الفصل الرابع

ساعة أخرى مع لبيد١

قلتُ لصاحبي: أما اليوم فلن أشُقَّ عليك، ولنْ أُجشمك الشعر الغريب في لفظه أو معناه؛ فقد أحسبني حَمَّلْتُك من ذلك ما يبيح لك أن تطمع في أن أُرِيحَك وأُرَفِّه عَلَيْكَ، ولَوْلَا أَنَّك اقترحت عليَّ في الأُسبوع الماضي أنْ يَتَّصِل حديثنا عن لبيد لما عُدت إليه هذا الأسبوع، ولنقلتك منه إلى الحديث عن شاعرٍ آخر، وإنْ كان إعجابي بلبيد لا ينْقَضِي، وإنْ كُنتُ أوثر أن يطول الحديث عن لبيد ما استطاع أن يطول.

وأنا أُريدُ أَنْ أُحَدِّثك اليومَ عن الشاعر أكثر مما أحدثك عن شعره؛ فقد كان القُدماء يتحدثون عنه، فيحبون الحديث ويطيلونه؛ لأنَّ لبيدًا لم يكن شاعرًا مُجيدًا فحسب، وإنما كان رجلًا كريمًا أيضًا؛ كان أصحاب الشعر يُحبون الحديث عن شعره، وكان أصحاب المُروءة يُحِبُّون الحَديث عن مُرُوءته.

وما رأيك في رجل تحدث الولاة عنه على مَنَابِرهم؟ وفي أي عصر كان هذا الحديث؟ في عصر الخُلفاء الراشدين، لا في عصر من هذه العصور المُتأخرة، التي كان الولاة يستبيحون فيها حرم المنابر، ويقولون فيها على المنابر ما لا يَحْسُن أنْ يُقال. فقد يُحدثنا الرُّواة، وهم يَتَّفِقُون في الحديث، أنَّ لبيدًا كان قد نذر في جاهليته ألا تهُبَّ الصبا إلا أطعم الناس، وقد وفَّى بِنَذْرِهِ في الجاهلية، وحرص على الوفاء به في الإسلام، ويصدِّق حديث الرواة في هذا قولُ لبيد نفسه في مُطولته التي تحدثنا عنها في الأسبوعين الماضيين:

وَجَزورِ أَيْسَارٍ دَعَوْتُ لِحَتْفِهَا
بِمَغَالِقٍ مُتشابِهٍ أَجْسَامُهَا
أَدْعُو بِهِنَّ لِعَاقِرٍ أَوْ مُطْفِلٍ
بُذِلَتْ لِجِيرَانِ الْجَمِيعِ لِحَامُهَا
فالضَّيْفُ وَالْجَارُ الْجَنِيبُ كَأَنَّما
هَبَطَا تَبَالَةَ مُخْصِبًا أَهْضَامهَا
تأوِي إلى الأَطْنابِ كُلُّ رَزِيَّةٍ
مِثلِ الْبلِيَّة قَالِصٌ أَهْدَامهَا
وَيُكَلِّلونَ إِذا الرِّيَاحُ تَنَاوَحَت
خُلُجًا تمَدُّ شَوارِعًا أَيْتامُهَا

فهو يتحدث بهذه الأبيات — وأظنك قد فهمت حديثه — عن عادته حين كان يُقامر على نحر الإبل، لا يبتغي بذلك رِبحًا ولا كَسبًا، إنَّما يبتغي إطعام الجائعين الذين كَانُوا يأوون إليه، فيهم الضيف، وفيهم الجار، وفيهم العاقر لا ولد لها، وفيهم المُطْفِل قد كثر ولدها، وفيهم هذه البائسة، أو هؤلاء البائسات، يلزمن أطناب الخيمة كأنهن النوق التي تشد إلى قبور الموتى، لا تبرحه حتى تموت عليه، وكل هؤلاء يُرزقون عنده رغدًا، تُقدم لهم الجفان قد مُلئت بالثريد، وكُللت باللحم، فهم ينعمون كأنهم نزلوا «تبالة» وقد أخصبت وكثر فيها الرزق.

فيقول الرُّواة: إنَّ المُغيرة بن شعبة، كانَ إذا هبت الصَّبا، خطب الناس فقال لهم: أعينوا أبا عقيل على مروءته، ويقول بعض الرُّواة: هبت الصبا يومًا، والوليد بن عقبة على الكوفة، فصعد المِنْبَر فخَطَب الناسَ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ أخاكم لبيد بن ربيعة قد نذر في الجاهلية أَلَّا تَهُبَّ صبًا إلا أطعم، وهذا يوم من أيامه، وقد هبت صبًا فأعينوه، وأنا أول من فعل، ثم نزل عن المنبر، فأرسل إليه مائة بكرة، وكتب إليه بأبيات قالها:

أَرَى الْجَزَّارَ يَشْحَذُ شَفْرَتَيْهِ
إذَا هَبَّتْ رِيَاحُ أَبي عقِيلِ
أَشَم الأَنْفِ أَصْيَدَ عَامِرِيًّا
طَوِيلَ الْبَاعِ كَالسَّيْفِ الصَّقِيلِ
وَفَى ابْنُ الْجَعْفَريِّ بِحِلْفَتَيْهِ
عَلَى الْعِلاتِ وَالْمَالِ الْقَلِيلِ
بِنَحْرِ الكُومِ إِذْ سَحَبَتْ إِلَيْهِ
ذَيُولُ صَبًا تَجاذَبُ بِالأَصيلِ

فقال لابنته: أَجيبيه، فلعمري لقد عشت برهة وما أعيا بجواب شاعر فقالت:

إِذا هَبَّتْ رِيَاح أَبِي عَقِيلٍ
دعَوْنَا عنْدَ هَبتِهَا الْوَلِيدَا
أَشَمَّ الْأَنْف أَرْوَعَ عَبْشمِيًّا
أَعَانَ عَلَى مُرُوءَتِهِ لَبيدَا
بِأَمْثالِ الْهِضَاب كَأَنَّ ركْبًا
عَلَيْهَا مِنْ بَني حامٍ قُعُودَا
أَبَا وَهْب جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا
نحَرْنَاهَا فأَطعَمْنَا الثَّرِيدَا
فَعُدْ إنَّ الْكَرِيمَ لَهُ مَعَادٌ
وظَنِّي بِابْنِ أَرْوَى أَن يَعُودَا
فقال لها لبيدُ: أحسنت! لولا أَنَّكِ استطعمته، فقالت: إنَّ المُلوك لا يُستحيا من مسألتهم، فقال: وأنت يا بنية في هذا أَشْعَرُ.٢

وأكبر الظن أنَّ كلا الأميرين قد تقدم إلى الناس في أن يُعينوا لبيدًا على مروءته، ولكنَّ المُغيرة بن شُعبة لم يعطه، أو لم يعطه إلا قليلًا لأنه كان ثقفيًّا حريصًا على المال، ولأنَّه كان واليًا لعمر، فأمَّا الوليد بن عقبة، فكان فتى من فتيان قريش، سَخِيًّا كَرِيمًا، يغلو في السَّخاء والكَرَمِ، ويَحْتَفِظُ بكثيرٍ منَ السُّنن الجَاهِلية، وكانَ غنيًّا ضَخْمَ الثَّرْوَةِ، فَسَاقَ إلى لبيد ما سَاقَ من الإبل، وكتب إليه ما كتب من الشعر.

قال صاحبي: فحقق من ذلك ما شئت إذا خلوت إلى طلابك في الجامعة، ولكن، ألست تعجب معي بهذه الأبيات التي أرسلها إلى لبيد هذا الفتى القُرشي؟ أليس يُعجبك منه أنَّه أَضَاف الرِّياح إلى أبي عقيل لما تعود أبو عقيل من إطعام الناس إذا هبت الرياح؟ ثم، أليس يُعْجِبُك أنَّه يَرَى الجَزَّار وهو يشحذ شفرتيه لنحر الإبل إذا هبت هذه الرِّياحُ؟ لأنه يتوقع أن يأمره لبيد بنحرها؟ ثم أليس يعجبك هذان البيتان الأخيران اللذان يصور فيهما الأمير القُرشي وفاء لبيد بِنَذْرِهِ، ونحره للإبل حين يُقبل الأصيل، وتتجاذب الرياح ذيولها؟ وهذه الأبيات التي ردت بها ابنة لبيد على الأَمير، أليس يُعجبك لينها ورقتها، وهذا الصفاء الذي يترقرق فيها، ويدل دلالة واضحة على أنها صدرت عن نفس صافية تشكر النعمة، وتقدر الجميل، وتحب الخير، وتستعين عليه؟

قلت: كل شيء يُعجبني، ولكن الذي يُعجبني خاصة هو أنَّك قد أخذتَ تُحِبُّ الشعر القديم، وتدعو إليه، وتَرْغَبُ فيه، وتدل على ما فيه من جمال.

فقال: فعُد بنا إلى حديثك، فما رأيتُ أَعْجَلَ منك إلى تسجيل الفوز.

قلتُ: لقد كنا نتحدث عن مروءة لبيد، وعن حديث القدماء بها وإكبارهم لها؛ فقد شهد له بها هذان الأميران من أمراء المُسلمين، وشَهِدَ له ابن سلام.

فقال: إنه كان رجل صدق، والأخبار القليلة التي تُروى عن حياته في الكوفة بعد أن أَسْلَم، تُصَوِّرُ كلها رجلًا كريم النفس، صَافي الطبع، حلو الشَّمَائِل، مُعْتَدِلَ المِزَاج، قد انصرف عن أكثر ما تعود من حياة الجاهليين، لم يستبقِ من ذلك إلا ما لا يَكْرَهُهُ الإسلام، فهو كريم جواد؛ لأنَّ الإسلام يُحِبُّ الكرم والجود، ويدعو إليهما، ويُقر عليهما الكرام الأجواد من العرب.

وهو مُعْرِضٌ عنِ الفَخْرِ، لا يَتَوَرَّطُ فيه إلا كَارِهًا، ولا يَكَادُ يقبل عليه حتى ينصرف عنه، وهو يستغفر الله منه، ومع ذلك فقد كان لبيد فخورًا في الجاهلية، مُلحًّا في الفخر، يكاد يتورط في الغلو والإسراف، كان يفخر بنفسه مُحتملًا للخطوب، مُتجشمًا للأهوال، وكانَ يَفْخَرُ بِنَفْسِهِ مُقبلًا على اللهو، شَارِبًا للخَمْرِ إِذَا أَصْبَحَ، شَارِبًا لَهَا إِذَا أَمْسَى، مُنْفِقًا في شُرْبِها أيام أمنه ولياليه، يصور ذلك في مُطولته التي تحدثت عنها إليك من قبل، وكان يفخر بنفسه فارسًا مغوارًا، وكان يفخر بنفسه كريمًا جوادًا، ثم كان يفخر بعد هذا كله بعشيرته. تَرى هذا كله في مُطولته، وتراه فيما بَقِي مِنْ شِعْرِهِ مِنْ هَذِه المَقْطُوعَات المَنْثُورة في كُتُب الأَدَبِ، وفي ديوانه.

بل كاد الفخر أنْ يكون صناعة لبيد طوال حياته الجاهلية؛ فهو قد جعل نفسه مُحاميا عن أحساب قومه، يُناضل عَنْهَا كُلَّما احْتَاجَ إلى النضال، والرُّواة يُحَدِّثُوننا عن مقامه في النضال عن قومه في مواطن مُختلفة، فهم يَزْعُمون لنَا أنَّه بَدَأَ حَيَاتَهُ الشعرية بهذا النضال، كان فتى غرًّا، فصحب قومه في سفارة لهم عند النُّعمان بن المُنْذِر، وكان قومه يرون من النعمان إقبالًا عليهم، وتَلَطُّفًا لهم، ثُم رابهم منه ريب، وأخذوا يحسون إعراضه وصدوده، والتمسوا مصدر هذا الإعراض والصدود، فعرفوا أنَّ الربيع بن زياد، وهو شريفٌ من أشراف عبس، وخال من أخوال لبيد، يدس لهم عند النعمان، وكان من ندمائه، فساءهم ذلك، وأرقوا له ذات ليلة، وأخذوا يتحدثون فيه، والفتى لبيد يسمع لهم ولا يفهم عنهم، فلمَّا طال عليه ذلك، سألهم أنْ يُبَيِّنُوا له جلية الأَمْرِ، فَأَعْرَضُوا عنه، واعتَلُّوا عليه، فأَلَحَّ عليهم، وما زال يُلِحُّ حتى قصوا عليه قصتهم.

فقال لهم: أنَا أَكْفِيكُم الرَّبيع بن زِياد، فإذا أَصْبَحْتُم فاصطحبوني إلى مجلس الملك، فأبوا عليه لحداثته، ثم امتحنوه في قصة طويلة تجدها في الأغاني، فوافقوا منه فتى فصيحًا صارم اللسان، فاصطحبوه حين غدوا على الملك، فلمَّا أَذِنَ لَهُم دخلوا، فإذا المَلِكُ على طعامه، ومعه صفيه الرَّبيع بن زياد، وقد أخذ الرَّبيعُ بن زياد هذا ينتقص وفد بني جعفر، ويصرف الملك عنهم. فوثب لبيد فقال هذا الرجز الذي أستطيع أن أرويه لك، ولكني سأحذف آخره حين أُذيع هذا الحديث في الناس؛ لأنه ليس مما يُروى:

أكُلَّ يَوْمٍ هَامِتِي مُقَذَّعَهْ
يا رُبَّ هَيْجَا هِيَ خَيْرٌ مِن دَعَهْ
نَحْنُ بَنُو أُمِّ الْبَنِينَ الْأَرْبَعَهْ
سُيُوفُ حَزٍّ وَجِفَانٌ مُتْرَعَهْ
نَحْنُ خِيارُ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَهْ
والضَّارِبُونَ الْهَامَ تَحْتَ الْخَيْضَعَهْ
والْمُطْعمونَ الْجَفْنَةَ الْمُدعْدَعَهْ
مَهْلًا أَبَيْتَ اللَّعْن لَا تَأْكُلْ معَهْ

ويقول الرواة: إن النعمان لم يكد يسمع آخر هذا الرَّجز، حتى تأذى، وكفَّ يَدَهُ عن الطعام، وقَضَى لبَني جعفرٍ حَوَائِجَهم، وصَرَفَهم عنه، فارتحلوا.

ويقولون: إن الربيع بن زياد حاول أن يُبرئ نَفْسَه مِمَّا وَصَمَه به الفتى فلم يُفلح، واضطر إلى الرَّحيل مُغاضبًا للملك، مُغاضبًا للبيد، وقد ثار الشرُّ بين لبيد وبين خاله الربيع، والرواة يروون في ذلك شعرًا.

ولست أدري أكانت القصة كما يصورها الرواة أم لم تكن؟ أم كانت شيئًا مُقاربًا لها؟ ولكن هذه القصة على كل حالٍ تَدُلُّ على أنَّ لَبيدًا كان عِنْدَ العَرَبِ صَاحِبَ فَخْرٍ وَدِفَاعٍ عَنْ أحساب قومِهِ، نشأ على ذلك، وجدَّ فيه منذ الصبا.

قال صاحبي: إنك لتشك في كل شيء، وما يعنيني شكك وارتيابك، إنَّ الرَّجَزَ القَصِيرَ يُعْجِبُني؛ لأنَّه يُصَوِّرُ انْدِفَاعَ الشَّباب، والشباب البدوي خاصة، ولأنَّه يُصَوِّرُ هذا الفخر السَّاذج، الذي يُواتي صاحِبَهُ دُون أنْ يَبْحَث عنه، أو يتكلفه، أو يجدَّ في طلبه.

قلتُ: فإنك تخطئ في هذا، فالرواة يزعمون أن الفتى أَرِقَ لهذا الموقف ليله كله، وإنما دعاك إلى هذا الخطأ أن هذا الشعر مُتقن قد صُنِعَ وصنع حتى خفيت فيه الصنعة، وظهر كأنه ابن البديهة وعفو الخاطر، قال: ولا هذا أيضًا يعنيني، وإنَّما يعنيني هذا الإقذاع في الهجاء، الذي يتَّصل بالفَخْرِ اتصالًا، ويدعوني إلى أنْ أُلَاحِظَ هذه الحلف بين هذين الفنين من فنون الشعر العربي القديم، وهما الفخر والهجاء.

قلتُ: وماذا يروعك من هذا؟ وإنَّما الشاعر يمدَحُ نَفْسَهُ وقومه حين يفخر، ويذم عدوه وعدو قومه حين يهجو، فطبيعة الأشياء تقتضي أن يكون الشاعر المُنَافِرُ بَارِعًا في الهِجَاء، حينَ يَقُومُ مِنْ قَوْمِهِ مَقَام المُحامي، كما فعل لبيد.

وما أَظُنُّ إِلَّا أنك تعرف نشاط لبيد حين كانت المُفَاخَرة والمُنَافَرَة بين عَظِيمين من عُظَمَاءِ قَوْمِهِ، هُمَا عَلْقَمة بن عُلاثة، وعامر بن الطفيل؛ فقد اختلف هذان السيدان، وعظم الشر بينهما، وزعم كل منهما أنه خير من صاحبه، ويقول الرواة: إنهما تحاكما إلى أبي سفيان بن حرب الأموي، فأبى أن يحكم بينهما، ثم تحاكما إلى ابن هشام المخزومي، فأبى أن يحكم بينهما، فلما استيأسا من حُكم قريش تحاكما إلى عبس، وانتهى أمرهما إلى هرم بن قطبة، وكانت قصتهما في هذا عظيمة الخطر، فاشية شائعة، تحدثت بها العرب في الجاهلية، وتحدثت بها في الإسلام دهرًا طويلًا، وسأل عنها عمر بن الخطاب هرمًا، فأبى أنْ يُنبئه بسرِّها، فحَمِدَ عُمر منه أمانته ووفاءه وكتمانه.

وكانت المُخاطرة بين هذين السيدين على مائتين من الإبل: مائة للحكم، ومائة لمن يحكم القضاء له، ولكنَّ الحكم لم يفضل أحدهما على صاحبه، ولم يأخذ منهما أجر التحكيم، وإنما نَحَرَ عنهما الإبل، وأَطْعَمَ عنهما الناس.

وقد نَشِطَ لبيد مع عامر بن الطفيل في هذه القصة نشاطًا عظيمًا تستطيع أن ترى صورة منه في الأغاني، ونشط الحطيئة مع علقمة، ولكنَّ الفرق بين نشاطهما عظيم؛ فقد كان لبيد صادقًا يُدافع عن عشيرته الأقربين، وكانَ الحطيئة مأجورًا يبيع شِعْرَه لسَيِّده علقمة، الذي كان برًّا به في الجاهلية، وأراد أن يكون برًّا به في الإسلام، فحَالَ المَوتُ بينَهُ وبين ما أراد. وقال الحطيئة في ذلك أبياته المشهورة:

وَمَا كَانَ بَيْنِي لَوْ لقِيتُكَ سَالِمًا
وَبَيْنَ الْغِنَى إِلا لَيَالٍ قَلائِلُ

والرُّواة مُتَّفقونَ على أن لبيدًا كان شاعر قومه، يُدَافع عنهم إنْ خَاصموا، ويمدح كِرَامَهم، ويرثي موتاهم، ويهجو عدوهم، فهو كان برًّا بقومه في الجاهلية، وهو ظل برًّا بقومه في الإسلام، كان إذا سمع من يعيبهم رده ردًّا حازمًا، رفيقًا مع ذلك، ثم استغفر الله من الفخر.

فإذا عرفت أنَّ الفَخْرَ كان صناعة لبيد، وأنه أنفق فيه حياته الطويلة في الجاهلية، وأنَّه مع ذلك قد كَفَّ عنه بعد أنْ أَسْلَم؛ فقد تستطيعُ أَنْ تتصور الأثر العميق الذي تركه الإسلام في نفس لبيد.

والرُّواة يقولونَ: إن لبيدًا قد أعرض عن الشِّعر إعراضًا بعد الإسلام، ويغلو بعضهم فيزعم أنه لم يقُل في الإسلام إلا بيتًا واحدًا من الشعر وهو:

الْحَمْدُ لِلهِ إِذْ لَمْ يَأتِنِي أَجَلِي
حتَّى اكتَسَيْتُ مِن الْإِسْلام سِرْبَالَا

وهم يروون أيضًا أنَّ عمر أراد أن يمتحن الشعراء، ويسأل عما أحدثوه من الشعر في الإسلام، وكتب في ذلك إلى المُغيرة بن شعبة، وكان واليه على الكوفة، فسأله الأغلب العجلي فقال:

أَرَجَزًا تُرِيدُ أَم قَصِيدا
لَقَدْ سَأَلْتَ هَيِّنًا مَوْجُودَا

وسَأَلَ لبيدًا فقال: إنَّ اللهَ قد أَغْنَاهُ عن الشعر بسورة البقرة، وآل عمران، ويُقال: إنَّ عُمر نقص من عطاء الأغلب العجلي خمسمائة، وزادها في عطاء لبيد، ويُقَالُ أيضًا: إنَّ الأغلب العجلي راجع عمر، وقال: تُعاقبني لأني أطعت أمرك! فرد عليه عمر ما نقص منه، وحفظ للبيد ما زاد في عطائه.

ولست أخفي عليك أن اطمئناني إلى هذه القصة ليس تامًّا، فسترى أن الرواة يُضيفون إلى لبيد شعرًا، إن صح؛ فقد كان لبيد إذن يقول الشعر في الإسلام، وإن صحت هذه القصة؛ فقد كان الرواة إذن يكذبون على لبيد، وإذن فما يمنعهم أن يكذبوا على غيره من الجاهليين والإسلاميين، وأكبر ظَنِّي أنَّ لبيدًا أعْرَضَ عن الشعر في الإسلام، فلم يتخذه صناعة، ولم يكثر من إنشائه وإنشاده، وانصرف عنه إلى القرآن، ولكنه قال في الإسلام غير بيت.

ولعله حين امتحنه المغيرة بن شعبة، إن صحت القصة، عرف سر هذا الامتحان، فعرف كيف يجيب. ويُقال: إنَّ مُعاوية لما قدم الكوفة ولقي لبيدًا أراد أن يحط عطاءه إلى حيث كان قبل أن يزيده عمر، فقال له لبيد: إنما أنا هامة اليوم أو غد، فدع لي هذه العلاوة، فمن يدري! لعلي لا أقبضها، فرق له مُعاوية وترك له عطاءه، ومات لبيد قبل أن يقبض هذا العطاء.

والرواة مختلفون في وفاة لبيد: فقوم يظنون أنه مات في آخر أيام معاوية، وقومٌ آخرون يقولون: إنَّه ماتَ في أول خلافة معاوية، وهم على كل حال متفقون على أن لبيدًا كان من المعمرين، يقولون: إنه عاش قرنًا وما يقرب من نصف قرن، ويقولون: إنه عاش خمسة وأربعين ومائة عام، عاش منها في الجاهلية تسعين عامًا، ومات سنة خمس وخمسين للهجرة.

ولكن ابن سعد يُنبئنا في الطبقات أنَّه مَاتَ في أوَّل أَمْرِ مُعاوية، حين قدم الكوفة ليُصالح الحسن بن علي، وقبل أن يدخل الكوفة، وإذنْ فابنُ سعد ينقص من حياة لبيد، التي يثبتها الرواة، نحو أربعة عشر عامًا، ومهما يكن من شيء؛ فقد عَمَّر لبيدٌ وثقلت عليه الحياة، ونُقل لنا عنه شعر في ذلك، منه ما قيل في الجاهلية، ومنه ما قيل في الإسلام، لا سبيل إلى الشك في ذلك، إلا أن يكون هذا الشعر مكذوبًا عليه، قد صنع لإثبات أنه كان من المعمرين. تحدث أبو الفرج عن رواته أن لبيدًا لما بلغ السابعة والسبعين قال:

قَامَتْ تَشَكَّى إليَّ النَّفْس مجْهِشَةً
وَقَدْ حَمَلْتُكِ سْبعًا بَعْد سَبْعِينَا
فَإْنْ تُزَادِي ثَلَاثًا تَبْلُغِي أَمَلًا
وفي الثَّلاثِ وفَاءٌ لِلثَّمانِينَا

فلما بلغ التسعين قال:

كَأَني وَقَدْ جَاوَزتُ تِسْعِينَ حِجَّةً
خَلَعْتُ بِهَا عَنْ مَنْكِبَيَّ رِدَائِيَا

فلما بلغ مائة وعشرًا قال:

أَليْسَ في مِائَةٍ قَدْ عَاشَها رَجُلٌ
وَفي تَكامُلِ عَشْرٍ بَعْدَهَا عُمْرُ

فلما جاوزها قال:

وَلَقَدْ سَئِمْتُ مِنَ الْحَيَاةِ وَطُولِهَا
وَسُؤالِ هذَا النَّاسِ: كَيْف لَبيدُ؟
غَلَب الرجالَ وَكَانَ غَيْرَ مُغَلَّبٍ
دَهْرٌ طَوِيلٌ دائِمٌ مَمْدُودُ
يوْمًا أَرَى يَأْتي عَلَيَّ وَلَيْلَةً
وَكِلاهُمَا بَعْدَ المَضَاءِ يَعُودُ
وَأَرَاهُ يَأَتِي مِثْلَ يَوْم لَقِيتُهُ
لَمْ يُنْتَقَصْ وَضَعُفْتُ وَهْوَ يَزيدُ

فالشعر الذي قاله حين بلغ عشرًا ومائة، والشِّعرُ الذي قاله بعد ذلك، إسلامي من غير شك، إن صحت نسبته إليه، وإذن فقد كان يقول الشعر في الإسلام، وإذن فليس صحيحًا أنه لم يقل في الإسلام إلا بيتًا واحدًا هو الذي رويته لك آنفًا.

قال صاحبي: ما أشد إسرافَك فيما لا حاجة إليه، ألم أطلب إليك أن تدع هذا التحقيق إلى حيث تفرغ له مع طلابك في الجامعة؟ أليس الخير في أنْ تقف بنا عند هذه الأبيات:

ولَقَدْ سَئِمْتُ مِنَ الْحَيَاةِ وَطُولهَا
وَسُؤَالِ هذَا النَّاسِ: كَيْفَ لَبِيدُ؟

فتعجب بهذا اللفظ السهل الجزل، وبهذه المعاني المُمْتعة الخصبة، التي تُصور عقلًا مُفكرًا، ونفسًا قد استقبلت الزَّمان، ناظِرة فيه، غير مُعرضة عنه، مُقارنة مُقبله بمدبره، حتى أخذت من ذلك بحظها، ثم احتملت الحياة في شجاعة وصبر، ثم طالت عليها الحياة، وثقل عليها رفق الناس بها، وعطف الناس عليها، وسؤال الناس عنها مُخلصين، فسئمت ذلك وضاقت به، وأعلنت في صراحةٍ وإخلاص هذا السأم:

ولَقَدْ سَئِمْتُ مِنَ الْحَيَاةِ وَطولهَا
وَسُؤَالِ هذَا النَّاس: كَيْفَ لَبِيدُ؟

قلت غير حافل به: والرواة يتحدثون إلينا بأنَّ لبيدًا قال شعرًا قبل أنْ يموت، يعلم فيه ابنتيه كيف تُؤديان إليه حقه من الحُزن عليه بعد أن يموت، وهو:

تَمَنَّى ابْنَتَايَ أَنْ يَعِيشَ أَبُوهُمَا
وَهَلْ أَنَا إلَّا مِنْ رَبِيعَةَ أَوْ مُضَرْ
فَإِنْ حانَ يَوْمًا أَنْ يَمُوتَ أَبُوكُما
فَلَا تَخْمِشَا وجْهًا ولا تحْلِقا شَعَرْ
وَقُولَا هُوَ الْمرْءُ الذِي لَا حَلِيفَهُ
أَضَاعَ ولَا خَانَ الصَّدِيقَ ولَا غَدَرْ
إلى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكما
ومنْ يَبْكِ حوْلًا كامِلًا فَقَد اعْتذَرْ

وأصحاب النحو يستشهدون بالبيت الثاني من هذا الشعر على أن التنوين قد يحذف من الاسم المنصوب الذي لم يُمنع من الصرف.

قال صاحبي: فإنك تأبى إلا أن تكون مُعلمًا، وما أنا وأصحاب النحو وحذف التنوين أو إثباته! إنما يُعجبني هذا الأدب الذي أدَّبَ الشاعرُ به ابنتيه، ورَسَمَ لهما فيه ما يَجِبُ عليهما من الحُزن عليه بعد موته؛ فهو لا يريد منهما إلا أن تذكراه بالخير؛ بأنه لم يُضع حليفه، ولم يخن صديقه، ولم يتورط في الغدر، ثم هو مُعتدل لا يشتط على ابنتيه، ولا يكلفهما أكثر مما يُطيق الناس، يريد أن تذكراه وأن تبكياه حولًا، فإذا تم الحولُ فسلامٌ عليهما، ولا بأس من أن يُلْقَى بينه وبينهما ستار النِّسيان في غير لوم ولا جناح، أليستا قد بكتا حولًا؟ ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر.

أعترف أنَّ شَاعِرَك هَذا يُعْجِبُني، ويقع من نفسي أحسن موقع، ويُثير في قلبي عواطف الحُبِّ والحُزن والرِّفق معًا، ولكن احذر أن تفسد شعره بالتحقيق والتَّمحيص، وأنْ تزعم لي أو لغيري أن هذا الشعر منحول تكلفه الرواة.

قلت باسمًا: ومع ذلك فإنَّ في نفسي من هذا شيئًا، ولكنْ إذا كان هذا النحو من الشعر يُعجبك، ويحبب الشاعر إليك، فاسمع هذه الأبيات الأخرى، التي يتحدث الرُّواة بأنَّه قالها لابن أخيه حين أحسَّ الموت، فقد تحدث أبو الفرج أنه لما حضرته الوفاة قال لابن أخيه — ولم يكن له ولد ذكر: يا بني، إنَّ أباك لم يمت ولكنه فني؛ فإذا قُبض أبوك فأقبله القبلة، وسجه بثوبه، ولا تصرخن عليه صارخة، وانظر جفنتيَّ اللتين كنتُ أصنعهما فاصنعهما، ثم احْمُلهما إلى المسجد، فإذا سلم الإمام فقدمهما إليهم، فإذا طعموا فقل لهم فليحضروا جنازة أخيهم، وأنشد قوله:

أَبُنَيَّ هَلْ أَبْصَرتَ أَعـْ
ـمامي بَنِي أُمِّ الْبَنِينَا
وأَبي الَّذِي كَانَ الْأَرَا
مِلُ في الشتَاءِ لَهُ قَطِينَا
وَأَبا شُرَيْكٍ وَالمَنا
زِلَ في المَضِيقِ إِذَا لَقِينَا
ما إنْ رَأَيْتُ وَلا سَمِعـْ
ـتُ بِمِثْلهِ في الْعَالَمِينَا
فَبَقِيتُ بَعْدَهُمُ وَكُنـْ
ـتُ بِطُولِ صُحْبَتِهمْ ضَنِينَا
دَعْني وَما مَلَكَتْ يَميـ
ـني إِنْ شَددتُ بها الشئُونَا
وَافعَلْ بِمالكَ ما بدا
لَكَ مُسْتَعِينًا أَوْ مُعِينَا
وَإذَا دَفَنْتَ أَبَاكَ فاجـْ
ـعَلْ فَوْقَهُ خَشَبًا وَطِينَا
وَسَقائِفًا صُمًّا رَوَا
سبُها يُسَدِّدْن الْغُضُونَا
لِيَقِينَ حُرَّ الْوَجْهِ سَفـْ
ـسافَ التُّراب ولَنْ يَقِينَا

قال صَاحِبي: فلستُ أدري أيهما أحب إليَّ، وأحسن موقعًا من نفسي، أهذه القصة المنثورة التي سبقت هذا الشعر، والتي هي شعر كلها، شعر فيه ثقة وحُزْنٌ واطمئنان إلى المَوتِ، وبر بالناس إلى اللحظة الأخيرة، أم هذا الشعر الرَّقيق الخفيف، ذو اللفظ اللين، والمعنى المَتين؟

قلتُ: ومع ذلك فإني أخشى أن تكون هذه القصة مصنوعة؟ فأبو الفرج وأصحابه يزعمون في هذه القصة أن لبيدًا لم يكن له بنون؛ ولكن ابن سعد يُنبئنا في الطبقات أنه هاجر إلى الكوفة مع بنيه، فلما ماتَ دُفن في صحراء بني جَعْفَرٍ، وعاد بنوه إلى البادية فأقاموا فيها. وأكبر الظن أن لبيدًا مات كما يموتُ غيره من الناس بين أبنائه وبناته وسائر أهله، وأن ما يروى من هذه القصص والأخبار إنما صنع في الأمصار صنعًا.

قال صاحبي: إنَّكم معشر المُعلمين لتُلحون على الشعر الجميل بالنقد والتحليل، حتى تذهبوا جماله ونضرته، وتردوه كلامًا كغيره من الكلام، فحقق حياة لبيد إنْ شئت، واحذف منها وأضف إليها، ولكن في غير هذا الحديث؛ فإنِّي لم ألقك لآخذ عنك هذا النحو من العلم، وإنما لقيتك لتحبب إليَّ شعر لبيد، وقد وفقت من ذلك إلى ما أردت، فحببت إليَّ الشعر والشاعر جميعًا.

قلتُ: فإنَّك حين تُحِبُّ الشِّعر والشَّاعر، لا تعدو أن تكون كالقدماء من العرب؛ فقد كانوا يُحبونهما حبًّا شديدًا، فأما حبهم للشاعر، فقد رأيت منه طرفًا، وأما حبهم للشعر، فأيهم لم يعجب بالمُطَوَّلة، وأيهم لم يعجب بغيرها من شعره الذي كان كثيرًا شائعًا، فلم يبقَ لنا منه إلا الشيء القليل.

وقد زعموا أنَّ الفَرَزْدَق سَمِعَ قَومًا ينشدون مطولته فلما انتهوا إلى قوله:

وَجَلا السُّيولُ عَن الطُّلُول كَأَنَّها
زُبُرٌ تُجدُّ مُتونَها أَقْلامُها

سجد. فأنكر الناس منه ذلك، وقالوا: ما هذا يا أبا فراس؟ قال أنتم تعرفون سجدة القرآن، وأنا أعرف سجدة الشعر. وكانت في الفرزدق محافظة بَدَوِيَّة لا تخلو من دعابة؛ قال صاحبي: لو لم يكن في هذا البيت إلا هذه الموسيقى التي تأتي من الملاءمة بين كلمة السيول والطلول لكان الفرزدق خليقًا أن يسجد له! فكيف بهذا التشبيه الجميل!

قلت: ومع ذلك فإنَّ لِلَبيد فنًّا آخر من فنون الشِّعر جَوَّدَهُ كل التجويد، وبرع فيه كل البراعة، وأُعْجِبَ القُدَمَاءُ به كل الإعجاب، وهو فنُّ الرثاء، ولستُ أدري كيف يُمكن أن تقدم عليه الخنساء في رثائها! وهو عندي أبرع منها في تصوير الحُزن، وصب اليأس في القلوب صبًّا في غير ضعف ولا وهن.

ولعلك تذكر أن الرواة كانوا يتحدثون بأنَّ لبيدًا كان شاعر قبيلته، يمدح أحياءها، ويرثي أمواتها، فدعنا من هذا الرثاء الذي كانت تفرضه عليه حياته في قبيلته، وقف بنا عند هذا الرثاء الخاص، الذي اختص به أخاه لأمه «أربد بن قيس» وأنت تعرف قصة أربد من غير شك؛ فهو قد وفد على النبي مع عامر بن الطفيل، وكانا يريدان الغدر به، فعصمه الله منهُما، ثم ارْتحلا عنه منذرين، فدعا النبي عليهما؛ فأما عامر فأدركه الطاعون قبلَ أَنْ يَبْعُد عن المَدِينة، فماتَ عِنْدَ امرأة من بني سلول؛ وأما أربد فانتهى إلى قومه، ولكن حياته فيهم لم تطل، وإنما أصابته صاعقة فقتلته، ووقع موته من لبيد أشد المواقع، وأعمقها في نفسه أثرًا، فرثاه بشعرٍ كثير جيد كله، يُصور بر لبيد ووفاءه وحزنه أجمل تصوير، وكله يصور في الوقت نفسه حكمة لبيد، وفلسفته البدوية — إنْ صح هذا التعبير — وتفكيره في الحياة وانصرافه عنها، وزهده فيها بعد طول التأمل والتفكير.

ومَنْ يَدْرِي لعلَّ ما أصاب عامر بن الطُّفيل، وأرْبَد بن قيس، بعد انصرافهما عن النبي مُغاضبين، قد كان مما حمل لبيدًا على أنْ يَفِدَ على النبي فيُسلم، ويَحْفَظ شيئًا منَ القُرْآن، ثُمَّ يعود إلى بلاده نَاسكًا أو كالنَّاسك، ثم يُهاجر إلى الكوفة أيام عمر، فيُقيم فيها مُنقطعًا إلى الخير والبر والقرآن.

ولستُ أروي لك من رثاء لبيد لأخيه إلا هذه الأبيات، وأنت تستطيع أن تقرأ غيرها من الرثاء في الأغاني، ولكن اقرأ معي هذا الشعر، وحدثني عما فيه من حكمة وفطنة، ومن جزالة ورَصَانَةٍ، ومن جمال في اللفظ والمعنى والأسلوب جميعًا:

بَلِينا ومَا تَبْلَى النُّجُومُ الطوالعُ
وَتبْقَى الْجِبَالُ بَعْدنَا والمصَانِعُ
وَقدْ كُنْتُ في أَكْنافِ دَارِ مَضَنَّةٍ
فَفارَقَنِي جَارٌ بِأَرْبَدَ نافِعُ
فلا جَزَعٌ إِنْ فَرَّقَ الدَّهْرُ بَيْننا
فَكلُّ امْرِئٍ يَوْمًا لهُ الدَّهْرُ فاجعُ
وَما الناسُ إِلا كالدِّيارِ وَأَهْلِهَا
بِهَا يَوْمَ خَلَّوْها وَتَغْدُو بلاقعُ
وَيَمْضُونَ أَرْسَالًا وَتخْلَفُ بَعْدَهُم
كما ضَمَّ إِحْدَى الرَّاحَتَيْنِ الأَصَابعُ
ومَا المَرْءُ إِلَا كالشِّهاب وَضَوْئِهِ
يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إِذْ هُوَ ساطعُ
ومَا المَرْءُ إِلَا مُضْمَرات مِنَ التقَى
وَما المالُ إلا عارِياتٌ وَدَائِعُ
أَلَيْسَ وَرَائي إِنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتِي
لُزُومُ الْعَصا تُحْنَى عَلَيْها الْأَصابعُ
أُخَبِّرُ أَخبَارَ الْقُرُونِ الَّتِي مَضَتْ
أدِبُّ كَأَنِّي كُلما قُمْتُ رَاكعُ
فَأَصْبَحْتُ مِثْلَ السَّيْفِ أَخلَقَ جفْنَهُ
تَقَادُمُ عَهْدِ الْقَيْنِ والنَّصْلُ قاطعُ
فَلا تَبْعَدَنْ إنَّ المَنِيَّةَ مَوْعِدٌ
عَلَيْنَا فَدَانٍ لِلطلُوعِ وَطَالعُ
أَعاذِلُ ما يدْرِيكَ إِلَّا تَظَنِّيًا
إِذَا رَحَلَ الْفِتْيانُ مَنْ هُو رَاجعُ
أَتجزَعُ مِما أَحْدَث الدَّهْرُ بِالْفتَى
وَأَيُّ كَرِيمٍ لَمْ تُصِبْهُ الْقَوَارعُ
لَعَمْرُكَ ما تَدْرِي الضَّوارِبُ بِالْحَصى
وَلا زاجِراتُ الطَّيْرِ ما اللهُ صانعُ

أتعرف أجمل من هذا الشعر معنى، وأرصن منه لفظًا، وأروع منه أسلوبًا، وأدنى منه إلى الصدق، وأنطق منه بالحق، وأعظم منه حظًّا من هذه السذاجة الحلوة التي لا تتناول معانيها الرَّاقية من بعيد، وإنما تتناولها من قريب، تتناولها من أقرب ما تتناول المعاني؟ فالشَّاعِرُ لا يُجهد نفسه ولا يُجهدك، وإنَّما ينظر ويحملك على أنْ تَنْظُر معه إلى النجوم التي تطلع وتغيب، وإلى الجبال المُستقرة على الأرض، ثم إلى الإنسان، وإذا هو يرى — وأنت ترى معه — أنَّ النُّجوم على اختلافها طلوعًا وغروبًا باقية، تذهب الأجيال والأجيال، وهي تُشرق في السماء وتَغْرُب، لتشرق مرة أخرى وتغرب، وإذا الجبال كذلك ثابتة مُستقرة، تذهب الأجيال والأجيال، وهي في مكانها لا تريم، وإذا الإنْسانُ شيء يسير، لا يستطيع أن يشرق ويغرب، كما تشرق النجوم وتغرب، ولا يستطيع أن يثبت ويستقر، كما تثبت الجبال وتستقر، وإنَّما هو كالشهاب، يشرق ساطعًا فيبهر الأبصار، ثم لا يلبثُ أنْ يَسْتَحِيل رَمادًا تذروه الرِّيح.

وإذن فما أشد غرور الإنسان وحبه للباطل، وثقته بما لا ينبغي أن يثق به، واطمئنانه إلى ما لا ينبغي أنْ يطمئن إليه، وتَعَلُّله بالسخف من أحاديث العَائفين، والقائفين والمستشيرين للحصى، والمُتحدثين عن الغيب، وإنما أمر هذا كله باطل، وأمر الغيب إلى من استأثر بعلم الغيب:

لَعَمْرُكَ ما تَدْري الضوَارِبُ بِالْحَصَى
وَلا زَاجِراتُ الطَّيْرِ ما اللهُ صَانعُ

ثم قلتُ لصاحبي بعد صمت غير قصير: ألستَ تَرى أنَّ شَاعري مُجيدٌ حينَ يَقْصِدُ إلى ما يقصد إليه الشعراء من باطل الحياة: وصفًا، وفخرًا، ومَدْحًا وهِجَاءً؟

أَوَلَست تَرَى أنَّه مُجيدٌ حينَ يقصد إلى ما يقصد إليه الحُكماء من جد الحياة: تأملًا، وتفكيرًا، وزهدًا، ونسكًا؟

قال: بلى! ولكن ما أقلَّ ما حفظتْ لنا الأيامُ من هذا الشعر الجميل! قلتُ: فاقرأ معي هذا الحديث الذي يرويه أبو الفرج؛ فهو أحسن ختام لحديثنا عن لبيد، ولا بأس هنا برواية الإسناد، فقيمة الحديث في إسناده. قال أبو الفرج: حدثنا محمد بن جرير الطبري قال: حدثنا أبو السائب سالم بن جنادة قال: حدثنا وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها كانت تنشد بيت لبيد:

ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ في أَكْنَافِهِمْ
وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الْأَجْرَبِ

ثم تقول: رحم الله لبيدًا! فكيف لو أدرك من نحنُ بين ظَهرانَيْهِم! قال عروة: رحم الله عَائِشَة! فكيف بها لو أَدْرَكَتْ مَنْ نَحنُ بين ظهرانيهم! قال هشام: رحم الله أبي! فكيف لو أدرك من نحن بين ظهرانيهم! وقال وكيع: رحم الله هشامًا! فكيف لو أدرك من نحن بين ظهرانيهم! قال أبو السائب: رحم الله وكيعًا! فكيف لو أدرك من نحن بين ظهرانيهم! قال أبو جعفر: رحم الله أبا السائب! فكيف لو أدرك من نحن بين ظهرانيهم! قال أبو الفرج الأصبهاني: ونحن نقول: الله المُستعان! فالقصة أعظم من أن توصف.

قال صاحبي: وكذلك تمضي الأجيال لا يستقبل بعضها الحياةَ إلا أَحَبَّ المَاضي وآثَرَهُ، وكَرِه الحاضِرَ وضَاقَ به، فَرَحِمَ اللهُ هؤلاء الناسِ جَميعًا! فليتَ شِعْرِي! ماذا كانوا يقُولونَ لو عاشوا في هذه الأيام، ورأوا ما نحن فيه من خير قليل، وشر كثير؟ أكانوا ينشدون قول لبيد:

ذهَبَ الذِينَ يُعاشُ في أَكْنَافِهِمْ
وبقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الْأَجْرَبِ

أم كانوا يستقلون هذا البيت، ويرون أنه لا يفي بوصف ما يجدون من الضيق كما رأى أبو الفرج؟

قلتُ: أمَّا أنا يا سيدي، فراضٍ على الجيل الذي أعيش فيه، ولعلِّي لو خُيِّرت أنْ أعيش في الأجيال التي كان يعيش فيها هؤلاء الناس الصالحون، لآثرت عصري، وجيلي، وبيئتي، ولقنعت بحظي من ذلك، ولأنشدت قول لبيد:

فَاقْنَعْ بما قَسَمَ المَلِيكُ فإِنَّما
قسَم الْخَلائِقَ بَيننا عَلَّامُها
١  نُشرت بجريدة الجهاد في ٢٠ فبراير سنة ١٩٣٥.
٢  الأغاني جزء ١٤ صفحة ٩٧ و٩٨.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠