الحب والموت فوق منضدة واحدة

كانت أختي الصغرى ليلى تُشاركني الغرفة، ما إن دخلت الجمجمة من فرَّاش المشرحة حتى خرجت هي بسريرها ومكتبها الصغير.

لم يعد أحد من البيت يدخل غرفتي، أبيتُ طول الليل وحدي مع ذلك «الميت» المجهول، يطل رأسه من فوق المكتب بجوار سريري، عيناه حفرتان كبيرتان داخل عظام الجمجمة.

قبل أن تنام أمي تقرأ سورة يس، تَطرُد بها الروح الشريرة من البيت، لكن الحياة سرعان ما تغلَّبت، واكتسحت العادة الشيء غير العادي، أصبحت أمي تدخل غرفتي تَنفض التراب عن كتبي وأوراقي، تمسح رأس الميت بالفوطة الصفراء، تدسُّ طرف الفوطة داخل العين والأذنين والأنف والفم، تزيل عنها التراب، تنظر داخل البئرين العميقتين حيث كانت العينان، ثُمَّ تتنهد بصوت مسموع: «الدنيا فانية، والبني آدم آخرته التراب» … سحابة شفافة من الحزن تكسو عينها، سرعان ما تنقشع وهي تنظر إلى عينيها السلبيتين يملؤهما ضوء الشمس تُبدِّد سحب الصيف الرقيقة، أسمعها تضحك: «الدنيا ما تستاهلش إننا نزعل عليها أو نأخذها جد.» ضحكتها ترن في البيت، الضحكة الطفولية القديمة، كَرَنين الماء الرقراق داخل إناء من الفضة، تخلع جلباب البيت والشبشب، ترتدي فستانها الحريريَّ الأصفر ذا الحمالات الرفيعة، يَكشف عن كتفيها البيضاوين كالرخام، تجلس أمام المرآة «التواليت» تكحل عينيها، تمرُّ بالفرشاة على خديها البارزتين، يُصبح لهما لون الورد الأحمر، تضغط بإصبع الروج على شفتيها فتُصبحان مثل ثمرتي الكريز وسط وجهها المستدير الأبيض بلون القمر، تَرتدي في أذنيها الحلق الألماظ، طويل رفيع، فصوصه تلمع وتهتز مع اهتزازة رأسها، تُطلق سراح شعرها الذهبي الناعم فوق كتفيها العاريتين، تحوط عنقها الرخامي الأبيض بالعقد لألماظ، تُسميه «البانتانتيف»، ترتدي حول معصمها الأيمن الأسورة الذهبية ذات الفصوص الألماظ وتُسمِّيها «الشبكة» التي شبكها بها أبي في السنارة أو مصيدة الزواج، حول المعصم الأيسر ترتدي الساعة الرقيقة الحريمي ذات الفصوص الألماظ الصغيرة والأرقام الدقيقة غير المرئية بالعين المجردة، حول إصبعها الخاتم «السوليتير» له فصٌّ كبير من الماس، والخاتم الذهبي الرفيع منقوش عليه من الداخل اسم أبي.

قدماها الصغيرتان البضَّتان تتقوَّسان داخل الحذاء ذي الكعب العالي الرفيع، تتمشى فوقه من غرفة إلى غرفة، ثُمَّ تستقر في النهاية داخل المقعد في الفرندة وتطلُّ على السماء وأطراف الأشجار من بعيد، تصنع لنفسها كوبًا من عصير البرتقال أو الليمون، تعود إلى مقعدها في الفرندة، ترشف العصير على مهل، تتأجَّج عيناها بالنشوة كأنما هي ترشف الخمر، أذناها مرهفتان تنتظران صوت جرس الباب، تحفظ الطريقة التي يدقُّ بها أبي الباب، تعرف موعد عودته إلى البيت بالدقة، كان مثل الساعة شديد الانضباط، لم يكن في حياته إلا وظيفة الحكومة، وزوجة واحدة هي أمي، وتسعة من العيال.

في الفرندة كنت أراهما «أبي وأمي» جالسين معًا يرشفان عصير البرتقال أو الليمون ويَسكران … تنطلق ضحكاتهما في أنحاء البيت إلى حدِّ القهقهة العالية. قد يلعبان معًا الكوتشينة أو الطاولة، تَنهزم أمي دائمًا وتنتفخ أوداج أبي مثل الديك الرومي أو الطاووس، يمدُّ ساقيه ويسترجع ذكريات البطولة، ثورة ١٩ أول هذه الذكريات، ثُمَّ نجاحه بامتياز في كلية دار العلوم، وأخيرًا انتصاره في الزواج من أمي رغم عراقيل أبيها شكري بيه. تضحك أمي وتلقي بشعرها الذهبي الناعم خلف عنقها الرخامي: «فاكر يا سيد لما المرحوم بابا قالك نجوزك فهيمة بدل زينب، وقلت له يا زينب يا بلاش.» تضحك أمي وتُكركر، ضحكتها المتقطعة كالماء المقطَّر داخل قلة من الفخار الرقيق: «لكن اشمعنى يعني زينب، هو انت كنت شفت شكلي إيه؟!» تتأجَّج عينا أبي، تشتعلان بالبريق وهو يرمق استدارات الجسد الأنثوي الناعم إلى جواره: «يعني كنت حاشوفك فين يا زينب، لكن أمي الحاجة مبروكة وصفتك لي حتة حتة، والأذن تعشق قبل العين أحيانًا.»

هنا يَبلغ العشق ذروته، فينهض أبي ومعه أمي يختفيان داخل غرفة نومهما، من وراء الباب المغلق أسمع الهمسات مع طقطقات السرير النحاسي مع القهقهات والشهقات والزفرات كالنشيج والضَّحِك في آنٍ واحد.

•••

أمام غرفة الطالبات كانت حديقة صغيرة جرداء إلا من شجرة كافور كبيرة، أجلس تحتها أشرب الشاي بالنعناع … مبنى كلية الصيدلة مُلاصق لنا، تأتي سامية وصفية، ونستعيد الذكريات القديمة، قد تُشاركنا «بطة» وغيرها من زميلات الطب أو الصيدلة، نرشف الشاي بالنعناع أو القهوة باللبن ونحكي الحكايات. قصص الحب في المشرحة كانت أكثر منها في الصيدلة، الزملاء السينيور يقعون في غرام الطالبات الجونيور، من فوق الجثث تتلاقى العيون وتقفز القلوب … تشتد الخفقات تحت الضلوع، يجتمع الحب والموت فوق منضدة واحدة كأنما هما توءمان، أمهما واحدة وأبوهما على طرفَي نقيض، غريمان مجهولان مُتنافسان، لا شيء يجمعهما إلا تلك الأم الواحدة.

فوق منضدة التشريح تتقارب رءوس الزميلات، لا يكفُّ الهمس والهسيس، الشهقات المتقطعة المكتومة والقفشات، بطة تحكي آخر نكتة، نموت من الضحك، الزملاء يموتون من الغيظ أو ربما الإعجاب، تأتي الرسائل داخل الكشاكيل أو بين طيات كتاب «كانينجهام»، رسائل معطَّرة بالحب والفورمالين، كان الزملاء يستعيرون كشاكيل المحاضَرات من الزميلات، يقترب الزميل من الزميلة بخطوات متعثرة، خجول، والدم يتصاعد إلى وجهه كالعذراوات: «محاضرة الدكتور البطراوي فاتتني يا زميلة، يا ترى أقدر استلف الكشكول بتاعك؟!» «أيوة يا زميل.» «متشكِّر أوي يا زميلة.» ثُمَّ يأتي طالب آخر تقع عينه على واحدة أخرى من الزميلات: «أنا نسيت (كانينجهام) في البيت، يا ترى أقدر استلف كتابك يا دكتورة؟» «أيوة يا دكتور»، «متشكِّر خالص يا دكتورة.»

منذ دخلنا المشرحة ونحن نتبادل لقب دكتور ودكتورة والكشاكيل والكتب، ما إن يعود إلى الواحدة مِنَّا كتابها أو كشكولها حتى تُخفيه تحت الجثة أو فوق ركبتها تحت المنضدة، تفتحه خلسة بعيدًا عن العيون، تخفي الرسالة في جيبها أو حقيبتها، تُخرجها من حين إلى حين تتشممها: «الله على ريحة الفورمالين يا زميلات!» تَنطلق الشهقات المكتومة والقفشات، وتتأجَّج العيون بغريزة الاستطلاع.

أحد الزملاء السينيور كان يتردَّد على منضدتنا كثيرًا، يُمسك المشرط بين أطراف أصابعه مُقلِّدًا أستاذ التشريح، ويشرح لنا: «لا يا زميلة، انتي ماسكة المشرط غلط، مش كدة التشريح، هاتي أوريكي!» … «لا يا دكتورة! مش كدة تمسكي الملقاط، ده ملقاط مشرحة مش حواجب لا مؤاخذة!»

تكتم البنات الضحك، يرمق الزميل السنيور بطرف عينٍ تلك التي جاء من أجلها، يتفادى النظر إليها مباشرةً كأنما هي غير موجودة … إلا أننا كُنَّا نعرف، فالحب وإن اختفى لا يختفي، وهو لا يكفُّ عن الشرح لنا، لا يفارق منضدتنا، «خلاص فهمنا يا دكتور.» يحمل مشرطه ويعود إلى منضدته، تحوم عيناه من بعيد … تدوران في المشرحة حول الوجوه، تستقرُّ في النهاية عند منضدة الزميلات.

تلكزني بطة في كتفي: «شايفة الواد السينيور اللي هناك ده؟» «أيوة ماله؟» «عينه على البت صفية.» «حرام عليكي يا بطة، ده ولد طيب.» «قصدك أهبل.» «مش قصدي.» «على العموم الهُبل هم اللي بيقعوا في الحب يا نوال، والطلبة الواعيين زي القرود، عينهم على خمسة عين!» «خمسة عين يعني إيه يا بطة؟» «يعني عيادة وعربية وعزبة وعمارة وعروسة.»

تشهق بطة بالضحك: «طبعًا يا نوال، العروسة دي آخر حاجة، بعد ما يحوش الفلوس من العمارة والعيادة، يروح يخطبها من أبوها الباشا ويجوزها على طول، لا حب ولا يحزنون!»

•••

عام ١٩٥١م انتقلت إلى سنة ثانية مشرحة بدون امتحانات، سيكون الامتحان الصعب آخر هذا العام، يشمل العلوم كلها التي درسناها في عامين اثنين ومنها التشريح، أكبر مدرج «علي باشا إبراهيم» يتَّسع لمئات الطلبة، نتلقى فيه المحاضرات وتُعقَد فيه الندوات والاجتماعات الكبيرة أو الاحتفالات. كنتُ أشارك الطلبة في هذه الأنشطة خارج نطاق الطب، أخرج معهم في المظاهرات، نهتف ضد الملك والإنجليز، في عيد الهجرة النبوية يَدعوني زعيم الطلبة من الإخوان المسلمين لإلقاء كلمة، وفي الاحتفال بإلغاء معاهدة ٣٦ يَدعوني زعيم الطلبة الوفديِّين للمشاركة بإحدى الخطب … في عيد العمال يأتي إليَّ زعيم الطلبة الشيوعيين ويطلب منِّي مقالًا لمجلة اسمها «الجميع»، في الندوات الثقافية أو الفنية أتلقَّى الدعوة للمشاركة بقصة قصيرة أو قطعة أدبية.

كنت الطالبة الوحيدة في الكلية التي تلقي الخطب في المناسبات، وتكتب القصص والمقالات، كان طلبة الطب كغيرهم من طلاب الجامعة يُصدرون المجلات، وكنتُ أحبُّ الأدب والفن أكثر من الطب، لم أتوقف منذ المدرسة الثانوية عن كتابة القصص وتسجيل خواطري في مفكرتي السرية، في أحلامي لا أرى نفسي طبيبة، وإنَّما كاتبة أديبة، ترمقني الزميلات بنظرات ساخرة: «أديبة إيه وكلام فارغ إيه، هو الأدب في بلدنا يوكل عيش يا نوال؟!»

أغلب زعماء الطلبة كانوا في السنة النهائية أو الخامسة … ننظر إليهم ونحن في المشرحة كأنما هم عمالقة، كانت السنة النهائية في الطب تبدو لنا بعيدة أبعد من نجوم السماء، من هؤلاء الطلبة كان هناك اثنان يُصدِران مجلة اسمها «طلبة القصر العيني»، أحدهما طويل القامة نحيل الجسم اسمه «كمال كشميري»، والثاني قصير مربع اسمه «أحمد يونس» … يسيران في الفناء معًا لا يفترقان، كالتوءمين، يدخلان إلى المشرحة معًا، يتجهان إلى منضدة الطالبات حيث أكون: «يا زميلة نوال، عاوزين منك مقال للعدد الجاي أو قصة قصيرة.»

أول مرة أرى حروف اسمي مطبوعة كان في هذه المجلة، حملقتُ في الحروف السوداء المنقوشة فوق الورق الأبيض، كأنما هي منقوشة فوق وجه القمر أو قرص الشمس، محفورة بالرصاص في السماء، راسخة في الكون مثل الكواكب والأفلاك.

كلما أرى واحدًا من الطلبة ممسكًا بالمجلة أتصور أنه لا يقرأ فيها إلا مقالي، كان بعنوان «طلبة الطب كما أراهم»، ضحك أبي كثيرًا حين قرأ المقال: «عندك ملاحظة دقيقة يا نوال، ووصفك للتفاصيل مدهش!» كيف وصفتُ الطلبة؟! لا أذكر، لكن المناخ العام في كلية الطب لم يكن يروقني، أكثر الطلبة من النوع الصمَّام، يحفظون المحاضرات عن ظهر قلب، يَتنافَسون في الدخول من باب المدرَّج، يدوسون على أقدام الزميلات، يَحجزون مقاعد الصفوف الأمامية أمام السبورة، ينكفئون فوق الكشاكيل يَكتبون كل كلمة تسقط من فم الأستاذ.

في نهاية العام تصبح عيونهم حمراء، تتورَّم جفونهم، تشحَب وجوهُهم، تتقوَّس ظهورهم وهم يُسرعون من مدرَّج إلى مدرَّج، أنفاسهم تلهث، أفواههم مفتوحة، ولا شيء يلوح لهم إلا شبح الامتحان، وصفتُ أيضًا بعض زعماء الطلبة من الأحزاب المختلفة.

كان زعيم الإخوان قصيرًا ممتلئ الجسم أبيض البشرة، له رأس مربع يشبه رأس أبي الهول، وصوت جهوري، يقف على المنصة ويُلقي خطبة طويلة في عيد الهجرة النبوية، يحكي قصة العنكبوت التي كنت أحكيها وأنا تلميذة في حلوان الثانوية، يضرب بقبضة يده على منضدة المنصة، يحرك ذراعيه في الهواء، يُسبِّل جفونه، يُبربش، يبلل شفته السفلى بطرف لسانه، يرفع عينيه نحو السقف، يتسرب الطلبة من المدرج دون أن يَشعر بهم، يواصل الخطبة دون أن يسمعه أحد كأنما يكلم نفسه أو يخاطب السماء.

زعيم الوفديين كان طويلًا نحيفًا مقوَّس الظهر أسمر الوجه … يَقفز فوق المنصة، يخطف الميكرفون من الزعماء الآخرين ويهتف بصوتٍ عالٍ: «يحيا النحاس باشا.» لا أحد يرد عليه … ينسحب أحد الطلبة من لسانه: «مش عاوزين هتاف وخطب، عاوزين كلام يدخل العقل.»

يتقدم نحو المنصة زعيم الطلبة في الحزب الوطني، طبيب امتياز يَرتدي بدلة أنيقة، طويل ممشوق مرفوع الظهر، يَمشي فوق المنصة كالطاووس … يُمسك المَيكرفون بيد واحدة … وفجأة يدوي صوته الجهوري في المدرَّج … كان اسمه فؤاد محي الدين، أصبَح رئيسًا للوزارة في عهد السادات، ثُمَّ مات فجأة منكفئًا فوق وجهه في مكتبه. يتبعه في إلقاء الخطب زميل له اسمه إبراهيم الشبيني، قامته أقل طولًا، بدلته أقلُّ أناقة، لكن صوته ليس أقل ارتفاعًا، تعرَّفتُ عليه أكثر حين جمعنا مكتب واحد في وزارة الصحة.

إحدى المجلات في الكلية كان اسمها «الجميع»، كان يصدرها طالب في نهائي طب معروف بأنه شيوعي، يمشي في الفناء بخطوة واسعة سريعة، رأسه منكفئ قليلًا إلى الأمام كأنما يَنطح أحدًا، يحرك ذراعيه بقوة في الهواء، يدخل إلى المشرحة ويتجه مباشرةً إلى منضدة الطالبات، يتكلم بلغة عربية فصحى ويضغط على مخارج الألفاظ: «يا زميلة يا نوال، أنا أجمع كفاءات الكلية في مجلة «الجميع»، وأريد منك قصة أو مقالًا عن المظاهرة الأخيرة، أنا اسمي يوسف.»

رنَّ اسمه في أذن الزميلات يسري، ربما ضاع حرف الفاء الأخير من كلمة يوسف في الضجة خارج المشرحة، كانت هناك مظاهرة تتجمَّع في الفناء، لم تكن المظاهرات تكفُّ منذ إلغاء المعاهدة في أكتوبر ١٩٥١م حتى حريق القاهرة في يناير ١٩٥٢م.

لم تكن زميلاتي يشتركن معي في المظاهرات، يَشعُرون بالنفور من كلمة السياسة والأحزاب، أكثر ما يفزعهن هو دخول ذلك الشيوعي إلى المشرحة واقترابه من منضدتنا، ما إن يَرونه حتى يهتفْن في نفَس واحد: يسري الشيوعي جاي أهوه يا نوال! يا دي المصيبة! وتَنتفِض صفية فوق مقعدها، تذكر أخاها الأكبر: «اسمعي يا نوال، مش عاوزين شُبهة هنا كمان، أنا مش ناقصة مشاكل.» وتقول «بطة» وهي تمطُّ شفتَيها باشمئزاز: «وكمان له تبريئة كأنه قاتل واحدة.» وتَنفجر الزميلات في الضحك: «صحيح والله، عليه بصة مخيفة زي أتال الأُتَلا.»

في إحدى المرات سألته بطة قائلةً: «انت شيوعي بسحيح (بصحيح) يا يسري؟!» تركزت عيناه اللامعتان في عينيها وقال: «أنا بسحيح اسمي يوسف مش يسري»، وضحكت الزميلات، وعرفنا أنه رئيس تحرير مجلة «الجميع»، واسمه يوسف إدريس، وقد أصبح هذا الاسم فيما بعد من الأسماء اللامعة بين الأدباء في مصر.

لم أكن أفهم ماذا تعني كلمة الشيوعية، هي والإلحاد والكفر والفساد والانحلال كانت مضمومة في أذهان الزميلات داخل سلسلة واحدة … سامية كانت صديقتي الأولى الشيوعية، تجلس معنا في غرفة الطالبات صامتة، شَفتاها لا تَنفرجان عن ابتسامة، تَنفجر البنات بالضحك وهي جادَّة رصينة لا تضحك، تحكي الزميلات عن قصص الحب، عن رسائل الغرام داخل الكشاكيل، تمطُّ سامية شفتيها كما كانت تفعل في مدرسة حلوان وتقول: «الواقع يا بنات إن البلد في أزمة وانتم مشغولين بالكلام الفارغ!» لم تكن سامية تَعترف بوجود شيء اسمه «الحب»، ده شغل عيال يا نوال … دي رومانتيكية فاضية … دي مراهقة طفولية برجوازية، اسمعي يا نوال، لازم أحكي لك عن «ماركس» شوية.

أول مرة أسمع فيها عن اسم «ماركس»، رنَّ في أذني يُشبه اسم «مركس» أو «مرقس» (حين تنطقه بطة)، الحبيب الأول لصفية وهي في حلوان الثانوية … تصورت أن سامية قد وقعت (مثل صفية) في حب رجل قبطي، إلا أن سامية ضحكتْ، لأول مرة في حياتي أراها تضحك، وقالت: «ده شيوعي مش قبطي يا نوال»، «يا نهار أسود يا سامية، ده القبطي أحسن، على الأقل من أهل الكتاب، لكن الشيوعي ملحد وكافر.»

كانت هناك مجلة أخرى في الكلية اسمها «شُعلة التحرير»، يصدرها طالب في سنة رابعة أو خامسة اسمه أحمد حلمي، لم يكن يدخل المشرحة أو يقترب من الطالبات، كان أحد زعماء الكلية، يتكلم في المناسبات الوطنية بصوت هادئ، يُنصِت إليه الطلبة باهتمام أكثر، يخفي عينيه وراء نظارة شمس، سمعنا أنه أحد الفدائيِّين في قناة السويس، يختلف عن الطلبة الآخرين في كل شيء، لا نراه في الكلية إلا نادرًا، تحوطه هالة من الغموض.

كان لبعض الأساتذة في الكلية اهتمامات وأنشطة أخرى خارج الطب؛ منهم الدكتور «سعيد عبده» أستاذ الصحة العامة، كان يكتب في الصحف عمودًا تحت عنوان «خدعوك فقالوا»، وكان يحبُّ الأدب والشعر مثل الدكتور إبراهيم ناجي الذي مات قبل أن أتعرَّف عليه. أستاذ الكيمياء الحيوية «البيوكميستري» كان اسمه الدكتور «شفيق الريدي»، يحضر أحيانًا الحفلات الثقافية والغنائية، يجلس في الصف الأول مع الأساتذة. أحد الطلبة كان يهوى الموسيقى والغناء اسمه «حسونة»، سمين مربع الجسم، يَعزف العود فوق المنصة، ويغني: «يا ريدي البس نضارة! خبي عينك السحارة! يا ريدي آه يا ريدي!»

كان للدكتور الريدي عينان مشهورتان في الكلية، لونهما أخضر أو أزرق، يَكسوهما البريق … تنجذب إليهما عيون الطلبة والطالبات، يتمشى كالطاووس في الفناء، يركب سيارته الطويلة الفاخرة، ترمقه عيون البنات من نوافذ المشرحة، تشهق بطة: «يختي عليه وعلى حلاوته» … تردِّد الأخريات في نفس واحد: «قمر والله.» «يا أرض اتهدي ما عليكي أدي.»

لم أكن أنجذب إلى هذا النوع من الوسامة في الرجال، أواصل التشريح دون أن أرفع عينيَّ نحو الفناء، تشد «بطة» المشرط من يدي وتقول: «بصي يا نوال متَّعي عينك قبل ما نموت ونبقى زي الجثة دي!»

«هاتي المشرط يا بطة بلاش مسخَرة والامتحان قرَّب.» «امتحان إيه وزفت إيه، أنا عاوزة عريس زي الريدي يا بلاش، بصي على العربية بتاعته! تجنن! دي كاديلاك دي ولا إيه يا نوال؟!» «أنا ماعرفش في العربيات، هاتي المشرط!» «أمال تعرفي في إيه يا فالحة؟! في المظاهرات وتحرير الوطن! أنا عاوزة أتجوز! يا ريدي آه يا ريدي.» وتنفجر البنات بالضحك المكتوم.

اسمها الحقيقي كاميليا، يُنادونها بطة، وهي تشبه البطة، قصيرة سمينة مربعة الجسم، تتأرجح في مشيتها فوق الكعب العالي الرفيع، تُكركر بالضحك بصوت الدواجن، صوتها يُسرسِع إذا ارتفع مثل الجرس، شفتاها ممتلئتان باللحم، تَصبغهما بالروج الأحمر، يداها صغيرتان بضتان ناعمتان، أظافرها طويلة مدببة كالمخالب، مطلية باللون الأحمر.

لم تمسك بطة المشرط في يدها طوال العامين في المشرحة … تخاف على أناملها الرقيقة من الفورمالين، كان من السوائل الحارقة، يُشقِّق الجلد ويُطفئ لمعة الأظافر، لم تُقبل واحدة من الزميلات على الإمساك بالمشرط، يكتفين بالجلوس والفرجة على التشريح أو القراءة من كانينجهام مع النظر إلى صور الكتاب.

كان الدكتور البطراوي يمرُّ علينا في المشرحة، له قامة طويلة فارعة تشبه قامة أبي، شعره أشيب، جبهته عريضة، لصوته بحة تَنجذب إليها الأذن، يميل إلى الفكاهة والسخرية، يراني واقفة في يدي المشرط والزميلات جالسات حول المنضدة: «مافيش واحدة منكم عاوزة تمسك المشرط؟ طبعًا خايفين على صوابعكم الناعمة! حتبقوا دكاترة إزاي يا هوانم؟!»

يضحك الدكتور البطراوي بصوته العالي يملأ المشرحة بجو من المرَح، يرمقني بنظرة تُشبه نظرة أبي: «براڤو يا بنتي، انتي اللي فيهم، وريني عاملة إيه؟ عال عال! براڤو، لكن واحدة من القوارير دي لازم تساعدك!»

تَنكمِش الزميلات كالدجاجات فوق مقاعدهنَّ، يغطِّين أفواههنَّ بأيديهن، ويُكركرن بالضحك المكتوم، يضحك الدكتور البطراوي رافعًا قدمه فوق المقاعد الخالية: «مش كدة ولا إيه يا ست بطة؟» تتشجَّع «بطة» وتفتح فمها قائلةً: «رفكًا بالكوارير يا دكتور!» تتحول ضحكة الدكتور الأستاذ إلى قهقهة عالية، وتتجه عيون الطلبة إلى منضدة الطالبات: «رفكًا بالكوارير دي إيه يا بطة هانم، مش عارفة تنطقي حرف «القاف» وتقولي «القوارير»، أمال حتطلعي دكتورة إزاي وتكلمي العيانين الفلاحين، واللا الصعايدة اللي يجولوا الجوارير، ولا إيه رأيك يا دكتور عمرو؟!»

إلى جواره كان الدكتور عمرو «المدرس أو التيوتر»، يقف مشدودًا مثل الجندي في حضرة الضابط، ذراعاه مَعقودتان حول صدره، يهز رأسه موافقًا على أي كلمة تخرج من فم الأستاذ … لكن ما إن يختفي الدكتور البطراوي حتى يفرد الدكتور عمرو ذراعيه وساقيه، يتمشى في المشرحة مثل الطاووس، يقلِّد الأستاذ في طريقة المشي والكلام، يضحك بصوته العالي ويُطلق على الطالبات اسم القوارير، يمتلك سيارة طويلة تشبه سيارة الدكتور الريدي، ليس في رأسه شعرات بيض وليس في إصبعه خاتم زواج أو خطوبة، تَرمقه بطة بعينيها السوداوين المكحلتين: «آهه، ده العريس المناسب مش التلبة (الطلبة)، دول شوية العيال، مفيش فيهم إلا «هشام موغو» (مورو)!»

كان زميلنا في المشرحة يجلس إلى المنضدة المُجاورة لنا، أبوه مورو باشا، أصبح عميد الكلية، أبيض البشرة، متورِّد الوجه، طويل، ممشوق، بدلته أنيقة، لا يرتدي معطف المشرحة الأبيض، لا يظهر إلا نادرًا، لا يحضر المحاضرات، لا يشترك في المظاهرات، لا يُمسك بين أصابعه القلم أو المشرط … يداه ناعمتان، يحرِّك بينهما سلسلة ذهبية تتدلى منها مفاتيح السيارة، ما إن تلمحه بطة حتى تشدَّ المشرط من يدي: «كفاية تشريح يا فالحة! فاكرة نفسك حتطلعي الأولى علينا! لا يا عزيزتي! إحنا هنا في كلية الطب، وإذا كان أبوكي العميد أو واحد من الأساتذة الكبار تطلعي الأولى علطول من غير ما تتعِبي عينيكي في قراية كانينجهام، ولا توسخي إيدك في الزفت الفورمالين!»

كانت بطة تعرف أشياء لا نعرفها، أحد أقرباء أمها أو أبيها كان أستاذًا في الكلية، تُطلِق عليه اسم «أونكل محمود»، ربما كان ابن عمِّ خالة أمها، لكنها تتحدَّث عنه كأنه أبوها.

حول منضدة التشريح يدور الحديث بين الزميلات حول شجرة العائلة وفروعها في أقسام الكلية، ثُمَّ ينتقل الحديث إلى الخطوبة والزواج، واحدة منهنَّ خطبها أحد المدرِّسين في الكلية، تفتح حقيبتها وتُخرج الشبكة لتُفرج عليها البنات، تقرصها بطة في ذراعها أو فخذها: «عشان يبقى الدور الجاي عليَّ أنا، وطبعًا جهاز العروسة من بونترمولي (تنطقه بونتغمولي) في شارع سليمان باشا.» وينتقل الحديث من الشبكة إلى جهاز العروس، ثُمَّ إلى الأزياء والمودات الحديثة، وماركات السيارات الأخيرة، وأنواع الأحذية والكعوب، ابتداءً من الدبابة الخشبية العالية إلى الكعب الرفيع المدبَّب من الفضة أو الألومونيوم، وأقلام الروج من الأحمر الفاتح (ناتوريل) إلى الأحمر الداكن بلون الدم الأزرق.

كانت صفية أقرب الزميلات إليَّ، لا تَصبغ شفتَيها ولا ترتدي الكعب العالي، تشاركني رياضة التنس أو البنج بونج يوم الخميس من كل أسبوع، تجتاز الكوبري الصغير فوق فرع النيل بين القصر العيني القديم والقصر العيني الجديد (مستشفى المنيل الجامعي)، ندخل إلى الفناء الواسع، به أشجار وأحواض زهور، ترتفع الساعة (تُشبه ساعة الجامعة في الجيزة) فوق السلالم الرخامية عند مدخل الإدارة، ملاعب الكلية على اليسار تحتلُّ مساحة خضراء كبيرة، يحوطها سور حجري عالٍ، نرتدي الأحذية الكاوتش في غرفة صغيرة، لم تكن التقاليد تسمَح للبنات بارتداء الشورت القصير الذي يكشف عن الفخذين، الجونلة البيضاء ذات الكشاكيش أو الشورت الطويل يغطي الركبتين.

كان يشاركنا اللعب الطلبة، منهم زميل لنا في المشرحة اسمه حسين كامل بهاء الدين، شَعره أسود ناعم يفرق على جنب، يمشي مطرق الرأس، ينظر إلى الأرض، أطلقَت عليه صفية اسم التلميذ المؤدَّب، لا يتكلم ولا يشارك في المظاهرات أو الاجتماعات السياسية، لكنه أصبح فيما بعد من رجال السياسة مع علي صبري في عهد جمال عبد الناصر، ثُمَّ وزيرًا للتعليم في عهد مبارك.

زميل آخر لنا اسمه أحمد المنيسي، كان يُشاركني الطاولة الخشبية في معمل الكيمياء الحيوية «البيوكميستري»، نتبادل زجاجات الأحماض وأنابيب الاختبار، أصابعه وهو يمسك أنبوبة الاختبار ترتعش قليلًا، لا ترتفع عيناه إلى وجهي، ويصعد الدم إلى وجنتَيه إذا بادلني الحديث، في يوم سمعته يقول دون أن يحرك رأسه ناحيتي: «يا ترى أقدر أستلف منك كشكول البيوكميستري، عاوز أنقل المحاضرة اللي فاتتني امبارح.»

ناولته الكشكول، في اليوم التالي أعاده إليَّ، بين أوراقه وجدت الرسالة الصغيرة مطوية، فتحتها وقرأت هذه العبارة الوحيدة: «ستكون صورتك أمامي وأنا أقاتل في سبيل الله والوطن.»

كلمة «أقاتل» خمسة حروف، أصبحت تلوح لي في النوم، ماذا يعني؟ هل يشترك في حرب العصابات في القنال؟ أيُمسك السلاح في يده ويقتل الإنجليز؟ هذه اليد التي تَرتعش وهي تمسك أنبوبة الاختبار؟ لكنَّ أنفه من الجانب مرفوع، يرسم في الجو قوسًا حادًّا، أيكون هذا هو أنف الفدائيين؟!

كلمة الفدائيِّين كان لها رنين ساحر، الدقات تحت ضلوعي تتصاعد، في النوم أراه يضرب الأعداء واحدًا وراء الآخر، يتساقطون إلى الأرض وهو واقف شاهرًا سيفه، قامته فارعة مثل قامة أبي، يَحملونه عاليًا فوق الأعناق، تتطاير رصاصة في الجو وتستقر في صدره، يسقط إلى الأرض ينزف الدم، يحملونه فوق عربة كارو، يضع يديه فوق قلبه تحت الضلوع، يستخرج شيئًا يمسكه بين أصابعه المُرتعشة، ثُمَّ يفتح أصابعه لأرى صورتي! لم يكن عندي إلا صور قليلة منها صورة الشهادة التوجيهيَّة، التقطها لي مصور في منوف ضخم الجثة يَعرج على قدمين متورمين، يلتوي إلى الوراء حين يمشي، ربما أُصيب بمرض الفيل أو شلل الأطفال وهو صغير، جسدي كان يرتعد حين ألتقي به في طريقي إلى المدرسة، جاء إلى بيتنا حاملًا صندوقه فوق ظهره كمن يَحمل صليبه ويمشي، أوقفني في الحقل أمام البيت والشمس في عيني، وضع رأسه داخل الصندوق الخشبي ثُمَّ اختفى نصفه الأعلى تحت خيمة سوداء، رفع ذراعه اليمنى في الهواء وصاح بصوتٍ يُشفه صفارة الإنذار في الحرب: «انتباه! واحد اثنين ثلاثة! كان المفروض في هذه اللحظة (حسب أوامره) أن أتوقف تمامًا عن الحركة أو التنفس، وأفتح عيني وأغلق فمي، إلا أن العكس هو الذي حدث، إذ اهتزت الأرض تحت قدمي، وتركَّزت الشمس القوية الحارقة في العين السحرية الجاحظة من رأس الصندوق الأسود.

كنت أحفظ هذه الصورة مع أوراقي الخاصة ومفكرتي السرية في درج صغير أسفل مكتبي أغلقه بالمفتاح. كانت هناك صور أخرى لي التقطَها أخي طلعت، منها صورة تشبه إستر ويليامز أو سامية جمال، فوق وجهي ابتسامة عريضة، عيناي يكسوهما بريق كضوء الشمس.

كنت أهدي هذه الصورة إلى صديقاتي البنات، نتبادل الصور، نَكتُب عليها من الخلف للذكرى والتاريخ.

لم تكن الصداقة تَحدث إلا داخل الجنس الواحد، لا شيء اسمه الصداقة بين الجنسين، لا يمكن لبنت أن تُعطي صورتها لرجل ليس زوجها أو خطيبها على الأقل، قد يحدث في الحب أشياء خارقة للعادة والتقاليد، كأن تُهدي البنت صورتها دون أن تكتب عليها حرفًا واحدًا، كان يكفي أن تسقط هذه الصورة في يد شخص حتى تَسقُط البنت في نظر الناس.

منذ الرسالة داخل الكشكول لم أرَ «المنيسي» إلا مرة واحدة أخيرة، في معمل البيوكميستري، حرك رأسه ناحيتي وابتسم على غير العادة، عيناه ملأهما بريق، رموشه سوداء غزيرة تهتزُّ، أصابعه حول أنبوبة الاختبار قوية صلبة رغم الرعشة الخفيفة، انفرجَت شَفتاه كأنما يقول شيئًا، صوته خافت لا أكاد أسمعه: «عاوز صورتك معايا.»

كنت فتاة مثالية، لا تُهدي صورها وإن خفَق قلبها بالحب، لم يكن قلبي يخفق له كما خفق في الحب الأول، في عينيه رغم البريق القويِّ نظرة مُنكسرة خجولة تشبه نظرة البنات، كنتُ أنفر من هذه النظرة في عيون الزميلات، فما بال الزملاء.

كان المعمل في الدور الثالث، لا يوجد كراسي نجلس عليها، نقف على أقدامنا الساعة وراء الساعة أمام التخت أو الطاولة الخشبية الطويلة، نخلط الأحماض والمواد الكيميائية داخل أنبوبة الاختبار، نضعها على النار وتتصاعَد الغازات السامة أو غير السامة.

فجأة سمعنا صوت فرقعة، انفجرت الأنبوبة في يد أحد الزملاء، امتلأ المعمل بالدخان، أسرعنا إلى الخارج نَعطس ونسعل، هبطنا السلالم جريًا إلى الفناء: «يا خبر، أنا نسيت شنطتي فوق في المعمل!» لم يكن لي أن أعود إلى البيت دون حقيبتي، «أنا حاطلع حالًا أجيبها»، هذا هو صوت المنيسي الذي ناولني حقيبته لأحملها له حتى يعود، انطلق صاعدًا السلالم بشجاعة الفدائي يَقتحم النار لا يخشى الموت، عاد حاملًا حقيبتي، تبادلنا الحقائب بلا كلمات، أطراف أصابعه لامست يدي عن غير قصد في حركة التبادل السريع: «متأسِّف!»

كان واقفًا أمامي يَنطق كلمة متأسِّف وأنا لساني معقود، كان المفروض أن أحوطه بذراعي، أو على الأقل أمد يدي أصافحه وأَشكره، إلا أني وقفت مثل التمثال عاجزةً عن فعل أي شيء، قيود تُحيطني وحواجز تقف بيني وبينه لا أعرف ما هي، كان واقفًا يلهث قليلًا (صعد ثلاثة أدوار وهبط في لمح البصر)، وجهه مُحتقِن بالدم، يضغط بأسنانه على شفته السفلى، لا أسمع منه إلا كلمة متأسِّف، لم أعرف لماذا يعتذر، عن الرسالة التي وضعها في الكشكول أم عن التلامس الخاطف غير المقصود؟ ثُمَّ سمعت صوته بصعوبة، كانت في الفناء ضجة وصخب وريح محملة بالتراب والرمل دوت في أذني كالصفير الحاد الطويل، رأيتُه يمد يده لي يصافحني بأصابع باردة، لم أسمع مما يقول إلا كلمتين: «أستودعك الله.»

في الطريق إلى البيت عاد إليَّ صوته: «أستودعك الله»، لم أفهم ماذا تعني هاتين الكلمتين، لكن قلبي ينوء بثقل كبير، ربما كان تأنيب الضمير، هل أسأتُ إليه دون أن أدري لماذا لم أفتح فمي وأشكره على الأقل؟

•••

في المظاهرات لم يكن «المنيسي» بين الطلبة، هل سافر مع كتائب الفدائيين إلى القنال؟ منذ إلغاء معاهدة ٣٦ في أكتوبر ١٩٥١م فقد الاحتلال البريطاني سنده القانوني، بدأ الكفاح المسلح بين الطلبة والشباب، حكومة الوفد كانت تشجِّع المقاومة الشعبية من وراء الستار.

لم تكن زميلاتي البنات يشاركن في المظاهرات، أحيانًا أكون الطالبة الوحيدة بين مئات الطلبة أو الآلاف، في خيالي حلم الطفولة، أحمل السيف وأضرب الأعداء، يحملوني مثل أبي فوق الأعناق: تحيا مصر حرة! تسري القشعريرة في جسدي كالكهرباء، أنتفض من مكاني حيث أكون في المشرحة أو المدرَّج أو المعمل، يندفع جسمي بقوة مجهولة كأنما تأتي من السماء، أسير بينهم والخفقات تتصاعد تحت ضلوعي قوية متلاحقة مُتدفِّقة تذكِّرني بالحب الأول.

صوتي يختنق بالدموع وأنا أهتف: «تحيا مصر حرة»، فيضٌ من الدموع ينهمر من عينيَّ يَكتسح أمامه أحزاني منذ وُلدت، يتخفَّف جسمي من الثقل، كأنما يسقط عني جسمي، أسير بينهم بلا جسم، بلا اسم، بلا أب ولا أم ولا أسرة، هؤلاء هم أُسرتي وأهلي وبيتي.

أكان ذلك يُسمونه حب الوطن؟ أم أنه الحنين إلى الحب الأول؟ لم أكن أعرف، كان الاثنان يذوبان معًا داخل شلال واحد، فيضان من المشاعر كالطوفان يكسر الجسور والحواجز، أنسى أنهم رجال من جنس آخر، نُصبِح جنسًا واحدًا، نذوب داخل جسد واحد أو رُوح واحدة بلا جسم.

أكبر مظاهرة كانت في نوفمبر ١٩٥١م، يُسمُّونها «المظاهرة الصامتة»، أحيانًا يكون الصمتُ أقوى من الهتاف، في فناء الكلية تجمع مئات الطلبة، يَحملون اللافتات الطويلة من الدمور، كُتب عليها بخط النسخ الأسود: يحيا العمل الفدائي. لا مُفاوَضات مع الاحتلال البريطاني. طلبة الطب مع الشعب يد واحدة. يحيا كفاح الشعب المسلَّح. تحيا مصر حرة. مجموعة من الطلبة الفدائيين يَرتدون ملابس حرب العصابات، مجموعة أخرى يُعلِّقون الشارات فوق صدورهم يُنظِّمون الصفوف، زعماء الطلبة يَروحون ويجيئون، أصواتهم ترتفع من حين إلى حين: «عاوزين نظام يا زملاء، الهتاف ممنوع، المظاهرة دي إحياءً لذكرى أول وفد شعبي راح للحاكم البريطاني سنة ١٩، وطلب منه رسميًّا جلاء الجنود الإنجليز عن مصر، دي أهم مظاهرة في تاريخ الحركة الوطنية، لأول مرة في تاريخ مصر الحكومة والشعب في يد واحدة، بيجهزوا لضربة كبيرة في القنال، لازم نوريهم النهاردة إن الشعب كله إيد واحدة قوية، عاوزين نمشي خطوة واحدة، ماحدش يطلع برة الصف، جايز عناصر من أعوان الملك والإنجليز يندسُّوا بينا عشان يعملوا شغب، يفسدوا المظاهرة، لازم نكون منتبهين لهم، لازم يكون فيه هدوء ونظام طول المظاهرة.»

كان معي طالبتان من سنة أولى مشرحة، تقدَّم نحوي أحد المنظمين: «يا زميلة نوال، الطالبات يقفوا في الصف الأول ودي اليافطة، تقدروا تشيلوها؟» كانت قطعة طويلة من القماش الدمور، كُتب عليها بالخط الأسود الكبير: «طالبات الطب مع الكفاح المسلح لتحرير الوطن.» لها عمودان طويلان من الخشب، أمسكتُ بعمود، أمسكت الطالبة الثانية بالعمود الآخر، يساعدها أخوها طالب كلية الطب أيضًا، رفعنا اليافطة فوق رءوسنا وسرنا في الصف الأول.

خرجت المظاهرة من باب الكلية مثل تمساح ضخم يزحف بلا صوت، التحمَت مع المظاهرات الأخرى في شارع القصر العيني، أنهر من البشر تتدفَّق من الشوارع الجانبية، تلتقي معًا كالشلال، تصبُّ في ميدان الإسماعيلية، أقدام بلا عدد تخرج من جسد واحد له رءوس بلا عدد، أمواج تعلو وتهبط كالبحر، ملايين الأنفاس ذابت في نفس واحد، بلا صوت، الصمت يدوي أقوى من الرعد يرج الأرض.

خرجت مصر كلها ذلك اليوم، تحوَّل كل شبر من الأرض إلى بشر، حتى الشجر صعد إليه الناس حين ضاقت الشوارع والميادين، أسطح البيوت والنوافذ تحولت إلى أجساد لها رءوس وعيون تطل على ما يشبه يوم القيامة، حين يقوم الناس أفواجًا أفواجًا، وينهض الأموات يسيرون فوق أقدامهم.

لم يتخلف أحد، حتى التلاميذ الصغار والأطفال، وربات البيوت والنساء بالملايات اللف، أطفالهنَّ فوق صدورهنَّ، فلاحون بالجلاليب والطاقيات فوق رءوسهم، عمال المصانع بالبدل الزرقاء تعلوها بقع الزيت والشحم، عجائز يَسيرون بالعكاكيز، موظفون بالطرابيش والبدل، شحاذون بالجلاليب الممزقة، باعة متجولون فوق رءوسهم القفف، عربات كارو تجرها الحمير.

مرضى خرجوا من المستشفى بالجلاليب البيضاء، تمورجية، ممرضات، أطباء بالمعاطف والسماعات حول العنق، مشايخ بالقفاطين والعمائم البيضاء، قساوسة بالعمائم السوداء وقفطان الكنيسة، المحامون داخل روب المحاماة، القضاة بوشاح القضاء، باعة الأمشاط في الترام، صبيان بذراع واحدة أو بساق واحدة، صبي بلا ساق يسير فوق قطعة خشب لها أربع عجلات، يدفعها من تحته بذراعيه ويمشي في المظاهرة، أصحاب الدكاكين أغلقوها بالأقفال الحديدية وساروا بين الصفوف.

كنتُ أمشي رافعة ذراعي اليمنى حاملة اللافتة فوق رأسي، الساعة وراء الساعة، أمشي في الحلم رافعة شعلة التحرير، كما أنَّ جان دارك أو زرقاء اليمامة تقود وطنَها إلى الحرية، صوت عذب يسري في أذني يشبه الغناء مع الدقات على العود، في بحر المياه الزرقاء الدافئة تحملني الأمواج عاليًا ثُمَّ تهبط بي في رِفْقٍ شديد، كذراعَي أمي تؤرجحني فوق ركبتيها وتغني: هوه، نامي نينه هوه!

أُغمض عيني وأمشي كالنائمة، فجأة سمعت الصوت، فتحت عيني كأنما أصحو من النوم، أهي طلقة رصاص؟! الشمس في عيني أصبحت شعاعًا أحمر، احتمَيت وراء جدار بعيدًا عن الضوء، سمعت صوتًا يناديني: «يا نوال»، الحلم يختلط بالحقيقة، الضوء يتحول إلى سائل يجري فوق الأسفلت، تحت قدمي رأيت الشريط الأحمر، أتحسَّس ذراعي وساقي، كل شيء في مكانه، أستطيع أن أمشي وأنقل القدم وراء القدم، الشمس غابت وراء ساحبة من الغبار، ثُمَّ انقشع الغبار عن وجهٍ رأيته من قبل كان يقترب منِّي، يتقدم نحوي بخطوة هادئة واثقة، يرتدي فوق عينيه نظارة شمس، يومض من تحتها ضوء كالابتسامة: يا نوال؟ أهو اسمي؟ كف عرفه من ملايين الأسماء في الكون؟

لم أعرف أين انطلقت الرصاصة، كنتُ في شارع كبير لا أعرف اسمه، لم أكن أعرف من شوارع القاهرة إلا القليل، كانت المواصلات متوقِّفة، لا أوتوبيس، لا ترام، لا تاكسي، لا عربة كارو، لا شيء له عجلات يسير على الأرض، فقط الأقدام البشرية التي بدأت تتفَّرق كما تجمعت بلا صوت بلا هتاف، تفككت الكتل من الناس وابتلعتها الشوارع الجانبية والأزقة: «يا نوال، مفيش غير إننا نرجع ماشيين.»

ينطق اسمي بسهولة غريبة، يقول: «يا نوال»، كأنما يعرفني أو ناداني من قبل، سِرت إلى جواره صامتة لا أسمع إلا وقع أقدامنا فوق الأسفلت، حذائي من الجلد الأسود يشبه حذائه، قدمه كبيرة بحجم قدمي، قامته بطول قامتي، يرتدي قميصًا أبيض صدره مفتوح، لا ربطة عنق، لا جاكيت، لا بلوفر، خطوته فوق الأرض قوية متحدية، أيكون أحد الفدائيين؟!

رحلة العودة بدت كأنما رحلة داخل الحلم، لم أنتبه إلا حين وجدت نفسي في شارع القصر العيني، توقفت وأنا أقول: «أنا عارفة السكة للكلية من هنا.» كأنما أدركت فجأة أنني أمشي، مد يده وصافحني، يد قوية كبيرة مملوءة بالثقة: «طيب، مع السلامة يا نوال!» مرة أخرى ينطق الاسم «نوال»، الذي أصبح له وقع في أذني كأنما هو اسم غير كل الأسماء، وليس له مثيل بين البشر، أهو حقيقة اسمي أنا؟ وكيف اكتسب هذا الرنين الجديد في الكون؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١