الفصل الخامس

ساعة مع طرفة١

قال صاحبي: أما اليوم يا سيدي فلن يكون أمرك يسيرًا ولا مُمهدًا؛ فقد اخترت «طرفة» موضوعًا للحديث الذي أردت أن يكون بينك وبيني، والذي أذنت في أن أقترح موضوعه عليك من حينٍ إلى حين، وقد اخترت مطولته التي يُسَمُّونها المُعلقة، وأكادُ أعترف بأني لا أعرف له شعرًا آخر؛ فقد أقرأ له البيت أو البيتين في هذه القصة أو تلك، وقد سمعتُك وقتًا ما تتحدث بأنَّ له ديوانًا مَطبوعًا، ولكن يدي لم تصل إلى هذا الدِّيوان؛ فأنا أجهل صاحبك جهلًا تامًّا.

وقد حاولتُ أنْ أَعْرِفَهُ من قصيدته المُطَوَّلة هذه فلم أجد من نفسي صبرًا عليها، ولم أستطع أن أقرأ منها إلا الأبيات الأولى التي يَبْكِي فيها الديار، وينسب فيها بصاحبته في غير سهولة ولا براءة من التكلف؛ فلما بلغتُ وصف الناقة عجزت عن التقدم، وأعلنتُ الإفْلَاسَ وطويتُ الكِتَاب؛ فهلم يا سيدي أنبئني عن هذه القصيدة، وحَدِّثني بمظاهر الفن الرائع والشعر البارع فيها، وما أرى أنك ستفعل؛ فليس الشعراء القُدماء كلهم لبيدًا؛ وليست تستقيم لهم جميعًا هذه الخلال التي استقامت للبيد.

ولولا أني كنت أوثر النفع، ولا أريد أن أشق عليك، ولا أنْ ألزمك الحجة مُنْذُ ابتدأنا الحديثَ، لما رضيتُ مِنْكَ لبيدًا موضوعًا لأوَّل الحوار، ولاقترحتُ عليكَ طَرفة أو أشباه طَرفة من أصحاب المُطولات، ولكني لا أكره أن أنهزم لك لأطمعك في الفوز الآن، وقد استمتعت بالفوز أسابيع، لا تكره أن تلقى الجد كما ينبغي أن تلقاه، وأن تعترف بالحق كما يفرض نفسه عليك، وأن تؤمن لي بأنَّ هَذَا الكَلام الذي يقوله طرفة كلام ليس منا ولسنا منه في شيء، لا نفع في قراءته، ولا قُدْرَة لنا على قراءته، ولا أَثَر له في تثقيف عقل، أو تهذيب طبع، أو تقويم إنْسَانٍ، وإنما هو كلام ماتَ، والخيرُ في أن يموت.

أم تراك ستحاور وتداور وتقسم الشعرة إلى نصفين لتثبت لنا أنَّ في شعر «طرفتك» هذا بقية من حياة، وقُدْرَةٌ على النَّفع، وغناء في التثقيف والتهذيب والتقويم.

قلتُ ضَاحِكًا: وهلْ عرفت مني إلا المُحاورة والمُداورة، وتقسيم الشعرة إلى نصفين أو إلى أثلاث أو إلى أرباع، والجد في إثبات ما ألف الناس أن ليس إلى إثباته سبيل، ونفي ما استيقن الناس أن ليس إلى نفيه سبيل! وقد يُقال: إني رجل شاذ في التفكير، شاذ في الحديث، شاذ في الفهم والحكم؛ فَلِمَ تُرِيدُ أنْ تُحَوِّلني عن هذا الشذوذ وأنْ تَجْعَلني رَجُلًا مِثْلك، مُستقيم المَنْطق، مُعتدل المِزَاج، أقر ما يقره الناس، وأُنكر ما ينكرون، أعلم ما يعلمه الناس، وأجهل ما يجهلون؟

على أني أظن أنك إنما تكلف بالتحدث إليَّ، والاستماع لي بهذا الشذوذ نفسه؛ فأنت ترى عندي ما لا تراه عند غيري، فتسليك هذه الغَرَابة، وتُلْهِيك وتريحك من هذه الحياة المطردة التي لا نبو فيها ولا اختلاف، قال وهو يظهر الدهش: فأنتَ إذن تُريد أنْ تشذَّ، وأَنْتَ إِذنْ تَزْعُم أو تَتَكَلَّفُ أن لقصيدة «طرفة» هذه نفعًا وغناء، وأنَّ فيها شعرًا وجمالًا.

قلت: نعم، أريد أن أشذ ما دام الناس يَرَوْنني شاذًّا، وإن كنت أنا أرى الشذوذ فيك وفي أصحابك؛ فأنا أحب قصيدة طرفة حبًّا شديدًا، وأكبرها إكبارًا لا حد له، وقد أعجب ببعض أجزائها إعجابًا لم أمنحه قصيدة لبيد، وأنا لا أرى في هذا إغرابًا ولا شذوذًا، ولا مَيْلًا إلى الإغْرَابِ والشُّذوذ، وإنما أذهب في هذا مذهب الذين لهم بالشِّعر علم من القدماء، وأزْعُمُ أنَّ المُحْدَثين سيذهبون هذا المذهب يوم يكون لهم بالشعر علم.

وما أشك في أن بين المحدثين المعاصرين من يحب طرفة كما أحبه، ويمنحه مثل ما أمنحه، أو أكثر مما أمنحه من الاعجاب، وأي شيء أيسر من أن تجهل شعر طرفة، أو تعجز عن فهمه، أو تكسل عن محاولة فهمه، فتنكره وترفضه، وتقضي على الذين يفهمونه بالإغراب والشذوذ! وإذا كنت تعترف بأنك لم تقرأ من هذه القصيدة إلا الأبيات الأولى، وبأنك لم تكد تنتهي إلى وصف الناقة حتى عجزتَ، وأَقْرَرْتَ بالعَجْزِ، وأَعْرَضْتَ عن القصيدة، وطويت الكتاب، فهل ترى من العَدْلِ الذي تطمئنُ إليه نفسك، ويرضى به ضميرك، أن تقضي بأنها لغو، وعلى من يحب القصيدة بأنه شاذ؟

ومع ذلك، فما أظن إلا أننا سنتفق على حُبِّ طرفة، والإعجاب بمُطَوَّلته هذه في غير مشقة ولا جهد، بعد أن ننظر فيها معًا نظرة صدق وإخلاص للحق والفن جميعًا.

والخير في أن تقرأ القصيدة من أوَّلها إلى آخِرِها دُونَ أنْ تتكلف فهمًا، أو تُحاول تَعَمُّقًا واستِقْصَاءً، وأنْ تنبئني إذا فرغت من هذه القراءة بما تتركه في نفسك من الأثر، قال: وأي أثر تُريد أنْ تَتْرُكه في نفسي، وقد أنبأتك بأني أخذت في القراءة فلم أستطع أن أمضي في وصف الناقة؟

قلت: فاقرأها، لعلك تستطيع أن تمضي في وصف الناقة، ولعلك تستطيع أن تجد فيه شيئًا، ولعلك تستطيع بنوعٍ خاص أنْ تجد بعده شيئًا، قال: فإني مطمئن إليك، وأنا أعلم أنك قرأتها، فحدثني عنها، وأَبِنْ لي عن رأيك فيها، ولكَ عَليَّ أنْ أَقْرَأها بعد ذلك.

قُلتُ: كلا يا سَيِّدي! إنِّي لا أُريد أن أُلقي عليك درسًا، وإنما أريد أن أصل بينك وبيني حوارًا، فإمَّا أن تقرأ هذه القصيدة، وإمَّا أنْ يَنْقَطِع الحوار، قال: إنَّ إلحاحك هذا، واستبدادك بي، ليدلان على شيء منَ الضَّعف لا أكرهه، فأَمْهِلْني إذنْ لحظة لأقرأ القصيدة، وإن كنت أكره القِرَاءة في غير فهم، ولا سبيل إلى الفهم. قلتُ: لك من الوقت ما تشاء.

ثم انصرفت عنه إلى بعض الأمر، وتركته خاليًا إلى هذه القصيدة ساعة أو بعض ساعة، ثم عُدْتُ إليه، فإذا هو في مكانه لم يتحول، وإذا هو ما زال ينظر في القَصِيدة، ويُطيل النظر فيها، وإذا هو قد نهض من مكانه فأخذ قاموس «الفيروزابادي» من موضعه بين الكُتب، ثم عاد إلى حيث كان، وأخذ يلتمس في هذا المعجم بعض الألفاظ التي شَقَّت عليه، فلما رآني مُقبلًا قال في شيءٍ من الحياء والغيظ: هَلَّا وَضَعْتَ بين يدي شرحًا من شروح المُعلقات لتغنيني عن البحث والتفتيش في هذا المعجم الضخم العسير، قلت: فإنِّي يا سيدي لم أطلب إليك أن تفهم، وإنما طلبت إليك أن تقرأ. فما حاجتك إلى المعجم؟ وما حاجتك إلى الشرح؟ قال مُغضبًا: فإذا كانت هذه القراءة التي طلبتها إليَّ تُثير حاجتي إلى الفهم، وتَدْفَعُني إليه دفعًا؟ قلت وقد أغرقت في الضحك، وأغرق هو في الاستحياء: وإذن فما بال قراءتك الأولى لم تُثر حاجتك إلى الفهم؟ ولم تدفعك دفعًا إلى البحث والاستقراء؟ لم تكد ترى الناقة حتى أعرضت عن القصيدة كلها إعراضًا، فما بالُ النَّاقة لا تخيفك اليوم؟ قال: إنها ناقة بغيضة قد حجبت عني، وما زالت تحجب عني، صورًا ومعاني أظن أنها من أروع الصور والمعاني، ولو استطعت، لعقرت هذه الناقة عقرًا، أو لنحرتها نحرًا، أو لمحوتها محوًا؛ لأنفذ إلى هذه المعاني الرائعة.

ولكني أخشى أن أُهمل وصف الناقة هذا فأُهمل شعرًا كثيرًا، فقد كنتُ أكره وصف الناقة في قصيدة لبيد، فلمَّا دَرسناه مَعًا، تَبَيَّنْتُ أنَّ فيه جمالًا وفنًّا ما أزال أذْكُرُهما.

قُلتُ: لا بأس عليك! فليستْ نَاقَةُ طَرفة كنَاقَةِ لَبيد، وما أظنُّ أنَّ بِعَقْرها أو نحرها عليك أو على طرفة بأسًا، وقد كان طرفة نفسه مُسرفًا في إبله، وفي إبل أبيه عقرًا ونحرًا، فهو كان يهين الإبل لإكرام الضيف، كما كان يهينها للهو، وكما كان يُهينها للميسر أيضًا، فأهن ناقته هذه ولا تحفل بها، ولا تُطِل الوقوف عندها، فما أظنُّ أنَّ الوقوف عندها سينفعك أو يجدي عليك.

قال وهو في شيءٍ يُشبه الحيرة: أَوَلَسْتَ تَزْعُم أنَّ طَرفة شَاعِرٌ مُجِيدٌ؟ قلتُ: بلى. قال: فكيفَ يَسْتَقِيمُ الشاعر المُجيد أنْ يَكُون في قصيدته جزء من الأجزاء يُمكن إهماله والإعراض عنه دُونَ أَنْ تَفْسد له القصيدة كلها؟ قلتُ في شيءٍ من الأسف، بل من الحزن العميق: لسنا يا سيدي بإزاء قصيدة لطرفة، وإنما نحن في أكبر الظن، بإزاء بقايا قصيدة لطرفة، وليست هذه الناقة التي تقوم بينك وبين المعاني الرائعة والصور الجميلة ناقة طرفة في أكبر الظن، وإنما هي ناقة قد دُسَّت عليه دسًّا، وزُجَّت في حَظيرته زجًّا، ليست منه وليس منها في شيء، ألم تبلغ وسط القصيدة وآخرها؟ قال: بَلى. قلتُ: فكيف تستطيع أن تفهم هذا الاختلاف العَظيم بين هذا الجزء الذي وصفت فيه الناقة، وبين ما بعده وما قبله منَ الأَجْزَاء؟ ألست ترى في وصف الناقة إغرابًا وتَكَلُّفًا للألفاظ التي يَقِلُّ اسْتِعْمَالُها، ويَنْدُر أنْ تنطق الألسنة بها إلا عند الإخصائيين؟ ثم ألست تَرَى أنَّ هَذِه الألفاظ الغَريبة النَّادرة تَقِلُّ وتكادُ ألا تُوجد في سائر القَصِيدة؟ وأنَّ لُغَةَ الشَّاعِر تسهل وتلين دونَ أنْ تفقد جزالتها ومتانتها إذا تجاوز الناقة إلى غيرها من المعاني والأشياء؟ قال: بلى. قُلتُ: أَلَا تَظُنُّ أَنَّ هذا دليلٌ واضح على أن وصف النَّاقة على هذا النَّحو قد أُقحم في قصيدة الشاعر إقحامًا؟

قال: لا أدري. قُلتُ: فإنَّ للشَّاعر قصيدة أخرى رَائِيَّة طويلة، رُويت في دِيوانِهِ، وقد عَرَضَ فيها للنَّاقَة فلم يكَدْ يُطيل، وإنَّما أوجز في وصفها كل الإيجاز، وشغل عنها بما أهمه من الغزل والفخر، وأَكبر ظني يا سيدي، أنَّه لم يحفل بالناقة في داليته هذه، ولم يقل فيها إلا البيتين أو الأبيات القصار، أو أنه حفل بهذه النَّاقَة، ولكنَّ وَصْفَهُ لها قد ضاع، فطوَّل الرواة حيث أوجز الشاعر، أو عوض الرواة ما ضاع من قصيدة الشاعر. وأي رواة؟ الرواة المُتَأَخِّرُون، الذين كانوا يتخذون العِلْمَ والتَّعليم صِنَاعَة، ويحرصون على أن يعلموا الشباب أوصاف الإبل، وأوصاف الخيل، وأوصاف السحاب، وأوصاف السلاح وما يُشبه ذلك.

فلم أقرأ هذه القصيدة يومًا من الأيام — وما أكثر ما قرأتها — إلا كانَ هذا الشُّعور في نَفْسي قويًّا، وازدادت ثِقَتِي بأنَّ هذا الجُزء من أجزاء القصيدة مَصنوع، قد قُصِدَ بِهِ إلى تَعليم الشباب طائفة من أوصاف الإبِل أُحصيت فيه إحصاء.

ومن آية ذلك، أنَّك تستطيعُ أَنْ تَنْظُر إلى وصف لبيد وغيره من الشعراء للنوق، فسترى في هذا الوصف حركة واطِّرادًا وحياة قوية، وسترى أنَّ الشعراء يتبعون الإبل أو يُسايرُونها، أو يُشَبِّهُونها بحيوانٍ كالنَّعَامَة أو البقرة أو حمار الوحش، ثم يتبعون هذا الحيوان في حَرَكته واضطرابه، وهم يتخذون هذا وسيلة إلى استحضَارِ الصور الطبيعية المُختلفة، وعرضها عليك؛ فأمَّا هَذَا الجُزء من قصيدة طرفة؛ فليس له حظ من حركة ولا حياة، وإنَّما استَحضَر الشَّاعِرُ أو النَّاظِمُ ناقة من النُّوق، فوقفها أمامه، وأخذ يحدق فيها تحديقًا، ثم يُصورها تصويرًا دقيقًا؛ فهو معني بالناقة من حيث هي ناقة، يكادُ ينسى أنَّها أَداة للسَّفَر، وتجشم أهوال الصحراء؛ فهو إلى أن يكون أستاذًا يُسمي لك أجزاء الناقة، ويعلمك ما يحمل على هذه الأجزاء من الصفات، وما يُسْتَجَادُ لها من الخِصَال، أقرب منه إلى أن يكون شاعرًا يستوحي حياة نفسه، كما يفعل غيره من الشعراء.

قال صاحبي — ولم أستطع أنْ أُطِيلَ حواره فيما قال، ومن يدري! لعله مُوَفَّقٌ فيه إلى الصواب: فإني لا أرى رأيك في هذا ولا أقرك على أنَّ إعراض الشاعر هنا عن الحركة القوية، والحياة المُضطربة، ووقوفه عند أجزاء الناقة يُحَقِّقها ويُصَوِّرها ويَصِفُها، دليلٌ عَلَى أنَّ هذا الشعر مصنوع؛ فليس ضروريًّا أن يكون الشاعر مُتحركًا دَائمًا، وليسَ ضروريًّا ألا يتعرض الشاعر إلا للحركة والحياة والنشاط.

والشاعرُ يَسْتَطِيعُ أنْ يُصَوِّر نَاقته قَائِمَة مستقرة، كما يستطيع أن يصورها مُتحركة نشيطة، وهو في هذا كله قادِرٌ على أنْ يُحْسِنَ التصوير ويأتي بالشعر، ومع أَنِّي لم أَفْهَم بعدُ كل ما قاله طرفة، أو حمل عليه في وصف النَّاقة؛ فقد يُخَيَّلُ إليَّ أنَّه لم يُقيد ناقته، ولم يعْقلها، وإنما هو تركها حرة تذهب وتجيء وأخذ يَصِفها في أثناء ذلك، ولعله امتطاها ومَضَى بها في الصَّحراء، ثُمَّ أَخَذَ يصفها خلال ذلك، وأكبرُ الظَّنِّ، أَنَّهُ شُغِل بها عن النَّعام والبقر وحُمُر الوحش.

وأَعُود فأَقولُ: إني لم أَفْهم هذا الجزء من القصيدة بعد على وجهه، فَلَا أَسْتَطيع أنْ أَقْطَع فيه برَأْي، قلتُ: فمن أَيْسَر الأَشْيَاء أنْ نَقِفَ عِنْدَ هذا الجُزء، وأنْ ننظر في أبياته بيتًا بيتًا، لنتبين مِنْ أَمْرِهِ ما نَستطيع أن نتبين.

قال: كلا يا سيدي! فإني لستُ في حَاجَةٍ إِلى هَذا العَنَاءِ، وَقَدْ زَعمت أنَّك لا تُريد أن تُلقي عليَّ درسًا في اللغة أو في غير اللغة، وإنما تريد أنْ تَصِلَ بينك وبيني حوارًا، فأعفني من هذا الجُزء، وليَكُن مَصنوعًا كما ترى، أو صحيحًا كما أظن؛ فإنَّ وجه الأرض لن يتغير إنْ صَحَّ رأيك أو صدق ظني، وأسرع بنا إلى القسم المفهوم من هذه القصيدة؛ فإني أرى فيه جمالًا قلَّ أنْ يُشْبِهَهُ جَمال.

قُلتُ: والغريبُ أننا نستطيع أنْ نَأْخُذَ في هذا القسم المَفهوم من القصيدة، كما تقولُ، دونَ أَنْ نشعر بأننا فَقَدْنا شيئًا، ودونَ أَنْ نحس هذا النقص الذي نحسه كُلما عرضنا لدرس البقايا المَنْقُوصَة، والآثارِ التي ألح عليها الزَّمن، وحفظ منها ما حفظ، وأضاع منها ما أضاع.

ألا ترى أنَّ أوَّل ما يَلْقَانا من هذا القِسْم إنَّما هو حديثُ الشَّاعِرِ عن نفسه في إيجاز وإجمال، وفي أبيات قليلة جامعة، كأنه يُريد أن يُعَرِّف نفسه لنا أو يُقدمها إلينا، كما يقولُ المُحْدَثون، فكأنَّنَا نَلْقَاه لأوَّلِ مَرَّةٍ، وَكَأَنَّنا نُحِبُّ أنْ نَعْرِف من أمره ما نجهل، وكأنه يُصور لنا نفسه تصويرًا يسيرًا، قبل أن يأخذ معنا في الحديث المُفصل الطويل.

ألا تَرى إلى هذه الأَبْيَات القَليلة؟ كيفَ تقف الشاعر أمامك؟ وتُمثله تمثيلًا صادقًا فتحببه إليك، وتعطفك عليه، وتدعوك إلى أن تُطيل سؤاله، وتستمتع بالاستماع له:

إذا القوْمُ قالُوا مَنْ فتًى خِلْتُ أَنَّني
عُنِيتُ فلَمْ أَكْسَلْ وَلم أَتَبَلَّدِ
وَلَسْتُ بِحَلَّالِ التِّلَاعِ مَخَافةً
وَلكِنْ مَتَى يَسْترْفِدِ القَوْمَ أَرْفِدِ
وإن تبْغِني في حَلْقَةِ القومِ تَلقَني
وإنْ تَلْتَمِسْني في الحوَانيتِ تَصْطَدِ
متى تَأْتِني أَصْبَحْكَ كأسًا رَوِيَّةً
وَإِنْ كُنْتَ عَنْهَا ذا غِنًى فاغْنَ وازْدَدِ
وإِنْ يَلْتَقِ الحيُّ الجميعُ تلاقِني
إلى ذِرْوَةِ البَيْتِ الشرِيفِ المُصَمَّدِ

فانظر إليه وهو يتقدَّمُ إليكَ ظريفًا، لبقًا رَشِيقًا، خَفِيف الروح، حازمًا مع ذلك كل الحَزْمِ، واثقًا بِنَفْسِه أَشَدَّ الثِّقَةِ، رَاضِيًا عَنْهَا كُلَّ الرِّضا، شاعرًا بواجبه الاجتماعي أوضح الشعور وأقواه، يُؤمِنُ بِأَنَّه قد خُلِق لِقَومِهِ قبل أن يُخلق لنفسه؛ فهو يجيبهم إذا دعوه، بل هو يُجيبهم إذا دعوا وإنْ لم يُوجهوا الدَّعوة إليه، كأنهم لا يستطيعون أو لا ينبغي أن يدعوا غيره، وكأنه هو الفتى كل الفتى، هو الفتى الذي يختصر شبابَ قومه اختصارًا، ويُمثلهم تمثيلًا، ويحتمل عنهم أثقال القبيلة كلها.

وهو يستجيب لدعوة الداعي، سواء أوجهت إليه أم إلى غيره، مُسرعًا لا كسلًا ولا مُتبلدًا، وكيف يكسل أو يتبلد وهو الفتى الذي ملأ نفسه إعجابًا بنفسه، وملأ نفوس قَوْمِهِ إِعْجَابًا به، واعْتِمَادًا عليه! فأوَّل صفاته إذن هذا الشباب الذي يدفعه إلى أن يتمثل الوَاجبَ الوطني أقوى التمثل، ويُسرع إلى الإجابة إليه.

ثم هو بعد ذلك لا يكتفي بالمُخاطرة والمُغامرة في سبيل هذا الواجب، ولكنَّه كريمٌ أيام السلم لا يَسْتَتِر ولا يَتَوارَى ولا يهرب بماله من السائلين واللاجئين، ولا يهرب بقوته من المُستغيثين والمُستجيرين، هو لا ينزل الأمَاكن الخَفية التي لا ترى فيها المنازل، ولا يقصد إليها المُحتاجون، وإنما ينزل الأماكن الظاهرة، فيعطي إذا سُئل، كما يجيب إذا دُعي.

وإذا اطمأن الرَّجُلُ إلى أنه يشعر بواجبه أصدق الشعور، ويُؤَدِّيه أحسن الأداء، ويُعطي قومه وغير قومه من نفسه وماله في غير تحفظ ولا بُخل ولا إشفاق، فمن حقه ألا يَبْخَل على نفسه بالخَيْرِ، وأَلَّا يَحُول بينها وبين نعيم الحياة.

وصاحبنا لا يَحْرِمُ نفسه كما أنه لا يحرم الناس، هو لا يستتر منك، ولا من غيرك، وهو يدلك على الأماكن التي تستطيع أن تجده فيها إنْ احتجت إليه، فأمَّا في ساعة الجد، فتستطيع أن تلتمسه في حلقة قومه هناك حيثُ يجتمعون في ناديهم، يتحدثون ويتشاورون إنْ عَرَضَ لَهُم من الأمر ما يدعو إلى التشاور؛ فهو يُشارك قومه في جدهم كله، وإنْ كان شابًّا؛ لأنَّ له من الرُّشد والحلم وحُسن البلاء ما يمكنه من ذلك، ويفرضه على قومه فرضًا.

وأما في غير ساعات الجد؛ فأنت تستيطع أن تلتمسه هناك، حيث يلتمس أترابه من الشبان المُترفين الذين لا يَضِنُّون بأنفسهم ولا بأموالهم حين يحتاج إليها، ولا يقعدون عن اللذات حين تتاح لهم أوقات الفراغ. تستطيع أن تلتمسه في الحانات عند هؤلاء الخمَّارين الذين يحملون خمرهم المُعَتَّقة من الحضر، فيمتعون بها شباب البادية، ويُحَبِّبون بها إليهم لهو الحياة، ولن يضيع سعيك إذا سعيت إليه تلتمسه في حانة من هذه الحانات؛ فهو لن يلقاك بخيلًا ولا شحيحًا ولا كزًّا، ولكنه سيشركك في لهوه، وسيسقيك حتى تُرْوَى، وهو لَنْ يُكْرِهَك على ذلك فأنْتَ وما شئت، إنْ كان بك ظَمَأٌ نقعت غُلَّتك، وإن كنت غنيًّا فليزدك الله غنى، ولا بأس عليك.

فإذا أردت أن تسأل عنه دون أن تلقاه؛ فأنت تستطيع أن تسأل من شئت، فستعلم أنه ليس من أوساط قومه ولا من أقلهم خطرًا، وإنما هو الشريف الكريم من أشرف البيوتات وأكرمها، وهو منها في أرفع مكانة وأرقاها.

أعرفت الآن هذا الشاعر في نفسه، وفي قومه، وفي أسرته الأدنين، في جده، وفي لهوه، في عمله وفي فراغه، وإذن فلا بأس عليك من أن تُمعن في مَعْرِفته إمْعَانًا، ومِنْ أَنْ ترى مجالسه حين يلهو وينفق أوقات الفراغ. وهو يجد شيئًا من اللذة في التحدث إليك بهذا، لا يتكلف ولا يتحفظ، ولكنه لا يسف ولا يتبذل.

نَدَامايَ بِيضٌ كالنُّجُومِ وَقَيْنَةٌ
تَرُوحُ علَيْنا بين بُرْدٍ ومُجْسَدِ
رَحِيبٌ قِطابُ الجيْب مِنَها رَفِيقَةٌ
بِجَسِّ النَّدَامَى بَضةُ المتَجَرِّدِ
إذا نحنُ قُلنا أَسْمِعِينا انْبَرَت لنا
عَلَى رِسْلِها مَطْرُوقةً لم تَشَدَّدِ
إذا رَجَّعتْ في صوْتها خِلْتَ صَوْتَهَا
تَجَاوبَ أَظآرٍ على رُبَعٍ رَدِي

فأنت لا تجده في الحوانيت مُتبذلًا، يُنادم الصعاليك وأخْلاط النَّاس، وإنما تجده فيها كريمًا ممتازًا، ينادم قومًا كرامًا ممتازين أحرارًا مثله، بيضًا كأنهم النجوم، وهم لا يحبون هذا الشراب الجاف الخشن — إن صح هذا التعبير — وإنما هم أصحاب لهو مترف له حظ من الفن، فهم يشْرَبُون ويسمعون ويستمتعون أيضًا، لهم قينة جميلة حسنة الصوت، قد مُلئ صوتُها رقة وحنانًا وحنينًا أيضًا، وهي بضة رخصة، وهي مُتبذلة لهم لا تحتجب عنهم، ولا تبخل عليهم بما يحبون من دعابة وتجميش، هي أشبه شيء بهذه الفتاة التي تصورها الأغنية الفرنسية، التي كان يتغنى بها الجند أيام الحرب والتي يسمونها «مدلون» وفي تصوير هذه القينة بهذه الحرية، وهذه السذاجة، ومن غير تكلف ولا غلو في الاحتياط، جمال بدوي رائع حقًّا، وإياك أن تظن أن صاحبنا على شبابه وفراغه يلهو عبثًا، أو ينفق وقته في الشراب والاستمتاع بالنساء استجابة لحسه، وطاعة لهذا الميل الفطري إلى اللذة، فإنَّك إنْ ظَنَنْتَ به هذا أخطأت فهمه وأسأت إليه؛ فهو ليس صاحب لذة غليظة تصدر عن الحس لترضي الحس، وإنما هو صاحب لذة رقيقة تصدر عن تفكير، وعن فلسفة وعن اختبار للحياة، وعن حكم دقيق على حوادثها وخطوبها ونتائجها، وقد ظنَّ به قَوْمُه مثل هذا الظن؛ فأنكروا عليه إسرافه في اللهو، وإتلافه الطارف والتليد، فاجتنبوه وقاطعوه وتحاموه، ولكنه لم يحفل بذلك؛ لأن قومه لم يفهموه، فاحذر أن تكون كقومه عاجزًا عن فهمه، مُقصرًا في إدراك فلسفته، فهي فلسفة يسيرة سهلة خليقة أن تُفْهَم، وهي فلسفة خالدة تجدها في كثير من البيئات البادية التي لم ينفذ إليها الدين، أو الحاضرة التي لم يؤثر فيها الدين:

وما زالَ تَشْرابِي الخمور ولَذَّتي
وبَيْعِي وإنْفاقي طَرِيفي ومُتْلَدِي
إلى أَنْ تحامتْني العَشِيرةُ كلُّها
وأُفرِدتُ إفْرَادَ البَعِيرِ الْمُعبَّدِ

على أنَّ قومه إنْ عَجَزوا عن فهمه فأنكروه، فهناك قوم آخرون لم يُحاولوا فهمه، ولكنهم لم ينكروه على كل حال، وهم الفقراء المُحتاجون إلى عونه وإعانته، والأَشْراف المُكْبِرونَ لِسُؤدُدِهِ ومَكانته، أولئك يفزعون إليه، وهؤلاء يعتزون به، وهو مع ذلك حريصٌ على أنْ يعرض فلسفته، ويُجَادِلُك فيها، ويذود عنها، ويُقنعك بها إقناعًا. فاسمع له كيف يقول:

أَلا أَيُّهذا الزَّاجِرِي أَحْضرَ الوَغى
وأَن أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنتَ مخْلِدِي
فإِن كُنتَ لا تَسْتطِيع دَفْع منِيَّتي
فَدَعْني أُبادِرْها بِما مَلكتْ يَدِي

فالَّذين يَلُومونه حين يُخاطر ويُغامر، ويُسرع إلى الحرب أداء للواجب وذَودًا عَنْ قَوْمِهِ، يُخْطِئُونَ لِأَنَّهم لا يَسْتَطِيعونَ أنْ يضمنوا الخلود إذا أعرض عن الحرب، فالموتُ سَاعٍ إليه إذا هو لم يسعَ إلى الموت، والذين يلومونه على شهود اللذات، والأخذ بحظه من نعيم الدنيا ولهو الحياة، مُخطئون لأنَّهم لا يستطيعون أن يضمنوا له حياة خالدة إذا أعرض عن اللذات، وما قيمة هذه الحَياة الطويلة الخَشِنَة الجافة التي لا لذة فيها ولا نعيم؟ وهل يحرص النَّاس على الحياة إلا لما فيها من لذة؟ وإذا لم يَكُن بُدٌّ مِنَ الموت، وإذا لم يكُن وراء الموت شيء، وإذا كان الموتُ مُلِمًّا بالفقير والغني، بالجواد والبخيل، وبالشجاع والجبان، أفليس الخير أنْ يأخذ المرء في هذه الحياة بلذات النفس والجسم جميعًا، فيُرضي نفسه بأداء الواجب، والارتفاع عن الدنيات، ويُرضي جسمه بالأخذ بأعظم نصيبٍ مُمْكِنٍ مِمَّا يُتاح له من اللذة والمَتَاع؟

لعَمْرُك إنَّ الموْتَ مَا أَخْطَأَ الفَتَى
لكَالطِّوَلِ المُرْخَى وثِنْيَاهُ بِالْيَدِ
مَتَى مَا يَشَأ يَومًا يَقُدْهُ لِحَتْفِهِ
وَمَنْ يَكُ في حَبْلِ المَنِيَّةِ يَنْقَدِ

قال صاحبي: أَمَّا أنا فمفتُونٌ بِهَذَينِ البَيْتَيْنِ إلى غير حدٍّ، هذا التشبيه البدوي الصادق الصارم الذي لا يدع سبيلًا إلى الأمل، ولا يشق عليك باليأس المُظلم القاتِم، وإنما هو مُوئس في شيء مِنَ الدعة والحلاوة والإذعان المُطمئن المحبب إلى النفوس.

هذا التشبيه القريب الذي يفهمه كل إنسان دون أن يتكلف في فهمه جهدًا، أو يَحتاج إلى التَّفكير شاق، هذا التَّشْبِيه الذي لا تكاد تسمعه وتفهمه، حتى ترى نفسك في البادية مع الشاعر تسمع له، وتفهم عنه، وتنظر إليه، وتهم أن تسير سيرته، لولا أنَّ لَكَ دِينًا يُنبئك بأنَّ لِلْحَياة غَاية أُخرى غير اللذة، وبأنَّ الموت ليس هو الأمد الذي ينتهي إليه الأحياء، هذا التشبيه الرَّائع من جميع جِهَاتِهِ يفتنني ويخلبني، ويُحَبِّبُ إليَّ الشاعر ويَحْمِلُني على أنْ أطلب إليك أن نطيل عنه الحديث. قلتُ: لا بأس، ولكن ليكن هذا في الأسبوع المُقبل.

١  نُشرت بجريدة الجهاد في ٢٧ فبراير سنة ١٩٣٥.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠