ «موافق للرنين»، ويمكن القول إن الفاصل الزمني لضخِّ الماء يوافق «زمن الذبذبة» في الحوض.

ويمكن أيضًا أن يتذبذب الماء في الخليج في حالة ضخِّه على نحوٍ موافق للرنين. فعلى سبيل المثال، تميل تأثيرات المدِّ والجزر الصادرة عن القمر إلى إحداث ذبذبات في الخليج؛ وهو ما يجعل الماء يهتز. إلَّا أنَّ الذبذبات في معظم الخلجان تكون صغيرة لأن وقت تأثيرات المد والجزْر لا يتوافق مع زمن الذبذبة في الخليج. أما خليج فندي فهو مختلف؛ لأن زمن الذبذبة فيه يعادل ١٣٫٣ ساعة، وهو قريب على نحوٍ معقول من الزمن الفاصل بين نتوءات المد والجزْر الذي يبلغ ١٢٫٤ ساعة؛ ولهذا تكون حركة الماء في الخليج شديدة.

وتُشير السجلات التاريخية إلى أن اختلافات المد والجزر في خليج فندي قد زادت تدريجيًّا لأن زمن الرنين في الخليج تغيَّر تدريجيًّا ليقترب من زمن تَغايُر المد والجزر. ويمكن أن يكون هذا التغيُّر ناتجًا عن تغيُّراتٍ في شكل الخليج بسبب زيادة منسوب البحر.

(٣٥) الماء الميِّت

في رحلةٍ في القطب الشمالي في أغسطس ١٨٩٣ صادفَتِ السفينة «فرام» ما يُطلَق عليه حاليًّا «الماء الميِّت» في الساحل الشمالي لسيبيريا. كانت السفينة تستطيع التحرُّك بسرعة ستِّ أو سبع عُقدات، لكنها في الماء الميِّت لم تستطِع التحرُّك إلا بسرعة ١٫٥ عقدة فقط، على الرغم من هدوء كلٍّ من الماء والطقس. بالإضافة إلى ذلك، كانت السيطرة على السفينة قليلة، واضطُرَّ القبطان في واقع الأمر إلى السير في حلقات تفاديًا لمنطقة الماء الميت. لم يكن الماء مختلفًا من الناحية الشكلية عن بقية ماء المُحيط المُمتد. فما الذي سبَّب انخفاض السرعة وفقدان السيطرة على الدفة؟

الجواب: يتكوَّن الماء الميت عندما تعلو طبقةٌ من الماء العذْب نسبيًّا الماءَ المالح، ويمكن حدوث ذلك عندما يصب أحد الأنهار في مياه المحيط. تُوجَد واجهتان؛ هما واجهة الهواء والماء العذب، وواجهة الماء العذب والماء المالح، وكلٌّ منهما تلعب دورًا. في المعتاد، يتسبَّب قدْر كبير من طاقة مُحرك السفينة في إحداث موجات على أولى هاتَين الواجهتَين، ولتفكر في عملية إنتاج الموجات باعتبارها نوعًا من المقاومة الواقعة على السفينة. في الماء الميت، تُنتج السفينة مجموعتَين من الأمواج، مجموعة على كلِّ واجهة، ومن ثَمَّ تزيد المقاومة كثيرًا. وكلما حاولَت السفينة التحرُّك بسرعة، زادت سرعة تسرُّب طاقتها إلى «الموجات الداخلية»، كما يُطلَق عليها، في واجهة الماء العذب والماء المالح.

تُوجَد مقدمة السفينة فوق القمَّة الأولى في الموجة الداخلية. ويتحرَّك الماء أسفل هذه القمة في الاتجاه المعاكس للسفينة، فيقاوم حركة السفينة. ونتيجة لطول السفينة «فرام» فقد كانت دفَّتها أيضًا فوق قمَّة الموجة الداخلية؛ ومن ثَمَّ لم تكن الدفة ذات فائدة كبيرة في توجيه السفينة.

(٣٦) الأعاصير القُمعيَّة

يمكن أن تحدُث الأعاصير القُمعية في أماكن كثيرة في العالم، لكنها تهديد شِبه مُستمر في منطقة واسعة بمنتصف الولايات المتحدة الأمريكية يُطلق عليه «مجاز الأعاصير القُمعية». تُثير هذه الأعاصير الانبهار والخوف في كلِّ من يراها أو يختبئ منها؛ لأنها مزيج من الجمال والشرِّ في الوقت نفسه.

ما الذي يُسبب الأعاصير القُمعية، ولماذا تحدُث على نحوٍ متكرر في مجاز الأعاصير القُمعية؟ هل يدمر الإعصار القُمعي المنازل بدفع جدرانها للداخل أم بسحبها للخارج؟ هل تستطيع رياح الأعاصير القُمعية أن تغرس قشَّة في الخشب فعليًّا كما تزعم أحيانًا الصحف الشعبية؟

الجواب: الإعصار القُمعي هو دوَّامة هوائية يمكن أن تتكوَّن في عاصفة مُمتدة ينزلق فيها الهواء الدافئ الرطب أسفل الهواء البارد الجاف، وتتحرك كتلتا الهواء في اتجاهَين مُتعاكسَين. عندما يصعد الهواء الدافئ عبْر الهواء البارد ويبدأ بخار الماء في تكوين قطرات ماء ينطلق قدر كبير من الطاقة الحرارية بسبب التحوُّل من الحالة البخارية إلى الحالة السائلة. تؤدي حركة الهواء المُعقدة (كتلتان هوائيتان تتحركان في اتجاهَين مُتعاكسَين وهواء يرتفع لأعلى بسرعة) إلى «رياح القص» حيث يصبح للتدفُّقات الهوائية المجاورة سرعات واتجاهات شديدة الاختلاف. وبطريقة غير مفهومة جيدًا، فإنَّ هذه الظروف يمكن أن تؤدي إلى الدوَران ثم إلى حدوث الإعصار القُمعي. وعلى الرغم من إمكانية مُحاكاة هذه الأفعال على أجهزة كمبيوتر كبيرة، فإن المُحاكاة لا تكشف عن جواب بسيط عن سبب حدوث الإعصار القُمعي أو كيف تُولِّد الأعاصير القُمعية الكبيرة هذا القدْر الهائل من الطاقة.

ولا تُرى الأعاصير القُمعية إلا إذا التقطت الأتربة وأجزاء الحطام من الأرض ورفعتها عاليًا عبْر القمع، أو تسببت في تكثيف كبير للماء في صورة قطرات مائية. والأعاصير الأكبر حجمًا تتركَّب على الأرجح من عدة دوَّامات مُتزامنة؛ إذ تدور دوامات عديدة أصغر حجمًا حول دوامة مركزية أكبر. وللأعاصير أشكال مختلفة؛ فمنها ما يُشبه الأقماع أو الأعمدة أو الحبال (الثعابين). وبعض الأعاصير القُمعية شِبه عمودية، والبعض الآخر يمتدُّ أفقيًّا قبل أن ينزل لأسفل. ويبدو أنَّ كل الأعاصير تتحرَّك عشوائيًّا، فهي تضرب أماكن مُتباعدة في الريف تاركةً ندبات كبيرة على الأرض.

وعلى النقيض من الاعتقاد الشائع، فإن خطر الإعصار القُمعي الذي يُهدِّد المنازل لا يتمثل في الانخفاض المفاجئ في ضغط الهواء خارج المنزل الذي قد يؤدي إلى انفجار الجدران للخارج. فضغط الهواء لا ينخفض كثيرًا في واقع الأمر. ولذلك، في حالة اقتراب الإعصار القُمعي لا تُهدِر وقتًا في فتح النوافذ آملًا أن يكون ضغط الهواء الداخلي مُساويًا لضغط الهواء الخارجي، بل اركض واختبئ! قد يكون القبو أفضل ملاذ، أما في حالة عدم وجوده فسيكون الحمَّام ودرعه الجزئي المُتمثل في حوض الاستحمام والمواسير أفضل ملاذ.

أما الخطر الذي يتهدَّد المنزل فهو الرياح عالية السرعة المُحيطة بالإعصار القُمعي. فبمجرَّد هبوب الرياح على حواف سقف المنزل يمكنها أن تقتلعه. ومع ضياع السلامة الهيكلية للمنزل سوف تهبُّ الرياح دافعةً الجدار المُواجه لها للداخل وسوف تهبُّ على الجدران الثلاثة الأخرى وتجعلها تبرُز للخارج. وعلى النقيض ممَّا تراه في فيلم «ساحر الأوز» فمن غير المُحتمَل أن يقتلع الإعصار القمعي المنزل بالكامل وأن ينقله. بل الأرجح هو تَحطُّمه ونَقْل أنقاضه لتُستخدَم على الأرجح كشظية لتدمير منزل قريب. وإذا لم يتحطم المنزل، فمن الممكن أن يدور في نهاية المطاف حول نقطة ارتكاز، ستكون مواسير الحمَّام على الأرجح، بحيث تنتهي به الحال في اتجاهٍ جديد.

يمكن أن تكون رياح الإعصار القُمعي قوية لدرجة كافية لغرس قشة في الخشب أو لغرس عصًا خشبية في أنبوب من الصلب. وفي المُحاكاة المُختبرية لرياح الأعاصير القُمعية، اخترقت الشظايا وخِلال الأسنان وقش المقشة أنواعًا مختلفة من الأهداف الخشبية بعد إطلاقها من مدفع هوائي.

قصة قصيرة

(٣٧) النظر إلى الإعصار القُمعي

قليل من الناس نجَوا من تجربة النظر إلى قُمع الإعصار القمعي. وأدقُّ وصفٍ مُسجل لهذه التجربة أدلى به النقيب روي إس هول الذي ضرب الإعصار القُمعي بيته في مايو ١٩٤٨؛ فبعد اقتلاع سقف المنزل واندفاع بعض الجُدران إلى الداخل، صار هول قادرًا على رؤية منزل جاره وشعر بالاطمئنان؛ لأنَّ منزله لم يَطِرْ في الهواء كما كان يخشى كثيرًا. ورغم ذلك، رأى بعدها شيئًا مريعًا؛ فعلى بُعد ٢٠ مترًا تقريبًا هبط شيء حتى ارتفاع ستة أمتار تقريبًا فوق الأرض وحلَّق في تذبذبٍ رأسي بطيء. كان هذا الشيء مُنحنيًا وسطحه المُقعَّر مواجهًا له. وأدرك حينها مصدومًا أن هذا الشيء المُحلِّق كان السطح الداخلي لقُمع الإعصار، وأنه «كان داخل القمع»!

وعندما نظر لأعلى داخل القمع بدا أنه يمتدُّ لألف قدَم ويتأرجح ويميل تدريجيًّا. كان يضم منطقة مركزية ساطعة تلمع مثل مصباح الفلورسنت. وكلما انحنى القمع تكونت الحلقات على طوله. وعندما وجد هول أن داخل القمع لا يسحَب شيئًا لم يجد غضاضة في التنفُّس (وهو ما يعني أن ضغط الهواء لم يكن منخفضًا بطريقة ملحوظة)، وتعجَّب من الصمْت التام (على النقيض من الدَّويِّ الشديد الذي يحدث مع اقتراب الإعصار القُمعي). وفجأة ابتعد القمع وخرجت أسرة هول من المخبأ ووجدته.

(٣٨) الشواهق المائية والسُّحُب القُمعية

ما الذي يُسبب الشاهقة المائية، وهي تلك الدوَّامات الكبيرة التي نراها فوق الماء؟ لماذا يمكن أن تنجو بعض القوارب أحيانًا عند مُقابلة الشاهقة المائية؟

الجواب: تتكوَّن الشاهقة المائية عادةً فوق الماء الذي يكون فيه سَحْب قوي لأعلى محاطًا بمنطقة سَحْب لأسفل. يلتقط الهواء المُنجذِب للسحب لأعلى الرطوبة والطاقة الحرارية من الماء في الأسفل، وعندما يصعد في القُمع يكون أكثر دفئًا ورطوبة من الهواء المُحيط. ونظرًا لأنَّ الهواء أكثر دفئًا، فإنه يندفع لأعلى، لكن بعدها تبدأ الرطوبة في التكثُّف في صورة قطرات. يُطلِق هذا التغيُّر الكثير من الطاقة الحرارية التي تزيد من دفء الهواء وتزيد من اندفاعه لأعلى. هذه العملية هي «المحرك الحراري» الذي يقود الشاهقة المائية. يهبط الهواء في المنطقة المُحيطة، لا سيما الهواء الذي أصبح باردًا بفعل المطر، ليحلَّ مَحلَّ الهواء الذي صعد إلى القُمع. وعلى الرغم من أن الشاهقة المائية تُشبِه الإعصار القُمعي وتُوصَف غالبًا بأنها إعصار قُمعي ضعيف، فإن المحرك الحراري الذي يقودها وعدم اتِّزان الهواء الذي يُسفر عن السَّحْب لأعلى يُعدَّان أكثر شبهًا بنظيرَيْهما في الدوَّامة الترابية.

وعلى الرغم من أن القوارب تنجو في الغالب من الشواهق المائية الضعيفة، فإن الشواهق المائية الأكبر يُمكن أن تلحق ضررًا كبيرًا بقاربٍ متوسط الحجم ويمكن أيضًا أن تقلبه بسهولة. والشواهق المائية الأكبر حجمًا هي على الأرجح المسئولة عن قصص الأسماك التي تهطل من السماء؛ إذ تستطيع الشاهقة المائية سَحْب قدرٍ كبير من الماء والأسماك لأعلى قبل أن تنتقل للأرض حيث تفقد طاقتها الحرارية وتتبدَّد وتسقط حمولتها.

وتكون النهاية السُّفلية مُحاطة ﺑ «غلاف من الرذاذ» يتمثل في أسطوانة رذاذ مُكتنزة دوَّارة. والثلث الأسفل من القُمع مرئي إلى حدٍّ بعيد بسبب الماء المسحوب لأعلى إلى القمع، ويمكن رؤية بقية القُمع إذا تكثَّف بخار الماء إلى قطرات يُمكنها بعد ذلك تشتيت ضوء الشمس.

(٣٩) الدوَّامات الترابية والدوَّامات الضبابية والدوَّامات البخارية

الدوامات الترابية هي زوابع تظهر غالبًا في المناطق الحارة، لكنها تظهر أيضًا على سطح كوكب المريخ البارد. تُصبح هذه الدوَّامات مرئية بسبب التراب والقاذورات والفضلات الأخرى التي تلتقطها من الأرض ثم تحملها لأعلى. كثير من الدوَّامات الترابية صغير وغير ضار، لكن بعضها يبلغ ارتفاعه كيلومترًا تقريبًا وتكون كبيرة لدرجة تكفي لحمل حيوانات صغيرة (أو ربما أطفال). والدوَّامات الترابية على سطح المريخ أكبر حجمًا، وقد يصل ارتفاعها إلى ستة كيلومترات.

والدوَّامات الضبابية زوابع يمكن أن تظهر في الضباب، والدوَّامات البخارية زوابع يمكن أن تظهر على الماء في الأيام الباردة. وكلتاهما تستمرُّ لفترة وجيزة ولا تسبب ضررًا.

فما الذي يُسبب هذه الأنواع من الزوابع؟

fig67
شكل ٢-١٢: بند ٢-٣٩: هواء ساخن يتدفَّق على أرضٍ ساخنة ثم يتلوَّى صاعدًا لأعلى. وينزل الهواء البارد لأسفل.
الجواب: تنتُج هذه الأنواع المختلفة من الزوابع بسبب الوضع غير المُستقر الذي فيه يعلو الهواء البارد الهواءَ الدافئ. على سبيل المثال، يمكن أن تحدُث الدوَّامة الترابية عندما يُسخِّن ضوء الشمس الساطع الأرضَ بشدَّة؛ ومِن ثمَّ يسخن طبقة الهواء الرقيقة التي تعلو الأرض. هذا الهواء الساخن (مُنخفض الكثافة) من المُفترَض أن يرتفع بعيدًا عن الأرض، لكن في حالة عدم وجود رياح في المنطقة أو وجود رياح خفيفة، يرقد الهواء البارد كالدثار فوق طبقة الهواء الساخن. يُصبح الوضع غير مُستقر، ويمكن أن يتسبب ركضُ أرنبٍ يمرُّ عبْر المنطقة في إثارة انفجار علوي من الهواء الساخن. بعد ذلك، يتدفَّق الهواء الساخن عبْر الأرض إلى نقطة الانفجار، ويدور في دوَّامة في حين يدخل عمود الهواء الساخن الصاعد؛ وهذا ما يُطلَق عليه الدوَّامة الترابية (انظر شكل ٢-١٢). هذا الالتواء يُمكن أن يكون في اتِّجاه عقارب الساعة أو عكس اتجاه عقارب الساعة؛ فالأمر يعتمِد على التدفُّق فوق الأرض والعقبات التي يُقابلها. وفي المنطقة المُجاورة ينزل الهواء البارد ليَحلَّ محلَّ الهواء الساخن الذي فُقد في الدوامة الترابية.

يمكن أن تنتقل الدوَّامة الترابية من الأرض إلى الماء، لكن إن لم تلتقط الكثير من الماء فقد يكون من الصعب رؤيتها، وسيكون الدليل الوحيد على وجودها هو الحافة الدائرية التي تكوِّنها على الماء.

يمكن أن تحدُث الدوامة الضبابية عندما يرتفع الضباب من العشب الرطب الواقع تحت ضوء ساطع؛ فالعشب يُسخِّن الهواء الذي يعلوه مباشرةً، ثم يبدأ هذا الهواء في الصعود على نحوٍ شبيه بصعود الهواء الساخن في الدوامة الترابية. إلا أن الرطوبة الموجودة في الهواء تتكثَّف لتُكوِّن قطرات، وتطلق هذه العملية قدْرًا كبيرًا من الطاقة الحرارية وتجعل الهواء الساخن يرتفع بسرعة أكبر. أما الدوَّامة البخارية فيمكن أن تحدث فوق الماء عندما تكون درجة حرارة الهواء أقل من درجة التجمُّد وتكون درجة حرارة الماء فوق درجة التجمُّد. عندئذٍ يكون الهواء المجاور للماء أكثر دفئًا عن الهواء الذي يعلو الماء، وهذا موقف عدم اتزان.

قد تتمكن من صنع دوَّامات بخارية مُصغرة في يوم بارد الطقس؛ فكل ما عليك هو وضع إناء واسع أسفل النافذة وملؤه بماء شديد السخونة. بعد ذلك افتح النافذة بحيث يتدفَّق الهواء البارد الكثيف من النافذة وعبر الماء. سيتصاعد الهواء الساخن وبخار الماء الصادر عن الماء لأعلى عند دخولهما مجال الهواء البارد؛ لأن الهواء البارد أكثر كثافةً، ولأن بخار الماء يبدأ في التكثُّف مُطلِقًا طاقةً حرارية. كما يندفعان أيضًا أفقيًّا بفعل تدفُّق الهواء البارد. وقد تُسفِر الحركة الرأسية والأفقية المُجتمعة، بالإضافة إلى بعض الاضطراب، عن دوَّاماتٍ سريعة الزوال تُصبح مرئية بسبب تكثُّف قطرات الماء.

(٤٠) الدوَّامات الحلقية

كيف يُطلِق المُدخِّن حلقة دخان؟ لماذا تتمدَّد حلقة الدخان إذا اقتربت من الجدار؟ كيف يُنتِج الدولفين حلقة هواء مُشابهة في الماء؟

الجواب: الحلقة الدخانية هي «دوامة حلقية» صادرة عن طريق نفثٍ قويٍّ من فمٍ مليء بالدخان. عندما ينطلق الدخان والهواء عبْر فتحة الفم الدائرية، يميل التدفق قُرب الشفاه إلى التباطؤ بسبب الاحتكاك؛ ومِن ثمَّ يسبِقُه التدفق عبر مركز الفتحة. يتسبَّب هذا في جعل التدفُّق ينحني للخارج حول الشِّفاه، ومن ثَمَّ تبدأ حركة الدوَّامة. في هذه الحالة يعمل الدخان عمل «المادة الكاشفة» بحيث يجعل حركة الهواء مرئية.

وإذا اقتربت الحلقة الدُّخانية من الجدار، فإن احتكاك تدفُّق الهواء بالجدار يجعل الحلقة تتمدَّد. ويقلُّ مُعدَّل الْتِواء الهواء على نحوٍ شبيهٍ بانخفاض مُعدَّل دوران المُتزلِّج على الجليد حول نقطةٍ ما عندما يَفرد ذراعَيه للخارج.

يُحبُّ الدولفين أيضًا اللعب بالدوَّامة الحلقية، ويُمكن أن يُنتِج واحدةً بعدَّة طُرق. إليكم الطريقة الأكثر شيوعًا على الأرجح، وفيها يسبح الدولفين على جانبه وهو يُقلِّب زعنفة الذيل الرأسية (في هذه اللحظة) من جانبٍ إلى آخر. أثناء تحرُّك الزعنفة في الماء يتباطأ التدفُّق المُجاور للزُّعنفة بفعل الاحتكاك، فيؤدِّي إلى حركةٍ مُنحنية تتطوَّر إلى دوَّامة حلقية على مُسطح رأسي. ينقلب الدولفين ويُوجِّه فتحة النفْث إلى الدوَّامة الحلقية، وينفُث الهواء في قلب الدوَّامة حيث يتوزَّع سريعًا عبْر الدوامة. يؤثر الهواء على طفو الدوامة ويعمل أيضًا عمل المادة الكاشفة. قد يلعب الدولفين بالدوَّامة عن طريق تعقُّبها، والسباحة داخلها وإنتاج دوَّامة حلقية أخرى للتفاعل معها، أو قد يكسر جزءًا منها فيلتف مُكوِّنًا دوامة حلقية فرعية أصغر.

fig68
شكل ٢-١٣: بند ٢-٤٠: حلقة دخان مُتعقِّبة تمرُّ خلال حلقة دخان قائدة.

في حُجرة الدراسة يُمكن تكوين الدوامة من خلال «المدفع الهوائي»، وهو عبارة عن صندوق به فتحة دائرية في المقدمة وغطاء مرن (مثل كيس القُمامة البلاستيكي) موضوع على الظهر المفتوح نوعًا ما. عند سحْب الغطاء المرِن للخلف وإطلاقه فإنه يدفع تيَّار هواء من خلال الفتحة الدائرية. وكما هي الحال مع نفْث حلقة الدخان، فإن التدفق يُكوِّن دوامة حلقية لكن دون مساعدة المادة الكاشفة. وباستخدام المدفع الهوائي يمكن أن تفاجئ شخصًا في الغرفة حين يرى دوَّامة حلقية كبيرة تقترِب منه دون سابق إنذار.

يمكن تكوين الدوَّامة الحلقية أيضًا من خلال إسقاط قطرة في مائع من نوعها أو في مائع يمكن أن تختلط به. مع ارتطام القطرة واختراقها للمائع فإنها تُكوِّن دوامة حلقية. ومن السهل رؤية هذا التكوُّن إذا كانت القطرة تحتوي على كميةٍ صغيرة من الصباغ.

وإذا تَبِعَت دوامةٌ حلقية دوامةً أخرى، وكانتا مُتمركزتَين نسبيًّا على المحور نفسه، فإنَّ الدوامة المُتعقِّبة يمكن أن تلحق بالدوامة القائدة. واعتمادًا على الظروف، من الممكن أن تندمج الدوَّامتان لتُكوِّنا دوامةً واحدة أو يمكن أن تلعبا اللعبة التالية (انظر شكل ٢-١٣)؛ إذ تتقلَّص الدوَّامة المُتعقِّبة وتدور بمعدل أسرع في حين تتمدَّد الدوَّامة القائدة وتدور بمعدَّل أبطأ. بعد ذلك تمرُّ الدوامة المُتعقِّبة عبر الدوامة القائدة وتُصبح القائدة الجديدة. ويمكن أن يحدُث هذا التبادل المُتخطي مرات عديدة. يمكنك أن ترى تخطيًا مُماثلًا إذا أسقطتَ قطرة ثانية في سائلٍ سريعًا بعد دخول القطرة الأولى في السائل. وإذا تحوَّلت كلُّ قطرة إلى دوَّامة حلقية، فإن الدوامة الثانية لا بدَّ أن تمرَّ خلال الدوَّامة الأولى.

(٤١) السيفون والمراحيض

كيف ينزل السائل من وعاءٍ على النحو الذي يحدُث مع ماء السيفون (انظر شكل ٢-١٤)؟ أي لماذا يصعد السائل إلى أعلى الأنبوب الموجود داخله؟ وبصفةٍ خاصة، هل ضغْط الهواء في السائل يدفعه أعلى الأنبوب؟ ما الذي يُحدِّد ارتفاع صعود السائل؟ لماذا يجِب أن يكون طرفُ الأنبوب الحُرُّ أقصرَ من الطرف الموجود داخل الوعاء؟
الجواب: لبدء طرْد المياه لا بدَّ من ملء الأنبوب المُتدلِّي على جدار الوعاء بالسائل بالكامل. (ربما يكون قد مُلِئ عن طريق كرة ضغط تسحب السائل لأعلى قمَّة الأنبوب.) وعلى الرغم من أن السائل يتدفَّق ولا يمتلك قوام المادة الصُّلبة، فإنه مُتماسك. أي إنَّ كل جزءٍ ينجذب إلى الأجزاء المجاورة. عندما يبدأ السائل في جزء الأنبوب المُتدفِّق لأسفل في النزول من الأنبوب، تبدأ الأجزاء القريبة من القمة في سحب الأجزاء الأخرى عبْر القمَّة، وهذا يسحب أجزاءً أخرى عاليًا إلى القمَّة. الأمر برُمته يُشبه وجود سلسلة داخل الأنبوب. فما دام جزء السلسلة خارج الوعاء أطول من الجزء الموجود داخل الوعاء فسوف تسحب الجاذبية السلسلة لأعلى الأنبوب وتمرُّ عبرَه لتنزل منه.

وعلى النقيض من الاعتقاد الشائع، فإن الضغط الجوي «لا يدفع» السائل لأعلى الأنبوب. في الواقع، إذا تغيَّر الضغط الجوي فإنَّ عملية انتقال الماء لن تتأثر.

fig69
شكل ٢-١٤: بند ٢-٤١: أنبوب انتقال السائل في السيفون.

عند انتقال السائل عبْر الأنابيب يُقال إنه تحت ضغط «إجهاد الشد»؛ نظرًا لأنَّ أيَّ جزءٍ من السائل في جزء التدفُّق لأعلى يسحب لأعلى ولأسفل في الوقت نفسه. ومن المُثير للدهشة أن الماء يمكنه مقاومة إجهاد الشدِّ لدرجة مُعينة، وعند تجاوز هذه الدرجة فإن الماء يُكوِّن فجأةً تجاويف ويتبخَّر من خلالها. يمكن زيادة ارتفاع السيفون إلى أن يحدُث انتقال السائل في أعلى الأنبوب. وعندما تقطع تجاويف الهواء استمرارية تدفُّق الماء، فإن انتقال الماء يتوقَّف ويتسرَّب الماء ببساطة من الأنبوب.

وسوف يتوقَّف انتقال السائل عبْر الأنابيب أيضًا إذا تسلَّل الهواء إلى جزء التدفُّق لأعلى، وتجمَّع في الأعلى وقطع استمرارية تدفُّق الماء. ويحدُث هذا النوع من المقاطعة في المرحاض العادي. عندما يُصَبُّ الماء إلى قاعدة المرحاض من الخزَّان فإن الضغط الزائد في قاعدة المرحاض يدفع الماء إلى ماسورة التصريف؛ مما يُشكِّل أنبوبًا لانتقال الماء. ثم ينتقل الماء وما فيه إلى الماسورة إلى أن يُصَرَّف الماء الموجود في قاعدة المرحاض على نحوٍ شِبه كامل. بعد ذلك يُمكن أن يُكوِّن الهواء فقاقيع في السيفون فيقطع استمرارية تدفُّق الماء في أعلى السيفون ويمنع عملية انتقال السوائل عبْر الأنبوب. عادة يستمرُّ ماء الخزان في دخول قاعدة المِرحاض لعدَّة دقائق أخرى، لكن هذا لا يكفي لإعادة بدْء عملية انتقال السائل عبْر الأنبوب. ورغم ذلك، فإنه يعمل كعازلٍ للروائح التي يُمكن أن تتسرَّب إلى الوعاء من ماسورة التصريف.

(٤٢) السَّحالي التي تسير على الماء

كيف تستطيع سحلية البازيليسق الجري على الماء دون أن تغُوص فيه؟ ليست السحالي الصغيرة الخفيفة الوزن هي وحدَها القادرة على الهروب من مُفترسيها بهذه الطريقة، لكن السحالي البالغة الأكبر والأثقل وزنًا تستطيع فِعل ذلك أيضًا.

الجواب: أثناء الجري تبدأ خطوة القدَم عندما تضرب السحلية قدَمها في الماء. يَصدر عن هذه الضربة قوَّة دعم رافعة للأعلى للسِّحلية، لكن نظرًا لأن الماء مائع مُنخفِض اللزوجة (الاحتكاك الداخلي) فسُرعان ما تبدأ القدم في الغوص في الماء. وعندما تغوص تدفع تجويفًا هوائيًّا للأسفل أولًا ثم للوَراء. والدفعة للوَراء تقدم قوة دافعة للأمام للسحلية ممَّا يسمح لها بالجري. ولأنَّ السحلية لا ترغب في مقاومة سَحْب الماء على رجلها، فإنها تسحَب الرِّجل خارج التجويف قبل أن يدخل الماء ويُحيط بقدمها ورجلها. في هذه الأثناء تكون الرجل الأُخرى قد بدأت خطوتها بضربةٍ على الماء. وعلى الرغم من أنَّ السحلية تغُوص نوعًا ما، فإن متوسط القوة الرافعة التي تشهدها من خلال سلسلة ضربات القدم كافية لدعمها حتى لو كانت كبيرة.

(٤٣) قضيب من الرصاص يطفو في قارب

افترِض أنك جالس في قارب يطفو على بُحيرة صغيرة في الباحة الخلفية، وأن لديك داخل القارب قطعة فلِّين كبيرة جدًّا وقضيبًا من الرصاص. ماذا يحدُث لمستوى الماء في البِركة إذا ألقيتَ الفلين على العشب، وإذا ألقيتَ الفلين في الماء، وإذا ألقيتَ القضيب على العشب، وإذا ألقيتَ القضيب في الماء؟

ماذا يحدُث لمستوى الماء إذا أحدثتَ ثُقبًا في قعْر القارب كي يدخل الماء تدريجيًّا لإغراقه؟ وإذا تغيَّر مستوى الماء، فهل يبدأ في التغيُّر عندما يدخل الماء القارب لأول مرة؟

الجواب: عندما يطفو شيء فإنه يُزيح الماء؛ أي إنه يشغل حيزًا كان الماء سيشغله. تُحدِّد القاعدة البسيطة التالية قيمة الحيِّز: فكُتلة الماء المُزاح تساوي كتلة الشيء. ومِن ثَمَّ إذا طفَتْ قطعة فلِّين كتلتها ١ كيلوجرام في الماء، فإنها تغُوص في الماء إلى أن تُزيح حجم ماء مُساويًا لكتلة ١ كيلوجرام. وقطعة الفلين تُزيح هذا القدْر من الماء بصرْف النظر عما إذا كانت تطفو مُباشرةً في الماء أو عبْر القارب. وعندما تُلقي الفلين من القارب إلى الماء، فإنَّ كمية الماء المُزاح لا تتغيَّر ومِن ثَمَّ لا يتغيَّر مستوى الماء في البِركة. وعند إلقاء قطعة الفلين على العُشب تنتهي إزاحتها للماء في البِركة. ومِن ثَمَّ ينخفِض مستوى الماء.

وعندما يكون قضيب الرصاص في القارب تنطبق قاعدة الكُتَل المُتماثلة نفسها. افترض أن القضيب تبلغ كتلته ١ كيلوجرام، فإنها تزيح كمية من الماء لها كتلة مساوية لواحد كيلوجرام. وهذا يشغل قدرًا كبيرًا من الماء، فحجم الماء يساوي حجم القضيب بمقدار ١١ مرة. وإذا ألقيتَ القضيب على العُشب فإنه لا يزيح ذلك القدر الكبير من الماء، وينخفض مستوى الماء في البِركة. أما إذا ألقيتَ القضيب في الماء، فإنه يغُوص تمامًا. ومِن ثَمَّ فإن كمية الماء المُزاح تُماثل حجم القضيب. والكمية الآن هي ١ / ١١ من الكمية المزاحة عندما كان القضيب طافيًا عبْر القارب. ومِن ثَمَّ ينخفض مستوى الماء.

وعندما يبدأ القارب في استيعاب الماء، فإنه يظلُّ طافيًا ومِن ثَمَّ يزيح القدْر نفسه من الماء. ولا يتغيَّر مستوى الماء إلَّا عندما يكفُّ القارب عن الطفو؛ أي عندما يُغمَر تمامًا. عندئذٍ ينخفض مستوى الماء فجأة.

(٤٤) طفو القضبان والأوعية المفتوحة

هل الوعاء المفتوح، مثل أوعية الطعام أو الشراب، يطفو مُستقيمًا أم يميل إلى الجانب؟ إذا طفا عمود طويل ذو قطاع عرضي مُربَّع في سائل فأي الاتجاهَين المُبيَّنَين في شكل ٢-١٥ سيتخذ؟
fig70
شكل ٢-١٥: بند ٢-٤٤: اتجاهان لقضيب قصير طافٍ.
الجواب: في أي موقف طفو، تُوازِن قوَّة الطفو لأعلى قوةَ الجذب المُؤثرة على الشيء لأسفل. وبصفةٍ عامة يمكن تحقيق هذا التوازن في اتجاهات عديدة في حالة غوص الوعاء بطريقةٍ مناسبة. ورغم ذلك، فإن معظم الاتجاهات تكون غير ثابتة حيث تتسبَّب قوة الطفو في دوران الوعاء. من الصعب وصفُ الاتجاه الناتج في العموم، لكن يمكن استكشاف النتائج في الحوض أو أثناء الاستحمام. إليكم بعض النتائج: سوف يطفو الوعاء القصير مُستقيمًا (ويكون القعْر مواجهًا للأسفل)، أما الوعاء الطويل الضيِّق فسوف يميل إلى الجانب، ربما لدرجة الانقلاب. وربما أعجَبُ طريقةِ طفوٍ هي ما يفعله الوعاء الخفيف عند إضافة الماء إليه تدريجيًّا؛ إذ يكون اتجاهه مُستقيمًا وهو فارغ، ثم يميل ويزيد الميل، ثم ينخفض الوعاء إلى أن يَصير مُستقيمًا مرة أخرى عندما يكون على وشْك الغرَق.

ويعتمد اتجاه القضيب القصير على نسبة كثافة القضيب إلى نسبة كثافة السائل. ونظرًا لطفو القضيب فإنَّ النسبة لا يُمكن أن تزيد عن ١. وعند قيمةٍ تقترب من الصفر يكون القضيب خفيفًا للغاية حتى إنه لا يكاد يغرق ويطفو ووجهُه مُواجِهٌ لأسفل. وإذا قلَّلنا كثافة السائل تدريجيًّا، فسوف يغُوص القضيب تدريجيًّا ويستمرُّ في الطفو ووجهه لأسفل. رغم ذلك، عندما تصل النسبة إلى حوالي ٠٫٢١ فإن القضيب يبدأ في المَيل، وعندما تصل النسبة إلى حوالي ٠٫٢٨ يطفو وجوانبه مُكوِّنة زاوية قياسها ٤٥ درجة مع الخط الأفقي.

وإذا استمررْنا في خفض كثافة السائل، فإنَّ الاتجاه لن يتغيَّر إلَّا عندما تصل النسبة إلى ما يقرُب من ٠٫٧٢ ثم يقلُّ الميل إلى أن يُصبح وجه القضيب للأسفل ثانية عندما تصل النسبة إلى ما يقرُب من ٠٫٧٩. وعندما تصل النسبة إلى واحد، يغطس القضيب تمامًا ووجهه ما زال لأسفل.

(٤٥) ثُقبٌ في سد، سفينةٌ في حوضٍ جاف

تَحكي إحدى الحكايات الشعبية عن صبيٍّ هولندي يُنقِذ بلدته من الفيضان بوضع إصبعه في ثقبٍ اكتشفه في السدِّ فيصدُّ بهذا ماء بحر الشمال. كيف يُمكن لصبيٍّ أن يصُدَّ ماء بحر الشمال بأكمله؟

عند وضْع سفينة في حوض جاف يُصَرَّف الماء وتتحرَّك الجُدران إلى الداخل حتى تُحكم قبضتها على السفينة في النهاية. أثناء عملية تصريف الماء، ما هي أقلُّ كمية ماء لازمة لكي تطفو السفينة؟

الجواب: يعتمد ضغط الماء على إصبع الصبي على عُمق الثُّقب من ناحية سطح الماء وليس على عرض البحر أو عُمقه الكامل. ومِن ثَمَّ، إذا افترضنا أن عُمق الثقب لم يكن كبيرًا فإنَّ القصة من الممكن أن تكون حقيقية.

ولا تُوجَد إجابة كاملة للسؤال المُتعلِّق بالحوض الجاف. ورغم ذلك، فقُدرة السفينة على الطفو لا تعتمد على عُمق المسطَّح المائي أو عرضه. فما يهم هو ارتفاع الماء على جانبَي السفينة. من الناحية النظرية، إذا ظلَّ الارتفاع ثابتًا، فإن ضغط الماء على السفينة سيوفر دائمًا الطفو لأعلى اللازم لمواجهة تأثير قوة الجذْب لأسفل. ومِن ثَمَّ، فإن طبقة رفيعة من الماء تحتضِن بدَن السفينة ستكون كافية. رغم ذلك، فإذا كانت طبقة الماء رقيقة للغاية فإنها ستكون غير مُستقرَّة وأي مُقاطعة عرضية قد تُسبِّب تلامسًا مفاجئًا بين جدران الحوض الجاف والسفينة ومِن ثَمَّ ينتهي الطفو.

(٤٦) فُقدان الوعي الناتج عن قوَّة التَّسارُع لدى الطيَّارين

طالما قَلِقَ الطيَّارون «المُقاتلون» من الانعِطاف الحاد؛ لأنهم من المُمكن أن يتعرَّضوا لفُقدان الوعي الناتج عن قوة التسارُع. تُوجَد العديد من الإشارات التحذيرية للطيار للتخفيف من حدَّة الانعطاف؛ فعندما يكون تسارُع الجذب المركزي ٢ أو ٣ جي، يشعُر الطيار بالثقل. وعندما يكون في حدود ٤ جي تتحوَّل رؤية الطيار إلى الأبيض والأسود وتضيق الرؤية لتُصبِح ما يُعرف بمصطلح «الرؤية النفقية»؛ حيث تختفي الرؤية المُحيطيَّة وتبقى فقط الرؤية الأمامية (كما لو كنتَ تنظُر من خلال نفق). وإذا ثبَت التسارُع عند ٤ جي أو زاد، تقلُّ الرؤية وسرعان ما يفقد الطيَّار الوعي. فما الذي يُسبِّب هذه التغيُّرات لدى الطيار؟

الجواب: إذا انعطف الطيَّار ورأسه صوب مركز الدائرة، كما يحدُث الانعطاف عادةً، فإنَّ ضغط الدم في الدماغ ينخفض، وتحدُث إعاقة للرؤية، وفقدان للوعي في نهاية الأمر. والطائرات النفَّاثة الحديثة قوية ويمكن المناورة بها بسلاسة شديدة؛ ومِن ثمَّ يستطيع الطيَّار الانعطاف بسهولة بسرعة شديدة، لا سيما أثناء المعارك الجوية. عندئذٍ سيدخل الطيار في حالة فُقدان وعيٍ ناتج عن قوَّة التسارُع دون سابق تحذير. وإذا لم يستَعَدِ الطيارُ الوعيَ في الوقت المناسب، فسوف تتوقَّف الطائرة أو تهوي إلى الأرض.

(٤٧) الدورة الدموية في الثعابين والزرافات والديناصورات الطويلة

لماذا يُوجَد القلب في منطقة وُسطى في ثعبان الماء، ويُوجَد قريبًا نسبيًّا من الرأس في ثعبان الأرض، وأقرب كثيرًا إلى الرأس في الثعبان مُتسلِّق الأشجار؟ كيف تتمكَّن الزرافة من إرسال الدم إلى رأسها دون أن يتجمَّع الدم في سيقانها؟ كيف تتجنَّب الزرافة التعرُّض للتلف الدماغي أو حتى الإغماء عندما تميل لتشرَب من بِركةٍ على سبيل المثال؟ كانت ديناصورات الصوروبودا عملاقة ذات أعناق بالغة الطول؛ فكيف تمكَّنَت من إرسال الدم إلى الرأس وشُرب الماء؟

الجواب: إذا كان الثعبان في وضعٍ عمودي بحيث كان رأسه إلى الأعلى، فيَجِب أن يضخَّ القلب الدم لأعلى إلى الدماغ، ويميل الدم إلى التجمُّع في النصف السُّفلي من الجسم. ورغم ذلك، فكلا التأثيرين لا يُمثِّل مشكلة لثعبان الماء؛ لأن ضغط الماء على الثعبان يزيد مع العُمق. والضغط العالي على النصف السفلي من الثعبان يمنع تجمُّع الدم. يُوجَد القلب في منتصف جسم الثعبان؛ ومِن ثمَّ فإن ضغط الماء العالي هناك وضغط الماء المنخفض عند الرأس يُساعدان في دفع الدم إلى الدماغ.

يفتقر ثعبان الأرض العمودي إلى ضغط الماء ومِن ثَمَّ يُعاني من تجمُّع الدم. ورغم ذلك، فإن موضع قلبه أفضل؛ لأنه أقرب إلى الدماغ منه إلى النقطة المتوسطة في جسم الثعبان. أما ثعبان الأشجار فهو أكثر تكيفًا؛ إذ إن قلبه أقرب من الدماغ، كما أن النصف السفلي من الثعبان ضيق التصميم لمنع تجمُّع الدم. ومِن ثَمَّ، يستطيع ثعبان الأشجار التسلُّق من دون التعرُّض للإغماء.

وتعاني الزرافة من مشكلةٍ أخطر بكثير في تدفُّق الدم. فنظرًا لأن رأسها أكثر ارتفاعًا عن قلبها، فلا بدَّ أن يكون ضغط الدم كبيرًا للغاية. على سبيل المثال، بالنسبة لزرافة طولها ٤٫٠ أمتار، لا بدَّ أن يُناهز متوسط ضغط الدم في الشريان الأورطى ٢٥٠ملم زئبق (مليمتر زئبقي) ليُصبح ضغط الدم في الدماغ معقولًا ويساوي ٩٠ملم زئبق. ولأن السيقان تبعُد عن القلب إلى الأسفل بمسافة بعيدة، كان من الممكن أن يُسبِّب ضغط الدم الكبير جدًّا تجمعًا دمويًّا شديدًا في السيقان والأقدام لولا تصميمها؛ فالسيقان عضلية ولها جلدٌ مشدود يُشبِه في عمله جوارب الضغط. وعندما تُنزِل الزرافة رقبتها لتشرب، فإنها تتحرَّك ببطءٍ لتسمح بتكيُّف ضغط الدم. كما تفتح ساقَيها الأماميتَين بحيث ينخفض قلبها. وعلى الرغم من أن «شبكة التروية الدموية» التي تُغذِّي الدماغ بالدماء تساعد في حماية الدماغ، فإن الزيادة المُفاجئة في ضغط الدم قد تُصيب الزرافة بالإغماء أو التلَف الدماغي.

أما مشكلة ديناصور الصوروبودا في تدفق الدم فكانت أفدح، حتى لو لم يرفع رأسه بالكامل مُطلقًا. وعلى الأرجح كان يتحرك ببطء ليسمح بتعديل ضغط الدم. كما كان لدَيه أيضًا قلب ضخم يُمثِّل حوالي ٥ في المائة من وزن جسمه.

(٤٨) هل كانت ديناصورات الصوروبودا تسبح؟

كانت الديناصورات المعروفة باسم الصوروبودا، بما فيها ديناصور الأباتوصور (الذي كان يُعرَف أيضًا باسم «برونتوصوروص») والديناصور مامنتشيصوروص الطويل الرقبة على نحوٍ سريالي، تمتاز بالضخامة حتى بمقاييس الديناصورات. وطالما ظلَّ مطروحًا السؤال المُتعلِّق بالطريقة التي تمكَّنت بها الديناصورات من المشي (فضلًا عن الركض). وكان من الاحتمالات المُقترحة أنها قضت وقتًا كبيرًا من حياتها في السباحة في الماء أو الخوض فيها. فهل يستطيع الديناصور العملاق أن يسبَح؟

الجواب: لأننا ليس لدينا ديناصورات صوروبودا لنُراقبها فإن أفضل طريقة للتفكير في هذا السؤال هو صناعة نماذج مُصغَّرة لنرى ما إذا كانت ستطفو. (الجزء الصعب هو وضْع الرئتَين في الاعتبار.) وقد كشف هذا البحث أن مركز قوى الطفو التي ترفع النموذج يقَع نسبيًّا خلف مركز قوى الجذب التي تسحب النموذج لأسفل. من شأن وضْعٍ كهذا ألا يكون ثابتًا؛ لأنَّ قوة الطفو كانت ستُدير ديناصور الصوروبودا للأمام حتى تغُوص رقبته جزئيًّا على الأقل في الماء. في الواقع، كان من شأن ديناصور الصوروبودا أن يتدحرج على أحد جانبَيه على الأرجح أيضًا. باختصار، ما كان لديناصورات الصوروبودا أن تستمتِع بالسباحة ولو ليومٍ واحد.

رغم ذلك، كان بمقدورها أن تخوض في الماء حتى صدورها دون مشكلة، وكانت الديناصورات ذات الأرجل الأمامية الأطول تستخدِمها كمجاديف لتشقَّ طريقها في الماء مثلما يستخدِم الملَّاحون في فينيسيا المجاديف لتحريك الجندول في الماء. وفي الحقيقة عُثر على آثار للديناصورات المُجدِّفة، وكانت هذه الآثار مُختلفةً عن آثار الأقدام الكاملة التي تركتها الديناصورات السائرة؛ لأنَّ الديناصور المُجدِّف يحفِر طرف المِخلب في الطين ثم يَسحبُه للخلف تاركًا قناة ضيِّقة بها بعض الطين المُلقى في الخلْف.

(٤٩) حجارة المَعِدة عند الديناصورات والتماسيح

لماذا تحتوي أمعاء كثيرٍ من رُباعيات الأطراف، سواء الحية مثل التماسيح أو الحفريات مثل ديناصور البليزوصور، على حصواتٍ وأحجار يُطلق عليها «حجارة المعدة»؟

الجواب: لطالما اعْتُقد أن حجارة المعِدة ضرورية للهضم، بحيث يتمكَّن الحيوان من طحْن الطعام في المعِدة. رغم ذلك تُوجَد حجَّة أقوى تقول إن حجارة المعِدة تُستخدَم لموازنة طفو الحيوان، كي يتمكن من الطفو والسباحة على مستوًى مُنخفض نسبيًّا في الماء. وهذا الوضع سيُمكِّن التمساح الذي يطفو وعيناه وأنفه فقط خارج الماء وهو قابع بلا حراك وغير مرئي نسبيًّا من الترصُّد للفريسة. تعمل الحجارة أيضًا كثقَّالة وتُقلل الطاقة المطلوبة لمُجابهة التدحرُج بسبب التيَّار. ويمكن أن تساعد الحجارة التمساح أيضًا في سحب الفريسة إلى الماء.

وحجارة المعِدة في ديناصور البليزوصور كانت تعمل أيضًا كثقَّالةِ تَوازنٍ حيث تسمح للحيوان بالغوص جيدًا في الماء. فنظرًا لأن البليزوصور كان لدَيه عنق طويل ثقيل أمام رئتَيْه الطافيَتَيْن؛ فقد كان يُعاني من التدحرُج عندما يكون الماء هائجًا. كان من شأن هذا التدحرج أن يَقلَّ إذا كان لدَيه حجارة في المعِدة الموجودة خلف الرئتَين.

(٥٠) تأثير كواندا

إذا تدفق أحد الموائع (سائلًا كان أم غازًا) عبْر الهواء بالقُرب من سطحٍ صلب، لماذا يميل تيَّار المائع إلى الانحناء نحوَ السطح ثم لصْق نفسه بالسطح؟ يُمكنك رؤية هذا التأثير بسهولة في حوض المطبخ من خلال حمل سطحٍ منحنٍ أسفل التيار المُتدفِّق بسلاسة من الصنبور. على سبيل المثال، أمسك برطمانًا زجاجيًّا بطريقة أفقية بحيث يصطدم التيار بأعلى السطح المنحني وينزل لأحد الجانبين (انظر شكل ٢-١٦أ). قد يلتصق التيار بالسطح جيدًا لدرجة التفافه حول القاعدة ويتسلَّق نسبيًّا عائدًا إلى قمَّة الجانب الآخر. وإذا أملْتَ قضيبًا في التيار وضبطتَ سرعة التيار، فقد يتعلَّق التيار بالقضيب ويلتفُّ حوله لولبيًّا عدَّة مرَّات قبل أن يتحرَّر ويسقط (انظر شكل ٢-١٦ب).
fig71
شكل ٢-١٦: بند ٢-٥٠: تيار ماء ساقط يلتف حول (أ) برطمان، و(ب) قضيب مائل.

عندما يَستفزُّ النمل الخنافسَ القاذفة فإنها تُصدِر رغوة أو رذاذًا ساخنًا (١٠٠ درجة مئوية) وسامًّا. وتستطيع الخنافس القاذِفة الأكثر شيوعًا (التي يُطلَق عليها براتشينيني) توجيه رذاذها الذي يُشبِهُ البصق من خلال تدوير حافة بطنها مثل بُرج المدفع. وإذا هاجمت النملة إحدى الأقدام الأمامية على سبيل المثال، تُصوِّب الخنفساء حافة البطن للأسفل وللأمام مُستهدفةً الرجل. وبمجرَّد أن تُصاب النملة فإنها تهرُب مسرعة. لا تمتلك خنافس باوسيني، وهي نوع من الخنافس القاذفة أقلُّ شيوعًا، حافةَ بطنٍ مُتحركة، بل تطلق الرذاذ أمامًا نحو المُؤخرة أو إلى الجانب فحسب. ورغم ذلك، تستطيع الخنفساء استهداف النملة بمهارة حتى إذا كانت النملة أمامها أو على رجلها الأمامية. فكيف تُطلق الخنفساء الرذاذ إلى الأمام رغم أن هذا أمر غير ممكن؟

الجواب: يُطلق على انجذاب التيار صوب السطح الصلب وتعلُّقِه به نتيجة لذلك اسم «تأثير كواندا» نسبة إلى هنري كواندا المهندس الروماني الذي اكتشف هذا التأثير. لنفترِض أن تيار الماء قريب على نحوٍ معقول من أحد الأسطح الصلبة. «يسحب» التيار الهواء؛ أي يسحَب جزيئات الهواء القريبة ويُجبرها على التحرك مع التيار. يزيل هذا الفعل جزيئات الهواء؛ ومِن ثمَّ تميل جزيئات الهواء الأخرى (البعيدة عن التيار) إلى التدفُّق للداخل لتحلَّ محلَّ الأخرى. إلا أن السطح الصُّلب يُعيق التدفق للداخل. ومع عدم وجود جزيئات كافية بين التيار والسطح الصلب يقلُّ ضغط الهواء بينهما. إن الهواء على الجانب الآخر من التيار لا يزال في مستوى الضغط الجوي؛ ومِن ثمَّ يندفع التيَّار نحوَ السطح، ويُصبح مُلتصقًا به. ويمكن أن يستمرَّ هذا الالتصاق حتى مع إمالة السطح بعيدًا عن الاتجاه الأصلي للتيار.

تمتلك خنافس باوسيني حواف أمام فتحة الغُدَّة التي ينطلق منها الرذاذ. ولكي تطلق الرذاذ إلى الأمام فإنها تضبط الفتحة بحيث يصطدم الرذاذ بالحافة. وهناك يمكن إمالة الرذاذ بزاوية تصِل إلى ٥٠ درجة أثناء التفافه حول الحافة المائلة عن طريق تأثير كواندا. وعندما يُغادر الرذاذ الحافة فإنه يطير في الهواء كبصقٍ خفيف. وتستطيع الخنفساء ضبط الاتجاه الأخير للبصق من خلال ضبط مكان اصطدام الرذاذ بالحافة أثناء إطلاقه من الغُدة.

(٥١) تأثير إبريق الشاي

يسمح بزْبوز إبريق الشاي جيد التصميم (أو بزبوز أي وعاء سوائل) بتدفق الماء بِحُرية، بحيث تنتهي به الحال في المكان الذي تريده، وليكن فنجان الشاي. أما إبريق الشاي السيِّئ التصميم فسيظهر ما يُطلَق عليه «تأثير إبريق الشاي»؛ فبدلًا من التدفُّق الحر، سوف يرتدُّ الماء أسفل البزبوز ويتدفَّق على جانبه السُّفلي ربما لعدَّة سنتيمترات قبل أن يتحرَّر ويسقط (انظر شكل ٢-١٧). وإذا لم يتعلق بالجانب السُّفلي من البزبوز، فمن المُمكن أن يتقوَّس التيار الساقط للوراء صوب إبريق الشاي. بطبيعة الحال فإن هذا التعلق أو التقوُّس الخلفي غير المُتوقَّعَين يمكن أن يُسبِّبا الفوضى. فما الذي يسبب تأثير إبريق الشاي؟
fig72
شكل ٢-١٧: بند ٢-٥١: تيار ماء متعلق ببزبوز إبريق الشاي.
الجواب: في حالة صبِّ الماء بسرعة كافية فإنَّ التيار سيتحرَّك على الأغلب عبْر الهواء في المسار المُتوقَّع والمألوف، وغالبًا ما يُطلَق عليه «مسار القذيفة»؛ لأنَّ أي جسم صُلب ينطلق من البزبوز سوف يسلك المسار نفسه. يحدُث السلوك غير المُتوقَّع عندما يترك الماء البزبوز على نحوٍ أبطأ. يتغيَّر حينها الضغط داخل التيار على امتداد كثافته، فيكون الضغط في مستوى الضغط الجوِّي عند تلامُس سطح الهواء والماء، وينخفض الضغط بالقُرب من مكان تحرُّك الماء سريعًا حول حافة البزبوز. الضغط الخارجي الأكبر يدفع التيار صوب الحافة. وإذا كانت سرعة التيار متوسطة فسوف يُدفَع التيار حول الحافة قبل أن يتحرَّر ويتقوَّس للخلف صوب الإبريق.

وإذا تدفَّق الماء بمزيدٍ من البطء فإنَّ آخر نقطة يلمس فيها الماء البزبوز يمكن أن تتحوَّل إلى الجانب السفلي من البزبوز. ويُعزى هذا الالتصاق عادةً إلى الانجذاب التبادُلي بين جزيئات الماء وجزيئات البزبوز. يُفَسَّر هذا الأمر تفسيرًا غير دقيق على أنه راجع إلى «التوتُّر السطحي»، ويُوصَف عادة كمثالٍ على «التبليل». إلا أن السبب الرئيسي لالتفاف التيار حول الحافة ونزوله من البزبوز هو أن ضغط الهواء يدفع التيار نحو البزبوز. وحتى عند تغطية الجانب السفلي للبزبوز بالزبد لتقليل تجاذُب الجزيئات والتخلص من التبليل، سيظلُّ التيار يلتفُّ حول الحافة وينزل مُلامسًا للبزبوز.

تُحدِّد عوامل كثيرة مكان تحرُّر التيار من البزبوز. وإذا أُجرِيَت تجربة بإبريق شاي مُعين ومعدَّل تدفُّق مُعين للماء، فمن الممكن أن تختلف المسافة التي يمكن أن يقطعها الماء عبر الجانب السُّفلي من الإبريق من تجربةٍ لأخرى. وللتخلُّص من تأثير إبريق الشاي من الممكن أن يكون للبزبوز ثُقب صغير على جانبه السُّفلي قُرب الحافة. وعندما يصل التيار إلى الثقب سيعمل التغيُّر المُفاجئ في انحناء السطح على انفصال التيار (فيعرقل التيار). يُستخدَم أسلوب مُشابه في حواف النوافذ للتغلُّب على تأثير إبريق الشاي عندما يتدفَّق ماء المطر أسفل الحافة ويكون من المُمكن أن يدخل إلى نقطةٍ غير محميَّة من التسرُّب في الجدار؛ إذ يحتوي الجانب السفلي من حافة النافذة على شقٍّ عمودي ضيِّق يجعل الماء ينفصل عن حافة النافذة. وللتغلُّب على تأثير الإبريق عند صبِّ أي سائل من إناء الطبخ المعدني مثلًا، ضع سكينًا أو قضيبًا عموديًّا على مكان مُغادرة السائل للإناء. سوف يلتصِق السائل بالسكين أو القضيب أثناء نزوله عليه بدلًا من التدفُّق لأسفل خارج الإناء.

يُمكن أن نرى تأثير إبريق الشاي في بعض نوافير المياه حيث يفيض الماء على حافة الوعاء ويسيل إمَّا على الجانب السفلي للحافة أو يتقوَّس للوراء صوب الوعاء كلَوح مائي ساقط. وإذا كانت الحافة دائرية، فإن هذا اللوح المائي سيُكوِّن سطحًا مُغلقًا يُدعى «جرس الماء».

(٥٢) الصعود على مراحل عند الغَوص لأعماقٍ سحيقة

عندما يصعد غوَّاص السكوبا (الغوص باستخدام معدات التنفس تحت الماء)، أو غواص البحار العميقة إلى سطح الماء، لماذا ينتظر عند أعماقٍ مُعينة لفتراتٍ مُحددة بدلًا من الاستمرار في الصعود؟ لماذا يكون كثيرٌ من الغواصين في حالةٍ جيدة عندما يتبعون هذا الإجراء ويشعرون بالتعب إذا صعدوا سريعًا بعد الغوص؟ (فالألم يبدأ سريعًا بعد بدء الصعود.) تغوص الحيتان غالبًا إلى أعماقٍ سحيقة، فهل تُعاني من أي ضرر؟

الجواب: عندما يتنفَّس الغوَّاص الهواء المضغوط تذوب جُزيئات النيتروجين الموجودة في الهواء في مجرى الدم. وعندما يصعد الغوَّاص يُكَوِّن النيتروجين المُذاب فقاعات بسبب انخفاض ضغط الماء على الجسم. (يحدُث تكوُّن الفقاعات على جدران الوعاء في المشروب الغازي المفتوح للتو، لكن فقاعات النيتروجين تحدُث هنا في وسطٍ مائع؛ أي داخل الدم.) تميل الفقاعات إلى التحرُّك مع تدفُّق الدم، وتتجمَّع في صورة «كتل» إذا اتَّجهَتْ نحو الأوردة الكبيرة (صوب القلب) أو تنحشر وتسدُّ تدفُّق الدم إذا انتقلت للأوردة الصغيرة (بعيدًا عن القلب). هذا التسمُّم النيتروجيني المُسمَّى «التحنِّي» يمكن أن يُسبب ألمًا فظيعًا وشللًا طويل المدى وربما يؤدي للوفاة. وعادة يخضع المُصاب لزيادة الضغط ويُضطر إلى تنفُّس هواءٍ به مستوًى عالٍ من الأكسجين كي يخرج النيتروجين من حالة الذوبان ويتدفق في الدم في نهاية الأمر ويتلاشى. ولتفادي الإصابة بالتحنِّي يصعد الغواص إلى السطح على مراحل، ويقضي فتراتٍ مُعيَّنة في كلِّ مرحلة للسماح للنيتروجين بالخروج من حالة الذوبان.

والهدف من جدولة الصعود هو التخلُّص الكافي من النيتروجين المذاب بحيث لا تبقى فقاعات النيتروجين داخل الغواص عند صعوده إلى السطح. ورغم ذلك، فإنَّ النيتروجين المُذاب المُتبقِّي يمكن أن يكوِّن فقاعاتٍ إذا ركب الغوَّاص طائرة بعد وقتٍ قصير من صعوده إلى السطح. وعلى الرغم من احتواء الطائرات الحديثة على مقصورات ذات ضغطٍ عالٍ، فإن ضغط الهواء يكون أقلَّ من الضغط الجوي العادي على الأرض، وهذا الضغط المُنخفض يسمح للنيتروجين بتكوين الفقاعات.

على الرغم من الاعتقاد السائد الذي يقول إن الحيتان مُحصَّنة من أخطار الغَوص على أعماقٍ سحيقة، فقد أظهرت بعض الأدلة أنها أيضًا يُمكن أن تُعاني من التحنِّي، لا سيما إذا اضطرت إلى الصعود للسطح بسرعة عالية.

واسْتُخدِم مصطلح «التحنِّي» للمرة الأولى لوصف أمراض العُمَّال الذين يُشيِّدون الأنفاق على عُمق سحيق يتطلَّب زيادة الضغط الجوي كما حدث خلال تشييد دعامات جسر بروكلين في ستينيَّات القرن التاسع عشر؛ فعند صعود العمال إلى السطح كان بعضهم يشعُر بآلام في العضلات لدرجة جعلتهم يَحْدَودِبون على نحوٍ شبيهٍ نسبيًّا بنساء الطبقة الراقية في ذلك الزمن، اللاتي كُنَّ يَسرنَ بوضعيَّة مُحدَودِبة مبالغٍ فيها يُطلَق عليها «الانحناءة الإغريقية». ومن هنا بدأ استخدام مصطلح التحنِّي لوَصف الأمراض الناتجة عن تنفُّس هواءٍ عالي الضغط.

(٥٣) الغطس بأنبوب التنفُّس عند البشر والأفيال

في الغطس بأنبوب التنفس يتنفس السبَّاح عن طريق أنبوب يمتدُّ لأعلى مستوى الماء. لماذا يُحَدَّد طول الأنبوب بحوالي ٢٠ سنتيمترًا؟ أي ما الخطر الشديد المُتمثل في استخدام أنبوب أطول باستثناء صعوبة دوَران الهواء دخولًا وخروجًا؟ الفيل أيضًا يستطيع الغطس بأنبوب التنفُّس مُستخدمًا خرطومه. فكيف يستطيع الفيل تحمُّل عُمق الغطس المُعتاد بالنسبة إليه والذي يصل لحوالي مترَين؟

الجواب: نظرًا لأنَّ ضغط الماء على الغطاس يزيد مع العُمق، فإنَّ ضغط الدم يزداد أيضًا. وإذا كان الغطَّاس يسبَح من خلال كتم النفَس، فإن الضغط في الرئتَين يزداد أيضًا. والتماثُل بين ضغط الدم وضغط الهواء في الرئتَين يسمح باستمرار انتقال الأكسجين إلى الدم وإزالة ثاني أكسيد الكربون من الدم. أما إذا بدأ الغطاس التنفُّس من الأنبوب، فسوف ينخفِض ضغط الهواء في الرئتَين لمستوى الضغط الجوي. ويكون هذا الانخفاض بسيطًا إذا لم يكن الغطاس تحت سطح الماء بمسافةٍ كبيرة، لكن في الأعماق السحيقة قد يكون الاختلاف بين مستوى ضغط الدم ومستوى ضغط الهواء في الرئتَين قاتلًا، ويُطلَق على هذه الحالة «الاعتصار الرئوي». حينئذٍ تتمزَّق الأوعية الدموية الصغيرة على سطح الرئة ويتسرَّب الدم إلى الرئتَين.

ويبدو أن الفيل البالِغ قد يتعرَّض لاعتصارٍ رئوي في كلِّ مرة يسبح فيها غوصًا؛ لأن رئتَيه أسفل مستوى سطح الماء بحوالي مترَين، وهذا يعني أن فَرْق الضغط بين ضغط دمه وضغط الهواء في الرئتَين كبير. إلا أنَّ رئتَي الفيل مَحميَّتان بطريقةٍ خاصة. «الجنبة» هي غشاء يُغلف الرئتَين في أي حيوانٍ ثديي. وعلى النقيض من الثدييات الأخرى، فإنَّ جنبة الفيل تمتلئ بنسيجٍ ضامٍّ يُمسك الأوعية الدموية الصغيرة ويحميها في جُدران الرئتَين. وبهذه الطريقة لا تتمزَّق الأوعية الدموية أثناء الغطس بالخرطوم.

(٥٤) الغَوص لأعماقٍ سحيقة، والهروب من الغوَّاصة

من إجراءات السلامة المُستخدَمة في الغَوص باستخدام أدوات التنفُّس تَعَلُّم طريقة ملء الرئة بالهواء من خزَّان شخصٍ آخر ثم الصعود إلى السطح. ما الخطر في هذا الصعود؟ هل يمكن لشخصٍ الهروب من غوَّاصة مُعطَّلة من خلال ملء الرئة بالهواء في الغوَّاصة ثم السباحة لأعلى حيث السطح؟

ما الخطر في ملء الرئة بالهواء عند سطح الماء ثُم النزول إلى الماء مثلما يفعل بعض الناس في الرياضة (الغَوص الحُر) وفي العمل التجاري (مثل غوَّاصي «الآما» اليابانيين في جنوب المُحيط الهادئ)؟ ما الخطير في فقدان الضغط الجوي للحظات أثناء الغَوص في عُمق البحر مع ارتداء بذلة غطس؟

الجواب: يزيد الضغط على جسد السبَّاح كثيرًا بزيادة عُمق الماء. إذا أخذ شخص نَفسًا من خزَّان أدوات التنفُّس تحت الماء في قاع حمام سباحة ثم صعد وهو يكتُم هذا الهواء فإنَّ الضغط ينخفِض وتتمدَّد الرئتان إلى أن تصِلا لمستوى الانفجار. وإذا لم يزفر الشخص لتجنُّب الانفجار فإن الضغط في الرئتَين يمكن أن يزيد عن ضغط الدم، ثم ينطلق الهواء إلى مجرى الدم وهذا يمكن أن يكون قاتلًا. وفي كلِّ عام يموت بضعة أشخاص أثناء ممارسة الغَوص باستخدام أدوات التنفُّس؛ لأنهم يُهملون الزفير.

من الناحية النظرية، يُمكن للشخص السِّباحة من الغواصة المُعطلة إلى السطح إن لم تكن الغواصة على عُمقٍ سحيق وإذا زفر الشخص أثناء الصعود. إلا أنَّ الزفير يتطلَّب تدريبًا كبيرًا؛ لأنَّ المرء يميل إلى الاحتفاظ بالهواء في الرئتَين أثناء هذه السباحة المُريعة لمسافةٍ غير معلومة للوصول إلى السطح. والأسوأ من ذلك هو الحاجة المُلحَّة إلى التنفس. وتعتمد الحاجة إلى التنفُّس على كمية الضغط الموجود في الرئتَين بسبب ثاني أكسيد الكربون. وإذا وصل هذا الضغط إلى قيمةٍ حرجة مُعيَّنة فإن الحاجة إلى التنفُّس تُصبح لا تُحتمَل. وإذا زفر الشخص بطريقةٍ صحيحة أثناء الصعود، فإنه لا يصل لهذه القيمة الحرِجة أسفل السطح فحسب بل بعيدًا عنه كثيرًا. وإذا استطاع الشخص السباحة وصولًا إلى هذه النقطة فإنَّ ما تبقى له من رحلة الصعود قد يكون أسهل نسبيًّا.

ويمكن أيضًا إنقاذ طاقم الغوَّاصة عند تدلية غُرفة على شكل جرس إلى الغواصة. وفي الواقع، استُخدمت هذه الغرفة لإنقاذ ٣٣ فردًا من طاقم الغواصة الأمريكية «سكوالاس» في مايو ١٩٣٩ عندما تعطلت على عُمق ٨٠ مترًا. أدلى الغوَّاصون حبال توجيهٍ من سفينة على السطح إلى فتحة الغواصة. ثم أدلوا الغرفة على امتداد حبل التوجيه. كانت الغرفة مفتوحةً في القاع ولم تمتلئ بالماء نظرًا لإطلاق الهواء من الخزانات لزيادة ضغط الهواء. وعندما وصلت الغرفة إلى الفتحة اتَّصلت اتصالًا مُحكمًا غير مُنفذٍ للماء مُحكمة بحلقة مُحيطة بالفتحة العلوية للغواصة. وبعد تثبيت الغرفة بالحلقة وخفض الضغط الهوائي انفتحت الفتحة العلوية للغواصة؛ كي تسمح للعديد من أفراد الطاقم بالصعود إلى الغرفة للقيام برحلة الصعود إلى السطح.

في الغوص الحُر تأتي القدرة على حبس النفس لمدةٍ طويلة من التدريب، ومن صدمة الماء البارد على الوجه (التي يُطلَق عليها «استجابة الغواص»)، والاستعداد للتعرُّض للأذى البدَني. يمكن أن يزيد التدريب من كفاءة الرئتَين والوقت الفاصل بين مرات التنفُّس. وتُقلِّل صدمة الماء البارد من استهلاك الأكسجين. وعادةً ما يكون النزول مدعومًا بشيءٍ ثقيل (مربوط بالحزام على الأرجح) يسقط في نهاية النزول. ورغم ذلك، فبدون هذا الشيء الثقيل أيضًا يكتسِب الغوَّاص «طفوًا سالبًا» (قوة صافية للأسفل) أثناء النزول. والطفو العادي (الطفو الموجب) يكون مُتجهًا لأعلى وناتجًا عن شَغل الغوَّاص لحيِّز مُعين في الماء. رغم ذلك، فمع نزول الغوَّاص تنضغط الرئتان ويشغل الغوَّاص حيزًا أقل. يقلُّ الطفو ويصبح أصغر من قوة الجاذبية. ونتيجة لذلك يُصبِح تأثير القوة الصافية على الغوَّاص مُتجهًا لأسفل، ويغوص الغواص. ويتقلَّص حجم الرئتَين لحجم علبة مشروبٍ بارد، ويتسرَّب الدم إلى المكان الذي كان من المُفترَض أن تشغله الرئتان.

تحدُث هذه التغيُّرات الفسيولوجية إذا بدأ الغوَّاص عند سطح الماء ورئتاه مليئتان بالهواء. أما إذا بدأ الغوَّاص من غرفةٍ مغمورة فإنه قد لا يشعُر بأي انزعاجٍ إذا تنفَّس الهواء (أو أي مزيجٍ أكسجيني آخر) في ضغط الماء المُحيط. وعلى الرغم من أنَّ الغَوص في أعمق أجزاء المحيطات يبدو غير مُرجَّح، فإنه ليس مستحيلًا من الناحية الفسيولوجية.

عندما يعمل أحد الأشخاص في بذلة مُخصَّصة للغطس العميق، فإنه يُزَوَّد بالهواء من خلال خرطوم في القُبَّعة الصُّلبة (الخوذة)، أما المضخة الموجودة في طرف الخرطوم الذي ينتهي عند السطح فتزيد ضغط الهواء في البذلة ليتناسب مع ضغط الماء المحيط. وإذا ضعفت المضخَّة أو تعطَّلت فإن صمامات الأمان تُغْلَق على الفور لمنع انخفاض الضغط داخل البذلة إلى مستوى ضغط السطح. قديمًا عندما كانت المُعدَّات تفتقر لهذه الصمامات، كان تعطُّل المضخة يعني أن ضغط الماء سوف يحشُر حرفيًّا جسَد الغوَّاص داخل الخوذة.

(٥٥) كارثة بحيرة نيوس

في أغسطس ١٩٨٦ في وادي جنوب بحيرة نيوس في الكاميرون بأفريقيا تسبَّبت سحابة غاز أو هباء جوي مُميت في قتْل ما يقرُب من ١٧٠٠ شخص وعدد لا يُحصى من الحيوانات. وأعلن المُحقِّقون الذين وصلوا إلى المَوقع بعد عدَّة أيام أن البحيرة نفسها هي السبب وليس أي نوع آخر من الغازات البُركانية السامَّة. فكيف يمكن أن تبعث البحيرة غازًا قاتلًا؟

الجواب: كانت البحيرة تحتوي على تركيزٍ عالٍ من ثاني أكسيد الكربون المُذاب، لا سيما في الأجزاء السفلية نظرًا لضغط الماء العالي. ويبدو أن شيئًا ما تسبَّب في ارتفاع المياه السفلية إلى السطح، ممَّا سمح لقدْرٍ كبير من ثاني أكسيد الكربون المُذاب في الماء بتكوين الفقاقيع التي طفتْ إلى السطح. نبَعَتْ تلك الفقاقيع من الماء بقوة هائلة جعلت الأمواج تترامى عبْر البحيرة، وتجمَّع ثاني أكسيد الكربون فوق الماء وفاض على حدود البحيرة، وهبط إلى الوادي حيث خنق الضحايا. لقد غُمِر الضحايا في ثاني أكسيد الكربون وماتوا بسبب نقص الأكسجين.

وعلى الأرجح لن نعرِف بالتأكيد أبدًا ما الذي حفَّز ارتفاع المياه السُّفلية في بادئ الأمر. قد يكون هذا المُحفِّز مزيجًا من مياه الأمطار التي تسرَّبت إلى البحيرة ورياح شديدة القوى هبَّت على البحيرة من الطرف الذي دخلت منه مياه الأمطار. فنظرًا لأن مياه الأمطار كانت أكثر برودةً نسبيًّا ومِن ثَمَّ أشدَّ كثافة من مياه البحيرة الموجودة، فإن وضع مياه الأمطار على مياه البحيرة الموجودة كان غير مُستقر. وإذا حركت الرياح الشديدة طبقة مياه الأمطار عبْر البحيرة ثم غطست مياه الأمطار هناك، فمن الممكن أن يتسبَّب غَوصها في ارتفاع المياه العميقة مرة أخرى عند الطرف المُقابل من البحيرة. ومع ارتفاع هذه المياه العميقة تدريجيًّا إلى ضغط مائي أقل، بدأ الغاز في الانبعاث من المحلول.

ما زالت بحيرة نيوس تعجُّ بمعدلات عالية من ثاني أكسيد الكربون، ويخشى الباحثون إمكانية حدوث اندلاعٍ آخر مُميت. وفي واقع الأمر، يُحذِّر الباحثون الجميع من الاقتراب من البحيرة لا سيما في موسم الأمطار.

قصة قصيرة

(٥٦) القفز فوق المنزل وركوب السموات على كرسيٍّ قابلٍ للطَّي

في سبتمبر ١٩٣٧ في ملعب جولف في شاطي أولد أوركارد في ولاية مين قضى آل مينجالون، مُصور الأفلام الإخبارية، النصف الثاني من عصر أحد الأيام في محاولة تصوير حركة خطيرة معروفة باسم «القفز فوق المنزل». وعلى نحوٍ مُتكرر كان يجري نحوَ المنزل ويقفز للأعلى مُرتديًا حمَّالة مربوطة بسبعةٍ وعشرين بالونًا مُمتلئًا بالهيدروجين، على أمل أن يحمِلَه طفوُ البالونات للأعلى ويتجاوز به البناية. إلا أنَّ كلَّ محاولاته باءت بالفشل؛ لأنه لم يتمكن إلا من الصعود لمسافة ٢٥ قدمًا فقط، وكانت هذه المسافة غير كافية.

ولمَّا أخذ ضوء الشمس في المغيب قال: «لنضعْ هذه المرة ما يُساعدنا على أداء قفزة جيدة وننتهي من هذا الأمر.» فنفخ مينجالون خمسة بالونات أخرى وربطها بالحمَّالة، وقام بآخِر قفزة في اليوم. إلا أنه أثناء الارتفاع أصبح حبل الأمان الممدود بين الحمَّالة ومَصدِّ إحدى السيارات مشدودًا ثم انقطع.

كان الضوء قد بدأ في الانزواء وكانت ثمَّة عاصفة على وشْك الهبوب عندما بدأ مينجالون ينحرف صوب المُحيط الأطلنطي. في البداية راقَبَه والده ومساعده في رُعب ثم قفزا في السيارة. وانضم إليهم الأب مولين، كاهن إحدى الكنائس المحلية، وكان يتحلَّى بالفطنة إذ حمل معه بندقية عيار ٢٢ شديدة القوة. انطلق الثلاثة خلف مينجالون، لكن مينجالون الذي كانت تحمله البالونات غاب عن نظرهم على نحوٍ مُتكرِّر عندما كان ينحرِف صوب سُحب المطر. بالإضافة إلى ذلك، كانت السيارة مُقيَّدة بالسير على الطُّرق، ولم تكن الطرق بطبيعة الحال تتتبَّع مسار مينجالون بدقَّة.

وبعد ساعة عندما أصبح مينجالون على ارتفاع ٢٥٠ مترًا تقريبًا عن الأرض رآه الرفاق الذين كانوا يتعقَّبونه في السيارة. فأوقفوا السيارة وقفزوا منها، ثم أصاب الأب مولين بدقَّة ثلاثة من البالونات كي ينزل مينجالون إلى الأرض دون أن يلحَق به أذًى. كان فقدان الطفو كافيًا لإنزاله ببطء، وبطبيعة الحال لو كان الأب مولين قد أصاب الكثير من البالونات لأصبحت النهاية مأساوية. في أثناء الطيران أسقط مينجالون الكاميرا، لكنها وُجدت سليمة لاحقًا في حقل بطاطس. وسجَّلت الكاميرا حدثًا أكثر إثارة ممَّا كان يقصد مينجالون في بادئ الأمر.

في يوليو ١٩٨٢ قام لاري والترز أحد سُكان سان بيدرو في ولاية كاليفورنيا برحلة طيران مُشابهة لكن دون قصد. لقد انطلق والترز من طريقٍ في ضاحية لوس أنجلوس راكبًا كرسيًّا قابلًا للطيِّ مُزوَّدًا باثنَين وأربعين بالونًا مملوءًا بالهيليوم. في البداية انطلق لأعلى بسُرعة ٢٥٠ مترًا تقريبًا في الدقيقة، وسُرعان ما وصل إلى ارتفاع ٥ كيلومترات حيث رآه طيارَا اثنتَين من الطائرات. كان الإبلاغ عن رجُلٍ يطير بكرسيٍّ قابل للطي تطفو به البالونات يبدو غريبًا في عيون المُراقبين الجويِّين في مطار لوس أنجلوس الدولي لولا أن أحد أصدقاء والترز كان قد تمكَّن من الاتصال بالمُراقِبين في السابق.

وبمجرَّد أن أصبح والترز في الهواء البارد الخفيف بدأ يُقلِّل من الطفو من خلال التصويب على بعض البالونات بمسدس خرَز. إلا أنه أثناء الإثارة والمُعاناة من نقْص الأكسجين أسقط مُسدَّسَه دون قصد. وعلى الرغم من أن نقص الأكسجين يُسبِّب قدرًا من النشوة، فقد انزعج والترز عندما بدأ كرسيه للحظة في الارتفاع مرة أخرى. وبمجرَّد أن شرَع مجددًا في الهبوط على نحوٍ مُتواصِل، أخذ يُسيطر على سقوطه بإسقاط أوعية مملوءةٍ بالماء بين الحين والآخر تخفيفًا للحمل.

عندما اقترب والترز من الأرض علقت البالونات في أسلاك الكهرباء، لكنَّه لحُسن الحظ انتهت به الحال مُتدلِّيًا على مسافة مِترين تقريبًا من الأرض. وكان بُعدُه عن الأرض كافيًا للقضاء على الاحتمال المُحدِق المُتمثل في نفاذ الكهرباء عبرَه إلى الأرض. وتجنبًا لخطر تعرُّض والترز للصَّعق الكهربي فصل المُنقذِون التيار الكهربي عن المنطقة قبل إنزاله.

استمرَّت رحلتُه ساعة ونصف الساعة، وامتدَّت لمسافة ٥ كيلومترات رأسيًّا و١٦ كيلومترًا أفقيًّا. في البداية كانت وكالة الطيران الفيدرالية في حيرة مِن أمرِها حول كيفية مُقاضاة والترز (فلم تكن تُوجَد أي قواعد مكتوبة حول الطيران بكُرسي قابل للطي في خطوط الطيران الجوية)، لكن بعد مُداولة استمرَّت ستة أشهر غرَّمَتْه الوكالة غرامة كبيرة بسبب انتهاكات عديدة من بينها تشغيل مركبة جويَّة دون شهادة صلاحية للطيران.

(٥٧) تدفُّق زُجاج نوافذ كاتدرائيات العصور الوسطى

بعض الألواح الزجاجية للنوافذ المُركَّبة في الكاتدرائيات أثناء العصور الوسطى أكثر سُمكًا في الأسفل مُقارنةً بأعلاها. فهل تدفَّق الزجاج تدريجيًّا للأسفل مع مرور القرون؟

الجواب: يُمكن اعتبار الزجاج مائعًا لزجًا يستطيع التدفُّق أو الاستقرار. رغم ذلك، تُظهر الحسابات أن التدفُّق لأسفل يحدُث على نحوٍ تدريجي أبطأ من أن يتسبَّب في تغييرات ملحوظة في النوافذ الزجاجية التي تعود للعصور الوسطى. في واقع الأمر، قد يتطلَّب التغيُّر الملحوظ في هذه النوافذ مرور مليون سنة.

وتُوجَد تفسيرات أخرى لأشكال ألواح النوافذ الزجاجية من بينها عملية التصنيع. فعلى سبيل المثال، ربما يكون الزجاج قد صُنع أولًا عن طريق النفخ على صورة أسطوانية ثم قُطِع وسُطِّح في النهاية. وربما كان الجزء السفلي من الأسطوانة أكثر سُمكًا من الجزء العلوي، ومِن ثَمَّ فإنَّ أحد أجزاء اللَّوح الزجاجي النهائي سيكون أكثر سماكة. وربما بطبيعة الحال ركَّب العمال هذه النوافذ الزجاجية واضِعين الجزء الأكثر سماكةً في الأسفل.

(٥٨) موائع لزجة غريبة

لماذا يتدفَّق الكاتشب بسهولة أكبر من الزجاجة إذا رُجَّت أولًا؟ ربما لاحظتَ هذه النتيجة إذا حاولتَ صبَّ الكاتشب على الهمبورجر واكتشفتَ أن شخصًا آخر على الطاولة كان قد رجَّ الزجاجة للتو، في هذه الحالة سيكون الكاتشب في النهاية أكثر من الهمبورجر المَوجود في الطبق.

لماذا يتدفَّق الحِبر بسهولةٍ من القلم الجاف عندما تستخدِم القلم ولا يتدفَّق عندما يكون القلم في جيبك أو في حقيبتك؟ لماذا الدهان أحادي الطبقة يتدفَّق بسهولةٍ على الحائط ولا يتدفَّق ثانية من الحائط وينزل على الأرض؟ لماذا يُفرَد الزبد على الخُبز الموجود في درجة حرارة الغرفة باستخدام السكين ولا يسيح من تلقاء نفسه؟ لماذا مزيج الماء والنشا الثقيل من الصعب تقليبه إذا حاولتَ التقليب بسرعةٍ لكن من السهل تقليبه إذا قلَّبتَه ببطء؟

لماذا يكون معجون السيليكون (الذي يُباع تحت اسم العلامة التجارية سيلي باتي) أو المزيج المُشتَق من الكحول مُتعدد الفينيل (الذي يُباع تحت اسم العلامة التجارية سلايم) صلبًا إذا ضربته، ومطاطًا للغاية إذا ارتدَّ من الأرض، ومائعًا عند تدليتِه على قضيب؟

الجواب: ترجع الخواص الغريبة لهذه الموائع المُتنوعة إلى «اللزوجة»، ويُقصَد بها مدى سهولة أو صعوبة تدفُّق المائع. على سبيل المثال، يمتاز الدبس البارد بلزوجةٍ عالية ويتدفَّق ببطء، في حين يمتاز الماء بلزوجةٍ أقل ويتدفَّق بسهولة. تعتمد لزوجة مُعظم الموائع على الحرارة، إلا أن مُعظم الموائع تتمتَّع بدرجة لزوجة مُعينة في درجة حرارة مُحدَّدة. ويُطلَق على هذه الموائع «الموائع النيوتنية».

أما النوع الثاني من الموائع فيُطلَق عليه الموائع غير النيوتنية؛ لأنَّ لزوجتها تعتمد على طريقة دفعها إلى التدفُّق. مثال على ذلك الكاتشب؛ فإذا تُرك مُستقرًّا لفترة، فستكون لزوجته عالية، ممَّا يجعل من الصعب صبُّه من زجاجة ذات فتحة صغيرة. أما عند رجِّه أو تقليبه لثوانٍ، فستنخفض لزوجته على نحوٍ ملحوظ. ولذلك، لجَعْل الكاتشب يتدفَّق بسهولة من الزجاجة يُمكنك رجُّها عدة مرات؛ فالرجُّ يجعل أجزاءً من الكاتشب تنزلق بعضها على بعض، وهذه الحركة النسبية (يُطلَق عليها «القص») تفكك على الأرجح الجزيئات الطويلة السلسلة المُتداخِلة في خليط الكاتشب، ممَّا يسمح بسهولة التدفُّق. وعندما يُقلِّل القصُّ من لزوجة المائع، يُقال على المائع إنه «مُتميِّع بالرَّج» أو «مُترقِّق بالقص».

والحبر الموجود في القلم الجاف، والدهان أُحادي الطبقة، والزبد كلها أمثلة على موائع تترقَّق بالقص؛ فعند الضغط عليها من خلال كرة القلَم أو الفرشاة أو السكين يُقلِّل الضغط ومحاولة الحركة من لُزوجتها وتتدفَّق المواد بسهولةٍ كبيرة. وبمجرد توقُّف الضغط ومحاولة التحريك تُصبح اللزوجة مرة أخرى أكبر من القدرة على التدفُّق.

يوصَف هذا المزيج الثخين من النشا والماء بأنه مائع «مُثخَّن بالقص»؛ لأن التحريك الخفيف للمزيج يزيد من لزوجته. (لا يُظهر مزيج الماء والنشا الخفيف هذا التأثير.) وإذا ضربت المزيج الثخين براحةِ يدِك فإن الحركة النسبة تزيد على الفور لزوجته كثيرًا حتى إن المزيج يُصبِح شِبهَ صلب ولا يُطرطش بالتأكيد، إلا أنَّ هذه اللزوجة والقدرة على التدفُّق تعود على نحوٍ شِبه فوري. والزيادة اللحظية في اللزوجة تعود على الأرجح إلى اتِّخاذ جُزيئات النشا وضعية عمودية على اتِّجاه التدفُّق؛ ومِن ثمَّ توقف التدفق سريعًا. وبمجرد اختفاء محاولة التدفُّق تختفي هذه الوضعية. وإذا ألقيتَ حفنةً من المزيج الثخين على الأرض، فسيكون شِبه صلب أثناء التصادُم لكنه سيتدفَّق على الأرض بعد ذلك. وإذا غرستَ قضيبًا عريضًا للغاية أو ملعقة كبيرة جدًّا في المزيج ثم سحبتَ القضيب أو الملعقة لأعلى فقد تتمكن من رفع الخليط والوعاء ولو للحظة.

ومعجون سيلي باتي وسلايم كلاهما من الموائع غير النيوتنية اللَّزِجة. فإذا وُضِعا في وضع مُتدلٍّ على قضيب كي تسحبهما الجاذبية برفق، فسوف يتدفَّقان لأسفل. وعند التعرُّض لقوة أكبر وأكثر مفاجأة، كما في التصادم، فإن هذه المواد تتصرَّف مثل الكرة البلاستيكية؛ لأن الجزيئات الطويلة في المادة تلتفُّ وتتصرَّف مثل النوابض. وعند استخدام قدرٍ أكبر من القوة فإنها تنكسِر. على سبيل المثال، إذا سحبتَ فجأةً طرفَيْ حزمةٍ من معجون سيلي باتي في اتِّجاهَين مُتعارضَين، فسوف تنكسِر الحزمة على نحوٍ يُشبه كثيرًا انكسار قضيب معدني يُسحَب في اتجاهَين مُتعارضَين. ويمكنك أيضًا قطع سيلي باتي وسلايم بالمقص؛ فمع الضغط الكبير المفاجئ لشفرتَي المقصِّ ينقُص المائع ومِن ثَمَّ يُصبح المائع صلبًا وهشًّا.

ممكن أن ترى تأثيرًا آخر غريبًا إذا دفعت سيلي باتي في أنبوبٍ أجوف؛ فعندما يخرُج من الطرف الآخر يتمدَّد على النحوِ الذي يُعرَف باسم «انتفاخ القالب». ويحدُث هذا التمدُّد؛ لأن الجزيئات الطويلة ترتدُّ أثناء انبثاقها من الأنبوب، وذلك بعد أن تكون قد تعرَّضت للانضغاط خلال دفع المادة عبْر جُدران الأنبوب.

وتستطيع أنواع أخرى من الموائع غير النيوتنية التدفُّق خارج الأوعية كما يتدفَّق الماء من السيفون. فإذا جذبتَ جزءًا من المائع لأعلى جانب الكأس الزجاجي وسحبتَ ذلك الجزء عبر الحافة، فإن تدفُّقه خارج الكأس الزجاجي يُمكن أن يسحب بقية المادة لأعلى وعبر الحافة.

(٥٩) انعكاس الحساء

عندما تُقلِّب أنواعًا مُعينة من الحساء المعلب، مثل حساء الطماطم، ثم تزيل ملعقة التقليب، لماذا ينعكس الدوَران قُبَيل توقفه؟ لكي ترى هذا الانعكاس امزج أولًا علبة حساء الطماطم المُكثَّف بكميةٍ صغيرة من الماء (أقل من الكمية العادية). ثم قُم بالتجربة مع تسليط ضوءٍ على سطح الحساء.

الجواب: عندما تُقلِّب الحساء فإنك لا تدفع أداة التقليب في الحساء فحسْب بل تُجبر أيضًا طبقاتٍ عديدة من الحساء على التحرُّك في ترابُطٍ بعضها مع بعض. هذه الحركة القريبة التي يُطلق عليها «القص» تُفكِّك جزيئات الحساء طويلة السلسلة الملفوفة عادة. ومع تضاؤل الحركة والقص تسحب الجزيئات نفسها فجأة مرة أخرى في صورة لفائف، فتعكس الدوَران كما لو كان الحساء غشاءً مطاطيًّا.

(٦٠) التيَّار السائل المُرتد

صُبَّ تيارًا رفيعًا من شامبو الشعر أو صابون اليد السائل على سطحٍ منبسط يستطيع التيار أن يكون عليه كومة تسيل إلى الخارج. لماذا في بعض الأحيان يقفز التيَّار قفزاتٍ كبيرة إلى الجوانب عند الصبِّ من ارتفاعات مُعينة ومع سوائل مُعينة؟ (أنا أحصل على قفزاتٍ جيدة جدًّا ومُتكرِّرة عند استخدام صابون اليد آيفوري.)

الجواب: يُقال عن نوع الشامبو الذي يقفز إنه «لزج مطاطي»؛ لأنه لزج (بسبب الاحتكاك الداخلي المُقاوم للحركة) ولأنه مطاطي (يتصرَّف مثل الغشاء المطاطي). تكون لزوجة الشامبو عاليةً جدًّا عندما يتحرَّك الشامبو ببطءٍ في التيار الهابط وفي الكومة. إلَّا أنه عندما يجري التيار نحوَ الكومة يُسبب التصادم القص؛ أي إنه يجعل إحدى الطبقات اللزِجة تتحرك سريعًا فوق الطبقة اللزجة الأخرى، وتُقلِّل الحركة لزوجة هذا الجزء من التيار. ونظرًا لأنَّ السائل مطَّاط، فإن الانخفاض المُفاجئ في اللزوجة يجعل الجزء المُصطدِم يرتدُّ نسبيًّا مثل كرة المطاط؛ ومِن ثمَّ يكوِّن التيار حلقةً واسعةً تمتدُّ (تتوسع) للخارج إلى أحد جوانب التيار والكومة (انظر شكل ٢-١٨). وهذه الحلقة خاطفة للغاية حتى إنَّنا نرى فقط الجزء العلوي ويبدو التيار كما لو كان ارتدَّ عن الكومة.
fig73
شكل ٢-١٨: بند ٢-٦٠: تيار شامبو هابط يبدو وكأنه يرتدُّ عن كومة شامبو.

(٦١) الموائع المُتسلقة للقضبان

إذا وضعتَ قضيبًا دوَّارًا في إناء ماء عميق، فسيجعل القضيب الماء يدور مُكونًا دوَّامة تمتدُّ لأسفل القضيب. لكن إذا وضعتَ بدلَ الماء بياضَ بيضٍ أو مُعالِج زيت السيارات «إس تي بي» أو غيرها من الموائع، فلماذا «يتسلق» المائع الدوَّار القضيب مُتبعًا السلوك الذي يُطلَق عليه «تأثير فايسنبرج»؟

الجواب: ميل موائع مُعينة إلى التسلُّق يعود إلى الطريقة التي يَدفع بها القضيبُ المائعَ إلى الدوَران. لرؤية تأثير القصِّ تخيَّل أنَّ المائع موجود في طبقات أسطوانية مُتمركزة حول القضيب. إنَّ دوران القضيب يسحَب أيضًا الطبقة الداخلية إلى الدوَران. وتنزلق هذه الطبقة الأسطوانية أمام الطبقة التالية، وتسحبها إلى الدوران. وهكذا، ينجرُّ المائع إلى الدوران طبقةً تلو الأخرى. ونظرًا لأن الحركة تنشأ عن السَّحْب والانزلاق، فإنه يُمكن القول إنَّ الطبقات تخضع للقص. عندما يكون المائع هو الماء، لا يتجاوز نجاح القصِّ الطبقات الأولى القليلة؛ ومِن ثمَّ يقلُّ الدوران كلما اتجهنا للخارج. أما في هذه الأنواع الخاصة من الموائع فالجُزيئات لا تكون مُتماسكة فحسْب بل متداخلة للغاية، حتى إنها تتصرَّف مثل الشرائط المطاطية؛ فعندما يدور القضيب يلفُّ هذه الشرائط بحيث تنسحب نحو القضيب ثم إلى أعلاه.

(٦٢) لفائف حبل سائلة

عند صبِّ العسَل على شريحة خبز وضبط ارتفاع الصبِّ من المُمكن أن تجعل تيار العسل الرفيع يلتفُّ على الخبز (انظر شكل ٢-١٩). الموائع الأخرى تلتفُّ أيضًا على نفسها عند صبِّها بالطريقة الصحيحة. على سبيل المثال، يلتف تيار عريض من خليط الكيك للخلف والأمام مُكوِّنًا طيَّاتٍ تُشبه شريط ربط الهدايا. فما الذي يُسبب هذا السلوك؟
fig74
شكل ٢-١٩: بند ٢-٦٢: العسل يلتفُّ كما يلتفُّ الحبل.
الجواب: الموائع التي «تلتف كالحبل» أو «تلتف كالشريط» تتَّسِم بأنها مطاطية لزجة؛ أي تتَّسِم باللزوجة والمرونة معًا. وعند صبِّ العسل من ارتفاعٍ مُناسبٍ فإنه يلتفُّ كالحبل أو كالشريط، والسبب في ذلك يعود لعامِلَين: (١) عندما يصل التدفُّق إلى كتلة العسل الموجود على الخُبز فإنَّ السرعة العالية واللزوجة العالية تمنعه من التدفُّق داخل الكتلة؛ ومن ثَمَّ يتباطأ فجأةً بسبب الاصطدام بالكتلة ممَّا يضغط على التيَّار المُتدفِّق. (٢) يُصبح التدفُّق رفيعًا أثناء سقوطه ويصِل إلى كتلة العسل إما في صورة تيار أسطواني رفيع أو شريط عريض رفيع. وإذا كان التيَّار رفيعًا بقدرٍ كافٍ فإن الضغط عليه يجعله يلتفُّ نحوَ أحد الجوانب. ويستمرُّ التيار الأسطواني في الانحناء حتى يُصبح دائريًّا مُكوِّنًا لفةً قد تكون مُجوَّفة من الداخل. أما التيَّار العريض فينثني للخلف والأمام، وأثناء الانحناء عند أحد الجوانب يسحبُه ترابطُه إلى المركز مرة أخرى حيث ينحني بعد ذلك في الاتجاه المعاكس، وهكذا. وفي المُعتاد يُسفر السقوط من ارتفاعٍ عالٍ عن زيادة معدل الالتفاف أو الانثناء، لكن التأثير يختفي إذا كان السقوط من مسافة شديدة الارتفاع؛ لأن المائع ينزل عندها من الوعاء دفعةً واحدة بدلًا من التدفُّق بسلاسة في صورة تيار.

(٦٣) أمواج الماء

ما الذي يُسبب أمواج الماء؟ أي كيف تتولَّد الأمواج؟

الجواب: لا تُوجَد إجابات كاملة بعدُ لهذَين السؤالَين البسيطَين، إلا أنه يُوجَد تفسيرٌ بسيطٌ يتمثَّل في أنَّ النسيم أو أي اضطراب في الهواء أو الماء يُسفر عن تموُّجات. وهذه التموُّجات يمكن أن تتحوَّل فيما بعدُ إلى أمواجٍ أكبر عند مرور الرياح عليها. وبصفةٍ خاصة، تضغط الرياح على الجانب المُواجِه للرياح من الموجة، وتعلو الموجة، ثم تنكسِر إلى دوَّامات عند الجانب المَحمي من الرياح. يقلُّ ضغط الهواء في الدوَّامات، ومن ثَمَّ فإن اختلاف الضغط بين الجانب المُواجه للرياح والجانب المَحمي من الرياح للموجة يمكن أن يدفع الموجةَ في اتجاه الرياح ويمكن أن يجعلها أكثر طولًا؛ أي إنَّ الرياح يمكن أن تمنح الطاقة للمَوجة. وإذا أصبحتِ الرياح أشدَّ قوة، فإن الأمواج تُصبح أكبر (وكذلك تتغيَّر أطوالها الموجية).

(٦٤) الأمواج المُتطرِّفة والأمواج المارِقة

مُعظم أمواج المُحيطات لها نطاق أطوال مُعيَّن، يمكن أن يكون مُرتبطًا بظروف الرياح والعواصف. ورغم ذلك، ففي بعض الأحيان تحدُث موجات أكبر حجمًا. وإذا وصفْنا «الموجة المتطرفة» بأنها ذات طول مُخيف، فإنَّ «المَوجة المارقة» يُمكن أن تُوصَف بأن طولها مُريع. يَسبِق هذه الموجة نقطة مُنخفضة تُوصَف غالبًا بأنها «حفرة في الماء». وبعض السفن الكبرى التي كانت قوية لدرجةٍ كافية لمقاومة العواصف العنيفة تحطمت أثناء انزلاق مقدمتها لأسفل في هذه الحفرة ثم سحبها لأعلى بفعل موجة تصل إلى ارتفاع ٣٠ مترًا تقريبًا. أما ارتفاع الموجة المارقة التي ضربت باخِرةَ البحرية الأمريكية «رامابو» عام ١٩٣٣ فقد بلغ ٣٤ مترًا حسب قياس ضابط المراقبة الذي استخدَم طريقة التثليث لمسح الموجة المواجهة لمنصَّة المُراقبة. (التصرُّف بطريقة فيزيائية في مواجهة الموت يتطلَّب شجاعةً فيزيائية كبيرة.)

رُصدَت كلٌّ من الأمواج المُتطرفة والأمواج المارقة حول العالم، لكن بحار ساحل جنوب شرق أفريقيا تُنتِج أزيد من حصَّتِها من الأمواج المارقة، وهو ما يؤكده عدد السفن الكبير المفقود في هذه المنطقة. فما الذي يُسبِّب الأمواج المُتطرفة والأمواج المارقة؟

الجواب: على الأرجح أنت تتخيَّل أن موجة المُحيط هي موجة جيبية (في شكل منحنى الجيب ذي القمم والقيعان) تتحرك على سطح المحيط. وإذا تداخلت موجتان تتحركان في الاتجاه نفسه، يمكن أن تتخيَّل أن «الموجة الناتجة» (أي ما ستراه) هي ببساطة مجموع الموجتَين. وفي حالة المحاذاة التامة بين موجتَين (في الطور) فإن القِمم والقيعان في الموجة الناتجة ستكون أعلى وأعمق من قِمَم وقيعان المَوجتَين المُنفردتَين. وفي حالة تداخل الكثير من الأمواج المُتحركة في اتجاهاتٍ مختلفة، سيكون من المُحيِّر وصف الموجة الناتجة، لكن اجتماع الأمواج الفردية في حد ذاته هو ما سيُحدد ارتفاع وعُمق الموجة الناتجة.

يُطلق على هذا التجمُّع البسيط للأمواج «تجمُّع أمواج خطِّي». أما الأمواج المُتطرفة فهي «تجمُّع غير خَطِّي»؛ أي إنَّ تجمُّع الأمواج الفردية يُولِّد نسبيًّا قِممًا وقيعانًا شديدة الارتفاع وشديدة الانخفاض. وربما في أثناء زيادة ارتفاع القمم تدعم الرياح نموَّها بحيث يكون ارتفاع القمَّة النهائي أكثر من المُتوقَّع. أو ربما في مواقف مُعينة تُسفِر زيادة حجم الموجة الجديدة الناتجة عن نقطةٍ حرجة مُعينة عن تعديل الأمواج الفردية ويخلُق موجةً ناتجة أكبر حجمًا. باختصار، بعض السِّمات تدعم الموجة الناتجة. من غير المُرجَّح حدوث موجة مُتطرفة، لكن في بعض الأحيان تضرب هذه المَوجة السفن السياحية أو غيرها من السفن، فتفاجئ القباطنة الذين يَميلون عادةً إلى اعتقاد أنها أمواج مُكوَّنة من تجمُّعات خطية.

والأمواج المارقة (التي يُطلَق عليها أيضًا «الأمواج العملاقة» أو «الأمواج العاتية») أكثر صعوبةً في الشرح، لكن من المؤكد أنها ناتجة أيضًا عن تجمُّع غير خطِّي للأمواج. ورغم ذلك، فإنَّ حدوثها قُبالة ساحل جنوب شرق أفريقيا يعود إلى مواجهة تيَّار أقولاس والأمواج التي تدفعها الرياح في هذه المنطقة. يتدفَّق تيار أقولاس القوي صوب الجنوب الغربي في مسارٍ مُتعرِّج، وتتدفق الأمواج التي تدفعها الرياح صوب الشمال الشرقي عادةً. ونظرًا لأن الأمواج تدفع التيار إلى التعرُّج، فمن المُمكن تركيزها مثلما يُمكن تركيز موجات الضوء عن طريق العدسة. وفي ظلِّ الظروف المُناسبة، فإن هذا التركيز يُسفِر عن حفرة في الماء يتبعها موجة عملاقة تميل صَوب الحفرة.

(٦٥) التِفاف الأمواج للاقتراب من الشاطئ

يُمكن أن تقترِب الأمواج من الشاطئ من اتجاهات كثيرة اعتمادًا على الرياح وأماكن العواصف البعيدة. فلماذا تلتفُّ الأمواج عادةً بحيث تكون مُوازية للشاطئ (انظر شكل ٢-٢٠
fig75
شكل ٢-٢٠: بند ٢-٦٥: منظر علوي لأمواج مُحيط تُغيِّر الاتجاهات مع انخفاض عُمق الماء.
الجواب: هذا الميل للالتفات يُعدُّ نوعًا من «الانكسار»، وهو موضوع أكثر شُيوعًا في مجال البصريات، وهو يحدُث هنا بسبب انخفاض سرعة الأمواج مع انخفاض عُمق الماء. عندما تَعبُر قمَّة الموجة من المياه العميقة إلى المياه الضحلة، فإن أول جزءٍ يَعبُر من القمة يتباطأ ثم يتخلَّف وراء بقية القمَّة. يُحدِث هذا التأخُّر التواءً في القمة، فيتحرك الجزء البطيء في الماء الضَّحل صوبَ الشاطئ على نحوٍ أكثر مباشرةً من الجزء الذي لا يزال في المياه العميقة. وفي النهاية تَعبُر كامل القمَّة إلى الماء الضحل وتتَّجِه إلى الشاطئ على نحوٍ أكثر مباشرةً.

يتغيَّر أيضًا شكل الأمواج لأنَّ ما نراه يتحرَّك على سطح الماء هو في الواقع مجموع الكثير من الأمواج الفردية المُختلفة الأطوال الموجية. يعتمد مدى التباطؤ؛ ومِن ثمَّ الالتفاف أيضًا، على الطول المَوجي؛ ولذلك تتباطأ الأمواج الفردية وتلتفُّ بمُعدلات مختلفة.

(٦٦) مرور الأمواج عبْرَ فتحة ضيقة

عندما تمرُّ أمواج المحيط عبْر فتحةٍ أوسع نسبيًّا من الطول الموجي للأمواج لماذا تتمدَّد من الفتحة (تنتشر) بدلًا من التحرُّك في اتجاهها الأصلي (انظر شكل ٢-٢١
fig76
شكل ٢-٢١: بند ٢-٦٦: منظر علوي لأمواج مُحيط تتعرَّض للحيود من خلال فتحة في جدارٍ صخري.
الجواب: هذا الميل للانتشار، الذي يُعدُّ نوعًا من «الحيود»، يَعود إلى تداخُل الأمواج أثناء مرورها من الفتحة. تُمَثَّل عادة الموجة المُستقيمة المُتحركة في خطٍّ مستقيم على صورة طابور من صانعات الأمواج الصغيرة الكثيرة، وكلٌّ منها تُرسِل موجةً شِبه دائرية. وباستمرار يُولِّد تراكُب وتداخل كلِّ هذه الأمواج موجةً مُستقيمة متقدِّمة. رغم ذلك، فإنه عندما تدخل الموجة الفتحة الضيقة لا يبقى إلَّا صانعات الأمواج فحسْب الموجودة داخل الفتحة. تتراكب الأمواج شِبه الدائرية وتتداخل، لكنها لا تكفي لتكوين موجةٍ مستقيمة مُتقدِّمة، بل تنتج موجة تنتشر أثناء عبورها من الفتحة. بالإضافة إلى ذلك، تختلف قوة الحركة الرأسية للماء على طول هذه الموجة الجديدة؛ ففي بعض النقاط تكون حركة المياه الرأسية كبيرة، لكنها تكون مُنعدمة في النقاط المُتوسِّطة. ومِن ثَمَّ، إذا كانت الفتحة واقعةً بين الأمواج المُتكسِّرة على الشاطئ ووصلت الموجة المُتمدِّدة إلى الشاطئ فإن بعض النقاط على الشاطئ تشهد حركةً موجية هائلة ولا تشهد النقاط الأخرى أي حركة موجية.

ويمكن أن يحدُث الحيود أيضًا عند مرور الموجة على طرف الحاجز؛ حيث يتمدَّد الجزء القريب من الحاجز إلى «منطقة الظل»؛ أي المنطقة الواقعة خلف الحاجز المَحمية بوضوحٍ من الأمواج.

(٦٧) التَّذبذُب والرَّجْرَجة

عندما تحمِل وعاءً مفتوحًا يحتوي على سائل، مثل طبق ماء، وتسير به، لماذا يترجرج السائل؟ ما الذي يتحكَّم في مُعدل الرجرجة؛ أي عدد مرات تذبذُب سطح الماء في الثانية؟ هل يمكن رجرجة حوض استحمام مليء بالماء أو حمام سباحة؟ ماذا عن البِركة أو الميناء أو البحيرة؟

الجواب: عندما تسير فإنَّ مشيتك ومسكتك للوعاء الذي يحتوي على السائل تجعلان السائل يتحرَّك أفقيًّا ورأسيًّا؛ أي إنَّ الأمواج تبدأ في التكوُّن على سطح السائل. مُعظم الأمواج يتفاعل بعضها مع بعض بطريقةٍ عشوائية، لكنَّ أنواعًا مُعيَّنة من الموجات تُكوِّن «موجاتٍ واقفة» يتكرَّر فيها نسق التذبذبات الرأسية؛ فتتذبذب بعض النقاط بأقصى قدرٍ ممكن وبعضها لا يتذبذَب على الإطلاق. يُطلَق على الموجة الواقفة ذات التردُّد الشديد الانخفاض «نسَق التردُّد الأساسي» وتكاد تتكوَّن على نحوٍ شِبه دائم. يعتمد تردُّد الموجة الأساسية (ولو بشكلٍ تقريبي على الأقل) على الأبعاد الأفقية للوعاء وعُمق الماء. وعندما يكون مُعدَّل السير مُساويًا تقريبًا لتردُّد الموجة الأساسية، فمن المُمكن أن تكون الرجرجة قويةً لدرجة انسكاب السائل. ويُمكن تقليل هذه الاحتمالية بالسَّير بمزيدٍ من البطء أو تغيير المشية.

يُمكنك رجرجة حَوض استحمامٍ مليء بالماء إذا حرَّكت بدَّالًا عريضًا للخلف والأمام في الماء. جرِّب التردُّدات إلى أن تصل إلى التردُّد الأساسي. وعندها يمكنك أن تجد الرجرجة القوية التي يمكن أن تجعل الحوض يَفيض على الأرضية بسهولة.

يُمكن أن تحدُث الرجرجة أيضًا في حاويات السوائل الأكبر حجمًا مثل شاحنة الجازولين أو صهريج القطار. بالطبع في هذه الحالة من الممكن أن تُسبب الرجرجة غير المنضبطة اضطراب الشاحنة ويُمكن أن تؤدي لحادثة، ولذلك تُرَكَّب في أغلب الأحيان حواجز داخل الشاحنة لتقليل الرجرجة.

يُمكن أن يفيض حمام السباحة عند تردُّدٍ مُنخفض كثيرًا إذا قفز الناس في الماء بطريقة مُنسَّقة ومُتكررة لتكوين التردُّد الأساسي. ويمكن لمكبسٍ ميكانيكي كبير يهتزُّ عند أحد طرفَي حمام السباحة أن يفعل الأمر نفسه، لكن هذا أقل إمتاعًا بكثير.

أما المسطحات المائية الكبيرة مثل البِرَك والموانئ والبُحيرات فسوف تترجرج وفقَ نسق التردُّد الأساسي الخاص بها إذا تذبذب الماء بفعل موجات الزلازل أو اختلافات ضغط الهواء (مثل الرياح). يُطلق على حوادث الرجرجة الضخمة في المسطحات المائية الطبيعية «التذبذب». وفي حادثةٍ شهيرة وقعت في مارس ١٩٦٤، أطلق زلزال في ألاسكا مجموعة ذبذبات وصلتْ حتى خليج المكسيك. كان مُعظم هذه الذبذبات أصغرَ من أن يُلاحَظ، لكن بلغ قياس إحداها مِترَين من أعلى منسوب مياه إلى أدنى منسوب مياه.

يُمكن أن تترجرج الموانئ وأحواض المدِّ والجزر أيضًا عند «ضخِّها» من قبل المدِّ والجزْر أو بفعل اضطرابٍ صادر عن عاصفة أو تسونامي. في هذه الحالة تُصبح أشبهَ نسبيًّا بزجاجة أو أرغن ذي أنابيب يتعرَّض للضخِّ من خلال مصدر هواء مُتذبذب، فيما عدا أنَّ النتيجة هي تذبذُب مستوى الماء بدلًا من تذبذُب الموجة الصوتية.

وفي المُعتاد يكون مدى التذبذُب في الميناء (ومِن ثَمَّ احتمالية الدَّمار) أكبر في فتحة الميناء الضيقة (الفتحة المؤدية للمُحيط). ومن أسباب هذه النتيجة ما يُطلَق عليه «مفارقة الميناء»، ومفادها أن الفتحة الواسعة تسمح لطاقة الموجة القادمة بالعودة إلى المُحيط، في حين أنَّ الفتحة الضيقة تأسر بفعالية الطاقة القادمة. تحدُث نتيجة مُشابهة مع الأمواج الصوتية؛ فإذا نفختَ في الفم الضيق لزجاجة صودا مُمتلئة جزئيًّا، فسوف تُصدِر صوتًا رنَّانًا عاليًا في محيط الزجاجة الهوائي. أما إذا نفختَ في زجاجةٍ ذات فم أوسع فسيكون الصوت الرنان مكتومًا وربما من المُستحيل إطلاقه.

(٦٨) آثار البطِّ وحاملات الطائرات

لماذا يتكوَّن أثر على شكل حرف V خلف أشياء مثل البط وحاملات الطائرات التي تسير على الماء (انظر شكل ٢-٢٢)؟ هل يعتمد هذا الشكل أو الحجم الزاوي على سرعة الشيء؟
fig77
شكل ٢-٢٢: بند ٢-٦٨: منظر علوي لأثرٍ تركه جسمٌ يتحرَّك على سطح الماء.
الجواب: الأثر الذي يترُكه الشيء الذي يتحرَّك على الماء يكون هو نفسه تقريبًا لأي شيءٍ يتحرك بأيِّ سرعة ما دامت هذه السرعة تُسفر عن «موجات جاذبية» (حيث تكون الجاذبية هي المُتحكمة في الذبذبات) بدلًا من «موجات شعرية» (حيث يكون التوتُّر السطحي هو المُتحكم في الذبذبات). ولذلك، تترُك البطة وحاملة الطائرات أثرًا بزاوية مماثلة تُساوي ٣٩ درجة تقريبًا. إلَّا أن تفاصيل تركيبة الموجة داخل الأثر يُمكن أن تختلف باختلاف الأشياء لا سيما عند مشاهدتها من خلال رادار فَوقي (وهذا موضوع مُثير للاهتمام في المُراقبة العسكرية).

والسبب الأساسي في هذا النَّسَق هو «الأمواج المرحلية» التي تظهر على سطح الماء بسبب الاضطراب الصادر عن قاربٍ متحرك على سبيل المثال. والموجة المرحلية التي تُشبه شكل الموجة الجيبية تنتقل عن طريق إحداث ذبذبةٍ في سطح الماء. إلا أنك لا تستطيع فعليًّا رؤية الموجة المرحلية على الماء؛ لأن القارب يُنتج عددًا هائلًا من هذه الأمواج التي يتراكب (أو «يتداخل») بعضها مع بعض، ويُمكنك فقط أن ترى «الأمواج الجماعية» التي تنتُج عن هذا التداخل. تبدو الأمواج الجماعية وكأنها تنتقل على الماء، لكنها في الواقع تُنتَج باستمرار عن طريق تداخُل الأمواج المرحلية التي تُسافر أسرع مرتَين من الأمواج الجماعية.

وما يزيد أمواج الماء تعقيدًا هو أن الأمواج ذات الطول الموجي الأطول تنتقل بشكلٍ أسرع من الأمواج ذات الطول الموجي الأقصر. ولذلك تميل الأمواج المرحلية ذات الطول الموجي الطويل إلى تخطي الأمواج المرحلية ذات الطول الموجي القصير.

عندما يُسبِّب القارب اضطرابًا في الماء عند النقطة (أ) أثناء تحركه للأمام فإن الموجات المرحلية تتحرك إلى الخارج انطلاقًا من النقطة (أ) بضِعف سرعة الأمواج الجماعية الناتجة عن تداخل الأمواج المرحلية. ونظرًا لاتساع نطاق معدلات الأطوال الموجية للأمواج، فإن الأمواج المرحلية وأمواجها الجماعية يكون لها نطاق سُرعات عريض. ولذلك، فإنَّ نسَق الأمواج الصادرة عن النقطة (أ) وعن كل النقاط الأخرى على مسار القارب فوضوي جدًّا. إلا أن الأمواج تكوِّن موجاتٍ جماعية بارزة على حدود الأثر الذي يتَّخِذ شكل الحرف V؛ حيث يكون القارب في القمَّة وعند زاوية قياسها ٣٩ درجة. وبهذا ينتج شكل الأثر الذي يلفتُ انتباهنا.
إذا نظرتَ عن كثبٍ إلى صورة فوتوغرافية للأثر ستجد أن داخل الحرف V الكثير من الخطوط المُنحنية التي تجعل الأثر يُشبه بِنية الريشة. والسبب في هذه الخطوط الداخلية هو تداخُل الموجات الجماعية الناشئة عن نقاطٍ كثيرة على طول مسار القارب.

وإذا كنت قريبًا من أحد القوارب والأثر الذي يترُكه في ضوء النهار قد تُلاحظ أن الأثر أكثر هدوءًا من الماء خارجه. وعلى الرغم من كلِّ الأمواج الصادرة عن الاضطراب الناشئ عن القارب فالنتيجة تظلُّ واحدة، وهي أن الأثر يحتوي على الأرجح على عددٍ أقلَّ من الأمواج الجماعية قصيرة الطول الموجي مقارنةً بالماء الموجود خارج الأثر. وفي بعض الأحيان تعني هذه الحالة أن انعكاس ضوء الشمس بالنسبة لك يكون أكثر شبهًا بالمرآة؛ ومِن ثمَّ يكون أكثر سطوعًا داخل الأثر عنه خارجه.

(٦٩) ركوب الأمواج

ما الذي يجعل راكب الأمواج (على لَوح ركوب الأمواج) يتحرَّك صوب الشاطئ أو مع مسار الموجة؟ هل يمكنك ركوب قمة الموجة أو الاتجاه للخلف؟

الجواب: في المياه المفتوحة البعيدة عن الشاطئ تتحرَّك الأمواج بسرعاتٍ متطابقة. أما بالقُرب من الشاطئ فإن سرعة الموجة تقلُّ لِقلَّة عمق المياه. ومِن ثَمَّ، عندما تتحرك موجة المحيط عبْر مياهٍ تزداد ضحالتها تدريجيًّا مع الاقتراب من الشاطئ، فإن قاع الموجة يميل إلى التباطؤ. لا تتباطأ قمة الموجة ومِن ثَمَّ تميل إلى تجاوز قاع الموجة فتتسبَّب في ميل الموجة للأمام. ومن المُمكن أيضًا أن يزيد ارتفاع الموجة. وإذا «انهارت» الموجة ببساطة أو «اندفعت» فإنها تنتشِر في الاتجاه الأمامي وتُصبح أقل ارتفاعًا ومِن ثَمَّ تُصبح غير ذات فائدة في ركوبها. أما إذا «تدفَّقت» الموجة (أي تجاوزت القمة القاع) أو «انحدرت» (أي تجاوزت القمة القاع تجاوزًا كبيرًا حتى إن القمَّة تحدَّبَت لتصطدِم بقاع مُقدمة الموجة مكونة أنبوبًا مائيًّا)، فعند ذلك يستطيع راكب الأمواج ركوب الموجة.

ويشتمل ركوب الموجة على تضافُر عوامل ثلاثة تؤثر على راكب الأمواج ألا وهي: (١) الطفو، وهو عمودي على سطح الماء، ويحدُث لأن لوح التزلُّج مغمور جُزئيًّا. (٢) الجاذبية المُتجهة لأسفل، وهي تُحاول أن تجعل راكب الأمواج ينزلق على وجه الموجة. (٣) السَّحْب الموجود على سطح الماء الذي يُقاوم حركة اللَّوح على الماء، ويعود السحب إلى ضغط الماء على اللوح والاحتكاك بين اللوح والماء أثناء انزلاق كلٍّ منهما أمام الآخر.

ومن خلال التجديف بيدَيه للوصول إلى السرعة المطلوبة، يستطيع راكب الأمواج الجاثي على ركبتَيه أن ينتقل من الوجه الخلفي إلى الوجه الأمامي للموجة عبْر ذروتها. وبمجرَّد أن يتَّخذ الراكب وضعيته فإنه يقف وينتظر ركوبة مجانية (كفى تجديفًا). ومن خلال ضبط اتجاه اللوح في الماء يُمكن للراكب أن يضبط السَّحب ووضعية اللَّوح على الوجه الأمامي. ينعدم تأثير القوى الثلاث (أي يحصل راكب الأمواج على «التوازن») في نقطة ما على الجزء السفلي من الوجه الأمامي. وهناك تكون قوة الطفو مائلةً في اتجاه تحرُّك الموجة ومِن ثَمَّ تميل إلى دفع الراكب. تميل الجاذبية إلى سحب الراكب لأسفل المُنحدر لكن سَحب الماء يَميل إلى مقاومة تلك الحركة، ومِن ثَمَّ يركب الراكب الموجة. وللتنقُّل على وجه الموجة أو للتحرُّك على طول الموجة، يُغير الراكب اتِّجاه اللَّوح ومِن ثَمَّ يُغير سحب الماء. وفي العموم، تغيير الوقوف للخلف يجعل مُؤخِّرة اللَّوح أكثر انغماسًا في الماء، مما يزيد السَّحب ويُبطئ اللوح؛ ومِن ثمَّ يتسلَّق الراكب الوجه الأمامي. وتغيير الوقفة للأمام يجعل الراكب يُسرع وينزلق هابطًا على وجه الموجة.

لا يستطيع راكب الأمواج ركوب الموجة إذا كانت تتدفَّق أو تنحدِر على نحوٍ يكفي لحدوث اضطراب. وإذا ظهر الاضطراب في وقتٍ واحد على طول الموجة بالكامل فسوف ينتظر الراكب الموجة التالية فحسب. أما إذا جاءت الموجة بزاوية إلى الشاطئ، فإن التدفق والاضطراب يبدآن عند أحد طرفَي الموجة ويتحرَّكان على طول الموجة (ويُقال في هذه الحالة إن الموجة «تتقشر»). يحاول الراكب ركوب الموجة عند منطقة التدفُّق التي تُوجَد أمام الاضطراب بقليل. وإذا تقشَّرت الموجة سريعًا جدًّا، تلحق نقطة الاضطراب بالراكب وعندها تنتهي الركوبة.

وأكثر أنواع حركات ركوب المَوج إثارة على الأرجح هي حركة «الأنبوب» حيث تنحدِر قمَّة موجة طويلة للغاية لتصطدِم بقاع الموجة تاركةً نفقًا بين نقطة السقوط وبقيَّة الموجة. وإذا استطاع الراكب الركوب على الجزء الأمامي من الموجة قبل بدء تكوُّن الأنبوب فسيكون من المُمكن ركوب الموجة عبْر الأنبوب.

(٧٠) حركة خنازير البحر والدلافين

غالبًا ما تُصاحب خنازير البحر والدلافين القوارب والسفن، فتتحرك خلسة بجانب السفينة على عُمق مترٍ تقريبًا أسفل الماء. وقد تكون واقفةً مُنتصبة أو مُستلقية على أحد الجوانب أو تستعرض حركاتها ببساطة بالدوران حول مِحور الجسم. لكن لا يبدو أنها تسبح، بل هي تتحرك فحسب كما لو كانت مربوطة بالسفينة، وربما يدوم هذا لساعات. فما الذي يدفعها؟

الجواب: يعود الدفع الرئيسي إلى الأمواج التي تُطلِقها مقدمة السفينة (أو مُؤخِّرة السفينة في بعض الأحيان). يضع خنزير البحر أو الدولفين نفسه داخل المَوجة الأمامية على عُمقٍ ليس بكبيرٍ أسفل السطح (المائل). وعندما تندفع مقدمة السفينة في الماء دافعةً إيَّاه إلى الأمام ولأعلى وللخارج، فإن الماء يدفع الحيوان، دافعًا إيَّاه للأمام. وإذا أراد الحيوان ببساطة أن يركب الموجة بدلًا من اللعب، فإنه يبحث عن العُمق الذي تُوازِن فيه هذه القوة الدافعة سحْب الماء. وفي بعض الأحيان يمكن أن يحصل الحيوان على ركوبةٍ مجانية حتى إذا كانت موجة مُقدِّمة السفينة صغيرة، وربما دون أن يلاحظ ذلك أيُّ شخصٍ على متْن السفينة التي صنعت الموجة.

(٧١) أمواج الحافة

إذا اهتزَّ مِجداف بشكلٍ رأسي أو أُفقي في الماء فمن الممكن أن يظهر نسَق جميل من الأمواج، وستبدو ذُرى الأمواج الثابتة العمودية على المجداف شديدة الشَّبَه بأسنان المشط (انظر الشكل ٢-٢٣). وعلى هذا النحو فإنها تختلف عن الأمواج العادية التي يصنعها المِجداف، والتي تكون ذُراها موازيةً للمِجداف وتتحرَّك فوق سطح الماء. اكتشف هذه الأمواج الغريبة التي يُطلَق عليها «أمواج الحافة» أو «الأمواج الصليبية» مايكل فاراداي في الأول من يوليو عام ١٨٣١، كما كتَب في مُفكرة ملاحظاته العلمية الدقيقة. يجب أن تكون الاهتزازات مُوحَّدة، فيجب أن يكون عُمق إدخال المجداف صحيحًا بالضبط، وقد يلزم ظهور الأمواج مرور حوالي دقيقة.
fig78
شكل ٢-٢٣: بند ٢-٧١: أمواج الحافة عمودية على مجداف يهتز أفقيًّا.

ويُمكن أيضًا رؤية أمواج الحافة في كوب الخمر الملآن أو شِبه الملآن. مَرِّر إصبعًا نظيفة وجافَّة حول الحافة. وإذا فعلتَ ذلك على نحوٍ صحيح فمن الممكن أن يُسبِّب الاحتكاك أمواجًا عمودية على الحافة. ويُمكن أن تكون الأمواج شديدة القوة حتى إنَّ بعض قطرات الخمر تتطاير في الهواء. لماذا يُسفِر الاحتكاك عن أمواج؟

الجواب: الأمواج العادية الناتجة عن ذبذبات المجداف في الماء هي من نوع الأمواج الشعرية، وهي أمواج يتحكم في ذبذباتها التوتر السطحي وليس الجاذبية. ويُمكن وصفها بأنها تموُّجات على سطح الماء تمييزًا لها عن «أمواج الجاذبية» الأكبر حجمًا. في ظلِّ الظروف المناسبة تُطلِق اهتزازاتُ المجداف أيضًا نسَقًا ثابتًا من الماء المهتزِّ على العرْض الأفقي لوجه المجداف. ومن الأمور المُثيرة للدهشة أن تَردُّد اهتزازات الماء يساوي نصف تردُّد اهتزازات المجداف.

عند تصوير فيديو بالحركة البطيئة للمجداف وعند البدء في الاهتزاز أفقيًّا ستجد التسلسل التالي: في كلِّ مرة يتحرك فيها المجداف لأعلى فإنه يرفع تلًّا على طول عرضه الأفقي، وعندما يتراجع فإنه يُخلِّف واديًا على طول ذلك العرض. وأثناء تكوُّن هذه التلال والوديان فإنها تبتعد عن المجداف مثل الأمواج الشعرية العادية.

وبعد عمل المجداف لما يقرُب من دقيقة، ستجد أن المجداف في كل مرة يتحرك فيها للأمام يرفع سلسلةً من التموُّجات العمودية عليه والمُتداخلة مع تلِّ الموجة الشعرية العادية. إلا أنه تُوجَد مجموعتان من التموُّجات: فحركة المِجداف الأمامية ترفع مجموعة، وحركة المجداف الأمامية التالية ترفع المجموعة الثانية وهكذا. وتتكوَّن التموُّجات في المجموعة الأولى في منتصف تموُّجات المجموعة الأخرى. ولذلك، فإن مُعدَّل ظهور أيٍّ من المجموعتَين يُعادل نصف مُعدل اهتزازات المجداف.

عند حكِّ حافة كأس الخمر بطريقةٍ صحيحة سوف تجعل الحافة تهتزُّ مثل الجرس، وقد تسمَع في واقع الأمر رنين الكأس. الحافة دائرية، ومن ثَم فإن الاهتزازات تكوِّن نسقًا إما يتَّجِه ناحية مركز الدائرة أو بعيدًا عنها. ويُعطي شكل ٣-٤ في الفصل الثالث تصوُّرًا مُمكنًا عن لحظة مرور إصبعك حول قرص الساعة المتمثل في الحافة. فتحدُث أعلى إزاحة عند مكان الساعة الثالثة والسادسة والتاسعة، أما نقاط عدم الإزاحة فتحدُث في نقطة وُسْطَى بين تلك الأماكن. يتبَع النسق إصبعك حيثما تَحرَّك. وتعمل الحافة كمجدافٍ مُهتز، ويتكوَّن نسَق من الموجات الحدودية.

يمكن أيضًا تكوين أمواج الحافة من خلال وعاء انبجاس الماء النحاسي الصيني. لكننا هنا نحكُّ مِقبَضَي الوعاء بدَل الحافة. وإذا انطلقَتْ أمواج الحافة على نحوٍ صحيحٍ فمن المُمكن أن تقذف الماء في الهواء لارتفاع نصف متر.

ويُمكن إنتاج أشكال أمواج الحافة والأشكال الأكثر تعقيدًا (التي تشمل أنماطًا جميلة مثل الشرائط والسُّداسيات والدوائر) في طبقةٍ ضحلة من الماء والجليسرين إذا اهتزَّ السائل رأسيًّا.

(٧٢) نتوءات الشواطئ

ما الذي يُسبِّب نسَق النتوءات التي تُزيِّن كثيرًا من الشواطئ؟

fig79
شكل ٢-٢٤: بند ٢-٧٢: منظور علوي لتقدُّم موجة على الشاطئ. والتقدُّم التالي مُوضَّح بالخط المُتقطِّع.
الجواب: يَتشابه من الناحية الحسابية نسَق الماء المسئول عن النتوءات الشاطئية مع أنماط أمواج الحافة المذكورة في البند السابق. ورغم ذلك، بسبب صعوبة الحسابات الرياضية، فإننا سوف نلتزم بالوصف البسيط؛ فعندما تجري الموجة نحو الشاطئ تتَّخِذ عند وصولها شكلَ مُنحنى الجيب (انظر شكل ٢-٢٤) تقريبًا. وعند أقصى نقطة تتقدَّم إليها الموجة تحمِل معها الرمال على الشاطئ مكونةً نتوءًا من الرمل المُبلَّل. ينسحِب الماء عن طريق التدفُّق إلى مركز النتوء ثم يتدفَّق لأسفل عبْر مُنخفض يُشبه الحوض محفور في الرمل. يمنع «ارتداد الموج» الموجةَ التالية من «التقدُّم» على نحوٍ مشابه. وبدلًا من ذلك يحدُث تقدُّم الموجة التالية بعيدًا على جانبَي النتوء؛ حيث حققت الموجة السابقة أدنى تقدُّم. يُرَسِّب الماء الرمل ثم ينسحب مرة أخرى عبْر منخفضٍ مركزي يُشبه الحوض، ويمنع ارتداد الموج الموجةَ التاليةَ من التقدُّم نحوَ هذا النتوء. ومِن ثَمَّ فإن النسَق الذي نراه على الشاطئ يعود إلى تبادل التقدُّم عند النتوءات المُتجاوِرة.

(٧٣) الزيت والأمواج

منذ القِدَم عرف الناس أنَّ إلقاء طبقة من الزيت (مثل زيت الزيتون) على المياه المفتوحة يمكن أن يُقلِّل الأمواج أو يمنعها، حتى في ظلِّ وجود رياح قوية قادرة على تكوين الأمواج. كان هذا التأثير معروفًا لدى بنجامين فرانكلين الذي كان يحمل معه كمية صغيرة من الزيت كي يتمكَّن من توضيح هذا التأثير. وذات مرة، بينما كان يحضُر حفلًا بالقُرب من أحد الأنهار وكان النسيم يدفع الأمواج الصغيرة، سار إلى أعلى النهر نسبيًّا وهزَّ عصاه عدَّة مرات هزاتٍ «سحرية» دون أن يجعل روَّاد الحفلة يرَون رذاذ الزيت المُتساقِط من العصا. واندهش الحضور عندما اختفتِ الأمواج على نحوٍ شبه فوري وأصبح النهر راكدًا.

عند الطيران فوق المياه المفتوحة يُمكنك أن تلاحظ بُقَع التلوث. قد تكون هذه البُقَع أكثر انعكاسًا من الماء، لكن الأكثر أهمية هو أن سطحها أكثر لمعانًا في ضوء الشمس من سطح الماء غير الملوَّث المُجاور لها؛ لأن البُقَع تُقلل الأمواج أو تمنعها.

فلماذا يُهدِّئ الزيت المياه المفتوحة؟

الجواب: تُهدئ طبقة الزيت أو غيره من الملوثات الماء لأسباب ثلاثة: (١) إنها طبقة لزجة (حيث يمنع احتكاكها الداخلي انزلاق الطبقة على الأخرى). ولذلك عندما تبدأ الموجة سرعان ما تفقد طاقتها. هذا التأثير مُهم بصفةٍ خاصة بالنسبة للأمواج ذات الطول المَوجي القصير (أي الأمواج التي تفصل مسافة قصيرة بين ذُراها المتعاقبة). (٢) تتكوَّن الأمواج عادةً من تموُّجات؛ لأن الرياح تهبُّ على التموُّجات وأمامها. وإذا تبدَّدت التموُّجات فلن يكون مُمكنًا ظهور الأمواج الأكبر حجمًا. (٣) يُمكن أن تتداخل الطبقة مع انتقال الطاقة بين الأمواج ذات الطول الموجي الطويل والأمواج ذات الطول الموجي القصير، فتتسبَّب في انخفاضٍ عام في نشاط الأمواج.

(٧٤) القطرات الطافية

في بعض ماكينات صُنع القهوة تسقط بعض قطرات القهوة إلى بِركة القهوة. من المُفترَض أن تتناثر تلك القطرات وتندمج سريعًا في البِركة، لكنها تتسابق فوق سطح البِركة، وقد تندفع للأمام والخلف داخل الوعاء عدَّة مرات.

يمكن أيضًا تكوين القطرات الطافية عند احتكاك كوبٍ تقليدي من الفوم يحتوي على القهوة (أو غيرها من المشروبات) بسطح طاولة بحيث يتعرَّض الفنجان للالتصاق والانزلاق مرات مُتكررة. وإذا كانت الحركة المضطربة للفنجان سريعة بالقدْر الكافي فإنَّ التموُّجات الناتجة على السائل تنثُر القطرات في الهواء. وعند سقوط تلك القطرات فمن الممكن أن تطفو على السائل بدلًا من الاندماج فيه على الفور. وعند توقُّف حركة الالتصاق والانزلاق، فإن القطرات تندمج سريعًا.

وأيضًا عندما يصطدم تيَّار ماء ثابت من الصنبور بحوض مسطح، فمن الممكن أن يُكوِّن نسَقًا دائريًّا حول نقطة الاصطدام. داخل الدائرة يكون تدفُّق الماء سريعًا وضحلًا، وخارج الدائرة يكون أبطأ وأقلَّ ضحالة. ومِن ثَمَّ، فإن الدائرة هي فعليًّا جدار يحدُث عنده انتقال للماء. وإذا أسقطتَ قطرةً من قطَّارة على مجرًى مائي من فوق الجدار، فقط تطفو القطرة وهي مُعلقة على الجدار.

فلماذا تطفو قطرات الماء في كل هذه الحالات؟

الجواب: قد تبقى القطرة مُعلقة فوق البِركة بسبب التنافُر الكهربائي بين الجُزيئات على سطح القطرة والجزيئات على سطح البِركة. وعند وجود مُنظِّف في القطرة والبِركة، فإن جزيئات المُنظف تميل إلى التجمُّع عند سطح الماء واضعة أطرافها أليفة الماء (الجاذبة للماء) في الماء، مع بروز أطرافها كارهة الماء (طاردة الماء) خارج الماء. ومِن ثَمَّ فإن الأطراف كارهة الماء في قاع القطرة وقمَّة البِركة يمكن أن يطرد بعضها بعضًا مما يتسبَّب في رفع القطرة.

إلا أنه في الأمثلة المذكورة تُوجَد حُجة أكثر إقناعًا تفسر ارتفاع القطرة ألا وهي أن القطرة مدعومة بطبقة هواء بينها وبين البِركة. لنتأمَّل أولًا الموقف الشائع المُتمثل في إطلاق قطرةٍ فوق بِركة ثابتة؛ لأنَّ هذا الموقف يتضمَّن أيضًا طبقةً من الهواء: أثناء سقوط القطرة يتدفَّق الهواء السفلي للخارج إلى أن تلمس القطرة البِركة أولًا، ثم تندفع موجة عبر القطرة قاطعةً النصف السفلي الذي يندمج فورًا في البِركة، وعند نزول النصف العلوي يدعمه الهواء السفلي جزئيًّا لكنه يتدفَّق للخارج إلى أن تلمس القطرة المُتبقية البِركة أولًا، ومرة أخرى تندفع موجة على القطرة قاطعةً النصف السفلي الذي يندمج فورًا في البِركة. وهكذا تتكرَّر الدورة، ربما لعدَّة مرات، قبل أن يندمج آخر القطرة الأصلية في البِركة بدلًا من الانشطار إلى نصفَين.

نتأمَّل بعد ذلك سلسلة القطرات الساقطة في ماكينة صُنع القهوة. في عملية التناثُر التي سنناقشها في البند القادم، يمكن للقطرة أن تهبط بمجرَّد امتلاء الفوهة التي تركتها القطرة السابقة بالسائل المندفع للداخل. والاندفاع للداخل يدفع القطرة الجديدة إلى الارتداد نسبيًّا إلى أحد الجوانب. ومع نزول القطرة بعد ذلك فإنها تميل إلى طرد الهواء السُّفلي. إلا أنه نظرًا لتحرُّك القطرة يظلُّ الهواء الجديد مدفوعًا تحتها؛ ومِن ثمَّ تظلُّ دائمًا مدعومة بطبقة من الهواء السفلي. ويتشابَهُ مثال الحوض مع هذه الحالة، فيما عدا أن القطرة ترتكِز على الجدار وتدفُّق الماء يسحبُ باستمرارٍ الهواء الجديد تحت القطرة لاستمرار الدعم.

وإذا حدث اهتزاز في البِركة والقطرة، فمن المُمكن أن تضخَّ الحركة الهواء تحت القطرة بسرعة كافية لدعم القطرة. تحدُث حركة الضخِّ في الكوب المصنوع من الفوم الذي يُسحَب على سطح الطاولة بطريقة الالتصاق والانزلاق. وعلى الأرجح ستفلح أيضًا أي طريقة أخرى لإحداث اهتزازٍ رأسي في القطرة والبِركة إذا كان تردُّد الاهتزاز مُساويًا تقريبًا لتردُّد اهتزاز الكوب المصنوع من الفوم.

ويمكن أيضًا أن تحوم القطرة إذا كانت حرارتها أو حرارة البِركة مرتفعة. وفي هذه الحالة سيكون بخار الماء هو الغاز الذي يدعم القطرة. ويُطلَق على هذه الآلية عادةً اسم «تأثير ليدنفروست» ونتناوله في الفصل الرابع الذي يتحدَّث عن العمليات الحرارية.

(٧٥) القطرات المُتناثِرة

ما الذي يحدُث لقطرة ماء مثل نقطة المطر عندما تصطدم بسطحٍ أفقي صُلب أو بِركة ماء؟ لماذا تتناثر بعض القطرات (أي تُلقي أجزاء منها لأعلى وللخارج) ولا يتناثر البعض الآخر؟

عند نزول قطرة دم أو قذفِه من ضحية في مسرح الجريمة يحتاج الباحث الجنائي إلى تحديد سرعة وحجم القطرة من البُقعة التي تركتها على السطح. ومن الصعوبات المُتأصِّلة في هذا الأمر أن حجم البُقعة يعتمد على «كلٍّ من» سرعة وحجم القطرة؛ أي إنَّ البقعة كبيرة الحجم قد تكون ناتجة عن قطرةٍ صغيرة ذات سرعة عالية أو عن قطرة كبيرة ذات سرعة مُنخفضة. هل تُوجَد طريقة لتحليل بقعة الدم للكشْف عن هذه المعلومة؟ (تخيَّل ماذا سيفعل شيرلوك هولمز.)

الجواب: «السطح الصُّلب»: وفقًا للظروف، فإنه عند اصطدام القطرة بسطحٍ صلب يمكن أن تتناثر، أو أن تتمدَّد لتغُطِّي (تبلل) السطح دون تناثر، أو أن ترتد أولًا ثم تتناثر أو تتمدَّد. في حالة التناثر، تُكوِّن القطرة طبقة ضحلة ذات «تاج» (حافة مُرتفعة) تقذف على الأرجح قطراتٍ صغيرة أثناء نزولها. وتتكون القطرات الصغيرة؛ لأن الحافة أصبحت غير مستقرة أثناء تباطؤ حركتها الخارجية. تسيطر إحدى الأمواج التي تميل للتكوُّن على الحافة في هذه المرحلة، وتكون نقاطها العُليا نتوءات أو أصابع يمكن أن تنقصم لتكوِّن نقاطًا. وفي الغالب يمكن رؤية الأصابع في النسق الذي يتركه الرذاذ. والطول الموجي الذي يُهيمن على عدم الاستقرار يُساوي تقريبًا محيط النسق مقسومًا على عدد الأصابع الموجودة في هذا النسَق.

«السطح المائي»: يمكن للنقطة التي اصطدمت بسطحٍ مائي أن تتناثر أو أن تمتزج بالسطح أو أن تطفوَ فوقه. لا يمكن أن يحدُث الطفو الذي ناقشناه في البند السابق إلا إذا سقطت القطرة من مسافةٍ قصيرة. وأما بالنسبة للسقوط من مسافةٍ أعلى، فإن القطرة تُحدِث عادةً فوهة نصف كُروية في سطح الماء ثم تُكَوِّن تاجًا حول حدود الفوهة. ومع انحسار التاج وتراجُعِه إلى الفوهة، فإن التدفُّق الداخلي السريع يُلقي الماء للأعلى في نافورة مركزية. وقد تُسقِط النافورة قطرةً أو أكثر أثناء وصولها لأعلى ارتفاع. وفي النهاية تنحسر النافورة وينتهي التناثُر.

في بعض الحالات سوف ينغلق التاج على نفسه مكونًا قُبة، وسوف تُحاصَر أي نافورة مركزية في الداخل دون رؤيتها. وإذا ضربت القطرة الماء دون أن تُحدِث تاجًا فسوف تُحدِث دواماتٍ مُتَّجِهةً لأسفل تُشبِه في شكلها الكعكة الأفقية؛ فيدور الماء لأسفل في داخل الكعكة ولأعلى خارجها. يمكن لإضافة ألوان الطعام في القطرة أن تجعل الدوَّامة مرئية. والقطرة التي طرحتها نافورة مركزية يمكنها أيضًا تكوين دوامة. تكون النافورة المركزية في طبقة الماء الرقيقة أكثر وضوحًا؛ لأن الحدَّ الصلب السُّفلي يجعل التاج يتحوَّل بمزيدٍ من القوة إلى النافورة المركزية. أما أعلى ارتفاع للنافورة فيحدُث عندما يكون عُمق طبقة الماء مُساويًا لنصف قُطر الفوهة التي أحدثتْها القطرة. (ومن المُفاجئ أنه عند إزالة الهواء الموجود فوق طبقة الماء أو وجود غازٍ أخف بدلًا منه، يمكن أن يختفي التناثُر.)

والقطرات الساقطة على الماء في سلسلةٍ سريعة يُمكن أن ترتدَّ عن الماء؛ لأنه بعد نزول القطرات الأولى القليلة تصطدم القطرات اللاحقة بالحفرة في الوقت الذي يبدأ فيه الماء في الصعود لأعلى لإعادة ملء الحفرة. ولذلك، فأيٌّ من القطرات اللاحِقة يمكن أن يُلقى لأعلى ببساطة.

يمكن أن تتعرَّض قطرات الشمع الذائب الساقطة على سطحٍ معدني أملس إلى نوع التناثر نفسه الذي تتعرَّض له قطرات الماء، لكنها سوف تتجمَّد في المراحل النهائية. تُصبح الأنماط الأخيرة جذَّابة عندما تُسقِط نتوءات أو تيجان المُحيط قطراتٍ صغيرة؛ لأنَّ هذه القطرات المُتجمِّدة تبقى مُحيطة بمنطقة التناثر الرئيسية. قطرات المعدن المُذاب الساقطة على سطحٍ معدني مُسطَّح يُمكن أيضًا أن تتجمَّد مكوِّنة أشكالًا مُثيرة، إلا أن هذه القطرات تخضع لعملية «تَسَطُّح» بدلًا من عملية «التناثر»؛ لأنها تنتشِر على السطح المستوي وتظهر الأصابع على طول المُحيط. تنفصل بعض الأصابع في صورة قطرات معدنية مُنعزلة. وزيادة خشونة السطح تُقلِّل عادةً عدد الأصابع وتزيد عرضها.

ومن أجل تحديد سرعة وحجم قطرة الدم السائلة من ضحية في إحدى الجرائم يحتاج الطبيب الشرعي إلى فحص حجم البُقعة وكذلك عدد الأصابع الموجودة حول المحيط. تُسفر السرعة العالية عن عدد أصابع أكبر. إلا أنَّ ما يجعل عملية التحليل صعبةً هو طبيعة السطح الذي اصطدمت به القطرة؛ فالسطح الخشِن يجعل الأصابع تتداخل ويُقلِّل حجم البُقعة. ولذلك يتطلَّب الأمر عملًا تجريبيًّا مكثفًا لتسجيل خصائص بُقَع الدم على أنواع الأسطح الشائعة من الخرسانية إلى الورقية وحتى الزجاجية. وبدلًا من ذلك، عند العثور على بُقَع الدم في مسرح الجريمة لا بدَّ من أخذ عيِّنة من السطح الصلب المُلطخ بالبُقع إلى المُختبر مرةً أخرى حيث يُمكن تحليل تجارب تستخدِم قطرات دم معروفة الحجم وارتفاع السقوط على ذلك السطح.

(٧٦) الفقاعات في الصودا والجعة والشامبانيا

لماذا تتكوَّن الفقاعات في الصودا والجعة والشامبانيا وغيرها من المشروبات الغازية بعد فتح الوعاء؟ لماذا تتكوَّن فقط على السطح الداخلي للوعاء ولا تتكوَّن داخل السائل نفسه؟ لماذا يكبر حجمها عند صعودها؟ ولماذا يتكوَّن قِطار من الفقاعات بحيث تتتبَّع الفقاعة الأخرى لا سيما في الشامبانيا؟ لماذا ترتفع الفقاعات في الشامبانيا عادةً أسرع من ارتفاعها في الجعة؟ إذا نظَّفتَ كأس شراب بمسحوق غسيل وتركته يجف في الهواء قبل أن تصُبَّ فيه مشروبًا غازيًّا فلماذا ينتهي تقريبًا تكوُّن الفقاعات؟

عند إضافة الثلج أو الملح إلى كأس من الجعة صُبَّ للتوِّ لماذا يزداد إنتاج الفقاعات بقوة، ربما لدرجة فيضان السائل من الكأس؟ لماذا تتناثر محتويات المشروب الغازي للخارج عند رجِّ المشروب قبل فتحه؟

شراب الشاندي هو مزيج من الجعة ومشروب مُرطِّب يتمثَّل عادةً في الليمونادة أو جعة الزنجبيل. وعند صبِّ الجعة على المشروب المُرطب لا يحدث شيء جدير بالملاحظة. أما إذا أُضيف المشروب المُرطب إلى الجعة، فإن فوران الفقاعات قد يفيض من الوعاء. فما سبب هذا الاختلاف؟

عند وضع قِطَعٍ صغيرة من الليمون في كأس من الجعة لماذا يُمكن أن تصعد وتهبط في الكأس على نحوٍ مُتكرِّر؟ وعند صبِّ جعة جينيس سريعًا في كأس لماذا تتكوَّن الفقاعات في صورة طبقات على جانب الكأس، ولماذا تتَّجِه هذا الطبقات ﻟ «الأسفل»؟

الجواب: المشروب الغازي هو سائل يحتوي على قدرٍ كبير من ثاني أكسيد الكربون المُذاب المحفوظ تحت ضغط. في الشامبانيا قد يصل الضغط إلى ستَّةِ أمثال الضغط الجوي العادي. أي إنَّ كلًّا من السائل وجيب الغاز الموجود فوق الغاز واقعان تحت هذا الضغط الكبير. (إذا لم تُخلَع قطعة الفلين برفقٍ من زجاجة الشامبانيا فمن الممكن أن يتسبَّب الضغط الكامن تحت قطعة الفلين في إطلاقها بسرعة ٥٠ كيلومترًا في الساعة، وهي سرعة أكثر من كافية لإحداث إصابة بالغة في العين.) وعند فتح الوعاء فإنَّ تدفُّق الغاز للخارج يُقلل الضغط الداخلي؛ ومِن ثمَّ يصبح أقل من المطلوب للحفاظ على الكمية الكاملة لثاني أكسيد الكربون المُذاب. ولذلك يبدأ ثاني أكسيد الكربون في الخروج من المحلول إما من خلال عبور السطح العلوي من السائل (إذا أمكن) أو بتكوين الفقاعات.

في العموم، يمكن أن تتكوَّن الفقاعة ثم تكبُر فقط إذا كان حجمها يفوق قيمةً حرجة مُعيَّنة. ومشكلة الفقاعة الأصغر حجمًا تكمُن في سطحها شديد الانحناء؛ إذ يتسبَّب الانجذاب المُتبادل بين جزيئات الماء على السطح في انفجار الفقاعة على الرغم من الدفعة الخارجية الصادرة من غاز الفقاعة. أما سطح الفقاعة الأكبر حجمًا فهو أقلُّ انحناءً، والقوة الداخلية لجزيئات الماء على السطح ليستْ كافية لتجعل الفقاعة تنفجر. ورغم ذلك، فإن الفقاعات الأكبر من الحجم الحرِج من غير المُحتمَل أن تتكوَّن داخل السائل نفسه؛ فلا يمكن أن تكبُر ولا أن تظهر فجأة بهذا الحجم. ومِن ثَمَّ، فإن «تَنَوِّي» (إنتاج) الفقاعات يحدُث على السطح فقط، على الجدران والقاع في الأساس (لكنَّه يحدُث أيضًا على أي مادة صلبة في السائل). وفي النهاية تصبح كمية ثاني أكسيد الكربون المُتبقية في السائل أصغرَ من أن تُكَوِّن مزيدًا من الفقاعات.

والتفسير الأكثر شيوعًا لتَنَوِّي الفقاعات يتضمَّن وجود خدشٍ في جدار الكأس وفقاعة موجودة من قبل. إذا كان عرض الخدش مناسبًا، فمن المُحتمَل ألا يكون سطح الفقاعة شديد الانحناء ومِن ثَمَّ لا تنفجر الفقاعة. علاوة على ذلك، يمكن لثاني أكسيد الكربون أن يمرَّ ببطءٍ من السائل إلى الفقاعة، فينفخ الفقاعة ويزيد طفوها. وفي النهاية، تصبح الفقاعة كبيرة على نحوٍ كافٍ لخروج مُعظمها من الخدش والطفو لأعلى. ويبدأ إنتاج الفقاعات مرة أخرى من كمية الغاز الصغيرة المُتبقية في الخدش.

تُشير الأدلة الحالية إلى أن «معظم» الفقاعات في كأس الشراب لا تبدأ بسبب الخدوش، بل تبدأ في الألياف السليولوزية التي ظلَّتْ مُلتصِقة على سطح الكأس عندما غُسلت أو جُفِّفت في السابق بمنشفةٍ ورقية أو قماشية. وتحتوي هذه الألياف الجوفاء على هواء محبوس يبدأ إنتاج الفقاعات. وعند فتح الوعاء، يتسرَّب ثاني أكسيد الكربون إلى الهواء المحبوس من خلال نهايات الألياف المفتوحة. وعندما تصبح الفقاعة كبيرة على نحوٍ كافٍ ينفصل جزءٌ منها من إحدى النهايات، وتتكرَّر العملية. وإذا لم يُجفف الكأس بالورق أو القماش أو إذا غُسل بمسحوقٍ وجُفِّف بالهواء النظيف الصادر عن آلة فسيفقد الكأس هذه الألياف السليولوزية ومِن ثَمَّ لن يتمكن من إنتاج الفقاقيع. والفقاقيع الوحيدة التي سيكوِّنها ستكون ناتجة من الاضطراب الذي يحدُث عند ملء الكأس لأول مرة.

إذا فتحت عبوة صفيحية تحتوي على مشروب غازي من خلال جذب حلقة السحب فإن إنتاج الفقاقيع بكامله سيحدُث عند السطح العلوي المغمور من الحلقة. (استخدم مصباحًا يدويًّا للنظر داخل بقية العلبة الصفيحية.) ومن المُفترَض أنَّ تكوُّن الفقاقيع يحدُث عند تعلُّق البقايا بالحلقة. وإذا نظفت قمَّة العلبة الصفيح بورَقٍ أو قماش لأسباب صحية فإن جزءًا من البقايا سيكون من ألياف السليولوز.

وإن الثلج يحتجِز الهواء في أجزاءٍ مختلفة من سطحه؛ ومِن ثمَّ يمكن أن يكون تأثيره مثل الألياف. أما الملح فمُختلف؛ فعندما يضيف الشخص الملح إلى الجعة، فإنه يذوب في المحلول ويُقلل كمية ثاني أكسيد الكربون الممكن ذوبانها في السائل. يحتوي السائل بالفعل على كمية كبيرة من ثاني أكسيد الكربون؛ ولذلك سرعان ما يخرج ثاني أكسيد الكربون من المحلول.

وبمُجرَّد إطلاق الفقاقيع يميل الطفو إلى دفعها لأعلى؛ لأنها أخفُّ من السائل المُحيط. إلا أن جزيئات مثل البروتينات تبدأ بالالتصاق بالفقاقيع سريعًا، فتزيد من السحب وتُبطئ الصعود. هذا التباطؤ يحدُث في الجعة أكثر من حدوثه في الشامبانيا لأنَّ الجعة عامرة بالبروتينات؛ ومن ثَمَّ تسبق فقاقيع الشامبانيا فقاقيع الجعة.

إذ رُجَّ وعاء المشروب الغازي قُبيل فتحه فإنَّ الغاز الموجود عادةً فوقه يختلط به في صورة فقاقيع صغيرة. وعندما يقلُّ الضغط يمكن لثاني أكسيد الكربون أن يخرج فجأةً من المحلول عن طريق التحرُّك إلى هذه الفقاقيع، وقد يكون نموُّ الفقاقيع شديد القوة لدرجة دفع الفقاقيع للسائل من الوعاء، بل من الممكن أيضًا أن تُطلقه للخارج. وتجنبًا للفوضى، يجب أن يبقى الوعاء المرجوج موضوعًا لفترةٍ قبل فتحه، للسماح للفقاقيع بالوصول إلى القمة والانفجار. (لا أعرف لماذا يُسرِّع القرْع على الوعاء هذه العملية إلا إذا كان يزيح الفقاقيع التي تكون مُلتصقة بجدار الوعاء.)

يعتمد تكوُّن الفقاعات في جعة «شاندي» على مكان وجود الجعة بالقُرب من جدار الكأس، أي المكان الذي يُمكن أن تتكوَّن فيه الفقاعات. فعلى سبيل المثال، إذا صُبَّت الجعة على الليمونادة فإن معظمها سيُكوِّن في البداية طبقةً فوق الليمونادة. ومِن ثَمَّ ستتكوَّن الفقاعات في الأساس في الطبقة العُليا ويمكن أن تهرُب بسهولة إلى السطح العلوي بالطريقة المُعتادة. أما إذا صُبَّت الليمونادة على الجعة، فستتكوَّن الفقاعات في الطبقة السفلى وستضطر إلى التسلُّق عبْر الليمونادة للوصول إلى السطح العلوي. بالإضافة إلى ذلك، مع تدفق بعض الليمونادة إلى الجعة، يمكن أن توفر بعض جزيئاتها (مثل اللب) أماكن لتكوُّن الفقاعات وهروبها. باختصار، فإنَّ معدل تَكوُّن الفقاعات يزيد ويجب أن تتَّجِه تلك الفقاعات لأعلى عبر الليمونادة للوصول للسطح العلوي. والنتيجة هي تسارُع إنتاج الرغوة ووجود فرصة جيدة للفيضان.

ويمكن لقطعةٍ صغيرة من الليمون، وحبَّةٍ واحدة من الفول السوداني (ليس من النوع المُجفف المُحمص)، وغيرها من العناصر أن تجمع عددًا كافيًا من الفقاقيع قُرب قاع السائل كي تطفو إلى القمة. وكثير من الفقاعات تنفجر هناك؛ ومِن ثمَّ يغرق الشيء مرة أخرى في القاع. وكلما واصلَتِ الفقاقيع التكوُّن، تكرَّرت العملية.

عند صبِّ جعة جينيس في كأسٍ تملأ الفقاقيع الجعة في البداية. وعندما تندفِع الفقاقيع إلى بعضها يُمكن أن يلتصِق بعضها ببعضٍ مكونة «مجموعات فقاقيع» تتسبَّب في تباطؤ الفقاقيع في صعودها. يفصل المجموعات رأسيًّا بعضها عن بعض مسافة تعتمد على اختلاف مُعدَّلات الصعود بين الفقاعة الحرة ومجموعة الفقاقيع. (من الممكن أن تتكوَّن مجموعات الفقاقيع في الصهارة البازلتية والحِمَم البُركانية المُتدفِّقة إذا كانت الطبقة سميكة على نحوٍ يسمح للفقاقيع الصاعدة بتكوين مجموعاتٍ قبل الوصول إلى سطح الطبقة.)

يقول بعض الناس إنَّ حركة مجموعات الفقاقيع للأسفل ما هي إلا وهم، لكن الحركة تبدو حقيقية ويمكن أن تكون قائمة على أحد التأثيرين التاليَين أو كليهما: (١) الفقاقيع في منتصف الكأس سوف تصعد أسرع من الفقاقيع الموجودة على الجدار؛ إذ يُعيقها احتكاك الجدار والسَّحْب الواقع على المجموعات. ولذلك، تسحب الفقاقيع الصاعدة السائل الموجود في منتصف القدح لأعلى، مما يجعل السائل الذي يحلُّ محلَّه يتحرَّك لأسفل قُرب جدار القدح. (٢) تندفع الفقاقيع المُتحرِّرة من سطح المجموعة إلى أعلى لتنضمَّ إلى قاعدة المجموعة العُليا التالية. ومِن ثَمَّ، تفقد كل مجموعة فقاقيع من سطحها العلوي وتكتسب في الوقت نفسه فقاقيع في سطحها السفلي، ولذلك يتحرَّك مركز المجموعة لأسفل.

(٧٧) فقاعات الصابون ورغوة الجعة

ما الذي يجعل فقاعة الصابون التي كنتَ تنفخها من الحلقة وأنت طفل مُتماسكة؟ لماذا يلزم وجود صابون أو سائل مُنظف، هل يمكن أن تنفخ فقاعة من الماء؟ لماذا تستمرُّ الفقاعة لوقتٍ أطول إذا كانت تحتوي أيضًا على الجلسرين؟ (امزج المنظف والماء والجلسرين بنسبة ١ :٣ :٣ تقريبًا.) لماذا لا يتسرَّب السائل الموجود على جدار الفقاعة إلى قاع الفقاعة فيجعل القمة تنفتح وتنفجر؟

لماذا تستمرُّ الرغوة (الزَّبَد) على الجِعَة المصبوبة لمدة أطول من الرغوة الموجودة على الصودا المصبوبة؟ لماذا تختفي رغوة الجعة في النهاية؟

الجواب: جدار فقاعة الصابون عبارة عن طبقة رقيقة جدًّا من الماء وجُزيئات المنظف المُتجمعة على السطح الداخلي والسطح الخارجي. يلتصق طرف جزيء المنظف بالماء (فهو مُحبٌّ للماء) ومِن ثَمَّ يثقب سطح الماء. أما الطرف الآخر فلا يرتبط بالماء (فهو كاره للماء) ويبرُز خارج السطح. والقوى التي تجعل الفقاعة متماسكة سببها هو «التوتر السطحي» للماء؛ أي الانجذاب المُتبادَل بين جزيئات الماء. رغم ذلك، فإن التوتُّر السطحي للماء النَّقي أقوى من أن يسمح لغشاءٍ مائي رقيق مُنتفخ بتكوين فقاعة. وجزيئات المنظف المُتجمِّعة على السطح تُقلِّل من التوتُّر السطحي بقدرٍ يكفي للحيلولة دون انفجار الفقاعات ببساطة.

وتميل المياه داخل الفقاعات إلى التسرُّب إلى القاع بسبب الجاذبية. إلا أنه عندما يترقَّق السطح تبدأ جُزيئات المنظف على السطح الداخلي في طرد جزيئات المنظف على السطح الخارجي، ويتباطأ الترقُّق أو يتوقَّف. ورغم ذلك، يكون الجدار رقيقًا لدرجةٍ كافية كي يتمزَّق الغشاء بسبب التبخُّر، أو الاضطرابات العرضية أو لانتشار (مرور) الهواء في الغشاء.

ويجعل الجلسرين فقاعة الصابون مُستقرة؛ لأنَّ لُزوجَتَه العالية (الاحتكاك الداخلي) تُبطِّئ تسرُّب المياه إلى قاع الفقاعة. كما يُقلل أيضًا التبخُّر من الفقاعة.

أما في رغوة الجعة فإنَّ السائل على جدران الفقاعة يتسرَّب ببطءٍ ومِن ثَمَّ تترقَّق الجدران حتى انفجار الفقاعة. إلا أن التسرُّب يتباطأ بسبب انجذاب جزيئات مُعينة بعضها إلى بعض، وإلى السائل أيضًا. لا يُستخدَم هذا الاستقرار في المشروبات الغازية الأخرى التي يكون من غير المرغوب فيه وجود رغوة عالقة. لكن من المُمكن التخلُّص من رغوة الجعة على نحوٍ شِبه فوري عند إضافة الزيت، مثلما يُمكن أن يحدُث إذا كان الشخص يحتسي الجعة أثناء تناول الأطعمة المقليَّة أو أثناء وضع أحمر الشفاه؛ فالزيت يُقلِّل التوتُّر السطحي عندما يلامس الفقاعة، بينما يُمزِّق السائل المُحيط الفقاعة.

وتترقق أجزاء من جدران الفقاعات أيضًا بسبب امتصاص السائل عند الوصلات المُنحنية التي تلتقي عندها الفقاعات، ويُطلَق على هذه المناطق «حدود بلاتوه» نسبةً إلى العالم البلجيكي جوزيف أنطوان فرديناند بلاتوه الذي عاش في القرن التاسع عشر. وضغط السائل يُحدِّده انحناء السطح الناتج عن التوتُّر السطحي؛ فنجد أن الانحناء الكبير يعني ضغطًا أقلَّ على جدران السائل. ولذلك فإن ضغط السائل يكون أقلَّ عند حدود بلاتوه المُنحنية مقارنةً بالجدران الأكثر تسطحًا. ومِن ثَمَّ، ينسحب السائل من أجزاء الجدران المُسطَّحة القريبة إلى حدود بلاتوه، فتتحوَّل «الرغوة الرطبة» إلى «رغوة جافة».

وتُساعد البروتينات المُتجمِّعة على جدران الفقاعات في استقرار رغوة الجعة لسببَين على الأقل: (١) إنها تزيد من اللُّزوجة ومِن ثَمَّ تُقلِّل التسرُّب. (٢) إنها تميل أيضًا إلى منع اقتراب جانبَي الجدار قربًا كافيًا بحيث يتمزَّق الجدار بسبب الاضطراب العرضي، ممَّا يسمح ﺑ «التحام» الفقاقيع (اندماجها).

حتى إذا كانت الجدران مُستقرة فسوف تتغيَّر رغوة الجعة تدريجيًّا نظرًا لانتشار (مرور) ثاني أكسيد الكربون في الفقاعة عبْر الجدران. ونتيجة لذلك تفقد الفقاعات الموجودة على سطح الرغوة الغاز الموجود بها وتتقلص. تتقلص الفقاعات الأصغر على نحوٍ أسرع؛ لأنها شديدة الانحناء؛ ومِن ثمَّ فإن التوتُّر السطحي عند جدرانها يضغط على الغاز بداخلها على نحوٍ أشد مقارنةً بالفقاعات الأكبر حجمًا. وتتقلص أيضًا الفقاعات الأصغر حجمًا؛ لأن الضغط يجعل ثاني أكسيد الكربون ينتشر في الفقاعات الأكبر حجمًا حيث الضغط الأقل بسبب الانحناء الأقل. ومِن ثَمَّ، تكبر الفقاعات الأكبر على حساب الفقاعات الأصغر المجاورة.

من طُرق إبطاء انتشار الرغوة والحفاظ عليها استخدام غاز النيتروجين في الجعة بدلًا من غاز ثاني أكسيد الكربون. إن غاز النيتروجين ينتشر في جدران السائل بمُعدل أبطأ. ورغم ذلك، فنظرًا لأن رغوة الجعة المُضاف إليها النيتروجين أكثر استقرارًا، فإن صبَّ الجعة دون أن تفيض الرغوة الكثيفة من الكأس يتطلَّب الصبر. على سبيل المثال، تشتهر جعة جينيس بأنها تحتاج إلى وقتٍ طويل للصبِّ بسبب احتوائها على النيتروجين.

ويُعدُّ تبريد كأس الشراب طريقة أخرى لإبطاء انتشار الرغوة. وفي هذه الحالة، نظرًا لتكوُّن الفقاعات على جدار الكأس فإنها ستحتوي على غاز أكثر برودةً عندما تتَّحِد مع الرغوة الموجودة في القمة. ويعمل انخفاض الحرارة على إبطاء مُعدَّل انتشار جزيئات الغاز في جدران السائل.

وأحيانًا تتعرَّض قمَّة الرغوة في كأس الجعة إلى خسارة مُفاجئة في الفقاعات، وتُعرَف هذه العملية باسم «الانفجار المُتسلسل». فالفقاعات في القمَّة تكون قد جفَّت على الأقل ومِن ثَمَّ تصبح هشة. وعندما تتمزَّق إحدى هذه الفقاعات، تُحفِّز اهتزازات الرغوة أو الهواء بقيَّة الفقاعات على التمزُّق.

والشخص الخبير في جعة جينيس يعرف الطريقة الصحيحة لصبِّها من الزجاجة، التي تتمثَّل في قلب الزجاجة فجأةً داخل الكأس. بطبيعة الحال تُصبح الجعة غير مُستقرة وتبدأ في التدفُّق للخارج. ورغم ذلك، فالتدفُّق يتذبذب في عملية تُعرَف باسم «الخرخرة»، فتخرج الجعة في دفعاتٍ من أحد جوانب فتحة الزجاجة، ويتدفَّق الهواء للداخل في صورة دفعات من الجانب الآخر. وإذا وضعت فتحة الزجاجة على الرغوة المُتكوِّنة أعلى السائل المُصبوب فسوف تُصبح محبوسة في الهواء المُتدفِّق للداخل وتُسحَب إلى الزجاجة. وفي النهاية ستُصبح الكأس مملوءةً بالجعة وتصبح الزجاجة مملوءة بالرغوة.

(٧٨) الفقاعات المُنفجرة

عندما تنفجِر فقاعة على سطح سائل مثل الماء لماذا تنثُر قطرات ماء صغيرة في الهواء؟ عندما تنفجر فقاعة في طبقة فقاعات الشامبانيا لماذا تُكوِّن الفقاعات المجاورة تشكيلًا يُشبِه الوردة كما لو كانت تلك الفقاعات بتَلاتها؟

تستطيع فقاعة الصابون المنفوخة من حلقة بلاستيكية أن تُحلِّق في الهواء لبضع ثوانٍ قبل انفجارها، فهل تختفي على الفور؟ وأين تذهب كل جزيئات الصابون والماء؟

الجواب: تنفجر الفقاعة الموجودة على سطح السائل نظرًا لأن السائل الموجود في الطبقة الرقيقة المُكوِّنة لسطحها العلوي يتسرَّب إلى أن تتمزَّق. وعندما يفتح التمزُّق سطح الفقاعة العلوي كله، تنسحب جوانب الفقاعة إلى قاعها من خلال التوتُّر السطحي؛ أي الانجذاب المُتبادل بين الجزيئات على جدار الفقاعة. يصطدم السائل النازل من جدران الفقاعة المُتقابلة بالقاع ويندفع لأعلى مُكوِّنًا «نافورة» (عمودًا من الماء). وتكون هذه النافورة غير مُستقرة وسرعان ما يثقُبها التوتُّر السطحي ويُحوِّلها إلى قطرات، وهي تلك القطرات التي تتناثر في الهواء من الفقاعة المنفجرة.

وإذا انفجرت الفقاعة على السطح العلوي للشامبانيا أثناء احتسائها فإن النوافير والقطرات الصغيرة تُطلِق روائح تصل إلى داخل الأنف فتعزز متعة احتساء الشامبانيا.

وإذا كانت الفقاعة المنفجرة مُحاطة بفقاعات أخرى فإن التدفُّق لأسفل أثناء الانفجار يمتصُّ الفقاعات المُحيطة نحوها ويُمدِّدها في صورة أشكال تُشبِه أوراق الوردة النامية للخارج من نقطة الانفجار المركزية.

وفقاعة الصابون الطافية في الهواء سوف تنفجر عندما تتمزَّق عند نقطة مُعينة على سطحها. يتمدَّد المزْق في صورة دائرة، وتجمع حافة الدائرة السائل في طريقها أثناء تحرُّكها عبْر بقية الغشاء بسرعة ١٠ أمتار تقريبًا في الثانية، وهو معدل أسرع من أن تلاحظه. وتستمر الحافة في إلقاء القطرات (آلاف القطرات في مجموعها) حتى تصل إلى الجهة المقابلة بالضبط لنقطة التمزُّق الأصلية في الفقاعة.

(٧٩) الحيتان وشبَكات الفقاقيع

لماذا تُطلِق أنواع عديدة من الحيتان الهواء لتُكوِّن فقاقيع أثناء البحث عن طعام مثل الكريل؟

الجواب: من الواضح أن الحيتان تستطيع الإيقاع بفرائسها في شباك (أو ستائر) من الفقاقيع. وتستطيع الفرائس بالطبع السباحة ببساطة عبر شبكة الفقاعات لكنها تتردَّد في فعل ذلك عندما تكون في مجموعة كبيرة. ومِن ثَمَّ، فمن خلال إنشاء شبكة فقاعات حول مجموعة من الأسماك أو تحتها، يستطيع الحوت حشْد الأسماك في منطقة صغيرة حيث يستطيع أن يأكلها فيها بكفاءة لاحقًا. ولا يبدو أنَّ الأسماك تستجيب بصريًّا لشبكة الفقاعات؛ لأن التربُّص والحشْد يمكن أن يحدُث ليلًا. بل يبدو أنَّ الأسماك تستجيب للضوضاء الصادرة عن اهتزاز الفقاعات في الشبكة.

(٨٠) الحشرات المُهروِلة على الماء

كيف تتمكن الحشرة المهرولة على الماء من الاستقرار على الماء أو التحرُّك فوق سطحه؟ لماذا تُولِّد الحركة موجاتٍ أمام الحشرة وخلفها؟ لا تُصدِر الحشرة المهرولة على الماء ضوضاء وتقبَع على الفور فوق الماء، فكيف تستطيع أن تُخبر الحشرات المهرولة الأخرى أنها تريد رفاقًا أو تُشير إلى منافسي رفاقها بضرورة الابتعاد؟

الجواب: عندما تقف الحشرة المهرولة على الماء يكون ثقلها مُحمَّلًا في الأساس على الأرجل الوسطى والخلفية، ممَّا يُسبب تجويفًا أو حفرة على سطح الماء. لا تكسر هذه الحشرات سطح الماء بسبب التوتُّر السطحي للماء؛ أي الانجذاب المتبادل بين جزيئات الماء الذي يجعل سطح الماء يعمل كغشاءٍ مطاطي. بل يمكن أن تضغط الحشرة المهرولة على الماء بقوة على سطح الماء في المرحلة الأولى من القفزة دون أن تكسِر السطح. وإذا كان الماء ضحلًا وكانت الحشرة ساطعة الإضاءة في ضوء الشمس، فإن هذه التجاويف تنتج ظلالًا بيضاوية عند قاع الماء. وتكون هذه المناطق خافتة؛ لأنه في أثناء مرور أشعة الضوء خلال أسطح التجاويف المنحنية، فإنها تنثني نحو أحد الجوانب.

وبطبيعة الحال لو كانت الحشرات المهرولة على الماء كبيرة الحجم لغرقَتْ في الماء ولأصبح اسمها الحشرات الغارقة في الماء. وتعود قدرة سطح الماء على تحمُّل حشرة مهرولة في الماء عادية (خفيفة الوزن) إلى مقاومة الجزء الذي يلمس الماء في كل قدم (الرسغ) للماء، فالرسغ «لا يبتل». ولو كان الرسغ يبتل بسهولة لتمكن الماء من تسلق الرِّجل ولغرقت الحشرة. ومن الأمور المانعة للبَلَل إفراز شمعٍ يُغطي الرسغ مما يجعله «كارهًا للماء». إلا أن السبب الرئيسي لعدَم غرق الحشرة هو التركيبة المجهرية للرسغ؛ فهو مُغطًّى بشعيرات دقيقة (هلبانات دقيقة) عليها أخاديد صغيرة. والسطح الكاره للماء الذي يبدو خشنًا أسفل المجهر فعَّال جدًّا في عدم السماح للماء بتغطية الأرجل. وبدونه ستظلُّ الحشرة المهرولة على الماء قادرة على الوقوف على الماء، لكنها لن تتمكن أبدًا من الجري أو القفز وسيكون من السهل أن تُصبح وجبةً خفيفة لبعض الحيوانات.

تجري الحشرة المُهرولة على الماء عن طريق التجديف بالأرجل الوسطى والخلفية. ويأتي الدفع في الأساس بالأرجل الوسطى التي تعمل كمجاديف. ومع اندفاع الرجل للخلف فإنها تولِّد في الماء أنبوبة دوامية على شكل منحنًى مفتوح لأعلى شبيه بالحرف U. وقِمَّتا المنحنى المفتوح لأعلى على سطح الماء دوامتان مُتقاربتا المسافة تدوران في اتجاهَين مُتعاكسَين؛ وتتَّصِل هاتان القمتان بجسم المنحنى أسفل سطح الماء. ونظرًا لأن جزءًا من حركة الماء في الأنبوبة الدوامية مُتَّجه نحو الخلف، تندفع الحشرة إلى الأمام. والمجموعة البحثية التي اكتشفت خاصية التجديف عن طريق إنتاج الدوَّامات صمَّمَت حشرة مهرولة على الماء ميكانيكية (أسمتها الروبوت المهرول)، وتتكوَّن هذه الحشرة من أرجُلٍ من السلك الصلب وجسم نُحاسي، وتتحرَّك عن طريق خَيطٍ مرِنٍ على بكرة. وعندما يُجدِّف هذا الروبوت المهرول بأرجله فإنه ينطلق زَوج من الدوَّامات عند كل جانب مع كل ضربة للوراء. ولم يُعجِب ذلك الحشرات المهرولة على الماء القريبة منه.

وعادة ما يكون من الصعب رؤية الدوَّامات التي تنتجها الأرجل الوسطى. وخلف الحشرة نسبيًّا يُمكن أن تتحوَّل حركة الدوامة إلى موجة، لكن نظرًا لأن الأمواج ضحلة وطويلة الطول الموجي نسبيًّا يكون من الصعب أيضًا رؤيتها. أما الأمواج الأكثر وضوحًا فهي ذات الطول الموجي القصير التي تَصدُر أمام الحشرة. وتَستخدِم الحشرة هذه الأمواج المتجهة للأمام التي قد تكون واضحة أمام الحشرة على مسافةٍ تعادل ستة أو سبعة أمثال طول جسمها، لتحديد الفرائس أو العقبات أو الحشرات الأخرى أثناء اندفاعها وسَيرها على نحوٍ مُتعرِّج على سطح الماء. (راقب الحشرات لفترةٍ وستجِد أنها لا تتصادم أبدًا على الرغم من تحرُّكاتها المجنونة.)

تتواصل الحشرات المُهرولة على الماء فيما بينها عن طريق ضرب سطح الماء لإرسال موجات بمدى تردُّدٍ عالٍ نسبيًّا وبمعدَّل ٢٠ مرة تقريبًا في الثانية. وإذا سقطت نملة في الماء وبدأت تترنَّح مُولِّدة موجات فإن الحشرات المهرولة على الماء الموجودة في المنطقة تعترض الموجات ثم تندفع مباشرةً إلى النملة بسرعة مُذهلة كي تتغذَّى عليها.

وتتجنَّب الحشرات المهرولة على الماء أجزاء سطح الماء المُغطَّاة بطبقةٍ رقيقة من الملوثات مثل المواد الزيتية؛ لأنها لا تستطيع الانزلاق على هذه المادة أو إرسال إشاراتها الموجية عبرها. وإذا وقعتْ صدفةً في إحدى هذه المناطق فلا يمكنها الهروب إلا بالقفز.

(٨١) تكوُّن حبيبات على القضبان وخيوط اللُّعاب

بعيدًا عن مُراقبة الناظرين، أطبِق الإبهام والسبَّابة معًا وأدخلهما في فمك واسحب بعض اللعاب الموجود بجوار الخد. ثم ضع اللُّعاب قريبًا من عينَيك على نحوٍ كافٍ وأبعد الإبهام والسبَّابة إحداهما عن الأخرى تدريجيًّا بحيث يمتدُّ بينهما خيط من اللعاب. في أثناء هذا الانفصال، لماذا يُكَوِّن الخيط فجأةً حبيباتٍ من اللعاب (انظر شكل ٢-٢٥

اغمس قضيبًا رفيعًا (أو أحد الألياف) في فنجان من الزيت أو العسل ثم اسحبْه لأعلى رأسيًّا. في أثناء تدفُّق المائع لأسفل القضيب، لماذا يُكَوِّن حبيبات؟ ولماذا تبدو إحدى الحبيبات مُسيطرةً ومُستحوذةً على الحبيبات الأصغر التي تسير في طريقها؟ ولماذا يتكوَّن المزيد من الحبيبات بعد مرور الحبيبة الكبيرة المُستحوذة على بقية الحبيبات؟

الجواب: يُحاول التوتُّر السطحي في خيط اللعاب (أي الانجذاب المتبادل بين الجزيئات) تقليل سطح الخيط. عندما يكون قُطر الخيط متوسطًا في المرحلة الأولى من التمدُّد، يكون الحد الأدنى من منطقة السطح مُساويًا لمنطقة سطح الأسطوانة؛ ومِن ثمَّ يكون الخَيط أسطوانيًّا. والأمواج الناتجة عن الاضطراب العرضي، المُتمثِّل في اهتزاز اليد الخفيف الذي لا مفرَّ منه، تنتشر في الخيط وتُشوِّه شكله الأسطواني، لكن التوتُّر السطحي سرعان ما يستعيد شكل الخيط.

إلَّا أن مُحيط الخيط يقلُّ مع تباعد الإبهام والسبابة، وفي النهاية يصبح الخيط غير مستقِرٍّ أمام الموجات ذات الطول الموجي الذي يفوق مُحيط الخيط. والسبب في ذلك أن التشوُّه الناتج عن مثل هذه المَوجة يُقلِّل فعليًّا منطقة السطح الكلية؛ ومِن ثمَّ يعزز التوتُّر السطحي التشوُّه بمجرَّد حدوثه بدلًا من إيقافه. يُحول التوتر السطحي الأجزاء التي تُصبح أكثر عرضًا إلى حبيبات، بينما الأجزاء التي تصبح ضيقة تترقَّق لتصبح الخيط الرفيع الموجود بين الحبيبات. كما أن المسافة بين الحبيبات تعمل على تقارُب الطول الموجي للموجة مما يسبب الانتقال. (إذا كانت الحبيبات الأكبر يفصل بينها حبيبات أصغر، فعلى الأرجح حدثت عملية تكوُّن الحبيبات أكثر من مرة، باستخدام طول موجي مختلف في كل مرة.) ومن المُمكن أن يكون الخيط الصغير الموجود بين الحبيبات أصغرَ من أن يُرى.

fig80
شكل ٢-٢٥: بند ٢-٨١: حبيبات ظاهرة على خيط من اللعاب مُمتد بين الإبهام والسبابة.

وبالمِثل فإن الطبقة الرقيقة من المائع على القضيب (أو الليف) تكون غير مُستقرة، والاضطرابات العرضية والتوتُّر السطحي سوف يُعيدان تشكيل الطبقة في شكل حبيبات. وإذا كان القضيب رأسيًّا، فمن المُمكن أن تتدفَّق الحبيبات إلى الأسفل، لا سيما الكبيرة منها. وسوف تندمج الحبيبات الأصغر في طريقها مع الحبيبة الكبيرة، لكن بعد مرور الحبيبة الكبيرة من المُمكن أن تنقسِم أيضًا الطبقة الرقيقة المُتبقية إلى حبيبات. أما إذا كانت الطبقة شديدة الرقة، فإن التدفُّق لأسفل يمنع الحبيبات من التكوُّن.

تستخدم بعض العناكب المَيل إلى تكوين الحبيبات عند نسْج شباكها؛ فبعد بناء الشبكة الأساسية، تُغطِّي العناكب «خيوط الأسْر» المنوط بها أسْر الحشرات بسائل يتحوَّل فورًا إلى حبيبات على الخيوط. وهذه الحبيبات الزلِقة يمكن أن تأسِر الذبابة لفترة كافية تسمح للعنكبوت بالوصول إليها بعد أن يكتشف ضربات الذبابة عن طريق اهتزازات الشبكة.

وتظهر ظاهرة التحبُّب أيضًا في لحام الصلب. فإذا سار مصدر الحرارة على الصلب ضمن نطاق سرعاتٍ مُحدَّد، فستبقى سلسلة من «الحدبات» (أو البروزات) المُتعقِّبة عندما تتجمَّد بُقعة السائل المُتعقِّبة. وعندما يتجاوز مصدر الحرارة نقطة من الصلب المصهور يمكن أن يُكَوِّن التوتُّر السطحي لهذا السائل حبَّةً قبل أن تتجمَّد. وإذا سار مصدر الحرارة ببطء شديد أو بسرعة شديدة، فلن تتكون الحدبات.

(٨٢) حصد المطر بواسطة سحالي الصحراء

بعض السحالي الصحراوية بارعة جدًّا في الحصول على ماء الشُّرب في المناسبات النادرة التي قد يتكوَّن فيها النَّدى أو قد يسقُط فيها المطر (ومن هنا جاء مصطلح «حصد المطر»). على سبيل المثال، سحلية الشيطان الشائك الأسترالية تحصل على الماء من الندى بالجلوس عليه، وتحصل على الماء أيضًا من المطر الخفيف بالوقوف مُباعِدة بين اليدَين والقدمَين في ماء المطر. كيف يُمكِّن أحد هذَين الإجراءَين السحلية من الحصول على شربة ماء؟

الجواب: تمتصُّ السحلية الماء مثل إسفنجة المطبخ. والمسافات (القنوات) الموجودة بين قشور الجلد تسحَب الماء عن طريق الخاصية الشَّعرية (أي عن طريق قوى الجذب بين جزيئات الماء وبين جزيئات الماء والجزيئات الموجودة في المسام). وتمتاز هذه العملية بالكفاءة العالية حتى إنَّ الماء يُسحَب عاليًا في الجلد حتى قمَّة رأس السحلية.

ولكي تشرب السحلية الماء تقوم بحركاتٍ صغيرة مُتكرِّرة بفكِّها السُّفلي فتزيل الماء من القنوات القريبة من الفم. وأثناء شُرب السحلية يُعَوَّض الماء في تلك القنوات بالماء المسحوب من بقية الجلد. ويُمكن أيضًا أن تساعد الجاذبية في انتقال الماء إلى الفم إذا وقفت السحلية خافِضةً الرأس ورافعة المُؤخِّرة.

(٨٣) حصد الفرائس على يدِ الطيور الشاطئية

انثُر القليل من حُبيبات الفلين في ماءٍ في حوضٍ واسع ثم حاوِل أن تلتقط واحدة من الحبيبات بإمساكها بالإبهام وإصبع. على الأرجح سيتسبَّب قفل الإبهام والإصبع في الماء في دفع الماء وقطعة الفلِّين بعيدًا عنك. والآن تأمَّل طائرًا شاطئيًّا يتعيَّن عليه أن يصيد العوالق (وهي صغيرة) من الماء بمِنقاره. ألا يُواجه المشكلة نفسها التي تواجهها في إمساك قطع الفلين؟

الجواب: تستخدم بعض الطيور الشاطئية التوتُّر السطحي للإمساك بفرائسها من العوالق. بعض هذه الطيور البحرية تُغطِّس مِنقارها في الماء وفكُّها شِبه مُغلَق ثم تفتح فكَّها قليلًا. وعندما تسحَب منقارها خارج الماء، تتوسَّط قطرة ماء جانبَي المنقار عن طريق التوتُّر السطحي؛ أي عن طريق قوى الجذْب بين الماء وداخل المنقار. وتنحصر الفريسة في قطرة الماء. ولِنَقْل القطرة عاليًا إلى الزَّوْر كي يُمكن هضمها يمدُّ الطائر تدريجيًّا جانبَي منقاره. وتستمر القطرة في التعلق بالجانب العلوي والجانب السفلي من المنقار، لكن افتراق الجانبَين يجعل القطرة تتمدَّد. ولمقاومة ذلك، يسحب التوتُّر السطحي القطرة عاليًا حيث يكون الجانبان أكثر اقترابًا. وتستمرُّ هذه العملية حتى تصِل القطرة إلى البلعوم حيث يُمكن ابتلاع الفريسة الأسيرة.

(٨٤) القطرات والأغشية السائلة على الأسطح الصلبة

لماذا تتمدَّد بعض السوائل على سطحٍ صلب مثل السطح العلوي الزجاجي للطاولة، بينما تكوِّن سوائل أخرى حُبيبات؟ لماذا تستطيع بعض القطرات التعلُّق بالسطح ولو كان مائلًا أو كانت القطرة تتدلَّى منه؟

عند تسرُّب طبقة من أحد السوائل على سطحٍ ذي انحدار مُعتدل، لماذا عادةً تصبح الحافة السفلية مُنحنية أو تتقدَّم في صورة تدفُّقات وبُقَع؟ يمكنك عادةً ملاحظة هذا الأثر عند استخدام مَسَّاحةٍ من المطَّاط لإزالة الماء والصابون أو سائل تنظيف الزجاج من زجاج السيارة الأمامي المائل. ادفع لأسفل ثم تَوقَّف قبل الوصول للنهاية. لماذا يتفرَّق السائل على هيئة أصابع تندفِع لأسفل الزجاج الأمامي؟

عندما ينساب ماء المطر لأسفل حائط خرساني رأسي كما هي الحال في المباني العامَّة، لماذا يكون تقدُّم الماء غير مُتساوٍ عادةً؟ وعندما يتسرَّب الماء تدريجيًّا إلى الكهف لماذا يميل عادةً إلى تكوين نوازل كهوف مخروطية الشكل؟

الجواب: يعتمِد مدى انتشار السائل على سطحٍ صُلب أفقي على التجاذُب بين الجزيئات في السائل والجزيئات في السطح الصلب. إذا كان التجاذُب قويًّا فإن السائل ينتشر ويُقال إنه «يُبلل» السطح، وفي حالة وجود تجاذُب قليل فإن السائل يميل إلى تكوين الحبيبات. وغالبًا ما يُوصَف مدى البلل (أو التحبُّب) من حيث الزاوية التي يكونها السائل مع السطح الصُّلب (أي «زاوية التماس»)؛ بحيث تدلُّ الزاوية الصغيرة على البلل وتدلُّ الزاوية الكبيرة على التحبُّب. رغم ذلك، فإن زاوية التَّماس غامضة؛ لأنه في الموقف الواقعي (عند وجود سائل حقيقي على سطح حقيقي مُعقَّد مجهريًّا) من المُمكن أن تكون في نطاق قِيَمٍ كبير نسبيًّا.

وما زالت تفاصيل كيفية انتشار السائل على السطح الصُّلب غير مفهومة بالكامل؛ لأنها تتضمَّن تفاعلات ذريَّة على حافة السائل. وفي كثير من الحالات تتحرك الحافة فقط بسبب انتشار «غشاء سابق» شديد الرقَّة أمام الحافة على نحوٍ طفيف. ثم تجذب الجزيئات في الغشاء السائل الجزيئات الموجودة في الحافة، دافعةً الحافة للأمام. وفي بعض الأحيان تصبح الحافة ثابتة (عالقة) بسبب تشوُّهٍ في السطح أو نقطة تجاذُب قوي. وإذا بدأت القطرة في التبخُّر فإن الحافة الأمامية تميل إلى التقلص، لكن يمكن أن تُصبح ثابتة مرة أخرى عند نقاطٍ مُعينة، مما يجعل التقلص (يُطلق عليه «إزالة التبلل») غيرَ مُتساوٍ.

وتتَّسِم بعض السوائل اللَّزِجة مثل الزيوت والجليسرين بطريقة انتشارٍ غريبة على السطح المائل لأسفل؛ حيث سرعان ما ينقسِم خطُّ التقدُّم إلى أصابع بينها مسافات مُتساوية، ثم تنسال الأصابع لأسفل السطح على نحوٍ أسرع من بقية المناطق الفاصلة بينها. وتتكوَّن الأصابع لعدم ثبات خطِّ التقدُّم ولأن الاضطرابات العرضية تُشكِّل موجاتٍ على امتدادها. تسيطر إحدى هذه الموجات على خطِّ التقدُّم، فتخلق تدفُّقات قوية لأسفل ذات فواصل مُنتظمة المسافات على طول الخط.

إذا سال غشاء سائل على منحدر فإن نقطة الثبات تُعيق تقدُّم الغشاء المُوحَّد تاركةً منطقة جافة أسفل تلك النقطة. يمكن أن ترى نتائج الثبات وعدم الاستقرار عند استخدام مَسَّاحة مطاطية لإزالة الماء والصابون من على زجاج السيارة الأمامي. عندما ينزل المطر على جدارٍ خرساني رأسي فإن الحافة الأمامية لا تتقدم عادةً على نحوٍ مُوحَّد صوب الأرض؛ فبعض المناطق تسمح للماء بالنزول على نحوٍ أسرع من المناطق الأخرى، وزيادة التسرُّب تلك في منطقة واحدة يمكن أن يرسل «إصبعًا» عريضة من الماء لأسفل الحائط وإلى أحد الجانبَين.

تتكوَّن هوابط الكهوف من كربونات الكالسيوم الذي يترسَّب من الماء المُتسرِّب إلى الكهف. إذا بدأ الترسيب في نقطة في سقف الكهف، فإن الماء يَميل إلى التسرُّب إلى قاع النتوء المُتكوِّن. ونظرًا لأن طبقة الماء تكون أكثر سُمكًا عند النقطة السُّفلى، فإن الترسيب يكون في أعلى مُستوياته هناك، ممَّا يجعل طول النتوء يزداد على نحوٍ أسرع من العرض، ومن ثَمَّ ينتج الشكل العام المُرتبط لدَينا بهابط الكهف المثالي. أما إذا كان مُعدَّل تسرُّب الماء بطيئًا نسبيًّا مقارنةً بمعدَّل الترسيب، فمن الممكن أن تتكوَّن أشكال أخرى مثل القضبان والتراكيب المُلتوية الجميلة التي يُطلَق عليها «هلكتيت» وتعني الهوابط غير المنتظمة.

(٨٥) تجاذُب حبوب الفطور

إذا طفَتْ حبَّتان بيضاويَّتان، من حبوب الفطور المعروف باسم العلامة التجارية تشيريوز، مُتقاربتان في طبَقٍ من اللبن فلماذا تتجاذبان؟ وإذا تركت الكثير من الحبوب البيضاوية طافية في اللَّبَن في أماكن عشوائية، فلماذا تميل إلى التجمُّع خلال دقائق قليلة؟ لماذا تتجمَّع الحُبيبات البيضاوية أيضًا على جوانب الطبق؟ وتُعرَف هذه التأثيرات المختلفة في مُجملها باسم «تأثير تشيريوز».

fig81
شكل ٢-٢٦: بند ٢-٨٥: حبَّتان بيضاويتان من حبوب الفطور طافيتان في اللبن.
الجواب: بجوار الشكل البيضاوي ينحني سطح اللبن لأعلى بسبب التوتر السطحي (انظر شكل ٢-٢٦)؛ أي إن انجذاب الماء في اللبن لجوانب الشكل البيضاوي يكفي لسحْب الماء أعلى الشكل البيضاوي، على الرغم من السحْب لأسفل بفعل قوة الجاذبية. وإذا اقترب شكلان بيضاويان أحدهما من الآخر فإن السطح بينهما يُصبح شديد الانحناء، ممَّا يضع قوةً على كلِّ شكلٍ منهما فيتجاذبان. ويمكن أيضًا شرح التجاذب في ضوء الطاقة؛ فالسطح المُنحني يتطلَّب مزيدًا من الطاقة؛ ومِن ثمَّ يتقارَبُ الشكلان البيضاويان لتسطيح السطح الموجود بينهما؛ ومِن ثمَّ تقلُّ الطاقة.

وسطح السائل القريب من جدار الطبق مُقوَّس أيضًا لأعلى بفعل التوتُّر السطحي، ولذلك عندما يقترب شكلٌ بيضاوي من الجدار، فإن السطح الوسيط يُصبح شديد الانحناء. ومِن ثَمَّ، تسحَب القوة الشكل البيضاوي إلى الجدار. وإذا ملأتَ الطبق تمامًا باللبن ثم أضفتَ المزيد كي يكون سطح اللبن أعلى نسبيًّا من حافة الطبق، فإنَّ سطح السائل بالقُرب من الحافة سينحني لأسفل. وعلى هذا النحو فإن الشكل البيضاوي الذي يقترِب من الحافة يدفع بعيدًا عنها. وهذه الفيزياء هي أساس أحد تحدِّيات الحَوض الشائعة المُتعلِّقة بطفو أحد الأشياء في كوب من الماء؛ حيث يُطرح هذا السؤال: هل يمكنك منع الشيء الطافي من البقاء بالقُرب من جدار الكوب في نهاية المطاف؟

ويُمكن لشفرة موسى مُسطَّحة مزدوجة الحافة أن تطفو في الماء إذا وُضعَت في الماء بحرص. وعلى النقيض من حبوب الفطور البيضاوية، فإن شفرة الموسى تطفو أسفل مستوى الماء نسبيًّا، ومِن ثَمَّ ينحني سطح الماء لأسفل ليُقابل الشفرة. رغم ذلك، إذا طفت شفرتا حلاقة مُتقاربتان فإنَّ التوتُّر السطحي يجعلهما تتجاذبان بحيث يُصبح السطح الوسيط مُسطحًا وتقلُّ الطاقة.

وفي العموم، يُطلَق على المادة «أليفة للماء» (أي في العموم «مُحبَّة للماء») إذا كان الماء ينجذب لها، ويُطلَق عليها «دَفوع للماء» (أي في العموم «كارهة للماء») إذا كان الماء لا ينجذِب لها. وعند طفو شيئَين أليفَي الماء فإنهما سوف ينجذبان ولو على مسافة كبيرة، وسوف يتجاذَب الشيئان كارها الماء أيضًا. إلَّا أن الشيء المُحبَّ للماء والشيء الكاره للماء سوف يتنافران؛ لأنه إذا اقتربا فسوف يزيد انحناء سطح الماء، وهذا يتطلَّب طاقة.

(٨٦) قلاع الرمال

ما الذي يجعل قلعة الرمال مُتماسكة؟ إن كوم الرمال في صندوق اللعب بالرمل الموجود في الملعب لا يُمكن أن يكون شديد الانحدار ولا يمكن تشكيل الرمال إلا في صورة تل، ورغم ذلك فإنَّ الجدار في قلعة الرمال يمكن أن يكون رأسيًّا. ويمكن أن يكون لمَعالم القلعة، ومنها الأبراج، أركان حادة. بالإضافة إلى ذلك، فإن كثيرًا من التشكيلات الرملية التي تكونت بطريقة طبيعية، ويُطلَق عليها «منحدرات»، يكون لها جدران شِبه رأسية. فما الذي يسمح بوجود الجدران الرأسية؟

الجواب: الرمال الجافة ليست مُتماسكة نظرًا لعدم وجود قوة بين حُبيبات الرمال تجعلها متماسكة. والرمال المغمورة بالماء ليست متماسكة؛ لأن الماء يُمكن أن يتسرَّب بسهولةٍ بين الحبيبات فيجعل الرمال مائعة. رغم ذلك، فإنَّ الرمال المُبللة نسبيًّا يمكن أن تكون مُتماسكة تمامًا؛ فالماء ينجذب إلى حبيبات الرمال ويُقال إنه «يبلل» الحبيبات. وعند وجود كمية قليلة من الماء بين حبتَيْ رمل متجاورتَين، يتعلق الماء بكل حبة بتكوين «جسر سائل» بينهما. ويتَّخذ الجسر شكلًا يُشبه تقريبًا الساعة الرملية؛ فيتمدَّد الماء في كل حبَّة ويكون للجسر وسط ضيق بين الحبوب. ونظرًا لأن الماء ساكن نسبيًّا فإنه لا يتدفَّق بعيدًا عن الحبيبات أو يتسرَّب ببساطة بسبب قوة الجاذبية. ويعمل الماء كقوة تماسُك بين الحبيبات لسببَين: (١) يجذِب الماء حبيبات الرمل وجزيئات الماء، ويُعرَف هذا التأثير بالتوتُّر السطحي. (٢) نظرًا لاحتواء الجسر على أسطح مُنحنية مُقعَّرة في الخارج، فإن ضغط الماء داخل الجسر يكون أقلَّ من ضغط الهواء داخله، ولذلك تُمتصُّ حبيبات الرمال نحو الضغط الأكثر انخفاضًا.

إذا أصبحت الرمال مُشبَّعة بالماء فلا تعود الحبيبات مُتماسكة بفعل جسور الماء المُستقلة الثابتة، بل تُصبح زلِقة بفعل الماء لدرجة أنها تنهار. يرش صانعو القلاع الرملية المُتمرِّسون أبنِيَتهم بالماء بحيث ينجذِب الماء إلى الأسطح لتكوين جسور ماء مُستقلة. وإذا تركت القلعة الرملية لتجف، فإن الأسطح الخارجية تفقد هذه الجسور المائية بسبب التبخُّر وسرعان ما تنهار.

وإن رمال الشواطئ المُبتلَّة أكثر تماسُكًا من الرمال النقية (السيليكا)؛ لأنها تحتوي على جزيئات من الطين والمواد العضوية التي يُمكن أن تُؤسِّس روابط كهربائية مع حبيبات الرمل. علاوة على ذلك، يمكن تغطية طبقة الرمال بقشرةٍ من الملح تضيف قوى ترابط إضافية بين الحبيبات. وفي منطقة زحف الموج حيث تغمُر مياه البحر الرمال بانتظام، تُثير المياه فقاقيع هواء في الرمال فتمنحها ملمسًا أكثر نعومة. وعلى هذا النحو، يُمكن أن تختلف «صلابة» الرمال اختلافًا ملحوظًا جدًّا كلَّما انتقلت من الرمال الجافة أعلى الشاطئ نزولًا إلى الرمال المُشبَّعة بالهواء والمُبلَّلة نسبيًّا، وصولًا إلى الرمال المنقوعة في الماء، وانتهاءً بالرمال المُشبَّعة بالماء والغائصة فيه.

(٨٧) مظهر القهوة الرديئة

إذا فحصتَ فنجان قهوة رديئة (مثل القهوة التي تبقى ساخنة لساعاتٍ طويلة الموجودة في مطاعم الدرجة الثانية) فستجد أن مظهر السطح يتغيَّر عند وضع الملعقة وإزالتها، فما السبب؟ فعندما تكون الملعقة بالخارج يفتقد السطح للَّمَعان، وهذا غير مُستحسَن. وعند وجود الملعقة تتكوَّن على السطح دوائر صغيرة لامعة، وإن كان هذا المنظر أقلَّ جاذبية أيضًا.

الجواب: عادةً ما يكون سبب سوء القهوة الرديئة وجود طبقة زيتية على السطح تُعطيه ذلك الانعكاس الباهت المُنفِّر. وهكذا يمكنك في الغالب أن تعرف من سطح القهوة إذا ما كانت زيتية أم لا. إذا وضعتَ الملعقة في الفنجان فستحمِل الملعقة مادة ستنتشر أعلى السطح، مُعتصرةً الزيت إلى قطرات. هذه القطرات ذات السطح المُقوَّس يمكن أن تكون انعكاسات صغيرة لأي مصابيح موجودة في السقف، ولذلك تصنع الكثير من الدوائر اللامعة. وعندما تزيل الملعقة تعود طبقة الزيت إلى التشكل وتختفي معظم الانعكاسات.

(٨٨) دموع الخمر وتغيُّر سطح السوائل الأخرى

في كأس تحتوي على مشروب كحولي قوي مثل الخمر أو الفودكا المنخفضة الكحول، لماذا تتكوَّن القطرات (التي يُطلَق عليها «دموع الخمور القوية») وتزداد وتنزلق لأسفل على جدار الكأس فوق سطح السائل (انظر شكل ٢-٢٧
fig82
شكل ٢-٢٧: بند ٢-٨٨: تتكون دموع الخمر فوق سطح الخمر القوية.
الجواب: في المعتاد سوف يتسلَّق سطح الماء جدار كأس الشراب جزئيًّا لأن: (١) جزيئات الكأس تجذب جزيئات الماء (يُوجَد «التصاق» بين المادتين)، و(٢) جزيئات الماء تجذب بعضها بعضًا (يُوجَد «تماسك» داخل الماء)؛ لذلك فإن الماء المجاور مباشرةً لجدار الكأس ينجذب نسبيًّا أعلى الجدار عن طريق الالتصاق ليُكوِّن غشاء، ويجذب ذلك الماء المزيدَ من الماء عن طريق التماسك مكونًا سطحًا مقوسًا بالقُرب من الجدار.

ويتسلق غشاء الخمر السائل لارتفاع أعلى بسبب خاصية إضافية راجعة إلى الاختلاف في التوتُّر السطحي بين الغشاء المُتسلِّق والسائل الأساسي. تتجاذب الجزيئات الموجودة على سطح السائل، وتتجمع واضعةً السطح في حالة توتُّر بحيث نعزو «التوتر السطحي» إلى السطح. والتوتر السطحي في الماء كبير جدًّا لكنه صغير في الخليط المكون من الكحول والماء. وعندما تبدأ طبقة الكحول الممزوج بالماء في تسلق جدار الكأس، فإن الكحول يتبخَّر سريعًا تاركًا غشاءً مائيًّا أساسيًّا على الجدار. ونظرًا لأنَّ ذلك الماء تَوتُّره السطحي أكبر من التوتُّر السطحي لمزيج الكحول والماء الموجود في السائل الأساسي، فإن السائل الأساسي ينجذب بقوةٍ لأعلى نحو الطبقة الموجودة على الجدار. ونظرًا لازدياد سُمك الطبقة، فمن الممكن أن تنجذب الحافة العلوية لمسافةٍ أعلى بسبب الالتصاق بالكأس؛ ومِن ثمَّ يتسلق الغشاء لارتفاعٍ أعلى ممَّا قد يرتفع له الماء وحده.

وإن قوة الجاذبية التي تسحَب الغشاء المُتسلِّق لأسفل تَحِدُّ من ارتفاع التسلُّق. ومع تبخُّر الكحول من الغشاء يميل التوتُّر السطحي في الماء المُتبقي إلى سحب الماء في صورة قطرات. تتعلَّق هذه القطرات في البداية بجدار الكأس بسبب الالتصاق لكنها في النهاية يزداد حجمها وتتحرَّر فجأة مندفعة لأسفل على جدار الكأس صوب السائل الأساسي. ويمكن تكوُّن هذه القطرات شريطة ألا يكون الشراب مُخفَّفًا للغاية أو قويًّا للغاية؛ فيجب أن يكون الشراب مزيجًا من الكحول والماء ليحدُث التلاعب بين القيم المختلفة للتوتر السطحي في السائل الأساسي والغشاء المُتسلق.

عندما يتحرك أحد الموائع بسبب اختلاف التوتر السطحي في منطقة عنه في منطقة أخرى يُطلَق على هذه الحركة مصطلح «تأثير مارانجوني» نسبةً إلى أول من درس هذا التأثير. ويمكن لتأثير مارانجوني تفسير سبب انتشار بعض القطرات على السطح الصلب انتشارًا واسعًا. ويمكن أن يسبق الانتشار المرئي طبقةٌ رقيقة جدًّا يكون فيها التبخُّر أسرع من بقية القطرة. وفي حالة دموع الخمر القوية، فإنه إذا أسفر التبخُّر في الطبقة الرفيعة عن زيادة التوتُّر السطحي في السائل المُتبقِّي في الطبقة، فسوف ينسحب السائل البديل إلى الطبقة قادمًا من بقية القطرة، ممَّا يجعل القطرة تتمدَّد على السطح.

(٨٩) أشكال الديدان في مشروب تيا ماريا

في الغالِب يُقدَّم مشروب تيا ماريا مُضافًا إليه عدة مليمترات من القشدة على السطح ويُشرَب بشفاطة. فلماذا عند ترك المشروب راكدًا لعدة دقائق تظهر حركة قوية ويُكوِّن السطح خلايا أو أشكالًا أنبوبية تُشبه الدِّيدان؟

الجواب: ينتشر الكحول (يمر ببطء) عبْر القشدة في منطقة واحدة أو أكثر فيقلل التوتُّر السطحي في القشدة بسبب الانجذاب المُتبادل بين الجزيئات على السطح. بعد ذلك يُسحَب السائل المُكوَّن من الكحول والقشدة (ذو التوتر السطحي الضعيف) عبْر السطح ليصِل إلى مناطق القشدة المُتبقية (التي لا يزال توتُّرها السطحي قويًّا). ويرتفع المزيد من الكحول ليحلَّ محلَّ السائل المُزال، وهكذا. ولأسباب معقدة، يُسفِر وجود القشدة (لا سيما مقاومتها للحركة) عن أنماط دوران يعلو فيها السائل ويهبط، وهي التي يُمكن أن تتَّخِذ شكل خلايا مُنعزلة عندما تكون طبقة القشدة سميكة أو تبدو مثل لفائف أنبوبية شبيهة بالديدان عندما تكون طبقة القشدة رفيعة.

(٩٠) الأشكال في القهوة الساخنة وغيرها من الموائع

إذا وضعتَ فنجان قهوة ساخنة في ضوء شمس ساطع فقد تتمكَّن من رؤية أشكال على سطح القهوة، تتمثَّل في مناطق ضاربة إلى البياض مُجزَّعة بخطوط داكنة تتشكل وتُغيِّر من شكلها باستمرار (انظر شكل ٢-٢٨). ويُطلَق على هذه الأشكال «خلايا بينار» نسبةً إلى مكتشفها الأول.
fig83
شكل ٢-٢٨: بند ٢-٩٠: تتكوَّن مناطق ضاربة إلى البياض وخطوط داكنة على القهوة السوداء.

عند تسخين طبقة من الزيت في مِقلاةٍ على نار هادئة لن يتحرَّك الزيت إلا قليلًا، أو قد لا يتحرَّك مُطلقًا. أما إذا اشتدَّت النار تدريجيًّا، فسيبدأ الزيت في التحرُّك مكونًا خلايا بينار في شكل مُضلَّعات. (لا بدَّ من وجود ضوء ساطع لرؤية الشكل.) وفي حالة وجود نار أشدَّ قوةً نسبيًّا فمن المُمكن أن تتَّخِذ المُضلعات شكلًا سُداسيًّا يُشبه خلية النحل.

أضِف اللبَن بالتدريج قُرب جدار فنجان شفَّاف يحتوي على الشاي الساخن. سيغطس اللبن إلى قاع الفنجان. أضِف كميةً كافية من اللبن بحيث تحتوي ثلاثة أرباع الفنجان على اللبن الأبيض الواضح بسهولةٍ في قاعه. لماذا يُمكن أن تظهر بعد عدَّة دقائق أحزمة أفقية في الجزء الذي يحتوي على اللبن في الفنجان؟

الجواب: بينما يتبخَّر الماء من السطح العلوي للقهوة، يبرد السطح ويُصبح أكثر كثافة نسبيًّا. ويتسبب اختلاف الحرارة الناتج (واختلاف الكثافة) بين الطبقة العلوية والطبقة السفلية للقهوة في حدوث دوَران داخل القهوة. تخيَّلْ وجود سائل في قاع الفنجان. إنَّ هذا السائل مغموس في طبقة ماء مُساوية له في الحرارة والكثافة؛ ومِن ثَمَّ يظلُّ ساكنًا. رغم ذلك، فإن حدوث أي اضطرابٍ عرضي في الفنجان يمكن أن يجعل السائل يصعد إلى سائلٍ أبردَ وأكثر كثافة نسبيًّا. وهناك يُصبح طافيًا، ثم يندفع لأعلى عبْر السائل الذي تزداد برودَتُه وكثافته تدريجيًّا، ويزداد اندفاعه لأعلى. وعلى هذا النحو، تزداد الحركة بسبب الاضطراب العرضي.

ويمكن أن تحدُث سلسلة شبيهة عند وجود سائل في السطح العلوي. فإذا تحرَّك ذلك السائل لأسفل في سائلٍ أكثر دفئًا نسبيًّا وأقلَّ كثافة، فإنه يندفع لأسفل وتزداد الحركة.

ونظرًا لأن سطح القهوة مفتوح، فإن الحركة عبْر السطح تتأثَّر أيضًا بالتوتُّر السطحي الناتج عن تجاذُب جزيئات الماء فيما بينها. وعندما يبرد الماء الموجود على السطح، يزداد توتره السطحي نسبيًّا؛ لذلك فالتوتر السطحي في المنطقة التي يهبط فيها الماء (الأكثر برودة) أكبر من التوتر السطحي في المنطقة التي يصعد فيها الماء (الأكثر دفئًا). والاختلاف في التوتُّر السطحي يجذب الماء عبْر السطح من المنطقة الصاعدة إلى المنطقة الهابطة. ونظرًا لأن التوتُّر السطحي الكبير يجعل الماء يتموَّج، فإن المنطقة الهابطة تُكوِّن نتوءًا أعلى نسبيًّا من المنطقة الصاعدة، فهو أشبَهُ بسلسلة تلال قصيرة تُحيط بأحد الأودية. ثم يُغطَّى سطح القهوة بخلايا من مناطق عريضة (وديان) من السائل الصاعد ونتوءات ضيقة من السائل الهابط.

وعندما يصِل الماء الأكثر دفئًا إلى السطح يتبخَّر جزء منه، لكن اعتمادًا على الرطوبة، من المُمكن أن يتكثَّف البخار سريعًا ليُكوِّن قطرات ماء في الهواء الذي يعلو المنطقة الصاعدة مباشرةً. تسقط القطرات الأكبر حجمًا على سطح السائل مرةً أخرى، بينما القطرات الصغيرة للغاية تحملها بعيدًا تيارات الهواء الموجودة فوق القهوة الساخنة، في حين تستطيع القطرات المتوسطة الحجم أن تحُوم لأنها مُعلَّقة بفعل تدفُّق الهواء والرطوبة لأعلى من القهوة. وعندما يتشتَّت ضوء الغرفة الأبيض أو ضوء الشمس على هذه السحابة الرفيعة تُصبح السحابة مرئية وضاربة إلى البياض. تفقد النتوءات المُميَّزة للسائل الهابط القطرات الحائمة ومن ثَمَّ تكتسِب شكل القهوة الداكن الطبيعي. وإذا أحضرتَ شيئًا مشحونًا (مثل مشط بلاستيكي مشحون بتمريره في الشَّعر) قُرب سطح القهوة، فسوف تُزال القطرات الحائمة كهربائيًّا وسيختفي المظهر الضارب إلى البياض.

وتحدُث أنماط دوران مُشابهة في طبقة الزيت التي تُسخَّن في مقلاة. وبينما تبرد القهوة من أعلى، فإن الزيت يسخن من أسفل، لكن السِّمة المُهمة هي أن اختلاف الحرارة موجود بين السطح العلوي والسطح السُّفلي للسائل. وإذا تجاوز الاختلاف في درجة الحرارة قيمةً حرجة مُعينة، يُصبح الحمل الحراري غير ثابت أمام الاضطرابات العرضية. تُحرِّك الاضطرابات أجزاءً من السائل في اتجاهاتٍ مختلفة، ويمكن للطفو والتوتُّر السطحي أن يتغلَّبا على اللُّزوجة لتكوين خلايا من السائل الصاعد والهابط. في بعض السوائل، تُكوِّن الحركة تركيبات أسطوانية طويلة؛ حيث يكون السائل صاعدًا في أحد الجوانب وهابطًا في الجانب المقابل. تتكوَّن المُضلعات التي نراها في الزيت من مناطق واسعة من الزيت الساخن الصاعد وخطوط ضيِّقة من الزيت البارد الهابط. وكما هي الحال في القهوة الساخنة، فإن التوتُّر السطحي للزيت البارد يفوق التوتُّر السطحي للزيت الساخن، ومن ثَمَّ ينجذب الزيت على السطح من المنطقة الصاعدة إلى المنطقة الهابطة.

والشرائط التي يمكن أن تظهر بعد إضافة اللبن إلى الشاي الساخن ناتجة عن اللفائف الأفقية التي تجري حول جدار الفنجان، وهو نمط دوَران قد ينتج عن التبريد من خلال الجدار. وهذا التأثير الذي وصفه لي لأول مرة الألماني كريستيان روس عام ١٩٨٧ يمكن أن يتطوَّر إلى ثمانية شرائط، لكنك قد تحتاج إلى التجربة للحصول على الظروف المناسبة لظهورها.

يمكن أن تظهر خلايا بينار أيضًا في الشمع الذائب من شمعة كبيرة. إن التوتُّر السطحي في الشمع الساخن أقلُّ من نظيره في الشمع البارد، ومن ثَمَّ فإن الاختلاف في التوتر السطحي بين الفتيلة والحافة الخارجية للشمعة يمكن أن يدفع خلايا الحمل الحراري. وإذا أُطفِئَت الشمعة بعناية، فمن الممكن أن تترك الخلايا نتوءات في الشمع عندما يبرد ويتجمَّد.

(٩١) أشكال بُقَع القهوة

عندما تنسكِب القهوة على سطح أفقي وتُترَك لتتبخَّر لماذا يتميز مكان البقعة الأصلية بوجود حلقة بُنية مميزة؟ عندما تُترَك بِرَك الماء المالح لتتبخَّر على رصيفٍ على سبيل المثال، لماذا تُميَّز حافة البِركة بحلقة بيضاء؟

القهوة الشرق أوسطية مزيج قوي من الماء والسكر وحبوب البن المطحونة طحنًا ناعمًا، وهو يُغلى في «إبريق» ثم يُصَبُّ في فنجانٍ صغير مع رواسب البن. عندما تبرد القهوة وتصل لدرجة حرارة مناسبة لاحتسائها، تغُوص الرواسب تدريجيًّا في قاع الفنجان. يرشف الشارب القهوة حتى الطبقة السُّفلى ثم يضع الفنجان جانبًا. وإذا تُرك المزيج المُتبقي المُكوَّن من السائل والرواسب ليتبخر لعدة ساعات، فستكوِّن الرواسب نسَقًا مُدهشًا من الخطوط الداكنة والفاتحة الرفيعة حول حافة السائل. وهذه الخطوط التي يبلغ طول كلٍّ منها عدة مليمترات والعمودية على الحافة، يفصل بينها مسافات موحَّدة كما لو كانت قد رُسِمَت على يد رسام. فما الذي يُسبب هذا النسَق؟

الجواب: إذا تركت بقعة قهوة لتتبخر على سطحٍ صلب، فإن البُقَع تتقلَّص مع فقدانها للماء، إلا أن مُحيط البقعة (يُعتبَر «خط التَّماس» لأنه يمثل الاحتكاك بين الهواء والسائل والصُّلب) يُمكن أن يعلَق بما يُلطِّخ السطح الصلب من بُقَعٍ جافة أو مختلفة كيميائيًّا؛ أي إن خط التَّماس يُصبح «ثابتًا» وغير قادرٍ على التراجُع بعيدًا عن البُقعة.

ويترك التبخر، الذي يُمكن أن يكون سريعًا جدًّا في الطبقة الرفيعة عند حافة البقعة، راسبًا للمادة المحلولة في الماء التي يُطلَق عليها «المذاب». ونظرًا لثبات خط التماس، فإنَّ القهوة تتدفَّق نحوَ الحافة من منتصف البُقعة لتحلَّ محلَّ الماء المفقود في التبخُّر. ومِن ثَمَّ يترسَّب المزيد والمزيد من المادة المُذابة عند الحافة، فتتراكم حلقة بُنية تصبح مرئية في النهاية. وبمجرَّد تكوُّن الحلقة يُصبح خط التماس أكثر ثباتًا. رغم ذلك، عندما يقلُّ السائل في البُقعة يمكن أن يتغلَّب خطُّ التماس على الثبات ويتراجع للداخل فجأة. وعندها يثبت مرة أخرى وتتكوَّن حلقة جديدة أصغر. ويمكن لتدفُّقاتٍ مُشابهة أن تترك حلقة بيضاء حول بُقعة من الماء المالح آخِذة في التبخُّر.

يمكن أيضًا أن تحدُث تدفُّقات مشابهة عند حافة القهوة المُعدَّة على الطريقة الشرق أوسطية مُعرَّضة للتبخُّر إذا كان آخر السائل موجودًا في فنجانٍ ذي جدارٍ مائل بحيث تكون حافة السائل ضحلة. بالإضافة إلى ذلك، يتحوَّل التدفُّق إلى سلسلة خلايا مُنتظمة تدفع راسب البنِّ الداكن المطحون طحنًا ناعمًا خارجًا إلى الحافة وتُرجع السائل من الحافة. التدفُّق إلى الخارج يُرسِّب البن المُذاب عند الحافة، والتدفُّق الداخلي يكسَح أيَّ مادة مُذابة. والنتيجة هي نسَق مُنتظم من الخطوط القصيرة تتناوَب ما بين الداكن والفاتح حول جدار الفنجان. ولو قُلِّبت القهوة لفترة وجيزة، فإن الخلايا سرعان ما ستعود في التكوُّن من جديد. وإذا أُزيل السكر من المحلول المغلي فلن تتكوَّن الخلايا.

والتفسير البسيط لذلك يتمثَّل في أنه عندما يتبخَّر الماء من الحافة الضحلة يتدفَّق السائل البديل نحوَ الحافة ساحبًا معه جزءًا من الراسب للخارج على جدار الفنجان. ويكون هذا الراسب أحد الخطوط الداكنة في النسَق الذي يتراكم. وبمجرَّد أن يصل السائل البديل إلى الحافة ويبدأ في التبخُّر يُصبح أكثر تركيزًا ومِن ثَمَّ أكثر كثافة، ولذلك يبدأ في الغوص فينزلق بعيدًا عن الحافة على طول جدار الفنجان المُقوَّس. وهذا التدفُّق للداخل يسحَب الراسب بعيدًا عن الحافة، فيخلي سطحًا ضيقًا ويكوِّن سطحًا من الخطوط الفاتحة في هذا النسق. ولا يحدُث توزيع الراسب بهذه الطريقة إلا إذا كان جدار الفنجان مُعتدل الانحدار. فلا الجدار الرأسي (الذي لا تُوجَد به أي حوافَّ ضحلة) ولا الجدار شِبه الأفقي (الذي تُوجَد به حافة ضحلة عريضة) سوف يوزِّع الراسب بهذه الطريقة.

(٩٢) الأشكال الناتجة عن التنفُّس

عندما تتنفَّس على سطح مثل المرآة أو عدسات النظارة، لماذا تتكوَّن شبُّورة على السطح؟ ولماذا تتكوَّن شبورة على مرآة الحمَّام الذي يعجُّ بالبُخار؟

الجواب: عندما يُقابل النفَس الدافئ نسبيًّا سطحًا أكثر برودةً مثل المرآة، فإن رطوبة النفس تبدأ في التكثُّف على السطح. من المُحتمَل أن يكون السطح مُغطًّى بالتراب والزيت من البصمات. ونظرًا لأن جزيئات الماء المتكاثفة على السطح أقوى انجذابًا بعضها إلى بعض منها إلى هذه الملوثات، فإنها تميل إلى تكوين قطرات ماء صغيرة بين المُلوِّثات. ولذلك لا يُغطي الماءُ السطح بالتساوي بل يكوِّن قطرات.

في البداية تَكون القطرات صغيرة لكنها تكبُر وتبدأ في «الاتحاد» (الاندماج) في النهاية، وهذه العملية ما زالت غير مفهومة جيدًا. ونظرًا لتزايُد المسافة بين القطرات الكبيرة الناتجة تبدأ قطرات جديدة صغيرة في التكوُّن بين القطرات الأكبر. وهذه الأنواع الثلاثة من القطرات المُتكوِّنة (قطرات صغيرة فقط، ثم قطرات أكبر، ثم قطرات أكبر يتوسَّطها قطرات صغيرة) يُطلَق عليها مُجتمعة «الأشكال الناتجة عن التنفُّس» (لأنها يُمكن أن تصدر عن التنفُّس).

وبمُجرَّد تكوُّن أشكال التنفُّس على المرآة تصبح الصور غير واضحة المعالم، وتبدو المرآة كما لو كانت مُغطَّاة بمادة بيضاء؛ لأن القطرات تُشتِّت ضوء الغرفة الأبيض. وإذا فركتَ إصبعك على السطح وكرَّرتَ عملية التنفُّس المكونة للشبورة، فلن تتكوَّن القطرات على المناطق المفروكة؛ لأنَّ الزيت الموجود في الإصبع يخفض التوتُّر السطحي للماء لدرجة كبيرة يجعلها عاجزة عن تحويل الماء لقطرات. وبدلًا من ذلك، يتمدَّد الماء في صورة طبقة رفيعة، وتُعرَف هذه العملية باسم «التبليل».

وإذا استمرَّت القطرات في التكوُّن كما يحدُث أثناء حمَّام ساخن طويل في غرفة استحمام أبرد نسبيًّا، فإن القطرات تُصبح أكبر وتندمج إلى أن يُصبح بعضها أثقلَ من أن تبقى ثابتة. وبفعل قوة الجاذبية تنزلِق هذه القطرات الثقيلة على المرآة. ونظرًا لجرَيان هذه القطرات نحو القطرات الأخرى، فسرعان ما ينزلق على المرآة سَيل من القطرات.

من الممكن أن تكون أشكال التنفُّس خطيرة إذا تكوَّنت على النظارات أو على الزجاج الأمامي للسيارة عندما تكون الرؤية ضرورية. (عندما تكون قائد السيارة فسوف تحتاج إلى رؤية الطريق بوضوح وليس بطريقةٍ ضبابية فحسْب وإلَّا فسُرعان ما ستعجز عن رؤية الطريق تمامًا.) وتشتهر أنواع من زجاج السيارات الأمامي باحتفاظها بقطرات الماء والبعض الآخر مُصمَّم خاصةً لإزالة الماء سريعًا. ويستخدم بعض الناس علاجاتٍ منزلية أو منتجاتٍ تجارية يُغطُّون بها زجاج السيارات الأمامي بمُستحضَر يجعل الماء يُبلِّل الزجاج الأمامي بدلًا من تكوين القطرات.

(٩٣) تأثير اللوتس

رُشَّ الماء على أوراق نبات اللوتس وستبدأ القطرات في التحبُّب والتدحرُج على الفور. في أثناء النزول، من المُمكن أن تجمع القطرات بعض القاذورات أو التراب ومِن ثَمَّ تنظف ورقة النبات، ويُقال عن ورقة النبات إنها ذاتية التنظيف. يتَّخِذ الماء شكل حبيبات على الأسطح الأخرى، مثل أوراق الشجر الشمعية، لكن التحبُّب على ورقة نبات اللوتس يبدو مُختلفًا على نحوٍ مُميَّز. فما السبب في تحبُّب الماء على ورقة نبات اللوتس؟

fig84
شكل ٢-٢٩: بند ٢-٩٣: قطرة ماء تتَّخِذ شكل كُرة مثالية على البِنية المجهرية الشائكة لورقة اللوتس.
الجواب: في الغالب يُطلَق على قدرة قطرة الماء على التمدُّد على سطحٍ صلب «القدرة على تبليل» السطح. وإذا استطعتَ أن تلقي نظرةً عن كثَب على القطرة، فستتمكن من رؤية الزاوية التي تتَّخِذها القطرة عند مُحيطها على السطح. إذا كانت القطرة تستطيع تبليل السطح بسهولة، فإنها تُصبح مسطَّحة مثل الفطيرة وتكوِّن زاوية ضحلة عند مُحيطها. وإذا كانت القطرة غير قادرة على تبليل السطح بسهولة، فإنها تتحوَّل إلى حُبيبة وتكوِّن زاويةً كبيرة عند مُحيطها. وعلى ورقة اللوتس، تتحبَّب قطرة الماء لدرجة كبيرة تجعلها أشبَهَ بِكُرة كاملة.

ومن أسباب ذلك أن المادة الموجودة على ورقة النبات لا تجذِب جزيئات الماء (أي إن السطح «كاره للماء»). ولذلك فإنَّ التوتُّر السطحي (بسبب الانجذاب المُتبادَل بين جزيئات الماء) يميل إلى جذْب سطح الماء في صورة قوس كُرة شديد الانحناء. وكثير من الأسطح الصلبة الأخرى، مثل أوراق الأشجار العادية، كارهة للماء أيضًا، وتجعل قطرات الماء تتحوَّل نسبيًّا إلى حبيبات.

ترجع ظاهرة التحبُّب الشديد في ورقة اللوتس إلى البنية المِجهرية التي تستقرُّ عليها القطرة في البداية؛ فالسطح يتكوَّن من بِنية أشواك شِبه منتظمة تُشبه سرير المسامير (انظر شكل ٢-٢٩). ولا تستطيع القطرة السقوط في الفراغات الموجودة بين الأشواك؛ لأنَّ المادة كارهة للماء والفراغات أصغر كثيرًا من القطرة. لذلك تمتلئ الفراغات بالهواء وتستقرُّ القطرة على حواف الأشواك. والحدُّ الأدنى من الاحتكاك الناتج مع الورقة يجعل التوتُّر السطحي للقطرة يجمعها في شكلٍ شِبه كروي. والانحدار التدريجي أيضًا يجعل القطرة تتدحرج (ولا تنزلق). وتلتصِق القاذورات والتُّراب في طريقها بالماء عن طريق عدة قوى ومِن ثَمَّ تُزال من الورقة.

يُوجد أيضًا بعض الأغراض المنزلية الذاتية التنظيف المُعتمِدة على المبدأ نفسه. على سبيل المثال، لا يحتاج لَوح الزجاج ذاتي التنظيف الذي يحتوي على مجموعة مُناسبة من البروزات المجهرية إلى التنظيف؛ لأن الشبورة أو المطر الخفيف يمكن أن يكوِّنا قطرات تنزلِق على اللوح فتجمع كل الأتربة والقاذورات والأوساخ. وهذه سِمة جميلة للغاية عندما يكون الشباك مرتفعًا جدًّا عن الأرض كما هي الحال في ناطحة السحاب. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أيضًا طلاء السيارات بمادة تُنظِّف نفسها في الأمطار الخفيفة.

(٩٤) حشرات المن والكرات السائلة

لا بدَّ أن تتخلص حشرة المن الموجودة داخل عفصة النبات من فضلاتها المُتمثلة في عسل المن وإلَّا سيُغطي السائل الحشرة ويحبِسها ويغرقها. ويتمثل الحل الذي تلجأ له الحشرة في دحرجة السائل بعيدًا عن العفصة. فكيف يُمكن دحرجة السائل؟

الجواب: تُفرز خلايا جلدية في حشرة المن مادة شمعيَّة تتجمَّع ثم تتفرَّق في صورة مسحوق، فتُغطي السطح الداخلي للعفصة، ويُصبح عسل المن مُغطًّى بهذا المسحوق بمجرَّد أن تُفرزه الحشرة. يوفر المسحوق أيضًا سطحًا مجهريًّا خشنًا يستقر عليه عسل المن. وهكذا تتكون كُرات عسل المن وتُصبح شبه كروية، مثل قطرة الماء على ورقة اللوتس الموصوفة في البند السابق. ونظرًا لأنَّ الكرة كروية ولا تُبلل العفصة أو تلتصق بها، فإن الحشرة تستطيع دحرجة الكرة خارج العفصة.

ويمكنك صُنع كرة مُشابهة بخلط قطرة ماء صغيرة مع السخام أو مسحوق الليكوبوديوم. ونظرًا لأن كلتا المادتين كارهة للماء، فإن حبوب المسحوق تظل على سطح قطرة الماء. وبمجرد أن تُصبح القطرة مُغطَّاة فإنها ستُصبح شبه كروية عندما تستقر على أسطح كثيرة متشابهة، مثل السطح الزجاجي الأفقي. في العادة يُغطي الماء الزجاج، لكن الماء يَتحبَّب الآن؛ لأنه مستقر على بروزات مجهرية تُغطي سطحه.

(٩٥) فُرَش الرسم والشعر المبلول وكعك الغميس

لماذا تمتص فُرَش الرسم الدهان، ولماذا تمتص إسفنجات المطبخ والمناشف الورقية الماء وغيرها من السوائل المسكوبة؟ ولماذا يتجمع الشعر الطويل المبلول؟

يستمتع كثير من الناس بغمْس الكعك (أو البسكويت) في الشاي الساخن أو القهوة الساخنة؛ لأن زيادة الحرارة تعمل على إطلاق النكهات والروائح. لماذا تُصبح الكعكة طرية وتنكسر إذا غُمرت لأكثر من عدة ثوانٍ؟ كيف يُمكن غمسها بحيث تطلق النكهة والرائحة وتظل مُتماسكة لتُؤكل بدلًا من أن تغرق؟

الجواب: تجذب شعيرات فُرَش الرسم جزيئات الدهان، فتسحب الدهان لأعلى في الفراغ الموجود بين الشعيرات. ولأنَّ هذه الحركة تُشبه سحْب السائل لأعلى بأنبوبٍ ضيق (شعري)، فإنه يُطلَق على القوة المؤثرة على الدهان «الخاصية الشعرية». وعند سحْب فرشاة الرسم من علبة الدهان مرة أخرى، يظلُّ مُعظَم الدهان بين الشعيرات بسبب هذا الانجذاب. وعندما تحتكُّ الشعيرات بأحد الأسطح مثل جدار أو قماش، يُزال جزء من الدهان لكن يمكن أن يتدفَّق كثير من الدهان؛ لأن الشعيرات مفروشة لحظيًّا على السطح. ويزيد هذا الافتراش المساحة الفاصلة بين الشعيرات المُتجاورة، فيضعف الخاصية الشعرية ويسمح بتدفُّق الدهان.

تُوجَد في المنشفة الورقية وإسفنجة المطبخ ثقوب كثيرة يُمكن سحْب الماء من خلالها عن طريق الخاصية الشَّعرية.

وتتماسك خصلات الشعر بفعل «جسور سائلة» مقوَّسة تضمُّ الشعيرات المُتجاورة. وعند غمس أطراف الشعر في بِركة ماء، فإن الماء يتسلَّق الشعيرات المُتجاورة ويربطها أيضًا ليُقربها بعضها من بعض.

تتكوَّن الكعكة من حُبيبات نشوية جافَّة يجمعها إطار من السكر. وعند غمر الكعكة سرعان ما ينجذب السائل إلى ثقوبها بسبب الخاصية الشعرية. ويذيب السائل الساخن السكر سريعًا مُدمرًا الإطار وتتفتَّت الحبيبات النشوية. إذا أردت أن يمتلئ الشاي أو القهوة بالحبيبات النشوية فاغمس الكعكة رأسيًّا. أما إذا أردتَ أن تأكل الكعكة فأنزلها في السائل وهي مائلة كي لا ينغمس أعلى الكعكة. وبهذه الطريقة تستطيع الكعكة أن تظلَّ مُتماسكة بما يكفي لمُقاومة قاع الكعكة المُبتلِّ بشرط أن تكون الغمسة لفترة قصيرة.

(٩٦) القَلي العميق في الدهون

عند قَلي أطعمة مثل شرائح البطاطس أو خُبز التورتيلا في الزيت نجد أن السطح يُكوِّن قشرة لذيذة المذاق في حين يظل الداخل طريًّا. لماذا تشرب الأطعمة الزيت ولماذا يكون معظم الزيت قد استُهلك «بعد» إزالة الأطعمة من آنية القَلي؟

الجواب: عندما تلمس شريحة البطاطس الزيت لأول مرة، فإن الطاقة المنقولة من الزيت إلى البطاطس ترفع درجة حرارة سطح البطاطس. وعندما تقترب درجة حرارة السطح من مستوى غليان الماء، يبدأ الماء الموجود في ثقوب السطح في التبخُّر، وتتكوَّن فقاعات بُخار الماء الهارب عند فتحات الثقوب فتجعل الزيت يضطرب بجوار البطاطس. (يمكنك أن تسمع هذه العملية.) وعندما يفقد السطح الماء، فإنه يتصلَّب مُكوِّنًا القشرة المرتبطة بالأطعمة المَقلية. وتسبب الحرارة العالية أيضًا تفاعلات كيميائية في السطح فتمنحه النكهة المميزة للأطعمة المقلية.

ومع استمرار الطهي تنتقل الطاقة إلى داخل شريحة البطاطس فيُطهى الجزء الداخلي. ونظرًا لأن الجزء الداخلي يحتوي على ماء حبيس، فإن درجة الحرارة هناك لا تتجاوز نقطة غليان الماء بقدرٍ كبير. ولذلك يُمكن أن ينضج الجزء الداخلي دون أن يفقد الماء أو يكوِّن ملمسًا شبيهًا بالقشرة.

إلا أن الماء بالقُرب من السطح يستمر في التبخُّر من الثقوب لعُمقٍ يصل إلى ملِّيمتر أو ملِّيمترين. وعند إزالة شريحة البطاطس من آنية القلي، فإنها تخرج والزيت يُغطيها، مما يحبس بخار الماء المُتبقي في الثقوب. وعندما يبرد البخار يتكثف مُتحولًا إلى ماءٍ سائل يحتلُّ حيزًا أقلَّ كثيرًا مما يشغله البخار. ونظرًا لانخفاض ضغط الغاز داخل الثقوب، يُمتَص الزيت من الطبقة الخارجية عبْر الثقوب. ويمكن تعزيز هذا الامتصاص عن طريق قوة التجاذُب بين الجزيئات في الزيت وبين الجزيئات الموجودة في جدران الثقوب، ويُعرَف هذا التأثير بالخاصية الشعرية. في الواقع، هذا هو التأثير السائد عند تحمير أطعمة رقيقة مثل رقائق البطاطس لدرجةٍ لا يكاد يتبقَّى بها ماء داخلها.

وإذا رغِب الطاهي في تقليل امتصاص الأطعمة المقلية للزيت فيجب أن ينفضَّ الزيت من الأطعمة (أو أن يُنظِّفه بمناشف ورقية) بمجرد إخراج الأطعمة من الزيت المَغلي.

(٩٧) بقاء البطِّ جافًّا

في المناطق المناخية المعتدلة يحتاج البط (وغيره من الطيور المائية) إلى البقاء جافًّا؛ لأنه إذا أصبح مبتلًّا فإنه سيفقد العزل الحراري في طبقة الهواء الموجودة بين الريش والجلد. وفي هذه الحالة من الممكن أن يفقد الطاقة الحرارية في الماء بمُعدل أسرع مما يستطيع التمثيل الغذائي توليد الطاقة. إلا أنَّ طبقة الريش ليست مُضادة للماء؛ لأن الريش مسامي على نحوٍ واضح. إذن، كيف يستطيع البطُّ أن يبقى جافًّا أثناء الطفو أو السباحة؟

الجواب: يتَّسِم الريش الذي يتكوَّن من الكيراتين والشمع وطبقات الإستر بأنه «كاره للماء». أي إنه يطرُد الماء؛ ومِن ثمَّ تميل قطرات الماء إلى الجريان من فوق الريش بدلًا من تبليله، مِثلما يحدُث عندما تسقط الأمطار على البطة. رغم ذلك، فإنَّ هذا الريش ليس السبب الوحيد في بقاء البطة جافَّة؛ لأنه عندما تطفو البطة يجب دفع الماء لأعلى عبْر الريش وخلاله، وهو ما يدفع طبقة الهواء العازلة الضرورية ويبرد جلد البطة سريعًا.

ولحُسن حظِّ البطة أنَّ المسام (الفراغات المفتوحة) الموجودة بين الريش وداخله أصغر من أن يدخلها الماء، حتى عندما يُحاول ضغط الماء أسفل البطة دفع الماء عبْر الثقوب أو توسعة تلك الثقوب. والسبب يعود إلى أنَّ سطح الماء يتَّخِذ شكلًا محدبًا عند محاولة دخول فتحة في مادة كارهة للماء. وبسبب هذا الشكل يسحب سطح الماء بعيدًا عن الفتحة بفعل التوتُّر السطحي (بسبب الانجذاب المتبادل بين جزيئات الماء). ونظرًا لأن مسام ريش البطة ضيقة، يُصبح سطح الماء شديد التقوُّس ومِن ثَمَّ يمنع التوتُّر السطحي الماء من دخول المسام.

بعض أنواع سلال الفاكهة المُكوَّنة من شرائط بلاستيكية مجدولة قد تبدو غير قادرة على الطفو؛ لأن الشرائط لا تكوِّن بدنًا خاليًا من الثقوب، لكنها تطفو رغم ذلك. فالماء لا يستطيع اختراق الفراغات المفتوحة الموجودة في الشرائط.

(٩٨) قِطَع البطاطس وروَث الطيور والسيارة

إذا تعطلت مِمسَحة الزجاج الأمامي للسيارة، لماذا تستطيع أن تحافظ على الزجاج الأمامي شفافًا على نحوٍ معقول أثناء المطر الخفيف إذا دعكتَه بقِطعة بطاطس. (بطبيعة الحال، قد يكون حيازة بطاطس احتياطية في السيارة أمرًا غير مُرجَّح.) وعندما يزين روَث الطيور سيارتك ويُصبح مُبتلًا بسبب المطر، لماذا سرعان ما تُصبح المنطقة المجاورة للروَث أكثر جفافًا عن بقية السيارة؟

الجواب: تقلُّ الرؤية عبْر الزجاج الأمامي عندما يكوِّن الماء حُبيبات على الزجاج فيُشوِّه الرؤية من خلاله. وإذا دعكتَ خارج الزجاج بقطعة بطاطس فإن طبقة النشا التي تتركها تجذب بقوَّة جُزيئات الماء وتفرد السائل في صورة طبقة ناعمة. وعندها يُمكن أن تُصبح الرؤية واضحة على نحوٍ معقول.

عندما يذوب روَث الطيور جزئيًّا في المطر، ينتشر المحلول في منطقة صغيرة حول الروث. ويتحوَّل الماء الهابط على بقية أجزاء السيارة إلى حبيبات، لا سيما إذا كان السطح مطليًّا بالشمع. وعندما يتوقف المطر، فإن الطبقات الرفيعة المُحيطة بالروَث تكون أول ما يجفُّ قبل أن تتبخَّر حبيبات الماء بالكامل بفترة كبيرة.

ولا تُنتج كلُّ الطيور تأثير التبليل المذكور بسبب اختلاف الأنظمة الغذائية؛ فالطيور التي تؤدي إلى انتشار الماء تتغذَّى على السمك ومِن ثَمَّ تترُك روثًا زيتيًّا. وهذا التبليل يُمكن أن يُمثل مشكلة خطيرة لشركات الطاقة الكهربائية؛ لأن الطيور يمكن أن تلوث دعامات خط الكهرباء الموصولة بالأرض. وإذا كان الروَث مائعًا فمن الممكن أن يتسرَّب إلى خط الكهرباء الموجود تحت الدعامة بالضبط فيُوقف الخط ويتسبب في «وميض كهربي»، مما قد يُعطل إمداد الطاقة ويُدمِّر خط الكهرباء تدميرًا شاملًا. وتراكُم روث الطيور خطير أيضًا حتى إن لم يكن مائعًا؛ فخلال الأمطار أو ذوبان الجليد يمكن أن يمتصَّ الماء جزيئات مشحونة من الروَث ويزداد توصيله للكهرباء. ومع تسرُّب هذه المياه لخط الكهرباء يمكن أن يحدُث وميض تفريغ كهربي.

(٩٩) أبواغ عيش الغراب القاذِفة

تنشر الفطريات، كعيش الغراب، أبواغها بطُرقٍ شتَّى. إلا أن أكثر هذه الطرق إثارة هي الفطريات ذات الأبواغ القاذِفة التي تُطلِق أبواغها بسرعة أكبر مما تستطيع العين تتبُّعها. يتَّصِل كلُّ بوغٍ بساق يُطلَق عليه ذنيب. وقبل إطلاق البوغ، تتكون قطرة ماء عند قاع البوغ قرب نقطة اتصال البوغ بالذنيب. وفي غضون ما يقرُب من ثلاثين ثانية تتمدَّد القطرة ليبلُغ محيطها حوالي ١٠ ميكرومترات، ثم ينطلق البوغ والقطرة على نحوٍ مفاجئ في الهواء، فما الذي يدفعهما؟

الجواب: عندما يستعدُّ عيش الغراب ذو البوغ القاذف لإطلاق البوغ، فإنه يُفرز مُركَّباتٍ مُعينة على سطح البوغ لتعزيز تكثيف الماء من الهواء. يحدُث التكثيف بسرعة بالغة في مكانٍ تكوُّن القطرة، لكنه يحدث أيضًا على البوغ حيث يكوِّن غشاء ماءٍ عالق. ومع ازدياد محيط القطرة وتمدُّد الغشاء على البوغ، سرعان ما يحتكُّ الغشاء بالقطرة. في هذه اللحظة، يجذب التوتُّر السطحي للماء في الغشاء الماءَ الموجود في القطرة إلى الغشاء. وهذا الجذب يُعطي زخمًا وطاقة حركية كبيرَين للماء المنطلق إلى الغشاء حتى إن البوغ ينجذب بحُرية بعيدًا عن الذنيب وينطلق في الهواء. ويُقَدَّر تسارُع الإطلاق بنحو ٢٥ ألف G (أو ٢٥ ألف ضعف تسارُع الجاذبية)، لكن البوغ سُرعان ما يتباطأ بسبب مقاومة الهواء؛ ولذلك لا يسافر بعيدًا. ونظرًا لأن طاقة وزخم الإطلاق نابعان من التوتُّر السطحي؛ فقد أُطلِق على الإطلاق اسم «قذف التوتر السطحي».

(١٠٠) أمواج التيار الساقط

اضبط ارتفاع إصبع موضوعة أسفل تيَّار مائي رفيع (يبلغ قطره عدة مليمترات) ساقط من صنبور. عند نطاق ارتفاع مُعين تتكوَّن تموجات في التيار في الجزء الذي يعلو الإصبع مباشرة (انظر شكل ٢-٣٠). ما الذي يُسبِّب التموُّجات؟ إذا وضعتَ إصبعك أولًا في سائل تنظيف (مثل تايد أو آيفوري) لماذا تتكوَّن التموُّجات أعلى التيار ولا تتكوَّن في أسفله؟
fig85
شكل ٢-٣٠: بند ٢-١٠٠: تتكوَّن أمواج ساكنة على تيار رفيع من ماء ساقط.
الجواب: السبب في ظهور التموُّجات هو الأمواج المرسلة إلى «أعلى» التيار نتيجة تأثير التيار على الإصبع. ويُقال إن الأمواج نوع من «الأمواج الشعرية»؛ لأن ذبذباتها يتحكم فيها التوتر السطحي بسبب الانجذاب المُتبادَل بين جزيئات الماء. في هذه الحالة، تنتقل الأمواج الشعرية أعلى التيار بسرعة مُساوية لسرعة انتقال الماء لأسفل؛ ومِن ثمَّ تُصبح الأمواج ثابتة بالنسبة لك. وإذا وضعتَ بدلًا من الصنبور وعاءً يُسرِّب من خلال ثُقب في جانبه السفلي فسوف تنخفض سرعة الماء في التيار عندما ينخفض مستوى الماء في الوعاء. ويؤدي انخفاض هذه السرعة إلى تزايد الطول الموجي للأمواج (أي المسافة بين التموُّجات المُتعاقِبة) حتى يُصبح التيار غير مُستقرٍّ وينكسر في صورة قطرات.

ويعتمد وجود الأمواج على التوتُّر السطحي العالي الشدة للماء. وإضافة سائل التنظيف تُقلِّل من التوتُّر السطحي. وعند تغطية الإصبع بسائل التنظيف فإن جزءًا منه يختلط بالجزء السفلي من التيار فيُقلِّل التوتُّر السطحي لدرجةٍ تكفي لمنع ظهور الأمواج هناك. ثم يُصبح التدفق خلال الجزء السفلي سلسًا كما لو كان في أنبوبٍ وتتكوَّن الأمواج فوق التدفُّق الذي يُشبِه الأنبوب.

(١٠١) الأجراس والألواح والسلاسل المائية

ضع ملعقة، أو أيَّ شيء كُروي الشكل، بحيث يكون السطح المُحدَّب (المقوَّس للخارج) لأعلى تحت تيارٍ ثابت مُتدفق من صنبور. سينحرف الماء في صورة سطح رقيق مُنحنٍ لأسفل. وستحقق الأسطح المستوية النتيجة نفسها، ولعلَّ أفضلها غطاء زجاجة المياه الغازية البلاستيكي الحلزوني. ضَعْ إصبعَين في الغطاء، وضع الغطاء في التيار الساقط مُوجهًا إصبعَيك لأعلى. وإذا كنت حريصًا، فسوف ينطوي اللوح للخلف تقريبًا على نفسه مُكونًا «جَرسًا مائيًّا» (انظر الشكل ٢-٣١). تحتوي كثير من النوافير على هذه الألواح المُقوَّسة كنوع من النحت المائي. فما الذي يُسبِّب «الألواح المائية»؟
fig86
شكل ٢-٣١: بند ٢-١٠١: جرس مائي مُكوَّن من لوحٍ مائي منحرف بفعل سطح صُلب.

يُمكنك تكوين أجراس مائية وألواح شِبه مسطَّحة عن طريق توجيه تيارَين رفيعَين غير مُضطربَين أحدهما نحو الآخر. وإذا كان التياران رأسيَّين ولهما سرعة التدفق نفسها تقريبًا، فسوف يصطدمان ويتمدَّدان في صورة لَوح مُتماثل. ويمكن أن يتفكك اللَّوح إلى قطرات، أو ربما ينحني لأسفل مُكونًا جرسًا مائيًّا.

وعند توجيه التيارَين لأسفل وإمالتهما أحدهما نحو الآخر، فمن الممكن أن يُكوِّنا سلسلة سائلة مُكوَّنة من مجموعة حلقات ذات حوافَّ سميكة نسبيًّا. تكون الحلقات المُتعاقبة مُتعامدةً بعضها على بعض، مما يجعل التشكيل يُشبه الحلقات الموجودة في النوع الشائع من السلاسل.

الجواب: يتماسك الماء بفعل الانجذاب المُتبادَل بين جُزيئات الماء ويُطلَق على هذا التأثير التوتُّر السطحي. وينحني اللوح المائي لأسفل بفعل تأثير الجاذبية عليه. وإذا غادر اللَّوح الشيء المُسبِّب للانحراف باضطراب كبير فلن يستقرَّ وسرعان ما سينكسر. وبسبب قلَّة الاضطراب يُصبح مُمكنًا تكوُّن جرس مائي مُغلَق وجميل.

وتَستخدِم بعض المنحوتات المائية تيارًا رقيقًا عريضًا بدلًا من تيار الماء الأسطواني لصُنع ستارة مائية تُطلِق حافة ثم تنحني لأسفل. وإذا كان تدفُّق الماء شديد الانخفاض، فسوف تتكون سلسلة أعمدة مائية بينها مسافات مُنتظمة بدلًا من تكوُّن لَوح مائي وحيد. ويتحكم التوتُّر السطحي للماء في المسافات؛ حيث يسحب الماء إلى الأعمدة.

يمكن أيضًا تكوين ألواح ماء مُتدفِّق رقيقة عند توجيه تيارَين أسطوانيَّين أحدهما نحو الآخر بالسرعة نفسها تقريبًا، مع وجود مسافة قصيرة تفصل بين المَنْفَذَين. ويُسفر تأثير التيارَين عن إطلاق الماء للجانب في صورة لوح. وإذا كان التياران رأسيَّين ومُتوجهَين أحدهما نحو الآخر، فإن اللَّوح يميل إلى أن يكون دائريًّا، ويتفتَّت إلى قطراتٍ على طول مُحيطه. وإذا كان التيَّاران مُتعامدَين فسيكون اللَّوح أشبهَ بورقة الشجر.

وإذا تعامد التياران لتكوين سلسلة سائلة، فإن التيَّاران يتراجعان عن تأثيرهما ويبتعدان أحدهما عن الآخر ويربط بينهما لَوح رقيق. ويجذب التوتُّر السطحي التيارَين مرةً أخرى حتى يتصادما مرةً أخرى. وفي هذه المرة يتَّجِهان إلى اتجاهات مختلفة لكن على سطحٍ عمودي على سطح الحلقة الأولى. ويقلُّ ارتداد وعرض السلاسل مع استمرار الماء في السقوط حتى تختفي الحلقات ويُكوِّن الماء الساقِط شكلًا أسطوانيًّا ببساطة.

(١٠٢) السير على شاطئٍ مُبتلٍّ وعلى الرمال المُتحركة

إذا دُسْتَ على رمال مُبتلة (ليست شديدة البلل لدرجة دوران الحُبيبات) ثم رفعتَ قدمك، فلماذا تصبح الرمال داخل آثار قدمك جافة نسبيًّا ولماذا تُصبح مبتلة مرة أخرى في غضون دقائق قليلة؟

ما السبب في الرمال المُتحركة؟ وكيف يمكنك الهروب منها؟

الجواب: قبل أن تطأ الرمال تكون الحبيبات مُتجمِّعة معًا عن قُربٍ قدر الإمكان، ويملأ الماء الفراغات الوسيطة. وتبدو الرمال مُبتلة؛ لأنك ترى انعكاسات الماء على سطح الرمل. عندما تطأ الرمال فإنك تقصُّ الرمال حيث تجعل أجزاءً تتحرك على أجزاء أخرى أو عبْر أجزاء أخرى. وهذه الحركة تزيد حتمًا المسافات بين حبيبات الرمال. (ويُقال إنَّ الرمال «مُتمدِّدة»؛ لأن تأثير القصِّ زادَ حجمَها عن حالة الضغط الشديد التي كانت عليها في السابق.) سرعان ما يتسرَّب الماء من سطح الرمال إلى الفراغات الزائدة بين الحُبيبات تاركًا سطح الرمال جافًّا نسبيًّا. وخلال دقائق قليلة تنزلق الحبيبات لتتجمَّع عن قُرب مرة أخرى أو يأتي ماء إضافي من الرمال المحيطة أو التحتية، ثم يبدو سطح الرمال مُبتلًّا مرة أخرى.

إذا كان لديك زجاجة قابلة للضغط بها رمال وماء فسوف تتمكَّن من ثَني الزجاجة بضغطةٍ خفيفة بطيئة تسمح للحُبيبات بالتحرُّك ببطءٍ من حالة التجمُّع الشديد وتسمح أيضًا للماء بالتسرُّب إلى الفراغات الجديدة لتجعل الحُبيبات زلِقة. أما الضغط المُفاجئ فسوف يُسفر عن تحرك الحُبيبات بسرعةٍ شديدة دون حدوث الانزلاق المائي المطلوب. سيكون الاحتكاك بين الحُبيبات شديدًا جدًّا حتى إنك لن تستطيع ثَنيَ الزجاجة على الإطلاق.

تتكوَّن الرمال المُتحركة من قاعٍ رملي وتدفُّق مائي، مثل النبع الطبيعي. يحرك التدفُّق المائي حبيبات الرمال بعيدًا نسبيًّا ويجعلها زلِقة بحيث يمكن أن ينزلق بعضها على بعض. وعند السير على هذا التشكيل من المُمكن أن تغُوص في الرمال الزلقة. وإذا ناضلتَ محاولًا تحريك رِجلك لأعلى سريعًا فسوف تُصبح الرمال المُتحركة صُلبة فجأة ولن يمكنك تحريك رِجلك على الإطلاق. المشكلة هي أنَّ الحركة المُفاجئة تزيد من المسافات بين الحبيبات الرملية، إلا أن انزلاق الحبيبات بعضها على بعض ينتج احتكاكًا كبيرًا ويمنع الحركة.

الرمال المُتحركة مائع كثيف، ومن الناحية النظرية قد لا تغُوص فيه على نحوٍ يكفي للغرق. وفي موقفٍ مثالي قد تتمكَّن من الرقود عليها بالانحناء عند الوسط ثم الزحف عن طريق دفع اليدَين على السطح، وإخراج الرِّجلَين ببطء. رغم ذلك، فإن الأشخاص الذين جرَّبوا الرمال المُتحركة أوضحوا أنَّ الرمال المُتحرِّكة الموجودة في الأرض البرية تكون أكثر خطورة من هذه الرمال المُتحركة المثالية؛ فمن المُحتمل أن تكون مُحتجبة عن النظر تحت مياهٍ راكدة أو جارية؛ ومِن ثمَّ إذا لم تَغُصْ بعيدًا في الرمال المُتحرِّكة فمن الممكن بسهولة أن تجِد رأسك أسفل الماء. بالإضافة إلى ذلك، نظرًا للسقوط في الرمال المُتحركة، فإنك تتجاوز مستوى الطفو، لكنك لا تصعد لأعلى مرة أخرى على النقيض من حمَّام السباحة. والأسوأ من ذلك، من الممكن أن تغير تدفق الماء الذي يجعل الرمال «متحركة» ومِن ثَمَّ تُصبح الرمال المحيطة بك صُلبة.

ويقول الخبراء إن الطريقة الأكيدة للهرَب من الرمال المُتحركة هي أن تكون مُتأهِّبًا للهرَب. فعندما يكون من المُحتمَل الوقوع في الرمال المُتحركة، لا بدَّ أن يكون الشخص قد ربط أنشوطة حبل تحت ذراعَيه وحول صدره، ويجب أن يكون الشخص الموجود عند طرف الحبل الآخر مُستعدًّا للسحْب بقوة في حالة سقوط الشخص الأول في الرمال المتحركة.

(١٠٣) انهيار المباني والطريق السريع

قُبَيل بدء المباراة الثالثة في نهائي دوري البيسبول عام ١٩٨٩ في أوكلاند بولاية كاليفورنيا، ضربت المنطقة أمواج زلزالية من زلزالٍ بلغت قوَّته ٧٫١ ريختر قُرب لوما بريتا على بُعد ١٠٠ كيلومتر، مُسبِّبةً دمارًا هائلًا وأودَتْ بحياة ٦٧ شخصًا. وأوضحت الصور الفوتوغرافية التي انتشرَتْ حول العالم قطاعًا طويلًا من طريق نيميتس السريع؛ حيث انهار الطابق العلوي على الطابق السُّفلي، فحاصر ركَّاب السيارات وتسبَّب في وفاة العشرات. من الواضح أن الانهيار كان بسبب الهزَّة العنيفة جراء المَوجات الزلزالية. لكن لماذا تعرَّض هذا القطاع بالتحديد من الطريق السريع لهذا الضَّرَر البالغ في حين أن بقية أجزاء الطريق السريع المُتطابقة معه تقريبًا في أسلوب التشييد نجَتْ من الانهيار؟

في ١٩ سبتمبر عام ١٩٩٥ تسبَّبت أمواج زلزالية صادرة عن زلزال بدأ على امتداد الساحل الغربي للمكسيك في دمارٍ فظيع وواسع النطاق في مكسيكو سيتي على بُعد ما يقرُب من ٤٠٠ كيلومتر من مركز الزلزال. لماذا تسبَّبت هذه الأمواج الزلزالية في هذا الدمار الكبير في مكسيكو سيتي وتسبَّبت في دمارٍ قليل نسبيًّا في طريقها إلى هناك؟ بالإضافة إلى ذلك، لماذا ضربت الأمواج الزلزالية المباني ذات الارتفاع المُتوسِّط في مكسيكو سيتي ولم تُلحِق ضررًا يُذكر بالمباني المُرتفعة والقصيرة؟

الجواب: كان انهيار طريق نيميتس السريع قاصرًا على الامتداد المَبني على حاجزٍ طيني سيئ التشييد تعرَّض للإسالة (أو للتمييع) أثناء الاهتزاز. وهذا يعني أن جُزيئات الحاجز الطيني عندما تعرضت للاهتزاز تباعَدَ بعضها عن بعض وأصبحت أكثر ميوعة (أي قادرة على التدفُّق) بدلًا من حالتها الصُّلبة. وعندما كان الحاجز الطيني في حالة ميوعة، كان تأثير الأمواج الزلزالية أكبر منه في المناطق المُحيطة التي كان يرتكز فيها الطريق السريع على رواسب صخرية. وتُعدُّ السرعة القصوى التي تمنحها الأمواج الزلزالية للجزيئات عندما تتذبذب هذه الجزيئات بفعل الأمواج من مقاييس خطورة الأمواج الزلزالية. وفي مناطق الحاجز الطيني كانت السرعة القُصوى خمسة أضعاف ما كانت عليه في المناطق الصخرية على أقلِّ تقدير، ولذلك اهتزَّ الطريق السريع حرفيًّا حتى سقط أحد الطابقَين على الآخر.

وفي بعض أمثلة الإسالة، انزلقَتِ المنازل على الأرض كما لو كانت الرمال المتحركة قد ابتلعتها. بالإضافة إلى ذلك، من المُمكن أن تتكوَّن فوَّارات حارة في المواضع التي ينطلق فيها الماء والرمال لأعلى من الأرض.

كان زلزال المكسيك زلزالًا كبيرًا (بلغت قوَّته ٨٫١ على مقياس ريختر)، لكن موجاته الزلزالية كانت أضعفَ من أن تُسبِّب دمارًا هائلًا عندما وصلتْ إلى مكسيكو سيتي في النهاية. إلا أن مدينة مكسيكو سيتي مَبنية إلى حدٍّ بعيد على قاع بُحيرة قديمة؛ حيث ما زالت التُّربة طريةً بفعل الماء. وعلى الرغم من أن سَعة الموجات الزلزالية كانت ضعيفة في الأرض الأكثر ثباتًا في الطريق المؤدِّي إلى مكسيكو سيتي، فقد تزايدَتْ تزايدًا هائلًا في تُربة المدينة الرَّخوة. علاوة على ذلك، عندما دخلت الموجات الزلزالية التربة الرخوة، انعكس بعضها بين أعلى التربة والمادة الصلبة التحتية (القاع). وعزَّزت الأمواج ذات الأطوال الموجية المُعينة بعضها بعضًا، مما زاد حركة الأرض وأطال مُدَّتها. وبلغت قوة التسارُع بسبب الأمواج ما يقرُب من ٠٫٢٠ G (أي ٠٫٢٠ مرة من تسارُع الجاذبية)، وتركَّز التردُّد (على نحوٍ مُفاجئ) حول ٠٫٥ هرتز. ولم يتوقَّف الأمر عند اهتزاز الأرض بشدَّة لوقتٍ طويل على نحوٍ يُثير الدهشة، بل اهتزَّت مبانٍ كثيرة متوسطة الارتفاع بتردُّدات اهتزازٍ طبيعية (تردُّدات الرنين) بلغت تقريبًا ٠٫٥ هرتز. وكثير من هذه المباني المُتوسِّطة الارتفاع سقط أثناء الهزة، بينما المباني القصيرة (ذات تردُّدات الرنين الأعلى) والمباني المُرتفعة (ذات تردُّدات الرنين الأقل) ظلَّت واقفة.

قصة قصيرة

(١٠٤) تأثير الرمال المُتحركة في الحبوب

إن السقوط في وعاء حبوب كبير، مثل صوامع الغلال التجارية أو حاوية التخزين، لهوَ أمر خطير ومن المُمكن أن يودي بالحياة. وفي إحدى الحالات، سقط عامل سهوًا في صومعة غلال مُمتلئة لعُمقٍ يبلغ عدَّة أمتار. وسرعان ما غاص حتى إبطَيه، وأصبح عاجزًا عن أن يُحرِّر ولو ذراعَيه. ونظرًا لإصابته بأحد أمراض القلب، فقد كان ضغط الحبوب على صدره خطيرًا، ولذلك حاول المُنقِذون سحبَه بسرعة، لكنهم لم يتمكنوا بسبب تأثير الاحتكاك على جسده. بعد ذلك حاولوا إخراجه عن طريق الحفر في الحبوب المُحيطة به، لكن واصلت الحبوب ملء الفراغ حوله، كما أن الغبار المُتطاير كاد يُسبِّب اختناق الضحية والمُنقذين. وأخيرًا أنزلوا أنبوبًا أسطوانيًّا حوله، ودفعوه في الحبوب، ثم استخدموا مكنسة صناعية لشفط الحبوب خارج الأسطوانة، وبذا حرَّروا الضحية.

(١٠٥) تدفُّق المُشاة والهروب عند الفزَع

عندما تزداد كثافة المُشاة على الرصيف، ماذا يفعل المُشاة لتفادي التدفُّق الفوضوي والمُعيق؟ عندما تحاول الجماهير الهروب من مكانٍ مغلق (مثل غرفة أو مبنًى أو استاد) أثناء حالة طوارئ أو عندما يُحاولون الدخول إلى مكانٍ مغلق أثناء انتظار حدَثٍ كبير أو أثناء حدَثٍ مُثير، لماذا تُصبح الحركة مُكبَّلة ومن المُحتمَل أن تكون قاتلة؟

الجواب: يمكن أن تكون حركة المُشاة نوعًا من التدفُّق الحُبيبي أو تدفُّق الموائع أيضًا. إذا أردتَ دراسة تدفُّق المُشاة فابحث عن نقطة مرتفعة يمكنك أن تراقِب منها قدرًا كبيرًا من التدفُّق.

وعندما تكون كثافة المشاة منخفضة، فسوف يختار كل شخصٍ أو جماعة (أو عائلة مثلًا) الطرق الأكثر مباشرةً لهدفهم على الرغم من أن الطريق لن يكون بالضرورة مباشرًا إذا كان مقصورًا على الأرصفة وأماكن عبور المُشاة. على سبيل المثال، إذا استطاع الأشخاص أن يسيروا عبْر حقلٍ في أحد المهرجانات ليصلوا إلى محلِّ الحلوى، فسوف يختارون على الأرجح طريقًا مباشرًا للمَحل. ومع ازدياد كثافة الناس، سيُصبح الطريق مُتعرِّجًا، وسيُضطرُّ مُحبُّو الحلوى إلى التوقُّف بين الحين والآخر لتجنُّب التصادُم مع الآخرين. ومع ازدياد الكثافة أكثر وأكثر، سيبدأ الناس في تجنُّب حارات التدفُّق التي تُشبِه الحارات المرورية في شارعٍ مزدوَج الحارات. ومع بدء هذا النوع من «التقسيم» أو «تنظيم الحارات المرورية» يتحرك الناس بطريقةٍ مُنسَّقة وبسرعة مُحدَّدة وبفاصلٍ جسدي معين لتجنُّب التصادم. وعندها يتحتَّم على مُحبي الحلوى التحرُّك في حارة تدفُّقٍ واحدة أو أكثر للاقتراب من محل الحلوى، وقد يكون الطريق في مُجمله أكثر طولًا من الطريق المباشر الأصلي.

وعندما يحاول عدد كبير من الأشخاص الهادئين الهروب من مكانٍ مُغلق من خلال مَمرِّ خروج شديد الضِّيق، فإنهم عادةً ما يسمحون بعضهم لبعض بالتحرك في المسار بطريقةٍ بطيئة ومُستمرة. وإذا كان هؤلاء الناس في حالة فزَع لأنهم يحاولون الهروب من خطرٍ ما (مثل الحريق)، فعندما يحتشدون، يكوِّنون أقواسًا حول المخرج. ويمكن أن يكون ضغط الناس خلف الأقواس شديدًا للغاية لدرجة تُعيق الناس داخل الأقواس عن الحركة في أيِّ اتجاه، ولا يستطيعون رفع أذرعهم، ولا يستطيعون التنفُّس جيدًا، مما قد يقود إلى الإغماء أثناء الوقوف. وفي المواقف الخطيرة، من الممكن أن يتعرَّض الناس الموجودون في الأقواس للسَّحق على نحوٍ مُميت إما بدفعهم نحو الحوائط أو الحواجز، أو من المُمكن أن تسقط الحوائط والحواجز، فيسقط الناس ليَلقوا حتفَهم. أما تدفُّق الناس ببطءٍ عبْر طريق الخروج، فإنه يجعل الأقواس في حالة استرخاء، لكن وقت الهروب سيكون أكبر ممَّا لو خرج الناس بسلاسة.

وإذا تسبَّب اندفاع الناس نحوَ المخرج في سقوط بعضهم، فستكون أجسادهم عقبةً عثرة بالنسبة للقادمين. وقد يكون تجمع الأجساد عاليًا على نحو يكفي لأن يشكل عائقًا، وهذا وضع خطير كما هو واضح.

ولتقليل الخطر بالنسبة للحشود الخارجة، من الممكن بناء مَخارج إضافية. إلا أنه عند تجمهر حشْد مذعور عند أحد المخارج، فإنهم قد لا يُدركون وجود مخارج أخرى مفتوحة. بعض الاستادات مُصمَّمة حاليًّا بممرات خروج خاصة لتقليل احتمالية التكدس، وهذه الممرات تتَّجِه للخارج ومُصممة بشكلٍ مُتعرِّج كي لا يُحتجَز أيُّ شخصٍ عند أحد الجدران.

(١٠٦) أكوام الرمال والتدفُّق ذاتي التنظيم

على سطحٍ أفقي صُبَّ الرمال ببطءٍ في تيَّار كي تصنع كومةً من الرمل. بطبيعة الحال، ستُصبِح كومة الرمل أطولَ وأكثر اتِّساعًا. لماذا لا يمكن أن يتجاوز جانب الكومة زاوية مُعيَّنة؟

قَلِّب ببطءٍ حُبيبات مسحوق «تانج» (حبوب البرتقال المستخدمة لإعداد شراب الفطور بنكهة البرتقال) وحبيبات مسحوق «نِستي» (الحُبيبات السوداء المُستخدَمة لعمل شاي فوري) ثم صبَّ الخليط ببطءٍ في تيَّارٍ ضَيِّق. ستكوِّن الحُبيبات كومة مثل الرمال، إلَّا أنَّ حُبيبات نِستي ستتجمع في قاع الكومة. فما سبب الفصل؟

صبَّ ببطء مزيج حبيبات تانج ونِستي في أحد أطراف وعاءٍ شفَّاف ضيِّق وراقِب من خلال إحدى الجُدران الشفافة. لماذا تُكَوِّن الحبيبات أشرطةً تبادُليَّة من حُبيبات تانج ونِستي مع تراكم الكومة (شكل ٢-٣٢
fig87
شكل ٢-٣٢: بند ٢-١٠٦: تتكوَّن أشرطة بُنِّية وبرتقالية عند صبِّ مزيج المسحوق في كومة.
الجواب: عندما تبدأ الرمال المصبوبة في اتِّخاذ شكلٍ مخروطي، تتجمَّع الحُبيبات على المُنحدَر معًا بفعل الاحتكاك المُتبادَل، وتزداد تدريجيًّا زاوية المُنحدَر حتى تصِل إلى قيمةٍ حرجة. ثم تبدأ بعض الحبيبات في الانزلاق على المُنحدَر، وتأخذ في طريقها حبيباتٍ أُخرى إلى أن يحدُث انهيار في جزءٍ من المخروط. بعد ذلك تُصبح زاوية المنحدَر أصغر قيمةً، ويُقال عنها «زاوية الاسترخاء». وبهذه الطريقة، يُقال عن كومة الرمال إنها تُنظِّم نفسها — أي تُعدِّل نفسها — بحيث تكون عند زاوية الاسترخاء. لأنواع المساحيق والمواد الحُبيبيَّة الأخرى المُختلفة (مثل الخرَز الزجاجي، والبذور المُختلفة، والكسكسي الجاف، والبازلاء) زوايا استرخاء مختلفة، اعتمادًا على متوسط الحجم والشكل.

عند تقليبِ مَسحوقَين ثُم صبِّهما، سوف ينفصلان على الأرجح عند انزلاقهما على جانب الكوم ويَثبُتان في مكانهما. وعند صبِّ المزيج في وعاءٍ ضيِّق كما هو موصوف، ستتمكن من رؤية قطاع عرضي للكوم. وعندما يبدأ الانهيار، تميل الحُبيبات الأكبر حجمًا إلى التجمُّع في قاعدة المنحدَر، وتميل الحبيبات الأصغر حجمًا إلى الاحتباس على الجانب مُكوِّنة طبقة. ثم تبدأ الحبيبات الأكبر حجمًا في التراجُع إلى الجانب إلى أن تتكوَّن طبقةٌ من الحُبيبات الأكبر حجمًا. ومِن ثَمَّ، فإن سلسلة الانهيارات تُبدِّل بين تكوين طبقة من الحبيبات الأصغر حجمًا (مثل حبيبات تانج في مزيج حبيبات تانج ونِستي) وطبقة من الحبيبات الأكبر حجمًا.

والحائط الرأسي المُكوَّن من مادة حُبيبية سوف يتعرَّض لكل من الانهيار والهبوط. ولكي ترى ذلك، ضع أنبوبًا مفتوح الطرف في وضعٍ رأسي على طاولة واملأه بمادة حُبيبية. ثم اسحب الأنبوب فجأةً لأعلى لتُخليه من الحُبيبات. يجب أن تنظر سريعًا أو أن تَستخدِم كاميرا تصوير بالحركة البطيئة لتُسجل الحدَث. ستجد أن العمود ينهار في غضون نصف ثانية تقريبًا، لكن طريقة انهياره تعتمد على نسبة الارتفاع إلى العرض. فإذا كانت النسبة كبيرة، فسوف يتحرك السطح العلوي كله للخارج على الفور، تاركًا تلَّةً ذات قمَّةٍ مُستديرة. وإذا كانت النسبة صغيرة، فسوف يهبط الجزء الخارجي من الكوم ثم يتبَعُه الجزء الداخلي، تاركًا تلَّةً ذات قمَّةٍ حادَّة.

(١٠٧) التدفُّقات في الساعات الرملية والصوامع

إذا وضعتَ ساعة رملية على ميزان حسَّاس لقياس وزنها، فهل تعتمد القراءة على إذا ما كان الرمل في حالة تدفُّق أم لا؟ يتدفَّق الرمل مثل الماء إلى حدٍّ بعيد. فلماذا إذن لا يُوجَد لدَينا ساعات زجاجية مائية؟

عند وضع المواد الحُبيبية، مثل حُبيبات الرمال والخرز الزجاجي، على منحدَرٍ مائلٍ بدرجةٍ كافية فإنها تتدفَّق لأسفل المُنحدَر. لكن إذا كان المُنحدَر خشنًا نسبيًّا، وكانت المواد الحبيبية تتكوَّن من جزيئات مختلفة الأحجام، فلماذا تستطيع «الواجهة» (الحافة السفلى من التدفُّق) الانقسام إلى «أصابع» تمتدُّ لأسفل المُنحدَر؟

افترِضْ أن المواد الحبيبية تتدفَّق لأسفل المُنحدَر أو المُنزلَق نحوَ عائق يُوقفها. فإذا كان إمداد المواد الحُبيبية مُستمرًّا، فلماذا يبدأ التدفُّق ويتوقَّف بين الحين والآخر؟

الجواب: إليكم جواب الساعة الرملية التقليدي. يتغيَّر وزن الساعة الرملية نسبيًّا عندما يبدأ تدفُّق الرمال وعندما ينتهي، لكنه يكون عاديًّا أثناء بقيَّة التدفُّق. (١) عندما يبدأ التدفُّق، وقبل اصطدام الحبيبات بالقاع، يكون الوزن أقلَّ من العادي؛ لأن الحُبيبات في حالة السقوط الحُرِّ لا تُسهم في الوزن. (٢) وبمجرَّد أن تبدأ الحبيبات الاصطدام، يؤدي تأثيرها إلى موازنة خسارة الوزن الناجم عن السقوط الحُر للحبيبات؛ ومِن ثمَّ يظلُّ الوزن عاديًّا في مُعظم الوقت. (٣) عندما يُوشِك التدفُّق على الانتهاء وتكون الحُبيبات ما زالت في حالة اصطدام مع وجود قدْرٍ قليلٍ من الحبيبات في حالة سقوط حُر، يكون الوزن أكبر من العادي. وإليكم بعض التفاصيل التي تزيد الأمر تعقيدًا: (١) تبدأ الحُبيبات في التحرُّك فعليًّا قبل الوصول إلى العُنق، ويكون لها سرعة مبدئية عندما تبدأ في السقوط الحر. ومِن ثَمَّ، فإن سرعتها قُبيل الاصطدام أكبر من السرعة المُفترَضة في الجواب التقليدي. (٢) تتراكَم الرمال لأعلى؛ ومِن ثمَّ تنتقل نقطة التصادم لتُصبح أعلى. وهذا التحوُّل يُغيِّر شدَّة الاصطدام ويُقلِّل أيضًا كمية الرمال الساقطة في أي لحظة. (٣) قد لا يكون التدفُّق سلِسًا لأسبابٍ عديدة؛ فالعُنق شديد الضِّيق قد يجعل الحُبيبات تكتظُّ لتُكوِّن أقواسًا تستمر لفترة وجيزة في عنق الساعة أو فوقها بقليل. وهذه الأقواس قد تسحب الهواء إلى الجزء السفلي، فتزيد ضغط الهواء هناك إلى أن يهرُب الهواء عائدًا عبْر العنق، فيُوقف تدفق الرمال «نسبيًّا». وهذا التوقف قد يكون منتظمًا على نحوٍ يكفي لأن تُوصَف الساعة الرملية بأنها «تدق».

من المُمكن أيضًا أن تتكوَّن الأقواس عند تدفُّق الحُبيبات في الصومعة. في بعض الحالات، يتسبَّب التدفُّق المُتقطِّع في اهتزاز الصومعة فيما يُعرَف باسم «زلزال الصومعة». وإذا كان الاهتزاز كبيرًا على نحوٍ كافٍ فمن المُمكن أن يُصدِر صوتًا يُسمَّى «تزمير الصومعة» ومن الممكن أن يُسبِّب تَشقُّق الصومعة ويؤدي إلى انهيارها.

في الساعة الزجاجية المائية يعتمد مُعدل تدفق الماء من الجزء العلوي على ارتفاع الماء في ذلك الجزء، فكلما زاد ارتفاع الماء زاد مُعدل التدفُّق. وفي الساعة الرملية التي تكوِّن فيها حُبيبات الرمال أقواسًا لفترةٍ وجيزة، فإن التدفُّق من الجزء العلوي لا يمتُّ بصِلة لارتفاع الرمال في هذا الجزء، فما دامت الرمال مُتدفقة، يظلُّ مُعدل التدفُّق ثابتًا.

عندما يتدفَّق مزيج من الحُبيبات على أحد المُنحدَرات، فإن الجزيئات المُنحدِرة سريعًا تميل إلى الدوران في التدفُّق بطريقتَين: في القطاع العرضي الرأسي، تميل الحبيبات إلى الدوران إلى السطح وإلى المُقدِّمة وإلى أسفل المنحدَر. وعندما يتجاوزها التدفق، فإنها تُحاصَر ثم تعود إلى السطح وتُعيد الكرَّة. في هذه الأثناء، يمكن أن تتبايَن هذه المسارات الدوَّارة عبر عرض التدفُّق بحيث يصبح بعضها مستقيمًا أثناء نزول المنحدر وصعوده مرة أخرى، وينحني بعضها يسارًا أو يمينًا عند نظرنا إليها. تُشكِّل المسارات المستقيمة المُتجهة لأسفل ولأعلى الأصابع المُمتدَّة على المُنحدِرة، وتشكل المسارات المُنحنِية يمينًا ويسارًا الفراغ بين هذه الأصابع.

وإذا اصطدمَتِ الحُبيبات المُتدفِّقة على المنحدر بعائقٍ وتوقفت، فإن المواد تبدأ في التكدس، ويرتفع هذا التوقف لأعلى المنحدر إلى أن تُصبح كل المواد الموجودة على المنحدر ثابتة. ومِن ثَمَّ، نظرًا لثبات الإمداد تبدأ المواد الجديدة في التدفق نزولًا على «منحدر» المواد الثابتة لإعادة الدورة.

fig88
شكل ٢-٣٣: بند ٢-١٠٧: نسَق انهيار في (أ) طبقة رقيقة و(ب) طبقة سميكة من المواد الحُبيبية.
وإذا كان المنحدر خشنًا لدرجةٍ تجعل تدفق الحبيبات يترك موادَّ رسوبيةً على المنحدر، فبإمكانك زيادة مَيل المنحدر قليلًا والتسبُّب في انهيارات في كل مكان تُخلخَل فيه الطبقة الباقية. وإذا كانت الطبقة ضحلة، فإن الاضطراب (المُتمثل مثلًا في وكزةٍ من قلَم رصاص) يسفر عن منطقة انهيار تُشبِه دمعةً تمتدُّ لأسفل المنحدَر (انظر شكل ٢-٣٣أ). أما إذا كانت الطبقة سميكة، فإنَّ الاضطراب يُسفر عن انهيارٍ يُشبِه دمعةً تمتدُّ لأعلى المنحدر (انظر شكل ٢-٣٣ب).

(١٠٨) تأثير الجوز البرازيلي والمساحيق المُهتزَّة

ضع حبَّة جوز برازيلي (أو أي مكسرات كبيرة) في وعاءٍ وأضف كمية كافية من الفول السوداني (أو أي مكسَّرات صغيرة) لتملأ الوعاء إلى نصفه. عند هزِّ الوعاء عموديًّا لفترة، لماذا تصعد حبَّة الجوز البرازيلي لأعلى سطح الفول السوداني؟

في وعاءٍ كبير مليء بالفول الجاف، ادفن كُرة تنِس طاولة وضع كُرة مصنوعة من الرصاص أعلى الفول. إذا حرَّكتَ الفول في حركاتٍ دائرية بتدوير الوعاء أفقيًّا، فستختفي الكرة المصنوعة من الرصاص وستظهر كرة تنِس الطاولة، فما سبب هذا الاختلاف؟

يُمكن أن نرى أمرًا مُشابهًا عند خلط الدقيق مع الدهون لإعداد المُعجَّنات. فمن أجل كشف كُتَل الدهن المُتبقية، قد يَهزُّ الطاهي إناء الخلط، فترتفع الكُتَل إلى سطح الدقيق. وكانت النساء الأستراليات الأصليَّات يَستخدمْنَ أسلوبًا مُشابهًا (الغربلة) لفصل بذور العشب القابلة للأكل من الخليط المَبدئي المَمزوج بالتُّراب. فكانت المرأة تربتُ على الإناء المسطح الذي يحمل الخليط أو تَهزُّه برِفق حتى تتجمَّع البذور في صورة كومة ويُكوِّن التراب كومة أخرى.

صُبَّ بعضًا من مسحوق تانج (حُبيبات البرتقال المُستخدمة في مشروب الفطور المحلى بطعم البرتقال) وقدرًا من مسحوق نِستي (الحُبيبات السوداء المُستخدَمة في إعداد الشاي الفوري) في وعاءٍ شفَّاف، وأغلِق الوعاء، وهُزَّ المزيج. على الرغم من أنك تُحاول بقوَّة توزيع حبيبات تانج بالتَّساوي وعلى نحوٍ عشوائي داخل حُبيبات نِستي، فستجِد دائمًا أنَّ حُبيبات تانج البرتقالية تُشكِّل كيانات مُنعزلة داخل حُبيبات نستي. فلماذا لا تنتشِر؟

الجواب: يُوجَد عاملان يتسبَّبان في صعود الجوز البرازيلي في وعاء الفول السوداني؛ العامل الأول: هو أنه عند هزِّ الجوز عموديًّا، من المُحتمَل أن يقع الفول السوداني لصِغَر حجمه في الفضاء الموجود أسفل الجوز البرازيلي، فيُساهم في ارتفاعه مع كلِّ هزة. ولكي يهبط الجوز البرازيلي، لا بدَّ أن تُخلي الطريق الكثير من حبَّات الفول السوداني الأصغر حجمًا، وهذا أمر غير مُحتَمَل الحدوث. ومِن ثَمَّ، تعزز الاحتمالية صعود الجوز البرازيلي إلى السطح العلوي. ويمكن للجوز البرازيلي أن يصعد حتى لو كان مع مجموعة أشياء ذات كثافةٍ أقلَّ نسبيًّا.

والعامل الثاني لصعود الجوز هو: دوَران الفول السوداني الناتج عن الذَّبذبات العمودية؛ فالفول السوداني الموجود في مركز الوعاء يميل إلى التحرُّك لأعلى، والفول السوداني القريب من جدار الوعاء الذي تُعاق حركته بفعل الجدار يندفع لأسفل بفعل تدفُّق الفول السوداني الموجود في المركز لأعلى. ويُمكن أن يدور الجوز البرازيلي ويصعد للقمَّة قُرب المركز.

أما وضع تجربة الفول فمُختلف من حيث أمرَين: فكرة الرصاص «أكثر» كثافة بكثيرٍ من الفول، والاحتكاك بين حبَّات الفول أقل من الاحتكاك الموجود بين حبات الفول السوداني بسبب السطح الزلِق. وعند تدوير الوعاء أو هزِّه، سوف تشقُّ كُرة الرصاص طريقها في الفول، وتجعله ينزلق بسهولةٍ بعيدًا عن طريقها. وإذا استطعتَ بطريقةٍ ما تقليل الاحتكاك بين حبَّات الفول على نحوٍ أكبر، فسوف تتصرَّف حبَّات الفول كما لو كانت سائلًا ولن يكون أمرًا مفاجئًا أن ترى كرة الرصاص تغطس وكرة تنس الطاولة تظهر على السطح.

إذا كان لدَيك مزيج من مادَّتَين، إحداهما أكبر كثيرًا من الأخرى، فقد تجد أنَّ المادة الأكبر ترتفِع تدريجيًّا أعلى المادة الأصغر عند اضطراب الخليط أحيانًا وليس عند هزِّه. وعادةً يحدُث هذا الانفصال بين المواد في عبوات مُنتجات الطعام المكوَّنة من مادَّتَين (أو أكثر) مُختلفتَي الحجم. وهذا الأمر يُصيب مُنتجي هذه المُنتجات بالجنون؛ لأنهم يريدون توزيعًا مُتساويًا للمواد عند فتح العبوة. وكلُّ اضطرابٍ عرضي أثناء إنتاج وشحن وشراء العبوة يجعل المادة الأصغر حجمًا تنتقل إلى الفراغات الموجودة أسفل المادة الأكبر حجمًا.

عند هزِّ مزيج حبيبات تانج ونِستي تظلُّ حبيبات تانج الأصغر حجمًا فوق حبيبات نِستي الأكبر حجمًا. وتُوجَد آليَّتان من المُحتمَل أن تكونا مسئولتَين عن عدَم قُدرة حبيبات تانج على الانتشار: إحدى هاتَين الآليَّتَين هي الآلية نفسها المسئولة عن تسلق الجوز البرازيلي لأعلى بعض حبَّات الفول السوداني. أما الآلية الأخرى فتنبُع عن طريق الدوَران التي تنطلق في المزيج بفعل الذبذبات وطريقة انتقال القوى المُؤثرة الناتجة في كتلة المزيج. وتسيطر الآلية الأولى إذا كانت سَعة الذبذبات كبيرة (عند هزِّ الوعاء لأعلى ولأسفل بقوة). وتسيطر الآلية الثانية إذا كانت سَعة الذبذبات صغيرة (ضرب الوعاء بظفر الإصبع بقوة كافية لتحريك الحُبيبات).

عند توزيع طبقةٍ من حُبيبات تانج فوق طبقٍ يهتزُّ رأسيًّا، فإن الحبيبات تميل إلى التجمع في صورة أكوام. وبمجرَّد البدء تميل الأكوام الأصغر حجمًا إلى التحرُّك نحوَ الأكوام الأكبر حجمًا وتنضمُّ إليها. ويبدو أنَّ هذا التحرُّك يعود إلى الذبذبات النسبية التي يتعرَّض لها الطبَق تحت الكوم الأكبر (الذبذبات الأصغر) والكوم الأصغر (الذبذبات الأكبر). تميل الذبذبات الأكبر إلى الإطاحة بعددٍ أكبر من الحُبيبات في الهواء. وتميل الحبيبات الهابطة بالقُرب من الكوم الأكبر إلى البقاء في مكانها على نحوٍ يفوق تلك الحُبيبات الهابطة بعيدًا عن الكوم الأكبر. ومِن ثَمَّ، تُوجَد حركة صافية للحبيبات نحوَ الكوم الأكبر.

إليك هذا اللُّغز المُتبقي: املأ إلى المنتصف برطمانًا أسطوانيًّا صغيرًا نسبيًّا بالملح وأضِف صامولة سُداسية معدنية ودبُّوس ضغط (دبوس لوحة الإعلانات ذا الرأس البلاستيكية). إذا حملتَ الأسطوانة عموديًّا وهززتَها رأسيًّا، فسوف تصعد الصامولة لأعلى الملح ويختفي دبوس الضغط عن الأنظار. أما إذا أمسكتَ الأسطوانة أفقيًّا وهززتَها أفقيًّا، فسوف يصعد دبوس الضغط لأعلى الملح وتختفي الصامولة عن الأنظار.

(١٠٩) بالون الانهيار الجليدي

يَستخدِم بعضُ مُتزلِّجي الجليد العالقون في الانهيارات الجليدية «بالون الانهيار الجليدي». وهذا البالون الذي يَحملونه في حقيبة الظَّهر يكون في البداية غيرَ منفوخ. وعند اقتراب الانهيار الجليدي، يسحَبُ المُتزلِّج حبل فتح البالون لملئه بغاز النيتروجين من الأسطوانة، ويسحَب تدفُّق النيتروجين الهواء من خارج البالون. وعندما يعلَق المُتزلِّج والبالون في الانهيار الجليدي، فإنهما يتحرَّكان إلى أعلى التدفُّق بدلًا من الدفن تحته. وبهذه الطريقة يكون لدى المُتزلِّج فرصة أكبر في النجاة. فلماذا يتحرَّك المُتزلِّج إلى قمَّة التدفُّق؟

الجواب: عندما يكون بالون الانهيار الجليدي مُتَّصِلًا بظهر المُتزلِّج العالِق في التدفُّق الجليدي، فإن هذا المُتزلج يصبح فعليًّا شبيهًا بالجوز البرازيلي الموجود في وعاء فول سوداني مُهتز؛ فالبالون يوفِّر قوة طفو لأعلى؛ لأن الغاز الذي يحمله أقلُّ كثافةً من الجليد المُتدفق. إلا أن هذه القوة غير كافية لرفع المُتزلِّج لأعلى الجليد. بل ما يرفع المُتزلِّج هو زيادة الحجم الناتجة عن البالون؛ حيث نجد أن الجوز البرازيلي (في هذه الحالة المُتزلج والبالون المنفوخ) أكبر كثيرًا من الفول السوداني المُحيط (كتل الجليد).

(١١٠) دوَّامات الرمال والحركة

لماذا يُمكن أن تتكوَّن تموُّجات في الرمال على أرضية صحراوية (أو في قاع نهر)؟ ما الذي يُحدِّد الطول المَوجي للتموُّجات؛ أي متوسط المسافة الفاصلة بينها؟ كيف يمكن لنبات، مثل كتل الحشائش، أن يُغير نسَق التموُّجات؟ لماذا لا تظهر التموُّجات عادةً في قاع الجليد؟

fig89
شكل ٢-٣٤: بند ٢-١١٠: القفز الرملي لحُبيبات الرمال يُسفر عن تكوُّن التموُّجات الرملية.
الجواب: عندما تكون السرعة عاليةً على نحوٍ كافٍ، فإن الرياح العابرة على طبقة رمال (جافة) مُسطَّحة مبدئيًّا يمكن أن تُحرِّك حبيبات الرمال. ويمكن أن «تزحف» الحبيبات على الطبقة أو أن تتعرَّض ﻟ «القفز الرملي» حيث تقفز، ومن المُمكن أن ترتد. وإذا هبطت الحُبيبات على جزءٍ مُسطَّح من الطبقة، فإنها تقفز ثانيةً، أما إذا هبطت على جزءٍ مُرتفِع من الطبقة (نتوء تَكوَّن بالصدفة)، فمن الممكن أن تعلَق (انظر شكل ٢-٣٤). وعندما يزداد النُّتوء ارتفاعًا، فإنه يجتذب المزيد من الحُبيبات ويحمي الحُبيبات أيضًا على الجانب المَحمي من الرياح. من الممكن أيضًا أن تقفز بعض الحبيبات البعيدة نسبيًّا عن اتجاه الرياح ومِن ثَمَّ يُمكن أن تعلَق بنتوءٍ آخر. يمكن أن يزداد حجم النتوء إذا كان الجانب المَحمي من الرياح مُنحدرًا، وكان الجانب المُواجه للرياح أكثر انحدارًا نسبيًّا. وتميل الرياح المُنحرفة فوق قمَّة النتوء إلى التكسُّر في صورة دوَّامة عند الجانب المَحمي من الرياح، وهذا يدفع الهواء «أعلى» الجانب المَحمي من الرياح، ويزيل الرمال للحفاظ على الجبهة المُنحدِرة. ومع تكوُّن النتوء، فإنه يتحرَّك أيضًا في اتجاه الرياح؛ لأن الحُبيبات في الجانب المُواجه للرياح يمكن أن تقفز فوق القمة. تتحرَّك بعض النتوءات بمُعدَّلٍ أسرع من غيرها، وتندمج كثيرٌ من النتوءات أو على الأقل تقترِب كثيرًا على نحوٍ يسمح لبعضها بالتأثير على بعض.

والآن لنتقدَّم بالأيام أو الأسابيع، أو ربما بالسِّنين. سنجد أنَّ هذا النشاط يُسفر تدريجيًّا عن الأشكال المُتموِّجة التي نراها في الرمال. وبمجرد تكوُّن تلك التموُّجات تظلُّ محفوظة بفعل الرياح والقفز الرملي. وبطبيعة الحال، إذا تغيَّرت الرياح جذريًّا، فمن الممكن أن يحلَّ شكل جديد محلَّ الشكل القديم.

يمكن أن يَسير تكوُّن الشكل بمُعدَّل أسرع إذا كانت الرمال مغمورةً تحت مجرًى مائي مُعدَّل تدفُّقه مُنتظم نسبيًّا. في هذه الحالة قد تتمكَّن فعليًّا من رؤية تكوُّن التموُّجات في غضون دقائق قليلة.

ومع هبوب الرياح حول النباتات، وتكوُّن التموُّجات (أو الدوَّامات الصغيرة)، يختلف اتجاه التموُّجات والمسافة بينها عن تلك الموجودة على جانب النباتات المُواجِه للرياح.

من الممكن أيضًا أن يحدث القفز الرملي مع رقائق الثلج في حقلٍ جليدي. ورغم ذلك، فإن التموُّجات لا تظهر (أو ليست واضحة أو شائعة على أقل تقدير) لسببَين: (١) تميل الرقاقة إلى الالتصاق بأي نقطةٍ تصطدِم بها سواء أكانت نتوءًا جليديًّا بارزًا أم لا. (٢) يميل الحقل الجليدي إلى تكوين قشرة جليدية لا سيما بعد يومٍ مُشمِس؛ ومِن ثمَّ فلا يُمكن حدوث القفز الرملي. ورغم ذلك، فقبل تكوُّن القشرة، يمكن أن تترُك الرياح القوية أشكالًا على الجليد، لا سيما إذا كوَّنت دوَّامات هوائية على جانب العائق المَحمي من الرياح.

(١١١) الكثبان الرملية

لماذا تتكوَّن الكثبان الرملية؟ لماذا تستطيع التحرُّك؟ متى يزحَف الكثيب الرملي إلى غيره؟ وكيف تستطيع الكثبان الاندماج ثم الانفصال؟ كيف يتسبَّب الكثيب الرملي في انشقاق غيره من أجل توفير ممرٍّ للكثيب الرملي الأول؟ لماذا الكثبان الرملية في بعض الصحاري، كما في ليبيا، مُتراصَّة في صورة خطوط شِبه متوازية كما تظهرها الصور المُلتقطة بالأقمار الصناعية؟

الجواب: «الكثبان الطولية» هي تلال طويلة تتراصُّ مع اتجاه الرياح السائدة. أما «الكثبان البرخانية» فهي كثبان ذات شكلٍ هلالي وعمودية على الرياح، ولها «قرون» (أطراف) تُشير إلى اتِّجاه الرياح. كل الكثبان الرملية ناتجة عن دوَّامات رملية بسيطة، وعن قُدرة الرياح على قذف حُبيبات الرمال. على مدار سنواتٍ كثيرة، ربما قرون، تتجمَّع الحبيبات في التِّلال المُتزايدة في النمو. وبمجرَّد تكوُّن أحد التلال، فإنه لا يتخلى عن أي حبيبات رملية حتى إنَّ التِّلال المنافسة تتلاشى أو لا تكاد تبدأ فعليًّا.

عندما تُفكِّر في كثيبٍ رملي، فإنك على الأرجح تتخيَّل كثيبًا برخانيًّا (كثيب رملي مُتحرك هلالي الشكل) على الرغم من أن هذا النوع نادر جدًّا. والكثيب البرخاني يسير تدريجيًّا على الصحراء (أو عبْر الطُّرق والقرى الصغيرة)؛ لأن الرياح تقذف حُبيبات الرمال في الجانب المُواجه للرياح وتُلقي بها في الجانب المَحمي من الرياح. وفي النهاية يُصبح الجانب المَحمي من الرياح شديد الانحدار، ثم تبدأ الانهيارات في إنزال الرمال على المُنحدر نحو القاعدة، فتقلُّ زاوية الميل ليكتسِب المُنحدَر التوازُن. وعلى مدار السنوات، يتحرَّك الكثيب الرملي في الاتجاه العام للرياح.

تُظهِر الصور الجوية لحقول بعض الكثبان البرخانية أنَّ كثيرًا من الكثبان تتَّخِذ وضعياتٍ غريبة؛ حيث يكون طرف أحد الكثبان أمام القسم الأوسط من كثيبٍ رملي آخر (انظر شكل ٢-٣٥أ). وتعود هذه المُحاذاة إلى الكيفية التي تنحرِف بها الرياح بفعل الكثيب الرملي المُعاكس للرياح. ومع مرور وقتٍ كافٍ، فإن انحراف الرياح يمكن أن يعيد تشكيل الكثيب الرملي المُواجِه للرياح بحيث يتسبَّب في شكل القسم الأوسط ذي الطرف.
fig90
شكل ٢-٣٥: بند ٢-١١١: (أ) منظور علوي لكثيبَين رمليَّين برخانيَّين. (ب) تصور خادع لكثيب رملي صغير يمرُّ خلال كثيبٍ رملي أكبر.
يكاد يكون من المستحيل أن يُشاهد المرء في حياته استحواذ كثيبٍ رملي مُتحرك على آخر، لكن هذه العملية يمكن أن تحدُث في غضون دقائق إذا تكوَّنت كثبان مُصغَّرة في نهرٍ مائي مُتدفق. والتفاعلات بين الكثيبَين الرمليَّين تعود إلى تغيُّر التدفُّق الناتج عن الكثيب الرملي المعاكس للتيار. في هذه الحالة من الممكن أن يمحوَ التدفق مركز الكثيب الرملي السائر مع التيار ليوفِّر (ظاهريًّا) ممرًّا. وبدلًا من ذلك، من الممكن أن يمتزِج كثيب رملي صغير معاكس للتيار مع كثيبٍ رملي أكبر سائر مع التيار، ثم قد يظهر كثيب رملي صغير من مُؤخرة الكثيب الرملي (انظر شكل ٢-٣٥ب). وفي العموم، تُعطي العملية تصوُّرًا خادعًا بأن الكثيب الرملي الصغير مرَّ خلال الكثيب الرملي الأكبر.

أما سبب الترتيب شِبه المُتوازي للكثبان الطولية فيعود إلى تكوُّن الدوَّامات المعروفة باسم «دوران لانجموير». فعند تحرُّك الرياح على مُتَّسعٍ مُسطَّح، فإنها تميل إلى التكسُّر إلى أنابيب دوَّامات أفقية. إذا نظرتَ عبْر إحدى هذه الأنابيب في اتجاه الرياح (وكان الهواء يتميَّز نسبيًّا بوجود أثرٍ دخاني)، فستجد أن الهواء يدور تدريجيًّا إما في اتجاه عقارب الساعة أو عكس اتجاه عقارب الساعة أثناء ابتعاده عنك، وتتَّخِذ الأنابيب المجاورة اتجاهات دوران مُعاكسة. وإذا فرضْنا أنَّنا نظرنا عبْر أنبوبٍ في اتجاه عقارب الساعة، فسيكون تدفُّق الهواء عبْر الأرض ناحية اليسار. يكون تدفُّق الأنبوب المُجاور الموجود على اليسار عكس اتجاه عقارب الساعة؛ ومِن ثمَّ فإن التدفُّق على الأرض يتَّجِه نحو اليمين. ونظرًا لتجمُّع هذَين التدفُّقَين الأرضيَّين، فإنهما يميلان إلى نقل الرمال إلى نقطة التجمُّع؛ أي إلى المكان الذي تتكوَّن فيه الكثبان الطولية. على الجانب الآخر من الأنبوب، لا تتجمَّع التدفُّقات الأرضية ومِن ثَمَّ لا تتكوَّن الكثبان. ونظرًا لأنَّ الأنابيب شِبه مُستقيمة، فإن الكثبان الطولية تتكوَّن على طول خطوط شِبه مستقيمة يفصل بينها مسافة تبلُغ ضعف عرض الأنبوب.

(١١٢) تضاريس «ياردانج» والقطعات الرملية الأخرى

لماذا على الشاطئ الرملي تميل معظم الأحجار مع الرياح السائدة، ولماذا يمتدُّ حَيد رملي مُكوَّن من كثيرٍ من الأحجار؟ على بعض الشواطئ يمكن أن ترى تكوينات رملية شبيهة بالأبراج، مكوَّنة من أعمدة من الرمل الرطب تمتدُّ من مستوى السطح العام، وعادةً ما يكون واضحًا وجود طبقاتٍ مُختلفة من الرمال. تبدو هذه الأبراج وكأنها قلاع منحوتة في كعكة مُتعدِّدة الطبقات. وعادةً ما يكون الرمل المُحيط بها جافًّا.

في الصحاري الرملية يمكن أن نجد بعضًا من أجمل وأغرب التكوينات في العالم، ألا وهي تضاريس «ياردانج». وهذه التضاريس تكوينات صخرية تبرُز من الرمال وتُشبِه بدَن السفينة المقلوب، ويكون بعضها في حجم اليد، والبعض الآخر يبلُغ طوله مئات الأمتار. تتكوَّن هذه التضاريس على كوكب الأرض ومن المُمكن العثور عليها أيضًا في المريخ. فكيف تتكوَّن تضاريس ياردانج؟

الجواب: عندما تهبُّ الرياح على حجَر شاطئ يقِف عاليًا نسبيًّا على رمال جافة، فإنَّ الرياح تحفُر حفرة أمام الحجَر وتسقط بعض الرمال لتكوِّن حيدًا خلف الحجَر. في النهاية، يَميل الحجَر نحو الحفرة ومِن ثَمَّ مع اتِّجاه الرياح. وإذا كان الحجَر مُسطَّحًا في أعلاه، فسوف تحفُر الرياح الرمال من حول الحجَر تاركةً الحجَر على قاعدة. ثم تحفُر الرياح الرمال الموجودة أمام القاعدة حتى يميل الحجَر مع اتِّجاه الرياح. ولا تقوم الرياح بالحفْر أو الإمالة إذا كانت الرمال رطبة؛ لأن «الجسور السائلة» التي تربط الحبيبات الرملية بعضها ببعض تجعل الحبيبات شديدة التماسُك على نحوٍ يحُول دون نقلِها من أماكنها بسهولة. ورغم ذلك، تستطيع الرياح تدريجيًّا تجفيف الرمال الخارجية، وعندها يمكن أن تتعرَّض الحبيبات للكسْح أو الصنفرة على يد الحُبيبات المحمولة في الهواء. وبطبيعة الحال تستطيع التيارات المائية، مثل الأمواج المُتلاطمة، تعرية الرمال المحيطة بالأحجار.

تتكون الأبراج في الرمال المُتماسكة بفعل الماء القادم إما من الهطول أو الرذاذ أو التسرُّب من رمالٍ مُنخفضة نسبيًّا. والإمداد من المصدرَين الأخيرَين قد يحدُث فقط في المناطق المُنعزلة؛ حيث تصبح تلك المناطق رطبة، وتُصبح الرمال مُتماسِكة. وقد تكون المناطق مُغطَّاة بالرمال الجافة لفترة، لكن في النهاية تُعريها الرياح وتصقلها الرمال المحمولة عبر الهواء. والنتيجة النهائية تكون أبراجًا فردية أو تلالًا.

تضاريس ياردانج هي نتيجة للتعرية التي تُحدِثها الرياح والرمال. فالرياح تحمِل حُبيبات الرمال، وتُعرِّي الصخر، ثم تصقل الصخر بتيارات من حُبيبات الرمال. وتدريجيًّا يتقلص الصخر ويصبح هيكلًا ضيقًا مُحاذيًا للرياح السائدة. وكثير من تضاريس ياردانج تُشبِه القطة المُتَّكِئة. وفي الواقع، ربما استُلهم تمثال أبو الهول من تضاريس ياردانج التي وجدها قدماء المصريين في الصحراء المُتاخِمة لنهر النيل.

(١١٣) أسوار الجليد والترسيبات الهوائية

السور الجليدي هو سور أو صفٌّ من النباتات يُوضع لتبقى الطرُق أو السكك الحديدية خالية من أكوام الثلوج. فأين يجِب وضع هذا الحاجز؟ ألن يكون الجدار الصُّلب أكثر فعالية من السور ذي الفراغات المفتوحة؟ أم هل يقع الاختيار على السور لأنه أقلُّ تكلفة؟ كيف يتراكم الجليد حول عائقٍ مثل جلمود الصخر أو جذع شجرة؟ وتحديدًا ما الذي يتحكَّم في الحُفَر أو المناطق الدائرية الخالية من الجليد التي يُمكن أن تتكوَّن حول جذوع الأشجار؟

الجواب: الهدف من السور الجليدي هو إجبار الرياح على ترسيب الجليد قبل أن تصل إلى الطريق مثلًا؛ ومِن ثمَّ لا بدَّ من تشييده على جانب الطريق المعاكس للرياح. والحائط الصُّلب ليس بالفعالية نفسها؛ لأنه يُجبر الرياح على الدوران لأعلى في الهواء، وهذا يجعل الجليد محمولًا في الهواء. ومِن ثَمَّ، فالسور الذي يكون نصفه تقريبًا مفتوحًا أمام الرياح ويرتفع فوق الأرض بضعة سنتيمترات على الأقل هو الأفضل.

في البداية يكوِّن سور الجليد دوَّامات صغيرة على جانبه الأمامي وجانبه الخلفي، وهذا يجعل الجانبَين شِبه خاليَين من الجليد، ويمكنك رؤية هذا التأثير في بداية موسم الجليد. تتكوَّن أكوام الجليد على جانبَي السور، لكن المناطق المُجاورة للسور يكون فيها الجليد أقلَّ بكثير. والفجوة الموجودة أسفل السور تسمح لبعض الرياح بتكوين الدوَّامات عند الجانب الخلفي من السور، ممَّا يجعل هذا الجانب خاليًا من الجليد.

ومع تزايد تراكم الجليد (نموه)، تمتدُّ قمَّة كوم الثلوج على كلا جانبَي السور نحوَ السور حتى تُلامِسه. وبعد ذلك ترى كوم جليد مُتواصلًا تكمُن ذروته عند السور، لكن ما لا تراه هو التجويف المتروك على جانبي السور. وبمجرَّد تكوُّن الكوم المُتواصل، لا تعود للسور فائدة.

ومع انحراف الرياح حول الجلمود (أو حتى حول الصخور والأشياء الأصغر حجمًا)، فإنها تميل إلى إلقاء الثلج عند المُؤخِّرة وتجويف الثلج عند المُقدِّمة وعلى الجانبَين.

والانخفاضات الدائرية أو الحلقات الخالية من الجليد المُحيطة بجذع الشجرة لها سببان، ألا وهما: الشجرة تُعدُّ عقبةً أمام الرياح التي تدور حول الجذع. وهذه الحركة تجرف الجليد الذي يسقط بالقُرب من الجذع. في أثناء النهار، تُصبح الشجرة دافئةً بامتصاص الأشعة تحت الحمراء الموجودة في ضوء الشمس، ثم تعكس الفروع والجذوع بعضًا من هذه الطاقة إلى الأرض. ونظرًا لأن الجليد مُستقبِل ممتاز للأشعة تحت الحمراء، فإنه يمتصُّ كل ما يسقط عليه منها تقريبًا ويميل إلى التضاؤل أثناء الذَّوَبان.

(١١٤) الانهيارات الثلجيَّة

عند بدء الانهيار الثلجي، كيف ينزل الثَّلْج على المُنحدَر، وكيف يمكن منعه للحيلولة دون تدمير قريةٍ على مقربة من سفح المُنحدَر؟

الجواب: بمُجرَّد بدء الانهيار يُصبح الثلج، لا سيما الثلج المسحوق، محمولًا على الهواء، ويتقدَّم كسحابة جسيمات مُضطربة. وسرعان ما تبدأ في أسْر الهواء («سَحْب» الهواء) الموجود في التدفق، فتُخفِّف تركيز جزيئات الثلج، كما تلتقط أيضًا المزيد من الثلج من المُنحدَر. وتكون سُرعة الجسيمات أعلى ما تكون فوق مستوى المنحدر نسبيًّا؛ أي أسفل قمَّة الانهيار بمسافةٍ كبيرة، لكن الجسيمات تتحرَّك على طُرق مُعقدة ومُتغيرة باستمرار بدلًا من النزول على المنحدَر مباشرة. ومن الممكن أن تتحرك مقدمة الانهيار الثلجي بسرعة ١٠٠ متر في الثانية، وقد يصل ارتفاع الانهيار الثلجي إلى ١٠٠ متر.

وتُقام على المنحدر حوائط مُرتفعة ذات دعامات خلفية متينة لتُوقِف الانهيار الثلجي، لكن لا بدَّ من استنزاف طاقة الانهيار الثلجي قبل وصوله إلى الحوائط. من أجل ذلك، تُشَيَّد أكوام قُرب قمَّة التلِّ من ناحية الحوائط. والغرَض من هذه الأكوام هو تغيير اتِّجاه حركة الثلج نحوَ الهواء، مثلما يُغيِّر مُنحدَر قفز التزلُّج اتجاه حركة القافز. وعندما يندفع الثلج على المنحدَر أسفل التلِّ نسبيًّا يكون قد فقد قدرًا كبيرًا من طاقته.

(١١٥) الانهيارات الأرضية ذات التدفُّقات الطويلة

عند انهيار مُنحدَرٍ صخري فإنه يُولِّد انهيارًا أرضيًّا كبيرًا، ويُمكن للحطام أن يهبط على منحدر مُعتدِل ثم ينتشر لعدة كيلومترات في الوادي المسطح، في حركةٍ يُطلَق عليها «التدفق» أو «تدفق الانهيار الأرضي». وفي الواقع، من المُمكن أن ينتشر الحُطام عبْر الوادي وأن يصعد المنحدَر في الجانب المُقابل. فلماذا لا يوقِف الاحتكاك بين الحطام وأرضية الوادي أو حوائط المنحدَر هذا الانهيار الأرضي سريعًا؟

الجواب: يتَّفِق مُعظم الخبراء على أن الانهيارات الأرضية التي تتجاوز حجمًا مُعينًا من المواد تتمتَّع بتدفُّقات كبيرة على نحوٍ مُدهش لأنها تنزلِق على طبقةٍ زلِقة. إلا أنه تُوجَد مقترحات كثيرة بشأن مُكوِّنات هذه الطبقة الزلقة. تمثَّلت إحدى هذه الفِكَر الشائعة في أنَّ المواد كانت تنزلِق على طبقةٍ من الهواء. إلا أنَّ الهواء من الممكن طردُه ظاهريًّا من المواد بسرعةٍ كبيرة، وهذه الآلية لا يمكن أن تُفسِّر الانهيارات الطويلة التدفُّقات التي حدثت على القمر.

ومن الفِكَر الأخرى أنَّ أمواج الضغط الموجودة داخل المواد ترفع المواد من على الأرض؛ ممَّا يُقلِّل الاحتكاك بين المواد والأرض. إلَّا أنَّ الدليل التجريبي لم يؤيد هذه الفكرة.

وعلى الأرجح فإنَّ أكثر الفِكَر ترجيحًا هي أنَّ المواد تتحرَّك على طبقةٍ رقيقة من الحطام المُهتزِّ الذي يشتمل على مواد مكشوطة من الأرض. وهذا الحطام المُهتَز يعمل بصورةٍ ما عمل الكُريات في المَحْمَل؛ ممَّا يفسر سِمتَين واضحتَين للانهيارات الأرضية، هما: (١) معظم المواد تنزل على المُنحدَر سليمة إلى حدٍّ كبير مع وجود طبَقتِها الأصلية المُغلِّفة لها. (٢) المواد المكشوطة من الأرض يُمكن أن تشتمِل على الماء؛ ممَّا يجعل الانزلاق سلسًا ويسمح بمزيدٍ من التدفُّق.

(١١٦) تساقط الصخور

يحدُث تساقط الصخور عندما تسقط صخرة أو مجموعة صخور من جانب أحد الجبال، وعادةً ما يكون هذا الجانب هو واجهة مُنحدَر صخري. فلماذا تسقُط الصخور، وما الذي يُحدد المكان الذي تبقى فيه الصخور في النهاية؟ عندما يحتوي تساقُط الصخور على صخورٍ كثيرة، من بينها صخور كبيرة وصخور صغيرة، لماذا تميل الصخور إلى التمايُز بحيث تُصبح الأكبر حجمًا أسفل المنحدَر والأصغر حجمًا أعلى المنحدَر؟

في يوليو ١٩٩٦، وقعَتْ حادثتان مُتعاقِبتان لتساقط صخور جرانيت عملاقة في مركز هابي آيلز الطبيعي بمُتَنزَّه يوسيميتي الوطني بولاية كاليفورنيا. انزلقَتْ كلُّ صخرة على منحدَر شديد الانحدار ثم تحركت كالقذيفة واصطدمت بالأرض بعد سقوطها من ارتفاعٍ يُقارب ٥٥٠ مترًا. وأسفر الاصطدام عن أمواج زلزالية امتدَّت لنطاقٍ بعيد بلغ نحو ٢٠٠ كيلومتر. إلا أنَّ الأمر الأكثر دهشةً كان الدَّمار الذي خلَّفتْه الصخور أسفلَ الوادي لمسافةٍ تصل إلى ٣٠٠ متر من مكان هبوطها؛ حيث تَعرَّض ما يزيد عن ١٠٠٠ شجرة إلى الاقتلاع أو الكسر، وتهدَّم جِسر ومطعم وجبات خفيفة، ولقِيَ شخص مصرَعه، وأُصيب العديد من الأشخاص. فكيف تسبَّبت صخور الجرانيت في هذا الدَّمار الكبير على مسافة ٣٠٠ متر من سقوطها؟

الجواب: مُعظم حوادث تساقط الصخور تحدُث بفعل تجوية الصخور القاعدية. (١) يمكن للشقوق التي تجمع الماء أن تتَّسِع وتمتدَّ عندما يتجمَّد الماء؛ لأنَّ الماء يتمدَّد عند تجمُّده. (٢) يَضعف الصخر بفعل التجوية الكيميائية، لا سيما في ظلِّ وجود الرطوبة. وعلى الرغم من إمكانية تعرُّض أي صخور للتجوية، فإن تساقُط الصخور لا يحدُث إلا عندما تكون واجهة الصخرة القاعدية مُتحدِّرة وعندما يظلُّ جزء من الصخرة مدعومًا مع توجُّه الشقوق إلى الواجهة. عند هذه المرحلة، ينهار الجزء المُتعلِّقة به الصخرة، أو الذي يدعمها، وتتحرَّر الصخرة.

واعتمادًا على الظروف، فمن المُمكن أن يسقطَ الحجَر المُتحرِّر في الهواء ويرتدَّ نازلًا على منحدرٍ شديد الانحدار أو أن يسقط على منحدرٍ متوسط الانحدار أو أن ينزلق على منحدرٍ ضحل. ومن الممكن أيضًا أن يتفتَّت إلى صخورٍ صغيرة. وفي حالة حدوث أيٍّ من هذه النتائج، فإنه يفقد كثيرًا من طاقته عند الاصطدام. ومن المُمكن أيضًا أن يفقد طاقته إذا اصطدم بالأشجار، ومن ثَمَّ غالبًا ما يُزرَع صفٌّ من الأشجار كحاجزٍ أمام انزلاق الصخور.

عندما يتضمَّن تساقُط الصخور صخورًا مُتباينة الأحجام، من المُمكن أن تنفصل الصخور على المنحدر؛ لأن الصخور الأكبر حجمًا تصِل إلى أسفل المُنحدَر بينما تعلق الصخور الأصغر حجمًا في النقاط المُنخفِضة (الشقوق) في المنحدَر. وفي العموم، تميل المواد على طول المنحدَر إلى التمايُز فتكون الناعمة في الأعلى والخشنة في الأسفل. ومن المُفاجئ أن الصخور العُليا في بعض حوادث تساقط الصخور تقبَع في النهاية على مسافةٍ كبيرة من الصخور الأخرى، وقد يكون سبَبُ ذلك اكتسابَها الطاقة من الصخور الأخرى التي تصطدم بها من الخلف أثناء عملية الانزلاق والتدحرُج عند السقوط.

في تساقط الصخور الذي حدَث في مركز هابي آيلز الطبيعي فقد أسفر ارتطام كلِّ حجَر جرانيتي عن «انفجار هوائي»، وهو مَوجة ضغط تتحرَّك عبْر الهواء من نقطة التصادُم. وكان الانفجار الهوائي الناتج عن الصخرة الثانية، التي كان حجمها حوالي ثلاثة أضعاف كتلة الصخرة الأولى، شديد التدمير؛ إذ أسفرَ عن اندفاع رياحٍ سُرعتها ١٢٠ مترًا في الثانية عبر الأشجار. في الواقع، كان الانفجار الهوائي الناتج عن الصخرة الثانية أسرع من الصوت (لقد كان موجة صدمة)؛ لأنَّ الأتربة التي أثارها الاصطدام الأول خفضت سرعة الصوت في الهواء عن قيمتها الطبيعية التي تبلُع ٣٤٠ مترًا في الثانية إلى حوالي ٢٢٠ مترًا في الثانية. وقُرب التصادُم، تحرَّك الاندفاع الهوائي بسرعة تزيد عن ٢٢٠ مترًا في الثانية، ومن ثَمَّ كان أسرع من الصوت.

(١١٧) الأعلام والأشرطة المُرفرِفة

لماذا يُرفرِف العَلم على الصارية حتى في ظلِّ وجود رياح مُعتدلة؟ لماذا تُرفرِف الورقة عندما تُعرِّضها للمروحة؟

fig91
شكل ٢-٣٦: بند ٢-١١٧: تكوينات دواميَّة مُتبادلة بين الجانب الأيسر والجانب الأيمن للعَلم.

إذا رميتَ في الهواء بَكرة ورق حمَّام مفكوكة نسبيًّا، فلماذا سرعان ما يتَّخِذ الجزء المُتدلِّي (غير الملفوف) شكلًا يُشبه الموجة؟

الجواب: تخيَّل أن العَلَم موضوع بزاويةٍ في اتجاه مرور الهواء بحيث يدفع الهواء أحد جانبَي العلم. هذا الاندفاع من الممكن ببساطةٍ أن يجعل العَلم مفرودًا، فيُبسَط في اتِّجاه تدفُّق الهواء. وبدلًا من ذلك، من الممكن أن يتسبَّب هذا الاندفاع في ثَنْي العَلَم. وإذا كانت سرعة الهواء فوق قيمةٍ حرجة مُعينة، فإن هذا الانحناء يمكن أن يكون غير مُستقرٍّ ويُرفرف العَلم بعد ذلك.
وتُعزى الرفرفة في الغالب إلى تكوين العَلَم للدوَّامات. في الواقع، سواءٌ تسبَّبَت الرياح في بسط العَلم أو في رفرفته فحسْب، فإن طرف العَلم الحُر «يطلِق الدوَّامات»؛ أي إن سلسلة من الدوَّامات المُتبادَلة على يسار العلَم ويمينه تتكوَّن ثم تتحرَّك مع التيَّار (انظر شكل ٢-٣٦). وتكون الدوَّامات أكبر عند رفرفة العَلَم، لكنها نتيجة للرفرفة وليست سببًا لها، ويمكن أن تكون موجودة حتى في حالة عدم رفرفة العَلم.

من الممكن أيضًا للصحائف المرنة الأخرى، مثل الأوراق، أن تُرفرِف في الرياح المُعتدلة إذا زادت سرعة الهواء عن قيمةٍ حرجة تعتمد على نوع الصحيفة ومرونتها.

أي شريط مرن مُثَبَّت بثقلٍ من أحد طرفَيه ومُدلًّى سوف يُعطي على الأرجح مظهرًا يُشبه الموجة. وتنتقل الموجة في اتجاه الرياح على طول الشريط بنصف سرعة سقوط الشريط، وعادةً ما تكون المسافة بين بروزات الموجة أكبر في الشريط الأطول. وعلى الأرجح يُعزى المظهر الموجي إلى عدم ثبات تيار الهواء الذي يُجبَر على الانتقال مع الشريط في أثناء سقوطه في الهواء الساكن. بتعبير أبسط، فإنَّ تيَّار الهواء المحبوس والشريط نفسه يتلوَّيان في أثناء السقوط.

(١١٨) النوافير المُرفرفة والشلالات القارعة

لدى كثيرٍ من النوافير حوافُّ تسقط من عليها المياه الفائضة في صورة طبقةٍ رقيقة إلى البِركة. فلماذا في بعض هذه النوافير ترفرف طبقة الماء بمُعدَّل عدة مرات في الثانية؟ (التردُّد أقل بكثيرٍ من أن يُمكِّنك من سماع صوت الأمواج الصوتية الصادرة عن الرفرفة.)

أما التدفُّقات الأكبر والأطول فتحدُث عندما يُسمَح للماء الفائض بالانصباب من خلال مواسير الصرف داخل السد أو من أعلى قمَّة السد، لتسقُط سقوطًا حرًّا في بِركة أو مجرًى مائي. فلماذا تتمكَّن هذه التدفُّقات من إصدار صوتٍ شديد القوة لدرجةِ تشبيهه بصوت عشرين قطارًا من القطارات السريعة؟

يتسبَّب الشلَّال المرتفع في إحداث اهتزاز ملحوظ في الأرض المجاورة، وأحيانًا تشعُر بذلك بجسدك عندما تقِف بالقُرب من الشلَّال. وعند تحليل الاهتزاز ستجد أن أكبر قدرٍ منه يحدُث عند تردُّدٍ مُرتبطٍ بارتفاع سقوط الماء سقوطًا حرًّا من الشلال، وكلما زاد الارتفاع قلَّ التردُّد. فكيف يتسبَّب الشلال في اهتزاز الأرض؟ ولماذا يرتبط التردُّد بارتفاع الشلال؟

الجواب: السبب في رفرفة النافورة هي طبقة الهواء المحبوس خلف طبقة الماء الساقط. فعندما يتسبَّب الاضطراب العارض في اهتزازٍ صغير في طبقة الماء في الأعلى، فمن المُمكن أن يزيد الاهتزاز عند سقوط الماء؛ أي تُوجَد «زيادة». وفي الأسفل، يُغيِّر الاهتزاز ضغط الهواء في طبقة الهواء المحبوس الذي يُدفَع ويُجذَب بعد ذلك أعلى طبقة الماء؛ أي تُوجَد «تغذية مُرتدَّة» تُعزز اهتزاز طبقة الماء. وعلى الرغم من أن هذه الآثار تكون بسيطة في البداية وتكاد تكون غير مُدرَكة، فإن حلقة الزيادة والتغذية المُرتدَّة تؤدي إلى تكبيرها إلى أن تُصبِح ملحوظة. إلَّا أن هذه الحلقة لا يُمكن أن تحدُث إلا مع مُعدَّلات تدفُّق مُعيَّنة، وسرعات مياه مبدئية مُعينة، وسُمك معين لطبقة الهواء؛ ومِن ثمَّ لا تتعرض كل طبقات الماء الساقط إلى الرفرفة.

ويُطلِق الماء الفائض من السدِّ اهتزازاتٍ مُشابهة في عمود الماء وفي الهواء الموجود بين العمود والسد. وتُعرَف حركة الماء الناتجة لدى المهندسين الهيدروليكيين باسم «اهتزاز طبقة الماء». وفي الغالب تكون السدود مُصمَّمة ﺑ «قواطع منع تكوُّن الطبقات المائية» لمنع التدفُّق السلِس للماء، وذلك للحيلولة دون الاهتزازات، بتكوين ستائر كثيفة من الماء الساقط.

في الشلال، يُنتِج اصطدام واضطراب الماء عند أسفل الشلال أمواجًا صوتية داخل عمود الماء الساقط. وعند تردُّداتٍ مُعينة، تُصدِر هذه الموجات الصوتية «رنينًا» (أي إن الأمواج يُعزز بعضها بعضًا) وعندها يمكن أن يزداد هذا الاهتزاز ويُصبح قويًّا جدًّا. هذا الموقف يُشبه طريقة إصدار الأمواج الصوتية للرنين داخل أنبوب هواء له فتحة واحدة فقط؛ حيث يكون اهتزاز جزيئات الهواء صفرًا عند طرف الأنبوب المقفول ويبلغ ذروته عند الطرف المفتوح. ويكون التردُّد الذي يُطلَق عليه «التردُّد الأساسي»، الذي هو أقل تردُّد للرنين، هو المُهيمن على الصوت المسموع المُتسرِّب من الأنبوب.

في عمود ماء الشلال، يكون اهتزاز جُزيئات الماء عند قمَّة الشلال مُساويًا للصفر ويكون في أعلى مستوياته عند القاعدة، وتكون الاهتزازات أعلى ما يُمكن عند التردُّد الأساسي. تنتقل الموجات الصوتية عند ذلك التردُّد من الشلالات عبْر الهواء وعبْر الأرض. وكلما زاد ارتفاع الشلال، انخفض التردُّد الذي تسمعه من الموجات الصوتية عبْر الهواء. إلا أنك تستطيع الشعور بهذه الموجات الصوتية عبْر جسدك ويُمكنك أن تشعُر باهتزاز الأرض من خلال قدميك.

(١١٩) النوافير النابضة

كثير من العروض المائية الزُّخرفية، سواء في الأماكن المُغلَقة أو المفتوحة، بها نوافير تُرسِل انبجاسات مائية مُستقيمة في الهواء. فلماذا ينبض هذا التيار المائي الرأسي حتى عندما يكون تدفُّق الماء ثابتًا؟ يُمكنك أن ترى هذا النبض وتسمعه.

الجواب: عندما يتدفَّق التيار لأول مرَّةٍ ينطلِق الماء بأعلى ارتفاع تسمح به الجاذبية وسرعته المبدئية. ومن هذا الارتفاع الأقصى تهبط فقاعة الماء العلوية إلى التيَّار المنبجِس مرة أخرى، مُسبِّبة تسطُّح قمَّتِه. وعندما تتفكك هذه الفقاعة إلى قطرات، يعود التيار إلى الظهور مرة أخرى ويصعد إلى أقصى ارتفاع. ثم تتكرر دورة الصعود والهبوط والتسطيح. يمكنك منع هذا السلوك الدوري بإمالة التيار بحيث لا تسقط قمَّة الماء عليه مرة أخرى أو بوضع عقبة في التيار لمنع الماء من الوصول إلى الارتفاع الأقصى.

(١٢٠) الصب: الكوب المقلوب، وكأس الجعة الطويلة

املأ جزئيًّا وعاء شراب (مثل كوب الشرب العادي) له جوانب مستقيمة وفتحة عريضة. قُصَّ مربعًا ورقيًا أعرض نسبيًّا من فتحة الكوب وضعْ هذه الورقة على فتحة الكوب بإحدى يدَيك، وافرد أصابعك باتِّساع لتضغط بالورقة على أكبر مساحة مُمكنة من الحافة. بيدك الأخرى اقلب الكوب سريعًا، ثم أزل يدَك الأولى من على الورقة. ستجذب قوى الجاذبية كلًّا من الورقة والماء لأسفل، فلماذا لا يقَعان؟

fig92
شكل ٢-٣٧: بند ٢-١٢٠: كأس جعة طويلة.

إذا أزلتَ الورقة أو جعلتها تختفي بطريقةٍ سحرية، فسوف ينهمر الماء من الوعاء. فما سبب اختلاف الموقف عما كان عليه عندما كانت الورقة موجودة؟ إذا كان الوعاء ضيقًا (مثل أنبوب الاختبار الضيق) فلماذا يتمكن الماء من البقاء في مكانه؟

«كأس الجعة الطويلة» هي كأس شرابٍ غريبة الشكل (انظر شكل ٢-٣٧) تحمل الجعة لارتفاع ياردة تقريبًا. (تُوجَد أحجام أقصر تتَّخِذ الشكل نفسه.) وفي المُعتاد يشرب المرء بوضع الكوب على الشفاه وإمالته لأعلى لصبِّ بعضٍ من السائل في الفم بطريقة محكمة. فلماذا استخدام هذا الإجراء مع كأس الجعة الطويلة سيتسبب في إغراق المرء بالجعة؟ وما الطريقة الصحيحة للشرب من كأس الجعة الطويلة؟
الجواب: عند قلب وعاء الشراب والورقة موضوعة على الحافة، يسقط عمود الماء مما يُقلِّل ضغط الهواء المحبوس في الوعاء. ومِن ثَمَّ، فإن الضغط على أعلى العمود يكون أقلَّ من الضغط الجوي على أسفل العمود، واختلاف الضغط يكفي لدعم الماء. يُمكنك أن تعرِف أنَّ الماء قد انخفض بسبب بروز الورقة لأسفل على نحوٍ واضح. وقد يتولَّد عن احتكاك الماء والورقة والحافة بعض الالتصاق، لكنه لا يكفي لدعم الماء. وإذا كرَّرتَ هذه التجربة مُستخدمًا رقاقة صُلبة مثل لَوح زجاجي بدلًا من الورقة، فلن ينخفض العمود وسوف ينهمر الماء.

وإذا اختفت الورقة، فسوف يظلُّ الضغط الجوي قادرًا على دعم الماء في الكوب. أي لا شيء يتغيَّر في حجة الدعم. إلا أن الماء يكون غير مُستقر في مواجهة أي اضطراب عارض من شأنه إرسال موجات على واجهة الهواء والماء. فالنقاط المنخفضة (الوديان) في أي موجة من هذه الأمواج تجعل الماء يبرز لأسفل، والنقاط العُليا (القِمَم) تجعل الهواء يتحرك لأعلى. فإذا زادت إحدى هذه الأمواج في الحجم سريعًا، فسيتحرَّك الهواء لأعلى أحد جوانب الكأس ويتحرك الماء لأسفل عند الجانب الآخر.

والهواء الصاعد لأعلى يُعتصَر في الأسفل مكونًا فقاعة، والماء النازل لأسفل يُعتصَر في الأعلى مكونًا فقاعة. مع صعود إحدى الفقاعتَين ونزول الأخرى يحاول سطح الهواء والماء إعادة ترتيب حالة التسطح الأولية لكنه يكون غير مُستقر على الإطلاق. ومِن ثَمَّ تصعد سلسلة من الفقاقيع إلى الوعاء أثناء نزول سلسلة من الفقاقيع منه، وتُعرف هذه العملية في علم المحاكاة الصوتية باسم «البقبقة».

قد لا يتَّسِم سطح الماء بالحساسية تجاه الاضطرابات العارضة إذا كان الوعاء ضيِّقًا؛ لأنه في هذه الحالة سيكون مُتزنًا بفعل التوتُّر السطحي. وهذا يعني أن تعلُّق ماء السطح بجوانب الوعاء يُمكن أن يتغلَّب على الأمواج الصادرة عن الاضطراب.

وعملية البقبقة هي السبب في أن الشُّرب من كأس الجعة الطويلة يمكن أن يتسبَّب في فوضى. فالعُنق الضيِّق للكأس يمنع مرور الهواء بسهولة إلى الكأس ليخرج السائل من الكأس. وبدلًا من ذلك فإن عدم الاتزان على سطح السائل والهواء يؤدي إلى الارتفاع المفاجئ لفقاعة هواء كبيرة عبْر عُنق الكأس وصبِّ دفقةٍ كبيرة من السائل، وهذه الكمية الكبيرة من السائل أكبر من أن يسعها الفم أو أن تُبتلَع بسرعة. ويعرف محترفو الشُّرب من كأس الجعة الطويلة كيفية إمالة الكأس أثناء «تدوير» العنق الضيِّق بين أيديهم في وضعية رأسية. تؤدي عملية التدوير إلى تدوير السائل حول جُدران العُنق وتسمح بمرور الهواء على طول المحور المركزي للوعاء. وعندها يستطيع الهواء الدخول بسهولةٍ إلى الكأس، ويستطيع الشارب التحكُّم في كمية السائل الخارج من الوعاء.

(١٢١) تساقط قطرات الماء

عندما تسقُط قطرات الماء من الصنبور، كيف تقطع اتِّصالها بالماء المُتبقي في الصنبور؟ هل يُفقَد الاتصال بانفصالٍ أو انقطاعٍ مُفاجئ أم بوداعٍ مُطوَّل؟

الجواب: يجمع التوتُّر السطحي القطرة في صورة سطح مُنحنى عند فوهة الصنبور. ومع ازدياد كمية الماء، يتدلَّى الماء إلى شكلٍ أقربَ للكرة. وعند الوصول إلى نقطة حرِجة مُعينة، تتسبَّب قوة الجاذبية في نزول الماء سريعًا. وإذا استطعتَ مشاهدة نزول الماء بالحركة البطيئة، فسوف ترى أنَّ القطرة الساقطة ما زالت مُرتبطة بماء الصنبور عن طريق خيط أسطواني الشكل سرعان ما يُصبح رفيعًا. وفجأة يُكَوِّن قاع الأسطوانة خيطًا أشدَّ رُفعًا سُرعان ما ينقطع. وبعد الانكسار مباشرة، تهتزُّ القطرة الساقطة وتُكوِّن الأسطوانة المُتبقية أمواجًا سُرعان ما تتحوَّل إلى قطراتٍ شديدة الصغر. ومن المُمكن أن تنفصل هذه القطرات من الأسطوانة وتسقط، أو من المُمكن أن تنجذِب مرة أخرى إلى الصنبور.

ومن الممكن للموائع التي تتمتَّع بلزوجةٍ أكبر من الماء أن تُكوِّن أسطواناتٍ كثيرة أشدَّ رُفعًا، واحدة تلوَ الأخرى، على نحوٍ يُشبه بدرجةٍ ما سلسلة رسومات قطة القبَّعة اللانهائية الموجودة في أحد كُتب دكتور سوس، إلى أن تنقطع الأسطوانة السفلى والأكثر رفعًا. وعلى الأرجح ما يُسبِّب الانقطاع هو اضطراب عارِض مثل حركة الهواء أو اهتزاز الصنبور أو حتى الصوت.

(١٢٢) أشكال فقاقيع الصابون

عندما تنفخ فقاعة صابون عبْر حلقة بلاستيكية، فإنك تنفخ غشاءً من الصابون فتكون سطحًا مُقوَّسًا يتحرَّك بعيدًا عن الجزء الداخلي للحلقة عند التمدُّد. عندئذٍ يُصبح الحَيِّز الداخلي للحلقة خاليًا. ونظرًا لأنَّ غشاء الصابون ليس سطحًا مُغلقًا، فكيف تتكوَّن الفقاعة المغلقة عندما يتحرَّر الغشاء من الحلقة؟

لماذا تتَّخِذ الفقاعة التي تطفو بحرية شكلًا كرويًّا؟ وإذا تكون غشاء أسطواني بين دعامَتَين دائريَّتَين قريبتَين، فما الشكل الذي سيَتَّخِذه الغشاء عند ابتعاد الدعامتَين تدريجيًّا؟

الجواب: عند نفخ غشاء الصابون على الحلقة وتكوُّن الفقاعة، فإن جزء الفقاعة القريب من الحلقة سوف يُشكِّل فجأة وسطًا ضيقًا و«ينفصل» عن الحلقة. ومع انهيار الوسط يُصبح جزء من الغشاء الموجود على الحلقة مُسطحًا ليملأ الحيز الداخلي للحلقة، وسُرعان ما يتَّخِذ الجزء المُتحرِّر شكلًا كرويًّا. وتتَّخِذ الفقاعة شكلًا كرويًّا؛ لأن الضغط لا بدَّ أن يكون مُتماثلًا في كلِّ مكانٍ داخل الفقاعة. وهذا الضغط يفوق الضغط الجوي؛ لأن التوتُّر السطحي يميل إلى جعل الفقاعة تنهار على نفسها. ونظرًا لتماثل الضغط الداخلي في كلِّ مكان داخل الفقاعة، فإن مُنحنى الأسطح لا بدَّ أن يكون متماثلًا في كل مكان؛ ومِن ثمَّ تتَّخِذ الفقاعة شكلًا كرويًّا.

وإذا شغلَتِ الفقاعة مسافة قصيرة بين دعامتَين دائريتَين مُصمَتَتَين (مِجدافَين مثلًا)، فسوف تتَّخِذ الفقاعة شكلًا أسطوانيًّا. ويكون الشكل مُستقرًّا لأنَّ أي اضطراب عارض يزيد تلقائيًّا منطقة السطح؛ ومِن ثمَّ يجذب التوتُّر السطحي الغشاء مرة أخرى إلى الشكل الأسطواني. أما إذا زاد الانفصال بين المِجدافَين عن مُحيطهما، فإن الفقاعة تُصبح غير مُستقرة وعندها سوف يتسبَّب أي اضطراب عارض في تفتُّتها إلى فقاعتَين أصغر حجمًا، واحدة على كل مِجداف.

وسوف تحصل على النتائج نفسها إذا استخدمتَ حلقتَين دائرتَين بدلًا من المجدافَين، شريطة أن يملأ الغشاء الحيِّز الداخلي لكلِّ حلقة بحيث يُغلِق الطرفَين. وإذا تمزَّق أحد الأغشية الطرفية، فسوف ينخفِض الضغط داخل الفقاعة لمُستوى الضغط الجوي، فيجعل مُستويات الضغط على جانبَي جدار الفقاعة مُتساوية. وهذه المُساواة تعني بالضرورة أن يُصبح مستوى تقوُّس الفقاعة مُساويًا للصفر، وتتحقق هذه الحالة بطريقة أنيقة؛ إذ يصير للفقاعة وسط مضغوط بحيث تُشبه الساعة الرملية. وعلى طول الخط المُمتدِّ بين الحلقة والأخرى يكون الانحناء مُقعرًا (إلى الداخل)، وعلى طول الخط المحيط بالفقاعة، أو الوسط، يكون الانحناء مُحدَّبًا (إلى الخارج). وبهذه الطريقة يكون الانحناء العام مُساويًا للصفر كما هو مطلوب. ولا تصبح هذه الفقاعة مُستقرة إلَّا إذا كان الفاصل بين الحلقتَين أقلَّ بكثيرٍ من مُحيطَي الحلقتَين. أما إذا كان الفاصل كبيرًا للغاية، فسوف يضيق الوسط على الفور وينفصل، ومن ثم يتقلَّص الغشاء المُتبقِّي على كلِّ حلقةٍ ليُصبح مُسطحًا.

(١٢٣) مسارات الفقَّاعات

عند إطلاق فقَّاعة عند قاع أسطوانة مائية طويلة فإنها يجب أن تتسلَّق الأسطوانة مباشرةً. وفي الواقع، هذا ما تفعله تمامًا الفقَّاعات الصغيرة والكبيرة. فلماذا تتَّخِذ الفقاعات المُتوسِّطة الحجم مسارًا مُتعرِّجًا أو حلزونيًّا؟

الفقَّاعة التي تصعد في الماء يجِب أن تكون كروية، كما هي الحال مع الفقاعات الصغيرة. فما السبب الذي يجعل الفقاعة الأكبر حجمًا مُسطَّحة في أسفلها؟

الجواب: ما زال صعود الفقاعات المتوسطة الحجم خاضعًا للبحث. ويبدو أنَّ الحركة المُتعرِّجة والحلزونية تعود إلى الدوَّامات التي تتكوَّن على الجانب السُّفلي للفقَّاعة في أثناء شقِّ طريقها لأعلى عبْر الماء. فإذا تناوبت الدوَّامات على اليسار واليمين، فمن المُمكن أن تنحرِف الفقاعة نحوَ اليسار واليمين. ويبدو أن تكوين الدوَّامات والانحرافات يرتبط باهتزازات الفقَّاعة.

وإذا اقتربت فقَّاعتان صاعدتان تقارُبًا شديدًا، فمن المُمكن أن تتغيَّر حركتهما عن طريق تدفُّق الماء بجوار كل منهما. ومن الممكن أن تتدحرجا أو أن تتباعدا أو أن تنجذِب إحداهما نحو الأخرى وتتلامسان.

يتحدَّد شكْل أي فقاعة بناءً على التوتُّر السطحي لسطح الفقاعة وتأثير مقاومة المائع على الفقاعة في أثناء تحرُّكها. بالنسبة للفقاعة الصغيرة ذات الانحناء الشديد، يتغلب التوتر السطحي وتُسحَب الفقَّاعة لتكوِّن شكلًا كرويًّا لتقليل منطقة السطح. وهذا يعني أن الفقاعة تكون طاقتُها أقلَّ ما يمكن عندما تكون كروية الشكل، فأيُّ تشوُّهات تزيد منطقة السطح وتتطلَّب طاقة إضافية. وفي حالة الفقاعة الكبيرة ذات الانحناء الأقل، تكون مقاومة المائع مهمة والأثر الذي تتركه الفقاعة الصاعدة يُمكن أن يجعل السطح السُّفلي مُسطَّحًا.

عند إطلاق الفقاعة في مائعٍ شديد اللزوجة مثل عصير الفاكهة المُركَّز أو منتجات الشَّعر المختلفة، فمن المُمكن أن تستغرق الفقاعة وقتًا طويلًا في الصعود. ويمكن أن يعتمد شكلها على طريقة إطلاقها. على سبيل المثال، إذا أُطلِقَت في مائع فمن الممكن أن يكون لها ذيل عندما تتحرَّر من وصلتها الأولية، ومن الممكن أن تحتفظ بهذا الذيل طوال صعودها.

(١٢٤) الفقَّاعات الزائفة

اصنَعْ خليطًا من الماء وسائلِ تنظيفٍ خفيفٍ وضعه في وعاء، ثُمَّ اشفط بعضًا منه في زجاجة قابلة للعصر أو في قطارة (مثل النوع المُستخدَم لوَضْع القطرة في العين أو لوضع الدواء في فم الطفل الصغير). ضعْ حافةَ الزجاجة أو القطارة مباشرة فوق سطح السائل الموجود في الوعاء، وأطلِقْ كميةً صغيرة من السائل في السطح. ستَنتُج فقَّاعات عادية وبعض الفقاعات الأخرى التي يُطلَق عليها «الفقَّاعات الزائفة» التي تتَّسِم بشكلٍ وسلوكٍ مُختلفَين. فما الفقاعة الزائفة؟ ولماذا تتكوَّن هذه الفقَّاعات؟

الجواب: الفقَّاعة العادية كُرة هواء تتراصُّ جزيئات الماء والصابون على سطحها. تساعد جزيئات الصابون في استقرار السطح كما تفعل في فقاعات الصابون التي ينفخها الطفل في الهواء. أما الفقَّاعات الزائفة فتتكوَّن من قشرة كُروية رفيعة، وتُوجَد كُرة ماء داخل القشرة وتتراصُّ جزيئات الماء والصابون على سطحَي القشرة كليهما. ونظرًا لأن الفقاعة الزائفة تتكوَّن في الأساس من الماء، فإنها تفتقر إلى القدرة على الطفو التي تتَّسِم بها الفقاعة العادية وتميل إلى الثبات في موضعها داخل الماء بدلًا من الصعود.

إليكم طريقة أخرى لصُنع الفقاعات الزائفة. أولًا اصنَعْ عنقودًا من ثلاث فقَّاعات عادية مُتلامِسة أثناء الطفو على الماء. ثم اسمح لقطرةٍ من الماء والمُنظِّف بالسقوط في التجويف الذي تتلامَس فيه الفقَّاعات. ستجد أن فقاعة زائفة قد ظهرت تحت التجويف.

في فقاعة الصابون العادية، يتسرَّب الماء من القمَّة إلى القاع، فيُرقِّق القمة إلى أن تتمزَّق. أما في الفقاعة الزائفة، فيرتفع الهواء الموجود في القشرة إلى الأعلى، ويُرقِّق قاع القشرة إلى أن يخترق الماء القشرة. يحدُث كل هذا بسرعة، وهو ما يفسر لماذا لا تبقى الفقاعات الزائفة إلا لمدة قصيرة جدًّا.

(١٢٥) رفع الأرز بالعصا

ادفع بقوةٍ عصًا في وعاءٍ من الأرز النِّيء أو غيره من الحبوب. لماذا تزداد بسرعةٍ القوة المطلوبة كلما تحرَّكَت العصا لعمقٍ أكبر، ولماذا تصبح القوة كبيرة جدًّا عندما تقترب العصا من قاع الوعاء؛ حيث قد تُضطرُّ إلى طرْق العصا كي تتحرك ولو قليلًا؟

بمجرد تثبيت العصا اضرب الوعاء أو هُزَّه برفقٍ لعدة دقائق. إذا سحبت طرف العصا المكشوف لأعلى، فلماذا يتسبب ذلك في رفع وعاء الأرز بأكمله لأعلى؟

الجواب: لُوحِظت هذه التأثيرات لأول مرة منذ وقتٍ طويل عندما كان التجار والعُملاء يَغرزون العِصيَّ في أكياس الحبوب للتحقُّق من محتوياتها. وعند دفع العصا في الأرز على سبيل المثال يزداد تأثير الاحتكاك على العصا لسببَين: (١) ضغط مزيد من الحبوب على العصا. (٢) زيادة ضغط الحبوب العميقة التي تحمل وزن الحبوب العُليا. ومن ثَمَّ فإن الاحتكاك الكُلي المقاوِم لحركة العصا يزداد مع عُمق العصا.

ويزداد الاحتكاك على نحوٍ أسرع عندما تقترِب العصا من قاع الوعاء. التأثير ليس مفهومًا جيدًا، لكن التخمين المعقول هو أنَّ المقاومة الشديدة لإعادة ترتيب الحبوب تأتي من أقواس الحبوب؛ حيث تُصبح الحبوب محبوسة في صورة أقواس تقاوم حركة العصا. (ومثلما من المُمكن أن تُصبح الأقواس الهندسية قوية، من الممكن أن تُصبح أقواس الحبوب قوية.)

عند ضرب الوعاء أو هَزِّه بعد إدخال العصا تُصبح حبَّات الأرز شديدة التكدُّس. وتتكدَّس حبَّات الأرز بشدةٍ حول العصا بصفةٍ خاصة. وعند سحْب العصا لأعلى يؤدي الاحتكاك بين حبَّات الأرز والعصا إلى تثبيت العصا في مكانها بقوة. بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ حبَّات الأرز المُحيطة بالعصا شديدة التكدُّس ومُتماسكة بشدةٍ بعضها ببعض. الحبوب المُلاصِقة لجدار الوعاء مُتمسِّكة بقوةٍ بالجدار أيضًا. ومن ثَمَّ، فإنَّ كلَّ شيء — العصا والحبوب والوعاء — مُثبَّت في مكانه. أما إذا كانت العصا أو الوعاء زَلِقَين للغاية أو لم يكن الأرز مضغوطًا في مكانه، فسيُسبِّب ذلك وقوع كميات كبيرة من الأرز خارج الوعاء عند إدخال العصا فيه.

وإذا سحبتَ بقوةٍ كافية لاستخراج العصا بطريقةٍ بطيئة ومُحكمة فستجد على الأرجح أنَّ قوة الأرز المؤثرة على العصا تختلف دوريًّا. وعلى الرغم من أنَّ هذا الاختلاف غير مفهوم جيدًا، فهو على الأرجح يعود إلى تكوُّن الأقواس قُرب العصا وانهيارها.

(١٢٦) رمْي القُرص

عند رمْي قُرص في رياح معتدلة، هل سيذهب بعيدًا عند رميه عكس اتجاه الرياح أم مع اتجاه الرياح؟ بأي زاويةٍ يجِب إطلاق القُرص، وما طريقة إمالته؟ ولماذا ينبغي تدويره؟

الجواب: عادةً ما تكون زاوية مسار الإطلاق ٣٥ درجة. ويقول بعض الرياضيِّين إنَّ سطح القُرص لا بدَّ أن يكون مائلًا بالزاوية نفسها، بينما يزعم آخرون أن القُرص يطير لمدةٍ أطول إذا كانت زاوية مَيله أقلَّ بنحو ١٠ درجات. وَفقًا لهذا الزعم، فإن الميل الأصغر يعني أن القُرص يشهد ارتفاعًا أكبر في أثناء مرحلة الهبوط؛ ومن ثَمَّ يظلُّ عاليًا لمُدَّة أطول. وإذا أُطلق القرص دون تدوير، فإنه يهتزُّ ويفقد بسهولةٍ التوجيهَ المطلوب. فالقُرص الدوَّار أكثر اتزانًا؛ إذ يكون أشبهَ بالجيروسكوب من حيث إن المحور الذي يدور حوله يُشير إلى الاتجاه نفسه تقريبًا طوال الطيران.

إلا أن التوجيه ليس ثابتًا تمامًا في أثناء الطيران لأن مقاومة الهواء على القُرص ليست مُوزَّعة عليه بالتَّساوي، بل تتركَّز المقاومة على الجانب الأمامي والجانب الأيسر (بفرْض أن القُرص رماه رياضي أيمن مُستخدِمًا الأسلوب المعتاد). وقوى عزم الدوران الناتجة عن المقاومة غير المُوحَّدة تتسبَّب في تدوير مُقدمة القرص لأعلى قليلًا وتدوير الجانب الأيسر لأسفل قليلًا.

عند رمْي قرصٍ في رياحٍ مُعتدلة، فإن ضغط الرياح على الجانب السفلي يُضيف قوة رفع ويمنح رميةً أطول مقارنةً بالأحوال التي لا تتوافر فيها الرياح. وتستمرُّ هذه الميزة في حالة الرياح التي سُرعتها ١٥ أو ٢٠ مترًا في الثانية، بينما تؤدِّي الرياح القوية إلى اضطراب التوجيه وتتسبَّب في هبوط القُرص مبكرًا. وعند رمي القُرص في اتِّجاه الرياح، فإن الرياح تضغط على الجانب العلوي وتُقلِّل الرفع وتجعل الرمية أقصر.

(١٢٧) رمْي الرمح

يتضمَّن رمي الرمح زاويتَين مُهمَّتَين نسبةً إلى المحور الأفقي؛ إحداهما هي زاوية مسار الإطلاق، والأخرى زاوية الرمح نفسه. فما القيمة اللازمة لكلِّ زاوية لزيادة مدى الرمية؟ وتحديدًا، هل يَجِب أن تكون قيمة الزاويتَين واحدة؟

الجواب: جرى العُرف على أن تكون قيمة الزاويتَين ٣٥ درجة، وهذه القيمة مأخوذة من محاولات لا تُعدُّ ولا تُحصى كانت تعجُّ بمُتغيرات كثيرة. ومع ذلك، فقد كانت طريقة الإطلاق التقليدية تبدو منطقية في حدِّ ذاتها؛ فالمُحاذاة المبدئية للرُّمح مع المسار كانت تجعل الإطلاق انسيابيًّا. وإذا كانت زاوية الرمح أعلى أو أدنى من المسار فسوف يكون تأثير مقاومة الهواء عليها أكبر، وستقلُّ فترة طيرانه. إلا أن بعض الدراسات النظرية تزعُم أن المدى يطول إذا زادت زاوية مسار الإطلاق إلى ٤٢ درجة وظلَّت زاوية الرمح عند ٣٥ درجة. وتُعارِض دراسة أخرى هذا الزعم بحجةٍ عملية؛ فعندما تزيد زاوية الإطلاق لن يتمكَّن الرياضي على الأرجح من إطلاق الرمح بسرعةٍ كبيرة لأنَّ الأمر سيكون أكثر صعوبة، ومن ثَمَّ تضيع هذه الميزة. ووجدت دراسات أخرى أن زاوية الإطلاق يجِب أن تكون ٣٢ درجة وأن تكون زاوية العصا حوالي ١٧ درجة. يزيد توجيه رأس الرمح لأسفل من مقاومة الهواء بالتأكيد، لكن من الممكن أن يزيد الرفع أيضًا (بسبب ضغط الهواء على الجانب السُّفلي للرمح) في أثناء الجزء الأخير من الطيران. ومع مزيدٍ من الرفع سيظلُّ الرمح مُحلقًا لفترةٍ أطول.

وعادةً ما تنخفض مُقدِّمة الرمح في أثناء الطيران بحيث ينغرز بالأرض عند الهبوط. ويعود هذا الدوران إلى تأثير القوى على مُقدمة الرمح. إن وزن الرمح هو القوَّة المسئولة عن «مركز الكتلة» (مركز توزيع الكتلة). والرفع مسئول عن «مركز الضغط» (مركز توزيع الضغط)، ويُوجَد عادةً خلف مركز الكتلة. وأثناء الطيران، يتسبَّب الرفع في دوران الرُّمح حول مركز الكتلة كي ينغرز في الأرض. وبمجرَّد دوَران الرمح، فإنه يُصبح أكثر انسيابيةً بسبب مرور الهواء ولا يتلقَّى المزيد من الرفع. ويمكن زيادة المدى إذا أُعيد تشكيل الرمح بحيث يقترِب مركز الضغط من مركز الكتلة. وقد يُسفر تغيير المكان عن تقليل دوَران العصا والحفاظ على الرفع في أثناء الهبوط.

(١٢٨) تقارُب القاربَين

عندما يمرُّ الماء بين قاربَين مُتجاورَين مُعاكسَين للتيار، لماذا يتقارَب القاربان؟

الجواب: عندما يندفع الماء في المكان الضيِّق المحصور بين قاربَين فإنَّ سرعته تزداد. والطريقة الوحيدة للحصول على الطاقة اللازمة للسرعة الزائدة هي الحصول عليها من مخزون الطاقة الداخلي المُرتبِط بالضغط. ونتيجةً لذلك، ينخفض ضغط الماء بين القاربَين. ومع وجود مُستوًى عاديٍّ من الضغط على الجوانب الخارجية للقاربَين وانخفاض الضغط على الجوانب الداخلية يتقارَب القاربان.

(١٢٩) الديناميكا الهوائية للكبلات وخطوط النقل

تستطيع الرياح العاتية دفْع الكبلات أو خطوط نقل الكهرباء في اتجاه الرياح. فلماذا «تقفز» بعض الكبلات وخطوط النقل في الرياح؛ أي تهتزُّ بصورةٍ عمودية على طولها وفي اتجاه الرياح؟ في بعض الحالات يمكن أن يؤدِّي هذا الاهتزاز إلى انقطاع التيار في الخطوط المُتجاورة، أو قطْع أحد الخطوط، أو سقوط برج دعم. وعلى الأرجح تحدث النتيجتان الأخيرتان عندما يكون الخط مُغطًّى أيضًا بالجليد.

انتشرت اهتزازات الكبلات في جسْر بوينت دي نورماندي، الذي كان أطول جسرٍ مدعوم بكبلاتٍ في العالم عند افتتاحه عام ١٩٩٥. وعلى الرغم من أنَّ اهتزازات الكبلات نفسها لم تتسبَّب في انهيار الجسر، فقد كان من المُمكن أن تتسبَّب الحركة في تهالُك الكبلات قبل الأوان فتُصبح في حاجة إلى إحلال مُبكِّر.

فما الذي يُسبِّب اهتزاز الكبلات والخطوط؟

الجواب: عندما تهبُّ الرياح على كبلٍ فمن المُمكن أن تنكسِر إلى دوَّامات على الجانب المَحمي من الرياح. وبالنسبة إلى الكبل الأفقي، سيحدُث تبادُل في تكون الدوامات ما بين أعلى الكبل وأسفله. وعلى الرغم من أن هذه الدوامات تتحرك في اتِّجاه الكبل، فإن تكوُّنها عند الكبل أو خلفه بالضبط يؤدِّي إلى اختلافٍ في ضغط الهواء المندفع نحوَ الكبل. يقلُّ ضغط الهواء في مكان الدوَّامة؛ ومِن ثمَّ تحدث تغيرات دورية في ضغط الهواء أعلى الكبل وأسفله. وتحدُث هذه الدوَّامات وهذه التغيُّرات في ضغط الهواء بتردُّدٍ مُعيَّن يعتمد على سرعة الرياح وقُطر الكبل. وإذا حدث وتوافق ذلك التردُّد مع تردُّدٍ يستطيع الكبل الاهتزاز عنده (أي «تردُّد الرنين») فإن الكبل يبدأ في الاهتزاز على النحوِ المُسمَّى ﺑ «الرنين»؛ أي إنه يهتزُّ بشدَّة. سوف تهتزُّ الخطوط المُتباينة الأطوال بتردُّدات مختلفة، لكن الرياح العاتية يمكن أن تجعل عددًا من هذه الخطوط يهتزُّ بتردُّدات رنين مُختلفة.

ولحلِّ هذه المشكلة في جسر بوينت دي نورماندي، استعان مهندسو الجسر بمُتسلِّقي جبالٍ لتسلُّق الكبلات وربطها بحبال. ونظرًا لأنَّ الكبلات المُتجاورة مختلفة الأطوال، فإنها تختلف من حيث تردُّدات الرنين. ومِن ثَمَّ، فعند ربط كبلَين مُختلفَين في تردُّدات الرنين عند النقاط المناسبة، فإنَّ اهتزاز أحد الكبلَين يُقاوم اهتزاز الكبل الآخر.

(١٣٠) لوح التزلُّج على الأمواج

لكي تركب على لوح التزلُّج على الأمواج، ألقِ اللَّوح الدائري على طبقةٍ ضحلة من الماء (كتلك الموجودة عند حافة الماء على الشاطئ) بحيث يبدأ اللوح في الانزلاق على الماء. بعد ذلك قِف على اللوح. إذا ركبتَ اللوح بطريقةٍ صحيحة فمن المُمكن أن تنزلق لمسافة عشرة أمتار. فلماذا لا تتوقَّف تدريجيًّا بمجرَّد أن تضع وزنك على اللوح؟

الجواب: لا يعمل الماء عمل مادة التشحيم كما يحدُث في حالة انزلاق إطارات السيارات على الشارع المبلول عند ضغط المكابح. وبدلًا من ذلك فإن لوح التزلُّج على الأمواج يعتمد على حركة الماء النسبية في أثناء تحرُّكه على الماء.

عند ركوب لوح التزلُّج على الماء يقف المُتزلج بحيث يُميل حافة اللوح الأمامية لأعلى. بعد ذلك يصطدم الماء المار بالجانب السُّفلي للماء، فيمنح اللوح قوةَ رفع؛ ومِن ثَمَّ يجعله يظلُّ فوق الرمال الموجودة بالأسفل. إلَّا أن الوقوف بصورةٍ صحيحة يتطلَّب ممارسة. فإذا رفعت الحافة الأمامية للأعلى كثيرًا، فسوف يصطدم الماء بجزءٍ صغير جدًّا من أسفل اللوح، ومن ثَمَّ سيشهد قدرًا قليلًا من الرفع. وإذا ارتفعتِ الحافة الأمامية بدرجةٍ قليلة فسوف يكون الاصطدام خاطفًا ولن يُعطي الرفع الكافي. وبطبيعة الحال، فإن توجيه الحافة الأمامية لأسفل سوف يُنهي الركوب على الفور.

يمكن أن يكون تأثير مقاومة الهواء على مُتزلج الأمواج كبيرًا، بل أكبر من تأثير سحب الماء عليه. رغم ذلك، فإنَّ راكب الأمواج يستطيع غالبًا تطويل مدَّة الركوب عن طريق القرفصة لتقليل مساحة المقطع العرضي المُعرضة للهواء.

(١٣١) الطفو أثناء انعطاف السيارة

عند طفو بالون مليء بالهيليوم في سيارة مُغلقة النوافذ، لماذا يتحرَّك البالون نحوَ السقف عندما تنعطف السيارة انعطافًا حادًّا، وهل يتحرَّك إلى الخارج بعيدًا عن المنعطف أم إلى الداخل نحوه؟ وإذا انعطفت السيارة في طقسٍ بارد أثناء تشغيل نظام التدفئة في السيارة، لماذا يتغيَّر توزيع الهواء الدافئ أثناء الانعطاف؟ وفي أي اتجاهٍ يتغيَّر؟

الجواب: إذا انعطفت السيارة انعطافًا حادًّا نحو اليسار فسوف تشعُر كما لو كنتَ قُذِفْتَ بعيدًا عن المنعطف؛ أي نحوَ يمينك. والسبب في ذلك هو أنَّ الجذع العلوي من الجسم يستمرُّ في التحرُّك في الاتجاه الأصلي في حين ينجذب الجزء السفلي من الجسم بفعل قوة الاحتكاك الصادرة عن مقعد السيارة نحو المنعطف جهة اليسار؛ لذلك تميل إلى الخارج بعيدًا عن المنعطف. يميل الهواء الموجود في السيارة أيضًا إلى التحرك في الاتجاه الأصلي، لكن الجدار الأيمن يُجبره على الانعطاف. وهذا الفعل يزيد كثافة الهواء على الجانب الأيمن من السيارة. ويميل الهيليوم، وهو الأخفُّ كثافة من الهواء، إلى الطفو بعيدًا عن الهواء الأكثر كثافة مُتجهًا نحوَ الهواء الأقل كثافة، ومن ثم يتحرَّك نحوَ اليسار، على النقيض من مَيل جسمك.

والهواء الدافئ أقلُّ كثافة من الهواء البارد، ويميل إلى الاتجاه نحوَ اليسار أثناء الانعطاف. وإذا كنت قائد السيارة، فقد تشعُر به يتحرَّك أمام وجهك إذا لم تكن المروحة تُوجِّه الهواء بالفعل نحوَ وجهك.

(١٣٢) انعكاس الأمواج على المياه الضحلة

لماذا يستطيع الحاجز الرملي (المغمور) القريب من الشاطئ عكس أمواج المُحيط القادمة؟ لماذا تستطيع تشكيلات مُعيَّنة من الحواجز الرملية (أو الحواجز الصناعية المغمورة) عكس أمواج المُحيطات بقوة؟

الجواب: قد ترى موجةَ مُحيط تنتقل على سطح الماء، غير أنَّ الحركة تمتدُّ أسفل السطح؛ إذ تتحرك أجزاء من الماء في مدارات رأسية بيضاوية الشكل أثناء مرور الموجة، ويكون سطح الشكل البيضاوي موازيًا لاتجاه انتقال الموجة. ويمكن للحاجز الرملي أن يُعيق هذه الحركة المدارية إذا لم يكن الحاجز الرملي أسفل السطح بمسافة بعيدة. تتمكَّن مُعظم الأمواج من العبور، لكن بعض الأمواج تنعكس مُرتدَّة إلى المحيط.

يمكن حدوث انعكاس أقوى يُطلَق عليه «الانعكاس الرنان» أو «انعكاس براج» من خلال سلسلة من الحواجز الرملية التي يُعزِّز بعضها انعكاس بعض. فإذا كان للأمواج طول مَوجي مُعيَّن، وكان اتجاه انتقالها عموديًّا على طول الحاجز الرملي الضحل، فإن الانعكاس المُعَزَّز يحدُث إذا كانت المسافة بين الحواجز الرملية تُعادل نصف الطول الموجي للأمواج. تخيَّل موجة مُستمرة تنعكس من حاجزَين رمليَّين مُتعاقبَين. ستجد أن الجزء الذي تجاوز الحاجز الرملي الأول وانعكس من الحاجز الرملي الثاني ثم تجاوز الحاجز الرملي الأول مرة أخرى (لكنه يتحرَّك الآن إلى الخارج) من الواضح أنه قطع مسافة إضافية. هذه المسافة تُعادل ضعف المسافة بين الحاجزَين. وإذا كانت هذه المسافة الإضافية تُساوي الطول المَوجي للموجة، فعندما يصل هذا الجزء إلى الحاجز الرملي الأول يكون مُتزامنًا مع الموجة التي انعكست للتوِّ من الحاجز الرملي الأول. ومِن ثَمَّ، فإن هذَين الانعكاسَين يرتدَّان إلى المُحيط في تزامُن، ممَّا يُسفر عن موجة ناتجة قوية (عالية السعة).

باختصار، عندما ترتدُّ الأمواج المُنعكسة بفعل الحواجز الرملية عائدة إلى المُحيط في تزامن، يكون الانعكاس قويًّا، حتى إن مقدارًا قليلًا نسبيًّا من الموجة الأصلية يظلُّ مُتوجهًا نحو الشاطئ. وهذا النوع من الانعكاس الموجي يمكن أن يُساهم في حماية الشاطئ والمناطق القريبة من الشاطئ. وفي حالة وجود حاجزٍ رملي واحد أو حاجزَين في بادئ الأمر، فإن الأمواج تستطيع تحريك الرمال بالتعرية والترسيب، مُكوِّنةً حواجز رملية إضافية على الجانب الشاطئي للحاجزَين الرمليَّين الأصليَّين. وتستطيع حركة الأمواج تلك تكوين حواجز رملية إضافية ذات مسافةٍ بينية مُناسبة تبلغ نصف الطول الموجي بحيث تُسفر عن انعكاسات رنَّانة.

مشكلة هذا التفسير أنَّ الأمواج تصِل إلى الشاطئ بأطوال موجية مختلفة ومن اتجاهات كثيرة جدًّا. ومن المُمكن ألا يحدُث الانعكاس الرنَّان لكثيرٍ من الأمواج.

(١٣٣) الأمطار والأمواج

هل ثمَّة أي حقيقة في قول البحَّارة المأثور إن الأمطار تهُدئ أمواج المحيط؟

الجواب: هذا القول ينطوي على بعض الحقيقة، بشرط ألا تكون الرياح المُصاحبة للأمطار شديدة القوة. فعندما تصطدم قطرة المطر بالماء، فمن المُمكن أن تكوِّن دوَّامة في الماء أو تتسبَّب في اهتزاز سطح الماء أو تناثُر قطرات الماء. هذا النشاط يجعل الطبقة العلوية مُضطربة، وهذا يُعيق الأمواج ذات الطول الموجي القصير ويُقلِّل منها. أما إذا كان يُصاحب الأمطار رياح قوية وشِبه أفقية، فمن المُمكن أن تُنتج الأمطار والرياح وتدعم أمواجًا مائية قصيرة الطول الموجي.

(١٣٤) مُذَبذِب مِلحي

املأ كوب شرابٍ شفافًا بالماء بصورة جزئية. ثم اثقُب قعْر فنجانٍ ورقي وأنزل الفنجان جزئيًّا في الماء، وثبِّتْه في مكانه بمشبك أو بلصْقِه في سكينتَي عشاء موضوعتَين على الكوب. حضِّر مزيجًا من ماءٍ مُعتدل المُلوحة وملوِّن طعام في وعاءٍ مُنفصل وصُبَّ المزيج ببطءٍ في الفنجان الورقي حتى يُصبِح سطحه أسفلَ سطح الماء العذْب في الكوب بقليل. سوف يتدفَّق تيَّار من الماء المُملَّح الملوَّن للأسفل عبْر الثُّقب، ثم يصعد تيَّار من الماء العذْب عبْر الثُّقب. ومن المُفترَض أن تُكرِّر دورةَ التدفُّق المتبادل تلك نفسها كلَّ بضع دقائق، وربما لعدَّة ساعات؟ فما السبب في هذا «المُذَبذِب الملحي» كما يُطلَق عليه؟

الجواب: أولًا، تخيَّل أنَّ الثُّقب في واقع الأمر عبارة عن أنبوبٍ ضيِّقٍ قصير مُمتلئ في البداية بماءٍ مُملَّح ملون (انظر شكل ٢-٣٨أ). يَفصل سطحٌ بَينيٌّ موجود أسفل الأنبوب بين الماء العذب والماء المالح. لنفترِض أن هذا السطح البَيني في حالة توازُن في بادئ الأمر؛ أي إنَّ الضغط أسفل السطح البَيني مباشرة، والناتج عن الماء العذب، يُساوي الضغط أعلاه الناتج عن الماء المالِح. ونظرًا لأن الماء المالِح أكثر كثافةً من الماء العذب، فإنَّ حالة التوازُن تعني أن ارتفاع الماء فوق السطح البيني يجِب أن يكون أقصر بالنسبة للماء المالح مقارنة بالماء العذْب.
fig93
شكل ٢-٣٨: بند ٢-١٣٤: (أ) اندفاع الماء العذب لأعلى عبْر الأنبوب الضيِّق. (ب) اندفاع الماء المالِح المُلوَّن لأسفل عبْر الأنبوب.
وعلى الرغم من توازُن هذا الترتيب، فإنه غير مُستقر أمام الاضطرابات العارضة التي لا مفرَّ منها. افترِض أنه بفعل الاضطراب دخلتْ كمية «صغيرة» من الماء العذْب إلى الأنبوب. نظرًا لأنَّ الأنبوب ضيِّق للغاية، فارتفاع السائل في الكوب الورَقي لا يتغيَّر على نحوٍ ملحوظ، إلا أن الضغط يتغيَّر لأن جزءًا من الأنبوب أصبح يحتوي الآن على ماءٍ عذب أقلَّ وزنًا؛ لذلك يُصبح الضغط فوق السطح البيني أصغرَ مما كان عليه في السابق. وفي واقع الأمر، يستمر هذا الدفع إلى أن يزيد في النهاية ارتفاع الماء في الكوب الورقي زيادة كافية لإعادة تأسيس التوازُن في السطح البيني. وعند هذه المرحلة يُصبح الأنبوب مليئًا بالماء العذب (انظر شكل ٢-٣٨ب).

ومرة أخرى يُصبح هذا التوازُن في قاع الأنبوب غير مُستقر. وعندما يُسفر اضطراب عارض عن إرسال كمية صغيرة من الماء المالح إلى أسفل الأنبوب، سيؤدي زيادة الوزن في الأنبوب إلى اندفاع الماء العذْب خارج قاع الأنبوب، فيؤدِّي إلى اندفاع المزيد من الماء المالِح إلى الأنبوب. وفي النهاية يعود الترتيب إلى هيئته الأولى ويُصبح الأنبوب مُمتلئًا بالماء المالح. ثم تُعاد هذه الدورة مراتٍ عديدة.

وإذا كان الكوب الورَقي يحتوي على ثُقب بدلًا من أنبوب ضيِّق، فمن المُمكن أن نعتبِر الثُّقب أنبوبًا قصيرًا. إلا أنه في هذه الحال لا يعود دخول السائل في الآخر تدريجيًّا، بل يُصبح سريعًا لدرجةٍ تجعل من الصعب إيقافه (فالتداخُلات تحمل زخمًا).

ويصف جاليليو تجربة مُشابهة تتمثَّل في ملء كرة ذات فتحة ضيِّقة بالماء ثم وضعها وهي مقلوبة في كوب من النبيذ الأحمر. سيدخل النبيذ في الماء حتى تُصبح الكرة مملوءة بالنبيذ ويُصبح الكوب مملوءًا بالماء. وعلى الرغم من أن جاليليو لم يصف حدوث أي اهتزازات، فإننا من الممكن أن نُخمِّن حدوثها.

(١٣٥) أصابع الملح والنافورة المالِحة

لترى التكوين المعروف باسم «أصابع الملح»، املأ جزئيًّا وعاءً بالماء العذب البارد. بعد ذلك صُبَّ برفقٍ ماءً دافئًا مالحًا قليلًا مُضافًا إليه مُلوِّن طعام ليُصبح أكثر وضوحًا. صُبَّ دون أن تُحدِث إلَّا أقلَّ قدرٍ مُمكن من الاضطراب عن طريق الصبِّ من ارتفاع سقوط صغير أو بالصبِّ على جسمٍ طافٍ. الماء العلوي أخف من الماء الموجود بالأسفل؛ فعلى الرغم من أن الماء العلوي مالح، فإن درجة حرارته الأعلى تُقلل كثافته لمستوًى أقل من الماء العذب؛ ومن ثَمَّ، نظرًا لوجود ماءٍ علوي أخف وزنًا، يصبح هذا الترتيب مُستقرًّا. لماذا إذن بعد مرور بضع دقائق تنزل «أصابع» من الماء المُلوَّن إلى الماء العذب وتصعد أصابع من الماء العذب إلى أعلى داخل الماء الملوَّن (انظر شكل ٢-٣٩أ)؟
لتكوين «نافورة مالحة» املأ جزئيًّا وعاءً بالماء العذب البارد. ثم اثقُب ثقبًا في قعْر كوبٍ ورقي واقلب الكوب، وأخفِضه في الماء (انظر شكل ٢-٣٩ب). أضِف بعد ذلك طبقةً من الماء الدافئ إلى الوعاء إلى أن يبدأ الماء في الانبثاق من ثُقب الكوب. وبعد ذلك أضِف طبقةً من الماء المالح الساخن إلى الوعاء. وفي النهاية ضعْ بضعَ قطراتٍ من ملوِّن الطعام قُرب الثُّقب ليصبح التدفُّق مرئيًّا. لماذا يستمرُّ الماء في الانبثاق من الثقب؟ من الناحية النظرية يمكن تشييد نافورة مالحة «دائمة» في المحيط. وبمجرد بدء التدفق، يمكن أن يستمرَّ الماء في التدفُّق عبْر أنبوبٍ طويل يمتدُّ من ماء قاع المُحيط الأكثر برودةً والأقل ملوحةً إلى ماء السطح الأكثر دفئًا وملوحة.
fig94
شكل ٢-٣٩: بند ٢-١٣٥: (أ) أصابع رفيعة تمتدُّ رأسيًّا من السطح البيني الموجود بين الماء المالِح الدافئ والماء العذْب البارد. (ب) تدفُّق الماء في نافورة مالحة.
الجواب: يفتقر الترتيب الذي يكون فيه الماء المالِح الدافئ أعلى الماء العذب البارد إلى الاستقرار لسببَين في واقع الأمر: (١) تنتقل الطاقة الحرارية بسرعةٍ كبيرة من الماء الأكثر دفئًا إلى الماء الأكثر برودةً عبْر السطح البيني. (٢) ترسل الاضطرابات العارِضة أمواجًا صغيرة عبْر السطح البيني وسُرعان ما تتزايد إحدى هذه الأمواج في الحجم مكونةً الأصابع.

ولكي ترى كيف يحدُث عدم الاستقرار تأمَّل إحدى هذه الأمواج الصغيرة. النقطة العُليا (الذروة) هي نتوء من الماء العذب الأكثر برودةً في الماء المالح الأكثر دفئًا، والنقطة السُّفلى (الوادي) نتوء من الماء المالِح الأكثر دفئًا في الماء العذب الأكثر برودة. تلك النتوءات من المُفترَض أن تتسطَّح ببساطةٍ غير أن الطاقة الحرارية تنتقل إلى النتوء العلوي وتهرب من النتوء السفلي. وعندما يُصبح النتوء العلوي دافئًا يُصبح أخفَّ ومِن ثَمَّ يشقُّ طريقه إلى ارتفاعٍ أعلى. وعندما يبرد النتوء السُّفلي يُصبح أثقل ومن ثَمَّ يشقُّ طريقه إلى عُمقٍ أدنى؛ ومن ثَمَّ فإن النتوءات تزيد بسبب انتقال الطاقة الحرارية، وتتحوَّل الموجة العارِضة المبدئية إلى أصابع ناتئة.

تتكوَّن أصابع مُشابهة عندما يعتلي محلول سكري ملوَّن (أقل كثافة) محلولًا ملحيًّا (أكثر كثافة). فكلٌّ من الملح والسكر ينتشران (يتشتَّتان) عبْر السطح البيني المحصور بين الطبقتَين، لكن الملح ينتشر أسرع. من المُفترَض أن تتسطَّح النتوءات الصادرة عن الاضطرابات العارضة، غير أنَّ انتشار الملح من النتوءات العلوية وانتشار الملح في النتوءات السفلية يجعل النتوءات تتحوَّل إلى أصابع.

في الترتيب الذي تتشكَّل فيه النافورة المالحة يصبح الماء البارد دافئًا عند انتقاله لأعلى الكوب بسبب الماء الأكثر دفئًا الموجود خارج جدار الكوب. ومن ثَمَّ، فإن الماء المُتَّجه إلى أعلى يصبح أخفَّ ويستمر في الصعود. وعندما يصل إلى الثقب يجد نفسه أخفَّ بكثيرٍ عن الماء المالح المُحيط ومن ثَمَّ ينبثق. ويُمكن أن تحدُث عملية شبيهة في نافورة المحيط المالحة الافتراضية؛ فبمجرَّد بدء التدفُّق سيُصبح الماء الذي يصعد الأنبوب دافئًا بفعل الماء الدافئ باستمرارٍ الموجود خارج الأنبوب. ومن ثَمَّ، سيُصبح الماء الداخلي أخف، ونظرًا لعدم قدرة الماء على اكتساب الملح من جدار الأنبوب، سيُصبح أخفَّ من الماء الخارجي؛ ولذلك، سوف يستمرُّ في الصعود عبْر الأنبوب.

(١٣٦) رفع الأشجار الطويلة للماء

كيف تتمكَّن شجرة بالغة الطول مثل شجرة السيكويا العملاقة من رفع الماء إلى الأوراق في أعلاها؟

الجواب: ما زال جواب هذا السؤال البسيط على نحوٍ مُخادع يُثير جدلًا شديدًا. والجواب المقبول بوجهٍ عام والمعروف باسم «نموذج التماسُك والشد» هو أنَّ تبخُّر الماء من على سطح الورقة يُقلِّل الضغط في عمود الماء المُستمر الذي يجري من الجذور إلى الأوراق. ويُقال إن هذا العمود مُعرَّض إلى «ضغط سلبي» لأن الماء ينجذب لأعلى بفعل الشد. بالطبع يُمكن وضع الماء تحت ضغط، لكن فكرة إمكانية وضع الماء تحت تأثير الشدِّ لطالَما رُفضَت نتيجة الاعتقاد بأن تماسُك الماء (الانجذاب المُتبادَل بين جزيئات الماء) لا يستطيع مقاومة الشد. رغم ذلك يبدو أن الشدَّ والضغط السلبي موجودان في الأوعية الشَّعرية للشجر. وببساطة، عندما يتبخَّر جُزيء ماء من الورقة، ينجذب جزيء ماء إلى الجذر.

ورغم ذلك، لا يزال الاعتراض على نموذج التماسُك والشدِّ مستمرًّا؛ ففي بعض النباتات يمكن أن يُسحَب الماء على مراحل، مثلما تُرفَع السفن العابرة في القنوات عبْر الهويس. بالإضافة إلى ذلك، يمكن لظروفٍ بيئية مثل الجفاف أن تؤثر على طريقة رفع الماء.

(١٣٧) تكوُّن صفوف الرياح على الماء

عندما تهبُّ الرياح المُعتدلة على المسطحات المائية، لماذا تُكوِّن الفقاقيع والأعشاب البحرية والأوراق وغيرها من الأشياء الصغيرة الطافية صفوفًا مُتوازية يُطلَق عليها «صفوف الرياح»؟

fig95
شكل ٢-٤٠: بند ٢-١٣٧: خلايا الدوَران في الماء تجمع الأشياء الطافية.
الجواب: عندما تكون سرعة الرياح في نطاقٍ مُعيَّن فإنها تخلق خلايا دوَران أفقية طويلة على الطبقة العلوية للماء. ويُطلَق على هذا الدوَران «دوران لانجموير» نسبةً إلى العالِم إرفينج لانجموير الذي اكتشفه بعد أن رأى صفوفًا من عُشب السرجس البحري خلال رحلة بحرية عبْر المُحيط الأطلنطي. يتسبَّب هذا الدوَران في حركة لولبية للماء في الاتجاه العام للرياح. وكل خليتَين مُتجاورتَين تتناقضان في اتجاه الدوران. وبفرْض أنك نظرتَ إلى خليةٍ يدور فيها الماء في اتجاه عقارب الساعة، فسيكون اتجاه دوَران الماء عكس عقارب الساعة في الخلية الموجودة جهة اليسار وفي الخلية الموجودة جهة اليمين (انظر شكل ٢-٤٠). وهذا يعني أنه على السطح يجتمع دوَران الخلية التي تدور مع عقارب الساعة ودوَران الخلية التي تدور عكس عقارب الساعة الموجودة على يمينك، لكن لا يحدُث تجمُّع على يسار الخلية. تُكوِّن الأشياء الطافية بفعل التجمُّع صفًّا على الجانب الأيمن للخلية التي تنظر إليها. وتتكوَّن صفوف أخرى على جوانب خلايا أخرى، وتكون المسافة بين الصفوف ضِعف عرض الخلية. وإذا كانت الأشياء غير طافية على الماء، فمن المُمكن أن تجد أيضًا صفوف الرياح إذا جمَّعَت الدوَرانات الطبقات الرقيقة الطافية (أو «الطبقات الأحادية») في صورة مسارات أو ممرَّات. تُقلِّل هذه الطبقات نشاط الموج في الماء، وهذا يجعل الماء يعكس الضوء بطريقةٍ مُختلفة عن المناطق الخالية من هذه الطبقات الرقيقة.

(١٣٨) شوارع السُّحُب وقطاعات حرائق الغابات

لماذا يُطلَق على السُّحب المُرتَّبة أحيانًا في شكل خطوط رفيعة طويلة «شوارع السحب»؟ غالبًا ما يكون من الصَّعب رؤية هذا الترتيب من الأرض، لكن عند تصويره من قمرٍ صناعي يمكن أن تبدو هذه الخطوط شديدة الانتظام حتى إنها تبدو مصطنَعة.

الجواب: غالبًا ما يؤدي تدفُّق الهواء على نطاق واسع في الجزء السُّفلي من الغلاف الجوي للأرض إلى تكوين أنابيب دوامية طويلة مُتوازية مُمتدة في الاتجاه العام للرياح. إذا نظرتَ في اتجاه الرياح فستجد أن الهواء يدور في مسار لولبي عبْر الأنبوب، وتتضادُّ الأنابيب المُتجاورة في اتجاهات الدوَران؛ فمنها ما يدور في اتجاه عقارب الساعة ومنها ما يدور عكس اتجاه عقارب الساعة (مثل الخلايا في شكل ٢-٤٠). تتكوَّن السحب في الأماكن التي يكون فيها اتجاه تدفُّق الدوَّامات المُتجاورة لأعلى. ومن ثَمَّ، من المُمكن أن تتكوَّن خيوط طويلة من السحب على الحدود بين الأنابيب الدوَّامية المُتجاورة وتساوي المسافة بين كل أنبوبٍ وآخر ضِعف عرض الأنبوب.

بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ الرياح التي تهبُّ في حرائق الغابات يمكنها تكوين أنابيب دوَّامية أُفقية، ويُغيِّر الدوران داخل هذه الأنابيب المُتجاورة من نسَق الاحتراق؛ فعندما يكون اتجاه تدفُّق الأنابيب المُتجاورة لأسفل، يقلُّ احتمال احتراق الأشجار لأنَّ الدوَران يدفع الحريق بعيدًا نحوَ مناطق التدفُّق العلوي؛ لذلك في وجود رياح مُستمرة يمكن أن يمتدَّ الحريق عبْر إحدى الغابات في قطاعاتٍ مُتوازية تاركًا قطاعاتٍ وسطى من الأشجار غير المُحترقة.

(١٣٩) تعبئة حلوى حبيبات إم آند إمز

عند تعبئة برطمان بحلوى دائرية الشكل أو بحلوى حبيبات إم آند إمز (تلك الحلوى ذات الشكل البيضاوي التي تُنتجها شركة مارس)، فأي المجموعتَين ستكون أثقل وزنًا إذا كانت حبوب كلا النَّوعَين من الحلوى مُتماثلة في الكثافة؟

الجواب: على الرغم من أنَّ الجواب قد يبدو واضحًا فإن الجواب (أو على الأحرى السؤال نفسه) يُعتبَر مفاجئًا؛ فعلى الرغم من أن الحُبيبات الكُروية مكدَّسة في برطمان، فإنه تُوجَد فراغات كبيرة بين الكُرات. ونظرًا لأن حبيبات إم آند إمز بيضاوية الشكل وقصيرة، فإنها تتكدَّس تاركةً قدرًا أقلَّ من الفراغات. ومِن ثَمَّ، فإنَّ مجموعة حُبيبات إم آند إمز ستكون أثقلَ وزنًا.

(١٤٠) كوم التفَّاح

إذا بنَيْتَ هرمًا من التفَّاح أو كومًا من الرمال، ففي أي نقطة على طول قاعدة البنيان سيكون تأثير القوة على الأرض أكبرَ ما يكون؟

الجواب: إذا شيَّدتَ هرمًا وكانت كلُّ قطعةٍ فيه (كالأحجار مثلًا) مُرتَّبة في أعمدةٍ رأسية منظمة، دون أن تستند أي قطعة على عمودَين، فسيكون الجواب بسيطًا: يقع أكبر تأثير للقوة على الأرض أسفلَ العمود الأطول، وهو عند مركز الهرم، ويُصبح التأثير أضعف تدريجيًّا عند الأعمدة الأقصر القريبة من المُحيط الخارجي للهرم.

إلا أنك عندما تُحاول رصَّ أشياء مثل التفاح أو حبيبات الرمال أو غيرها من الأشياء غير المُنتظمة لن تستطيع تكوين أعمدةٍ رأسية دون سند القطعة على عمودَين؛ فكل قطعة في الكوم تستنِد على قطعةٍ أسفلها مُزاحة ناحية الجانب. وهذا الترتيب يمكن أن ينقل قوة الدعم نحو جانب الكوم. ووفقًا للتجارب، فإنَّ أكبر تأثيرٍ للقوة على الأرض أسفل الكوم يكمُن عادةً في حلقة محيطة بالقاعدة، بين المركز والمُحيط الخارجي.

(١٤١) أشكال المساحيق

تكوِّن الرمال الأشكال التي يُطلَق عليها «أشكال كلادني» عند وضعها على سطح معدني أفقي يهتزُّ على نحوٍ شِبه مُستمر. ويمكن أن تنطلِق هذه الاهتزازات عن طريق سحْب قوس ناحية إحدى الحواف، أو قد يرتكز السطح المعدني على سمَّاعة قُمعية عمودية يشغلها مولِّد ذبذبات. فما السبب في هذه التصاميم؟ وإذا وضعْنا ترابًا ناعمًا بدلًا من الرمال (ربما مسحوق الطباشير) فلماذا يمكن أن تظهر أشكال مُختلفة؟ عند استخدام مزيجٍ من الرمال والتُّراب لماذا ينفصل المُكوِّنان؟

انثر مسحوقًا ناعمًا في شكل طبقةٍ مستوية تمامًا على سطح زجاجي أفقي، واضرب جانب السطح مرةً كل ثانية تقريبًا بعصًا بلاستيكية. لماذا يكوِّن المسحوق أكوامًا صغيرة قُمعية الشكل بعد عشرين ضربة تقريبًا؟

الجواب: يهتزُّ السطح المعدني عند نقاطٍ مُعينة (يُطلق عليها «البطون») اهتزازًا شديدًا، في حين لا يهتزُّ مُطلقًا عند نقاطٍ أخرى (يُطلق عليها «العُقَد»). يُمكن أن تكون البطون متجاورة وتكوِّن صفوفًا عبْر السطح المعدني، ويمكن أيضًا أن تكون العُقَد متجاورة وتكوِّن صفوفًا خاصة بها. وحبيبات الرمال الموجودة في البداية عند هذه البطون تتناثر في الهواء بعيدًا عن الصفوف، وتميل إلى التجمُّع في صفوف العُقَد. وبمجرَّد تجمُّع حبيبات الرمال فإنها تكشف صفوف العقد وتكوِّن أحد أشكال كلادني. ويعتمد ظهور شكلٍ مُعيَّن من هذه الأشكال في واقع الأمر على شكل القُرص المعدني ومكان تثبيته (فعلى سبيل المثال، إذا ثُبِّتَ القُرص بمِلزمة فإنَّ هذا يحُول دون احتمالية الاهتزاز).

ونظرًا لأنَّ التراب أخفَّ من الرمال فإنه يتأثَّر بالتيارات الهوائية المُتكوِّنة فوق السطح المعدني مباشرة عند اهتزازه. وبالقُرب من السطح المعدني يميل الهواء إلى الانتقال من العقدة إلى البطن المُجاور ثم إلى الأعلى بعيدًا عن السطح المعدني. ومِن ثَمَّ، فإن تدفُّق الهواء يميل إلى حمْل التراب من العقدة إلى البطن المجاور، فيُرسبه هناك مع تحوُّل تدفُّق الهواء إلى الأعلى.

اسْتُخدمت أشكال كلادني في التحليل الجنائي لأجهزة الكشف عن الدخان. في أنواع مُعينة من الحرائق التي يصدُر عنها السخام تتجمع جزيئات الدخان في صفوف العقد الخاصة بالأجزاء التي تهتزُّ عندما يصدر جهاز كشف الدخان صوت الإنذار. ويمكنك أن تعرف فيما بعد إذا ما كان الإنذار قد أطلق الصافرة أثناء الحريق أم لا عن طريق رؤية إذا ما كانت أشكال كلادني المُتكوِّنة من ذلك السخام قد تراكمت على تلك القِطَع أم لا. وإذا لم تكن قد تراكمت عليها، فهذا يعني أن جهاز كشف الدخان لم يقُمْ بوظيفته.

عند ضرب سطح معدني يحمل ترابًا دقيقًا فإن هذا الضرب يُسفر عن اهتزازات رئيسية وجيزة في السطح المعدني، مما يؤدي إلى رفع التراب في الهواء ويؤدي أيضًا إلى تحرُّك الهواء. وبفرْض أن التراب تجمَّع في النقطة (أ) أكثر من تجمُّعه في المنطقة المُجاورة؛ فإن التراب الأكثر الموجود في النقطة (أ) يمكن أن يُغيِّر اهتزازات السطح المعدني وتدفُّق الهواء بحيث يتحرك التراب الموجود في المنطقة المُجاورة نحو النقطة (أ) عند نثره في الهواء. فعندما تهبط حُبيبات التراب على نقطةٍ مُتربة، فإنها تميل إلى الالتصاق، أما إذا هبطت على نقطة خالية فإنها لا تلتصق. ومِن ثَمَّ يزداد التراب في النقطة (أ) حتى تستحوذ النقطة (أ) على التراب المُجاور بالكامل. وتحدُث هذه البداية العارضة، وهذا الاستحواذ اللاحق، على سطح القُرص المعدني عند وجود مسافاتٍ شِبْهِ مُتساوية بين كلتا الكومتَين.

(١٤٢) المُذبذِب الهيدروليكي

يُظهِر شكل ٢-٤١ أنبوبًا على شكل حرف U يحتوي على الماء وله فتحتان واسعتان. قاع الأنبوب المركزي مُعرَّض للحرارة أما الطرفان العلويان فباردان، وكلُّ شيءٍ مُتماثل. فلماذا بمجرَّد بدء التسخين والتبريد يهتزُّ الماء يسارًا ويمينًا؟
fig96
شكل ٢-٤١: بند ٢-١٤٢: سوف يهتزُّ الماء من جانب لآخر.
الجواب: يؤدِّي التسخين إلى خفض كثافة الماء ومِن ثَمَّ يرتفع الماء الدافئ، في حين يزيد التبريد من كثافة الماء؛ ومِن ثمَّ يهبط الماء البارد. وعلى الرغم من تماثُل الموقف في بادئ الأمر، فإن أي اضطرابٍ بسيط في المُحيط يجعل الماء يتدفَّق في أحد الطرفَين أكثر من تدفُّقه في طرف الأنبوب الآخر. فإذا دفع الاضطراب الماء الدافئ أعلى الطرف الأيمن؛ فإن الحركة تجعل الماء البارد يهبط في الطرف الأيسر. ومِن ثَمَّ يُصبح عمود الماء في الطرف الأيمن أقلَّ كثافة من العمود في الطرف الأيسر، والاختلاف في الكثافة يدفع مزيدًا من الماء الدافئ أعلى العمود الأيمن، ممَّا يسمح بهبوط مزيدٍ من الماء البارد في الجانب الأيسر.

وفي النهاية، يُصبح العمود في الجانب الأيمن أعلى على نحوٍ كافٍ من العمود الموجود في الجانب الأيسر بما يجعل حركة الماء تتباطأ وتتوقَّف ثم تنعكس. وفي الوقت نفسه، يُصبح الماء الموجود في القاع دافئًا. ومِن ثَمَّ، مع انعكاس الحركة يندفع الماء الدافئ إلى العمود الأيسر؛ ومِن ثَمَّ تُعاد الكرة.

(١٤٣) فقاعات الزيت التي تتحرَّك في الجلسرين

املأ وعاءً على نحوٍ شبهِ كامل بالجلسرين واملأ بقية الوعاء بزيت السيليكون الأخف وزنًا والأقلَّ لزوجةً عن الجلسرين. اترك الوعاء ليلًا دون تعريضه للاضطراب (للسماح بهروب الفقَّاعات الهوائية)، ثم أغلِق الوعاء واقلِبه. لماذا تتكوَّن فقاقيع الزيت في نسَقٍ شِبه مُوحَّد على السطح الذي أصبح الآن قاع الوعاء ثم ترتفع في صورة تيارات؟ هذا الترتيب هو أساس أنواعٍ عديد من ألعاب الموائع الجديدة التي يكوِّن فيها أحد الموائع فقاقيع تمرُّ عبر المائع الآخر دون أن تختلط به.

الجواب: يتَّسِم الترتيب الأول بالاستقرار، فالزيت يطفو فوق الجلسرين. أما الترتيب المقلوب فيتسم بعدم الاستقرار (وهذا مثال على ما يطلق عليه «استقرار رايلي-تايلور») والاضطرابات العارضة المتمثلة في اضطرابات عملية القلب نفسها ترسل موجات في الواجهة البينية الفاصلة بين الزيت والجلسرين مثلما يمكنك إرسال الموجات على الواجهة البينية الفاصلة بين الهواء والماء في حوض الاستحمام. تزداد سرعة إحدى هذه الموجات عن الأخرى وتسيطر عليها. وعندما تصل هذه الموجة لنقاطٍ عالية (قمم) يبرُز الزيت لأعلى إلى الجلسرين، وعندما تصل الموجة لنقاط منخفضة (وديان) يبرز الجلسرين لأسفل إلى الزيت. وتتحوَّل البروزات الصاعدة لأعلى إلى فقاعات صاعدة يُغذيها الزيت المتدفق أسفل البروزات السفلية، وتشير بشكل تقريبي المسافات المُنتظمة للغاية بين الفقاعات على طول قاع الوعاء إلى الطول الموجي للموجة المسيطرة.

إليكم تجربة مشابهة: اترك وعاءً من شراب الذرة ساكنًا طوال الليل. ثم ضعْ أنبوبًا صغيرًا يُطلِق مزيجًا من شراب الذُّرة والماء بالقُرب من قاع شراب الذُّرة الموجود في الوعاء. سيكوِّن الخليط فقاعةً عند خروجه من الأنبوب. ونظرًا لأن فقَّاعة الماء والشراب أخفُّ من الشراب، فإن الفقاعة ترتفع. وأثناء ارتفاعها تترك خلفها أثرًا. ويمكن أن يُصبح هذا الأثر مسارًا للفقَّاعات الجديدة التي تنطلِق من الأنبوب.

(١٤٤) كُرة في تيَّار الهواء

جذبًا لانتباه العملاء تستخدِم بعض المتاجر عرضًا يتمثَّل في كرة مُعلَّقة في تيار الهواء. لو كان تيار الهواء صاعدًا لأعلى مباشرة فلن يكون التعلق مُدهشًا؛ لأن تأثير الهواء على الجانب السُّفلي من الكرة يُمكن أن يوازن تأثير قوة الجاذبية على الكرة. إلا أنَّ السمة الجاذبة للانتباه تتمثَّل في مَيل تيَّار الهواء بزاوية تبلغ ٤٥ درجة تقريبًا عن المستوى الرأسي. فكيف يتمكن تيَّار الهواء من تعليق الكرة؟ ولماذا تعود الكرة إذا ضربتها ضربة كافية لجعلها تترُك تيَّار الهواء جزئيًّا؟

الجواب: السبب في تعلُّق الكرة في الهواء واستقرارها هو أنها تُغيِّر اتجاه تيار الهواء. إذا انخفضت الكرة للأسفل في محاولةٍ واضحة للهروب من تيَّار الهواء، فإنَّ التيار يتدفَّق فوق أعلى الكرة وأسفل جزء من ظهر الكرة؛ حيث يتحرر متوجهًا إلى الأسفل بميل. ونظرًا لتوجُّه التيار للأسفل، تتوجَّه الكرة لأعلى وتعود إلى التيار. ومهما حاولت الكرة الإفلات من التيار، فإنها تُغير اتجاه التيار في النهاية إلى ذلك الاتجاه؛ ومِن ثمَّ تندفع عائدة إلى التيار.

ويمكن تعليق الكرة أيضًا في تيَّارٍ مائي رأسي. وعلى الرغم من أنها ستقفز وتُحاول الهروب من التيار فإنها تعود إليه. الفرق الوحيد هو أن هذا التيار مائي وليس هوائيًّا، لكن تغيير اتجاه التيار لا يزال يُفسِّر استقرار الكرة.

ذات مرة كان لديَّ لعبة مكونة من أنبوب له شكل الحرف U وبه أنبوب ضيِّق قصير عند أحد طرفَيه. كنت أنفخ في الأنبوب الضيِّق كي أرفع كرة خفيفة الوزن في تيَّار الهواء وكي أسحب تيار الهواء عبْر بقية الأنبوب الذي على شكل الحرف U. وعند ارتفاع الكرة، كانت تمرُّ عبْر الطرف المفتوح الآخر من الشكل U وتُمتصُّ عن طريق دوَران الهواء. وكان الهدف هو تدوير الكرة عبْر الشكل U مرَّاتٍ كثيرة قدْر الإمكان بنفخةٍ واحدة قوية في الأنبوب الضيق.

(١٤٥) سفينة فلتنر

في عام ١٩٢٥ عبرت سفينة صمَّمها المهندس أنطون فلتنر المحيط الأطلنطي غير مدفوعة بمروحة الدفع التقليدية المغمورة في الماء بل مدفوعة بأسطوانتَين دوَّارتَين بارزتين رأسيًّا في الهواء. فكيف تستطيع أسطوانتان دوَّارتان دفع سفينة عبْر الماء؟

الجواب: كان الهواء يدفع الأسطوانتَين لكن ليس بالطريقة نفسها التي يدفع بها الأشرعة؛ فعندما تكون الأسطوانة ثابتة، يتدفَّق الهواء على نحوٍ مُتماثل على جانبَي الأسطوانة؛ حيث ينفصل في نقطةٍ ما قُرب المؤخِّرة عن الأسطوانة ويتكسَّر في صورة دوَّامات. يوفر هذا الترتيب قدرًا من الدفع للأسطوانة؛ لأن جانب الأسطوانة المُواجِه للرياح يزيد فيه الضغط الجوي عن الجانب المَحمي من الرياح (الضغط الجوي في الدوَّامات أقل).

إلا أن الأسطوانة تندفع على نحوٍ أكبر في حالة دوَرانها. ففي الجانب الذي يدور مع اتجاه الرياح يميل الهواء إلى التعلُّق بالأسطوانة لفترةٍ أطول من ذي قبل، وفي الجانب الذي يدور عكس اتِّجاه الرياح يتحرَّر الهواء من الأسطوانة على نحوٍ أسرع من ذي قبل. وتكون المُحصلة هي تغيُّر اتجاه تيار الهواء بفعل الأسطوانة الدائرة واتجاهه نحوَ الجانب مع اتجاه الدوران. ونظرًا لاندفاع التيار في اتجاهٍ مُعين، فإن الأسطوانة (ومِن ثَمَّ السفينة) تندفع إلى الاتجاه المُقابل.

لذلك من الناحية النظرية يمكن أن تُدفَع السفينة في الماء عن طريق تغيير اتجاه أسطواناتها في الرياح. ومن الناحية العملية، لا بدَّ أن الرحلة عبْر المُحيط الأطلنطي كانت مُخيفة؛ حيث تطلَّبت الصبر في توجيه السفينة في الرياح وفي السير في مسارٍ مُتعرِّج. (وربما استُخدِمت مروحة الدفع الخاصة بالسفينة على نحوٍ أكثر من المذكور.)

(١٤٦) مضيق جبل طارق ومضيق مسينة ومضيق صقلية

عندما تدخُل السفينة قناةً مُعينة عبْر مضيق جبل طارق، لماذا تستطيع الدوَران تلقائيًّا حول المِحور الرأسي أو تميل نحو الجانب؟ طالما عُرِف مضيق مسينة، الذي يفصل بين إيطاليا وصقلية، بمياهه الغادرة، وأُطلِق عليه «البحر المجنون». وقد أرجع هوميروس، على سبيل المثال، سلوك المياه الغريب إلى الوحشَين سيلا وكاريبديس. وفي الجانب الآخر من صقلية، في مضيق صقلية الذي يفصل الجزيرة عن تونس، تُهاجِم في بعض الأحيان المياه العالية ميناء الصيد الصقلي الكبير «مازارا ديل فالو» مكونة حائطًا عاليًا فوق المصبِّ القديم. فما سبب هذا السلوك الغريب في هذه المضايق الثلاث؟

الجواب: السبب في السلوك الغريب في مضيق جبل طارق هو «الأمواج الداخلية»، وهي أمواج مُتكوِّنة داخل تيار المد والجزر عبْر المضيق. تتكون الأمواج داخل هذا التيار؛ لأن المياه القادمة من البحر المتوسط أكثر ملوحة من مياه المُحيط الأطلنطي. (مياه البحر المتوسط أكثر ملوحة بسبب تبخُّر المياه من البحر.) ومِن ثَمَّ، فإنَّ مياه البحر المُتوسط أكثر كثافةً من مياه المحيط الأطلنطي. وعندما يتدفَّق هذا الماء الأكثر كثافة عبْر المضيق إلى المُحيط الأطلنطي لا بدَّ أن يعبُر فوق «سد» (نقطة مرتفعة) مما يدفع الماء لأعلى وفوق المياه (الأخف) القادمة من الأطلنطي. هذا الموقف يفتقر إلى الاستقرار؛ فالمياه الأكثر كثافة تتحرك فوق المياه الأخف، وتتولَّد الأمواج. ولا تُرى الأمواج على سطح الماء إلا في هيئة أحزمة من المياه المُضطربة، لكن حركة الأمواج يمكن أن تضرب السفن وتقلِبها.

بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ الأمواج الداخلية مسئولة أيضًا عن البحر المجنون في مضيق مسينة. وهناك يفصل سدٌّ بين ماء البحر الأيوني الأكثر كثافة والأشد ملوحة الواقع جنوب السد عن ماء البحر التيراني الأخف كثافة والأقل ملوحة الواقع شمال السد. تتَّسِم اهتزازات المد والجذر في البحر المتوسط بأنها صغيرة للغاية في العموم (فهي بضعة سنتيمترات فحسب)، أما الاهتزازات في هذَين البحرَين المُتواجهَين عبْر السد فمختلفة في الطور المَوجي (غير مُتوافقة). ومِن ثَمَّ، فعندما يرتفع الماء في أحدهما وينخفض الماء في الآخر، يتدفَّق الماء فوق السد. ونظرًا لاختلاف الكثافة يُولِّد التدفُّق أمواجًا داخلية. على السطح تظهر الأمواج كأحزمة يكون الماء فيها شديد الاضطراب كما لو كانت تُحرِّكه رياح عاصفة قوية. ومِن ثَمَّ، فإنَّ الأمواج الداخلية، وليست الوحوش التي وصفها هوميروس، هي التي هدَّدت سفن الصيد في هذه المنطقة.

ويرجع سبب المياه الغريبة في مضيق صقلية إلى خضخضة الماء في المضيق، ويُطلَق على هذا التأثير اسم «تراوُح منسوب السطح». تحدُث اهتزازات رنانة في المضيق؛ أي تحدث خضخضة طبيعية شديدة الشَّبَه بالخضخضة التي يمكنك إحداثها في طبق ماء تحمله عبْر الغرفة. وفي بعض الأحيان يُمكن أن تكون الخضخضة في المضيق كبيرة حتى إنها ترسل جدارًا من الماء يُطلق عليه «القفزة الهيدروليكية» أو «المَوجة الضخمة» أعلى المصب.

(١٤٧) تناثُر الحُبيبات

إذا وقعَتْ كرة ثقيلة جاسئة على طبقةٍ من الكرات الجاسئة الأصغر حجمًا، فلماذا يصدُر عن الارتطام نافورة ضيِّقة من الكُرات الأصغر حجمًا؟

الجواب: عندما تخترق كرة ثقيلة طبقةً من الكرات الأصغر حجمًا، فإنها تُسبِّب ثقبًا أسطوانيًّا. وتُشكِّل الكُرات المندفعة بعيدًا عن الثقب نافورةً حول مُحيط الثقب. وعندما ينسدُّ الثقب بتدفُّق الكرات إليه مرة أخرى، فإنها تتصادم وتُغيِّر اتجاهها لأعلى وتكوِّن النافورة.

(١٤٨) نتوء رفيع على الماء الجاري

عندما تكون الإضاءة مناسبة لماذا تستطيع رؤية خطٍّ رفيع كالشعرة يمتدُّ عبْر الماء بطيء الجريان في الجدول أو الغدير؟ (عادةً يجب أن تكون الشمس منخفضة كي يكون الضوء مائلًا، وحتى في هذه الحالة ستحتاج إلى محاولة الرؤية من زوايا عدة.)

الجواب: تحتوي مُعظم الجداول والغُدران على طبقاتٍ من الملوثات على المياه السطحية. وقد تكون هذه الطبقات ملوثات أو قد تكون موادَّ مكونة طبيعيًّا مثل المواد الصادرة عن النباتات. عادةً ما تكون الطبقات رقيقة جدًّا على نحوٍ يَحُول دون رؤيتها ومن الممكن أن تكون في سُمك الجزيء فحسب، وفي هذه الحالة يُطلق عليها «الطبقات الأحادية».

عندما تقابل المياه البطيئة الحركة طبقة أحادية، فإن المياه القادمة تتراكم مكونةً نتوءًا رفيعًا جدًّا قبل أن تتمكن من التحرُّك أسفل الطبقة. وإذا كانت الإضاءة مناسبة فسوف تتمكَّن من رؤية الحافة نظرًا لتبايُنها مع الماء الجاري من ناحية وركود الطبقة من ناحية أخرى. ويُطلَق على هذا النتوء عادة «نتوء رينولدز»؛ لأن أوزبورن رينولدز (١٩٠٠) كان من أوائل من درَسوه، على الرغم من أنَّ بنجامين فرانكلين (١٧٧٤) وهنري ديفيد ثورو (١٨٥٤ ولاحقًا) لاحظوا هذه الظاهرة في السابق. ومن المُمكن أيضًا أن ترى نتوء رينولدز في بِركةٍ أو في مُسطَّح مائي مفتوح إذا دفعت الرياح المعتدلة الماء غير الملوث فوق طبقة من الملوثات.

(١٤٩) المجاري المائية الرفيعة المُتعرِّجة

إذا تدفَّق مجرًى مائي رفيع على سطحٍ زجاجي أملس مائل بزاوية أقل من ٣٠ درجة، فسيكون المجرى مُستقيمًا. وإذا زاد المَيل عن ٣٠ درجة، فمن المُمكن أن يظلَّ المجرى مُستقيمًا، لكن من الممكن أن يتعرَّج يسارًا ويمينًا، مُكوِّنًا إما نسَقًا مُتعرجًا مُستمرًّا أو نسَقًا دائم التغير (انظر شكل ٢-٤٢أ). فما سبب التعرُّج؟
fig97
شكل ٢-٤٢: بند ٢-١٤٩: (أ) بالنظر إلى أسفل مباشرة على سطحٍ مائل نجد أن مجرى الماء يتعرَّج. (ب) مقطع عرضي في انحناءة. الانحناء الشديد على الجانب الأيمن يُسفر عن قوة شديدة على الجانب الأيسر.
الجواب: عندما يكون «مُعدل التدفق الحجمي» (كمية المائع المُتدفِّق عبْر نقطةٍ معينة في الثانية) منخفضًا، فإن تأثير الجاذبية على الماء يميل إلى إسالة الماء مباشرة على السطح المائل. يُقلل التوتر السطحي (الناتج عن التجاذب المُتبادل بين جزيئات الماء) من منطقة السطح ويعمل كغشاءٍ مطاطي، فيحافظ على استقامة التيار. تزيد الجاذبية من سرعة المجرى في الجزء الأول منه. ومع ازدياد سرعة الماء تقلُّ مساحة المقطع العرضي في المجرى؛ لأنه مع تحرُّك الماء بسرعة أكبر تقل المساحة المطلوبة لنقل القدر نفسه من الماء في الثانية. إلا أنه مع ازدياد السرعة يزداد تأثير المقاومة على الماء من السطح المائل إلى أن تُصبح المقاومة مُساوية لقوة الجاذبية. وبعد ذلك لا تتغيَّر السرعة أو مساحة المقطع العرضي.

عندما يكون مُعدَّل التدفُّق الحجمي أكبر نسبيًّا، يمكن أن تتسبَّب حركة الماء في جعل المجرى غير مُستقرٍّ عن طريق وجود سرعات مختلفة عبْر المجرى. يعني اختلاف السرعة هذا أن شكل المجرى لم يعُد متماثلًا. ويتسبَّب التوتر السطحي على الجانب الأكثر انحناء في قوة جذْبٍ أكبر من التوتر السطحي على الجانب الأقل انحناء.

وإذا افترضْنا أن الانحناءة بدأت في التكوُّن بفعل الصُّدفة في المجرى، فإنَّ الانحناءة لن تُصبح واضحة إلا إذا أصدر التوتر السطحي في المجرى قوة كافية لدفع المجرى على نحوٍ مائل عبْر السطح المائل. يعرض الشكل (٢-٤٢ب) مثالًا على ذلك؛ حيث نرى مقطعًا عرضيًّا عبْر جزءٍ من انحناءةٍ في المجرى. نظرًا لأنَّ الجانب الأيسر من المجرى أكثر تقوُّسًا من الجانب الأيمن، فإن التوتر السطحي ينتج قوة أكبر في الجانب الأيسر. وتُوَجَّه هذه القوة تحديدًا إلى الجانب الأيمن، ويُترَك المجرى المُنعطِف متوجِّهًا لليمين عبْر خطٍّ مائل، ممَّا يجعل الانحناءة واضحة.

وعندما يزداد مُعدَّل التدفُّق الحجمي، فإنَّ الماء المندفع يتمكن من التغلُّب على ميول التوتُّر السطحي. فمن الممكن أن يتجاوز المجرى الانحناءة؛ ومِن ثمَّ يُحركها من مكانها. أو من الممكن أن يتفرَّق على طول الخط المائل، تاركًا الانحناءة نظرًا لأن الماء يسلك طريقًا جديدًا، ثم تنزلق الأجزاء المتروكة على السطح المائل.

(١٥٠) قصاصات شعْر ماكينة الحلاقة الكهربائية وقارب الكافور العائم في الماء

عند إفراغ قصاصات شعْر صغيرة من ماكينة الحلاقة الكهربائية في الماء، مثلما يحدُث عادةً عند تنظيف ماكينة الحلاقة الكهربائية على المرحاض، لماذا تتباعَد قصاصات الشَّعْر سريعًا بعضها عن بعض بمجرَّد اصطدامها بالماء؟

القارب المدفوع بالكافور من ألعاب التسلية القديمة التي أصبحت الآن شِبه منسيَّة. اصنع «قاربًا» خفيف الوزن من ورَقِ الألومنيوم، واصنع فتحة على شكل قَطْع إسفيني في مؤخِّرة القارب. دع القارب يطفو بعنايةٍ على الماء، وضع كتلةً صغيرة من الكافور (مادة كيميائية لا تُباع بوصفةٍ طبية تُشترى من الصيدليات) عند فتحة القارب. سيبدأ القارب على الفور في التحرك للأمام عادة. فكيف يتسبَّب الكافور الطافي على الماء في حركة القارب؟

إذا أسقطتَ قطعةً قصيرة من بعض أنواع الغراء (مثل لاصق ديفكون دوكو) في طبقةٍ ضحلةٍ من الماء فلماذا تترنَّح القطعة وتدور؟

الجواب: عند إلقاء قصاصات شعْر ماكينة الحلاقة الكهربائية في الماء يكوِّن الزَّيتُ الموجود في الشعيرات طبقةً رقيقة على الماء سُرعان ما تُقلِّل التوتُّر السطحي. ثم تُسحَب هذه الطبقة الرقيقة وقصاصات الشعر إلى الخارج بفعل التوتُّر السطحي الأكبر للماء المُحيط بهما، الذي لم يتغيَّر.

قلَّل الكافور، في القارب المدفوع بالكافور، التوتُّرَ السطحي في الماء عند مُؤخِّرة القارب؛ لأن جزيئات الكافور تحلُّ محلَّ جزيئات الماء فتضعف التوتر بين جزيئات الماء على السطح. يظلُّ التوتُّر السطحي للماء في مُقدِّمة القارب كما هو دون تغيُّر. يسحَب الماء المُجاور كلًّا من مقدمة القارب ومُؤخِّرته، لكن الشدَّ في مُقدمة القارب يكون أكبر، ومن ثَمَّ يتحرَّك القارب للأمام. ومع تحرُّك القارب حول الماء يتسامى الكافور تدريجيًّا في الهواء أو ينتشر في بقية الماء، ومن ثَمَّ لا يُصبح سطح الماء مُغطًّى بالكافور في النهاية، ممَّا قد يؤدي إلى توقُّف القارب.

إذا قطعتَ قطعة من الكافور لها طرف مُقوَّس ووضعتَها في الماء فإنها سوف تدور؛ فتركيز جزيئات الكافور في الماء المجاور للجزء المُقعَّر أكبر من ذلك المجاور للجزء المُحدَّب. والسبب في ذلك يعود إلى أنَّ جزيئات الكافور يمكن أن تتحرَّك بمزيدٍ من السهولة بعيدًا عن الجزء المُحدَّب. وهذه التركيزات غير المتساوية تجعل التوتر السطحي يُنتِج سَحبًا غير متساوٍ. فيُسحَب الطرف بدرجة أكبر عند الجزء المُحدَّب؛ ومِن ثمَّ تدور القطعة، ويقود الجزء المُحدَّب الجزء المُقعَّر في الدوَران.

وإذا أحاطت بقطعة الكافور حلقة طافية (وكانت مثلًا عشرة أضعاف حجم القطعة)، فإن القطعة الدائرة ستجعل الحلقة تدور في الاتجاه المُعاكس. وإذا وُضِع قارب الكافور في طريق على شكل الرقم ثمانية بالإنجليزية (طريقَين دائريَّين مُتصلَين في المنتصف)، فقد يتحرك القارب بطريقتَين: فمن المُمكن أن يظلَّ في إحدى الدائرتَين، فيَعبُر في المنتصف ويُغير اتجاه الدوران بين الدوران في اتجاه عقارب الساعة والدوَران في عكس اتجاه عقارب الساعة، أو من الممكن أن يعبُر المنتصف دون أن يُغير اتجاه دوَرانه. يعتمد الطريق الذي يسلكه القارب عند نقطة التقاطُع على أحداثٍ عشوائية نسبيًّا، لكنه يعتمد أيضًا على كمية الكافور الموجود أمام القارب في الطريقَين المُحتملَين. فإذا كان أحد الطرق لا يزال يحتوي على قدرٍ كبير من الكافور دون الطريق الآخر، فعلى الأرجح سوف يجذب التوتر السطحي الأقوى في الطريق الثاني القاربَ إلى ذلك الاتجاه.

وعند وضع قاربَي كافور في طريقٍ دائري أو في طريقٍ هندسي آخر، فسوف يؤثر الكافور الذي يتركه أحد القاربَين على سرعة القارب الآخر، وسُرعان ما ستُصبِح حركة القاربَين متزامنة حول الطريق، وسيكون القارب التابِع على مسافةٍ شِبه ثابتة من القارب المُتقدم.

عند إسقاط قطعتَين قصيرتَين من أنواعٍ مُعينة من الغراء في الماء، فإنهما يتحركان بتغيير التوتُّر السطحي في الماء المُحيط بهما على نحوٍ يُشبه الكافور كثيرًا.

(١٥١) بُقَع الزيت على الطُّرق

لماذا تكون بُقَع الزيت على الطُّرق بيضاوية الشكل عادةً، ويكون محورها الطولي موازيًا للتدفق المروري، وتتخذ في الغالب شكلًا حلقيًّا؟

الجواب: عندما تتسرَّب قطرة زيت من مَركبة مُتحركة فإن سرعتها في الهواء تكون في البداية مُساوية لسرعة المركبة. وإذا تجاوزت السرعة قيمةً حرجة مُعينة، تنتفِخ القطرة لتصبح فقاعة تُشبه فقاعة الصابون الموجودة على الحلقة الدائرية قبل انطلاق الفقاعة. وسُرعان ما ينفجر الجزء المُنتفخ من الفقاعة، وتتشظَّى الحافة إلى قطراتٍ صغيرة تأخُذ شكل حلقةٍ بيضاوية عند اصطدامها بالطريق. وإذا فحصنا الشكل بعد تكوُّنه بفترة قليلة فسيكون مُمكنًا تمييز بُقَع القطرة الصغيرة الواحدة.

ويَتحدَّد حجم قطرات المطر عن طريق عملية مُشابهة؛ فعندما تُصبح القطرة الساقطة كبيرة جدًّا ينفخها الهواء لتُصبح فقاعةً ثم ينفجر حَيِّزها الداخلي.

(١٥٢) أشكال قطرات الماء الساقطة على الجلسرين

لماذا يتكوَّن تدريجيًّا شكلٌ يُشبه الوردة عند سقوط قطرة ماء على طبقة رقيقة من الجلسرين؟

الجواب: يُصبح هذا النسَق أكثر إثارة للانتباه إذا لُوِّنَ الماء بملوِّن طعام. يؤدي التناثر إلى شطر القطرة إلى جزأين: في البداية يبرز من مركز التصادُم بقعةٌ مركزية ثم يظهر حول المُحيط حافة دائرية (تُشبه فنجان الشاي). وسرعان ما يبدأ الماء والجلسرين في الاندماج بعد طرْح الماء للخارج بعد التصادُم، ويبدأ الماء الموجود على السطح في التحرُّك مع الهواء. والسبب في الحركة هو اختلاف التوتر السطحي على السطح. ونظرًا لأن التوتُّر السطحي للماء أكبر من الجلسرين، فإن مزيج الماء والجلسرين ينسحب مركزيًّا على طول السطح العُلوي للداخل نحوَ الماء. ونظرًا لأن المائع الداخلي مُتأخِّر بفعل الجلسرين الموجود أسفله، فإنَّ هذه الحركة نحوَ المركز تُطلِق خلايا دوَران داخل طبقة الماء والجلسرين. وحول المُحيط الخارجي لمنطقة التناثر، يُعزِّز اختلاف التوتُّر السطحي الاختلافات العارضة في شكل الحدِّ الفاصل بين الماء والجلسرين. وخلال ١٥ ثانية يظهر شكل الوردة.

(١٥٣) أصابع زيت الزيتون على الماء المُغطَّى ببودرة التلك

في وعاءٍ ضحل نظيف صُبَّ طبقة رقيقة من الماء وانشُر كمية صغيرة من بودرة التلك (أي «بودرة الأطفال») على الماء. انفخ برفقٍ لتوزيع البودرة بالتساوي (يجب أن يبدو السطح ضبابيًّا وتكون الحبوب أصغر من أن تُرى). ثم اغمس طرف دبوس ورق مفرود في زيت الزيتون وضعْه لفترةٍ وجيزة جدًّا في منتصف الماء المُغطَّى ببودرة التلك.

إذا كانت كمية بودرة التلك صغيرةً وكانت الحُبيبات مُتباعدة جيدًا، فسيُحرك الزيت ببساطةٍ بودرة التلك إلى الخارج بحيث يُخلي منطقة شِبه دائرية. وإذا كانت كمية بودرة التلك كبيرة جدًّا، فلن يتمكن الزيت من تحريك بودرة التلك على الإطلاق، وسيمكث فحسْب على سطح الماء في صورة قطرة. أما إذا كانت كمية بودرة التلك متوسطة، فسرعان ما سيُظهر السطح نسقًا منتشرًا للخارج من النقطة التي لمسَها دبُّوس الورق. فما سبب تكوُّن النسَق؟

الجواب: ينتشر الزيت مُكوِّنًا طبقةً رقيقة، ربما «طبقة أحادية» في سُمك جزيء واحد. وفي حالة وجود قدْر قليل من بودرة التلك أو عدم وجودها على الإطلاق في الطريق، فإنَّ الزيت يدفع بودرة التلك بسهولةٍ إلى الخارج. أما في حالة وجود قدرٍ كبير من التَّلك في طريق الزيت، فالحُبيبات تُصبِح مُكتظة ولا تستطيع التحرُّك، ومن ثَمَّ يقبع الزيت في صورة قطرة. وفي موقعٍ وسيط لن تكون الحبيبات مُكتظة لكن سيُوجِد قدْر من الاحتكاك بين الحُبيبات يكفي لجعل الماء شديد اللزوجة. ومن ثَمَّ، يحاول الزيت الأقل لزوجةً شقَّ طريقه في مزيج بودرة التلك والماء الأكثر لزوجة.

ولا تصمد الواجهة الفاصلة بين السائل اللزِج والسائل الأقل لزوجةً أمام الاضطرابات العارضة التي تُرسِل الموجات على طول الواجهة وتتأرجح كل موجة من هذه الموجات ما بين تسرُّبات طفيفة جدًّا للزيت في التلك والماء وبين تسرُّبات طفيفة جدًّا للتَّلك والماء في الزيت. وبمجرَّد أن تسيطر إحدى الموجات تنمو تسرُّباتها سريعًا لتُكوِّن «أصابع» رفيعة. وعندما تُصبح أصابع الزيت أكبر حجمًا فإنها تمحو التَّلك تاركة طُرقًا خالية بوضوح في مناطق التلك.

وفي الغالب يُدرَس عدَم استقرار الأصابع على الواجهة الفاصلة بين مائعَين في خلية «هيل شو»، التي تتكوَّن من لوحَين من البلاستيك الشفَّاف يفصل بينهما حشيَّة مطاطية ضيقة. تُملأ الخلية بالمائع قبل تثبيتها وغلقِها، ثم يُحقَن مائع آخر في المنتصف عن طريق حقنةٍ مغروسة في ثُقب صغير في أحد اللوحَين. يتقدَّم المائع الثاني داخل المائع الأول في هيئة أصابع مُتسرِّبة، وبعض الأشكال يُشبِه السراخس، بينما البعض الآخر يُشبه بتلات الورد، وبعض الأشكال يكون من الصعب وصفُه بسهولة.

(١٥٤) مُذبذِب دُهن الدجاج

في وسط صحنٍ ضحل يحتوي على الأمونيا وسائل تنظيف الأطباق ضع قطرة دُهنٍ سائل من دجاجة مطهية. لماذا تنبضُ القطرة؟

الجواب: اكتشفَ جيفري ماي مُدرِّس الكيمياء في مدرسة كامبريدج في ويستون بولاية ماساتشوستس هذا الأثر في منتصف سبعينيَّات القرن العشرين أثناء محاولة نقْع مقلاةٍ استخدَمها لشيِّ الدجاج. وضع جيفري ماي الماء الساخن في المِقلاة ثم أضاف سائل تنظيف الأطباق والأمونيا، وما إن تكوَّنت بُقَع الزيت على السطح العلوي للماء حتى بدأت في النبض. وعندما غطَّى المِقلاة لمنع تبخُّر الأمونيا توقفت النبضات. لقد رأى دليلًا على وجود «غطاء يُشبِه الغشاء» يُحيط بكل بقعة؛ مما يُرجح وجود تفاعل بين جُزيئات الصابون والزيت.

وهذا شَبيه بالأنظمة الأخرى التي تظهر فيها ذبذبات في التوتر السطحي؛ فالأمونيا تفصل الزيت ببطءٍ عن دُهن الدجاج، فتسمح للزيت بالتشتُّت (الانتشار تدريجيًّا) على سطح الماء. ويُقلل وجود الزيت التوتُّر السطحي حول القطرة. ونظرًا لأن التوتُّر السطحي البعيد عن القطرة أقوى فإنَّ السائل المُحيط بالقطرة ينسحب دائريًّا إلى الخارج، فيجعل القطرة نفسها تتمدَّد إلى الخارج.

إلا أنه عندما ينتشر الزيت يجد جُزيئات الصابون الموجودة على سطح الماء. تصبح بعض أجزاءٍ من الزيت مُحاطة بجزيئات الصابون في تشكيلةٍ يُطلَق عليها «أفرون»؛ إذ يلتصق الطرف الكاره للماء (الذي لا ينجذِب للماء) في كلِّ جُزيء صابون بالزيت، ويلتصق الطرف المُحبُّ للماء (المُنجذِب للماء) بالماء. وعندما يُصبِح الزيت مُحاصرًا، يزداد التوتُّر السطحي للماء ممَّا يسمح للقطرة بالاسترخاء والانسحاب إلى الداخل.

ثم تُعاد دورة التمدُّد والانكماش لأنَّ الحركة الخارجية للزيت على سطح الماء تتسبَّب في حركةٍ داخلية للماء والأمونيا الموجودة داخل الماء؛ ومن ثَمَّ تصل الأمونيا الجديدة إلى قطرة الدُّهن لتبدأ الدورة التالية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠